النص المفهرس

صفحات 581-600

٢
ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
كانَ يحبُّ الدنيا أيضاً - فهوَ أبعدُ عنْ هذا الخطرِ .
وحبُّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ ، وهوَ الداءُ العضالُ ، وقدْ عمَّ أصنافَ
الخلقِ ، وذلكَ كلُّهُ لقلَّةِ المعرفةِ باللهِ تعالى، إذْ لا يحبُّهُ إلا مَنْ عرفَهُ ،
ولهذا قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمٌ وَعَشِيرَتَُّ
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ
مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ... ) الآيةَ.
فإذاً؛ مَنْ فارقَتْهُ روحُهُ في حالةِ خَطْرةِ الإنكارِ على اللهِ تعالىُ ببالِهِ ،
وظهورِ بغضٍ فعلِ اللهِ تعالىُ بقلِهِ في تفريقِهِ بينَهُ وبینَ أهلِهِ ومالِهِ وسائرٍ
محابِّهِ .. فيكونُ موتُهُ قدوماً على ما أبغضَهُ، وفراقاً لما أحبَّهُ ، فيقدمُ
على اللهِ تعالى قدومَ العبدِ المبغضِ الآبقِ إذا قُدِمَ بهِ على مولاهُ قهراً ، فلا
يخفى ما يستحقُّهُ مِنَ الخزي والنَّكالِ .
وأمَّا الذي يُتوقَّى على الحبِّ .. فإنَّهُ يقدمُ على اللهِ تعالى قدومَ العبدِ
المحسنِ المشتاقِ إلى مولاهُ ، الذي تحمَّلَ مشاقَّ الأعمالِ ووعثاءَ الأسفارِ
طمعاً في لقائِهِ ، فلا يخفى ما يلقاهُ مِنَ الفرحِ والسرورِ بمجرَّدِ القدومِ ،
فضلاً عمّا يستحقُّهُ مِنْ لطائفِ الإكرامِ وبدائعِ الإنعامِ .
وأمَّا الخاتمةُ الثانيةُ التي هيَ دونَ الأولىُ ، وليسَتْ مقتضيةً للخلودِ في
النارِ . . فلها أيضاً سببانِ :
أحدُهُما : كثرةُ المعاصي وإنْ قويَ الإيمانُ .
٥٨١

کتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
حن
والآخرُ : ضعفُ الإيمانِ وإِنْ قلَّتِ المعاصي .
وذلكَ لأنَّ مقارفةَ المعاصي سببُها غلبةُ الشهواتِ ورسوخُها في القلبِ
بكثرةِ الإلفِ والعادةِ ، وجميعُ ما ألفَهُ الإنسانُ في عمرِهِ يعودُ ذكرُهُ إلى قلبِهِ
عندَ موتِهِ ، فإنْ كانَ ميلُهُ الأكثرُ إلى الطاعاتِ .. كانَ أكثرُ ما يحضرُهُ ذکرَ
طاعةِ اللهِ ، وإنْ كانَ ميلُهُ الأكثرُ إلى المعاصي .. غلبَ ذكرُها على قلبهِ عندَ
الموتِ ، فربما تُقْبضُ روحُهُ عندَ غلبةِ شهوةٍ مِنْ شهواتِ الدنيا ، ومعصيةٍ مِنَ
المعاصي ، فيتقيّدُ بها قلبُهُ، ويصيرُ محجوباً عنِ اللهِ تعالى، فالذي
لا يقارفُ الذنبَ إلا الفينة بعدَ الفينةِ .. فهوَ أبعدُ عنْ هذا الخطرِ ، والذي لمْ
يقارفْ ذنباً أصلاً .. فهوَ بعيدٌ جداً عن هذا الخطرِ ، والذي غلبَتْ عليهِ
المعاصي ، وكانَتْ أكثرَ مِنْ طاعاتِهِ ، وقلبُهُ بها أفرحُ منهُ بالطاعاتِ .. فهذا
الخطرُ عظيمٌ في حقِّهِ جدّاً .
ويعرفُ هذا بمثالٍ : وهوَ أنَّهُ لا يخفى عليكَ أنَّ الإنسانَ يرىُ في منامِهِ
جملةً مِنَ الأحوالِ التي عهدَها طولَ عمرِهِ ، حتَّى إِنَّهُ لا يرى إلا ما يماثلُ
مشاهداتِهِ في اليقظةِ ، وحتَّى إنَّ المراهقَ الذي يحتلمُ لا يرى صورةَ الوقاع
إذا لمْ يكنْ قدْ واقعَ في اليقظةِ ، ولوْ بقيَ كذلكَ مدةً .. لمَا رأىُ عندَ الاحتلام
صورةَ الوقاعِ .
٢
ـدن
ثن
ثن
ثمَّ لا يخفى أنَّ الذي قضى عمرَهُ في التفقُّهِ يرىُ مِنَ الأحوالِ المتعلّقةِ
بالعلم والعلماءِ أكثرَ ممَّا يراهُ النجَّارُ الذي قضىُ عمرَهُ في النجارةِ ، والنجَّارُ
٥٨٢

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
حن
حة
يرىُ مِنَ الأحوالِ المتعلّقةِ بأسبابِ النجارةِ أكثرَ ممَّا يراهُ الطبيبُ والفقيهُ ؛
لأنَّهُ إنَّما يظهرُ في حالةِ النومِ ما حصلَ لهُ مناسبةٌ معَ القلبِ بطولِ الإلفِ أوْ
بسببٍ آخرَ مِنَ الأسبابِ .
والموتُ شبهُ النوم ، ولكنَّهُ فوقَهُ ، ولكنَّ سكراتِ الموتِ وما يتقدَّمُهُ مِنَ
الغشيةِ قريبٌ مِنَ النوم ، فيقتضي ذلكَ تذكُّرَ المألوفاتِ وعودَها إلى القلبِ ،
وأحدُ الأسبابِ المرجِّحةِ لحصولِ ذكرِهِ في القلبِ طولُ الإلفِ ، فطولُ
الإلفِ بالمعاصي والطاعاتِ أيضاً مرجِّحٌ ؛ ولذلكَ أيضاً تُخالفُ مناماتُ
الصالحينَ مناماتِ الفسَّاقِ ، فتكونُ غلبةُ الإلفِ سبباً لأنْ تتمثَّلَ صورةٌ فاحشةٍ
في قلبِهِ وتميلَ إليها نفسُهُ، فربَّما تُقبضُ عليها روحُهُ ، فيكونُ ذلكَ سببَ
سوءِ خاتمتِهِ، وإنْ كانَ أصلُ الإيمانِ باقياً ، بحيثُ يُرجى لهُ الخلاصُ منها .
وكما أنَّ ما يخطرُ في اليقظةِ إنَّما يخطرُ بسببٍ خاصٍّ يعلمُهُ اللهُ تعالى ..
فكذلكَ آحادُ المناماتِ لها أسبابٌ عندَ اللهِ ، نعرفُ بعضَها ولا نعرفُ
بعضَها، كما أنَّا نعلمُ أنَّ الخاطرَ ينتقلُ مِنَ الشيءٍ إلى ما يناسبُهُ: إمَّا
بالمشابهةِ ، وإمَّا بالمضادّةِ ، وإمَّا بالمقارنةِ ، بأنْ يكونَ قدْ وردَ على الحسِّ
معَهُ .
أمَّا بالمشابهةِ : فبأنْ ينظر إلى جميلٍ ، فيتذكَّرَ جميلاً آخرَ .
وأمَّا بالمضادّةِ : فبأنْ ينظرَ إلى جميلٍ ، فيتذكَّرَ قبيحاً ، ويتأمَّلَ في شدةِ
التفاوتِ بينَهُما .
عبد
٥٨٣
حن:
جر
ـن.

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
. 2
وأمَّا بالمقارنةِ : فبأنْ ينظرَ إلى فرسٍ قدْ رآهُ مِنْ قبلُ معَ إنسانٍ ، فيتذكَّرَ
ذلكَ الإنسانَ .
وقدْ ينتقلُ الخاطرُ مِنْ شيءٍ إلى شيءٍ ولا يُدرى وجهُ مناسبتِهِ لهِ ، وإنَّما
يكونُ ذلكَ بواسطةٍ وواسطتينِ ، مثلَ أنْ ينتقلَ مِنْ شيءٍ إلى ثانٍ ، ومنهُ إلى
ثالثٍ ، ثمَّ ينسى الثانيَ ولا يكونُ بينَ الثالثِ والأوَّلِ مناسبةٌ ، ولكنْ يكونُ
بينَهُ وبينَ الثاني مناسبةٌ ، وبينَ الثاني والأوَّلِ مناسبةٌ ؛ فكذلكَ لانتقالاتِ
الخواطرِ في المنامِ أسبابٌ مِنْ هذا الجنسِ ، وكذا عندَ سكراتِ الموتِ ؛
فإنَّ الخواطرَ تنتقلُ فيها في أمورٍ بعضُها مرتبطٌ بالبعضِ بأسبابٍ مختلفةٍ .
فعلى هذا - والعلمُ عندَ اللهِ - منْ كانتِ الخياطةُ أكثرَ أشغالِهِ .. فإنَّكَ تراهُ
يومىُ إلى رأسهِ كأنَّهُ يأخذُ إبرتَهُ ليخيطَ بها، ويبلُّ إصبعَهُ التي لها عادةٌ
و
بالكشتبانِ ، ويأخذُ الإزارَ منْ فوقهِ ويقدرُهُ ويشبرهُ كأنَّهُ يتعاطى تفصيلَهُ ،
ثمَّ يمدُّ يدَهُ إلى المقراضِ .
ـدن
جن
٢
ومَنْ أرادَ أنْ يكفَّ خاطرَهُ عنِ الانتقالِ إلى المعاصي والشهواتِ .. فلا
طريقَ لهُ إلا المجاهدةُ طولَ العمرِ في فطامِ نفسِهِ عنها ، وفي قمع الشهواتِ
مِنَ القلبِ ، فهذا هوَ القدْرُ الذي يدخلُ تحتَ الاختيارِ ، ويكونُ طولُ
المواظبة على الخيرِ ، وتخليةُ الفكرِ عنِ الشرِّ .. عدَّةً وذخيرةً لحالةِ سكراتِ
الموتِ ، فإنَّهُ يموتُ المرءُ على ما عاشَ عليهِ ، ويحشرُ على ما ماتَ عليهِ .
ولذلكَ نُقِلَ عنْ بقَّالٍ أنَّهُ كانَ يُلقَّنُ عندَ الموتِ كلمتي الشهادةِ ، فيقولُ :
٥٨٤

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
ون
( خمسةٌ، ستةٌ، أربعةٌ)، فكانَ مشغولَ النفسِ بالحسابِ الذي طالَ إلفُهُ لهُ
قبلَ الموتِ .
وقالَ بعضُ العارفينَ مِنَ السلفِ : العرشُ جوهرةٌ تتلألأ نوراً ، فلا يكونُ
العبدُ على حالٍ إلا انطبعَ مثالُهُ في العرشِ على الصورةِ التي كانَ عليها ، فإذا
كانَ في سكراتِ الموتِ .. كُشفَتْ لهُ صورتُهُ مِنَ العرشِ ، فربما يرىُ نفسَهُ
على صورةٍ معصيةٍ ، وكذلكَ يُكشفُ لهُ يومَ القيامةِ ، فيرى أحوالَ نفسِهِ ،
فيأخذُهُ مِنَ الحياءِ والخوفِ ما يجلُّ عنِ الوصفِ (١).
وما ذكرَهُ صحيحٌ ، وسببُ الرؤيا الصادقةِ قريبٌ مِنْ ذلكَ ، فإنَّ النائمَ
يدركُ ما يكونُ في المستقبلِ مِنْ مطالعةِ اللوحِ المحفوظِ ، وهيَ جزءٌ مِنْ
أجزاءِ النبوَّةِ(٢).
?
فإذاً ؛ رجعَ سوءُ الخاتمةِ إلى أحوالِ القلبِ واختلاج الخواطرِ ، ومقلِّبُ
القلوبِ هوَ اللهُ، والاتفاقاتُ المقتضيةُ لسوءِ الخواطرِ (٣) غيرُ داخلةٍ تحتَ
الاختيارِ دخولاً كلِّيّاً وإنْ كانَ لطولِ الإلفِ فيهِ تأثيرٌ ، فلهذا عظمَ خوفُ
العارفينَ مِنْ سوء الخاتمةِ ؛ لأنَّهُ لوْ أرادَ الإنسانُ ألا يرى في المنام إلا أحوالَ
الصالحينَ وأحوالَ الطاعاتِ والعباداتِ .. عسرَ عليهِ ذلكَ ، وإنْ كانَتْ كثرةُ
(١) قوت القلوب (٢٣٣/١) بتصرف.
(٢) كما روى البخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٤) من حديث أنس رضي الله عنه
مرفوعاً: (( الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)).
(٣) في (أ، س ): ( الخاتمة ) بدل ( الخواطر ) .
٥٨٥
.حر
ـن
فا

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجبات
الصلاح والمواظبةُ عليهِ ممَّا يؤثرُ فيهِ ، ولكنَّ اضطراباتِ الخيالِ لا تدخلُ
بالكلِّيَّةِ تحتَ الضبطِ ، وإنْ كانَ الغالبُ مناسبةَ ما يظهرُ في النومِ لما غلبَ في
اليقظةِ .
حتَّى سمعتُ الشيخَ أبا عليٍّ الفارمْذيَّ رحمةُ اللهِ عليهِ يصفُ لي وجوبَ
حسْنِ أدبِ المريدِ لشيخِهِ ، وألا يكونَ في قلبهِ إنكارٌ لكلِّ ما يقولُهُ ، ولا في
لسانِهِ مجادلةٌ عليهِ ، فقالَ : حكيتُ لشيخي أبي القاسم الكُرْكانيٌّ(١) مناماً
لي ، وقلتُ : رأيتُكَ قلتَ لي كذا ، فقلتُ : لِمَ ذاكَ ؟ قالَ : فهجرَني شهراً
ولمْ يكلِّمْني ، وقالَ : لولا أنَّهُ كانَ في باطنِكَ تجويزُ المطالبةِ وإنكارُ
ما أقولُهُ لكَ .. لما جرى ذلكَ على لسانِكَ في المنامِ .
وهوَ كما قالَ ؛ إذْ قلَّما يرى الإنسانُ في منامِهِ خلافَ ما يغلبُ في اليقظةِ
على قلبهِ .
فهذا هوَ القدْرُ الذي نسمحُ بذكرِهِ في علمِ المعاملةِ مِنْ أسرارِ أمرِ
(١) وهو جدُّ أبي علي الفارمذي لأمه، روى الحافظ السلفي في (( معجم السفر)) (١٣٧)
عن أخي الغزالي أحمد أنه قال : ( كان أبو القاسم الكركاني بطوس شيخ خراسان في
عصره في التصوف ... )، قال العلامة ياقوت في ((معجم البلدان)) (٤/ ٤٥٢):
(كُركان : بالضم ، وآخره نون ، وإذا عرِّب .. قيل : جُرجان ) ، قال الحافظ الزبيدي
في ((إتحافه)) (٢٤١/٩): (وكان أبو علي الفارمذي قد صاهر أبا القاسم الكركاني
هذا ، والمصنف رحمه الله تعالى قد أخذ عن كل من الفارمذي ويوسف النساج ، وهما
جميعاً عن أبي القاسم الكركاني هذا ، وقد دفن الكركاني والنساج كلاهما في قبر واحد
بطوس ، وكل هؤلاء الثلاثة من كبار مشايخ السلسلة النقشبندية ، وللكركاني في الأخذ
طريقان ) وذكرهما .
كن
٥٨٦

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
الخاتمةِ ، وما وراءَ ذلكَ فهوَ داخلٌ في علمِ المكاشفةِ .
وقدْ ظهرَ لكَ بهذا أنَّ الأمنَ مِنْ سوءِ الخاتمةِ بأنْ ترى الأشياءَ كما هيَ
عليهِ مِنْ غيرِ جهلٍ، وتزجَِّ جميعَ العمرِ في طاعةِ اللهِ مِنْ غيرِ معصيةٍ (١) ،
فإنْ كنتَ تعلمُ أنَّ ذلكَ محالٌ أوْ عسيرٌ .. فلا بدَّ أنْ يغلبَ عليكَ مِنَ الخوفِ
ما غلبَ على العارفينَ ، حتَّى يطولَ بسببهِ بكاؤُكَ ونياحتُكَ ، ويدومَ بهِ
حزنُكَ وقلقُكَ، كما سنحكيهِ مِنْ أحوالِ الأنبياءِ والأولياءِ والسلفِ
الصالحينِ؛ ليكونَ ذلكَ أحدَ الأسبابِ المهيِّجةِ لنارِ الخوفِ مِنْ قلبِكَ .
وقدْ عرفتَ بهذا أنَّ أعمالَ العمرِ كلَّها ضائعةٌ إنْ لمْ يسلمْ في النفَسِ
الأخيرِ الذي عليهِ خروجُ الروحِ ، وأنَّ سلامتَهُ معَ اضطرابِ أمواجِ الخواطرِ
مشكلٌ جداً ، ولذلك كانَ مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ يقولُ : ( إنِّي لا أعجبُ ممَّنْ
هلكَ كيفَ هلكَ، ولكنِّي أعجبُ ممَّن نجا كيفَ نجا؟ !! )(٢).
ولذلكَ قالَ حامدٌ اللفَّافُ: (إذا صعدَتِ الملائكةُ بروحِ العبدِ المؤمنِ
وقدْ ماتَ على الخيرِ والإسلام .. تعجبَتِ الملائكةُ منهُ ، وقالوا : كيفَ نجا
هذا مِنْ دنيا فسدَ فيها خيارُنا؟! )(٣).
جو
نمو
(١) تزجي: زجَيت الشيء تزجية؛ إذا دفعته برفق، يقال: كيف تزجِّي الأيام ؟ أي: كيف
تدفعها ؟ ودفعها يكون بالرضا بقوت قليل .
(٢) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٤١/٩)، ورواه أبو نعيم في (( الحلية))
(٧١/٣) عن سليمان ينصح به ابنه .
(٣) يشيرون بذلك إلى إبليس وهاروت وماروت. ((إتحاف)) (٢٤١/٩).
٥٨٧

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
وكانَ الثوريُّ يوماً يبكي ، فقيلَ لهُ : علامَ تبكي ؟ فقالَ : بكينا على
الذنوبِ زماناً ، فالآنَ نبكي على الإسلامِ(١).
وبالجملةِ : مَنْ وقعَتْ سفينتُهُ في لجَّةِ البحرِ ، وهجمَتْ عليهِ الرياحُ
العاصفةُ ، واضطربَتْ الأمواجُ .. كانَتِ النجاةُ في حقُّهِ أبعدَ مِنَ الهلاكِ ،
وقلبُ المؤمنِ أشدُّ اضطراباً مِنَ السفينةِ ، وأمواجُ الخواطرِ أعظمُ التطاماً مِنْ
أمواجِ البحرِ ، وإنَّما المَخُوفُ عندَ الموتِ خاطرُ سوءٍ يخطرُ فقطْ ، وهوَ
الذي قالَ فيهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ
الجنَّةِ خمسينَ سنةً، حتَّى لا يبقى بينَهُ وبينَ الجنَّةِ إلا فَواقُ ناقةٍ ، فيُختمُ لهُ
بما سبقَ بهِ الكتابُ))(٢) ، ولا يتسعُ قُواقُ الناقةِ لأعمالٍ توجبُ الشقاوةَ ، بلْ
هيَ الخواطرُ التي تضطربُ وتخطرُ خطورَ البرقِ الخاطفِ .
وقالَ سهلٌ : ( رأيتُ كأنِّي أُدخلتُ الجنَّةَ ، فرأيتُ ثلاثَ مئةِ نبيٍّ ،
فسألتُهُمْ: ما أخوفُ ما كنتُمْ تخافونَ في الدنيا ؟ قالوا: سوءُ الخاتمةِ )(٣).
ـكن
(١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٢٤١/٩)، وقد روى أبو نعيم في « الحلية»
(١٢/٧) عن عبد الرحمن بن مهدي قال: مات سفيان الثوري عندي ، فلما اشتد به ..
جعل يبكي ، فقال له رجل : يا أبا عبد الله ؛ أراك كثير الذنوب ! فرفع شيئاً من الأرض
فقال : والله ؛ لذنوبي أهون عندي من ذا ، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل الموت .
(٢) قوت القلوب (٢٢٦/١)، ورواه مسلم (٢٦٥١)، والطبراني في ((الأوسط))
(٢٤٦٩ ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بنحوه .
(٣) قوت القلوب (٢٢٩/١).
٥٨٨

ربع المنجيات
جـ
حر
كتاب الرجاء والخوف
ولأجلِ هذا الخطرِ العظيمِ كانَتِ الشهادةُ مغبوطاً عليها ، وكانَ موتُ
الفجأة مكروهاً .
ـن
أمَّا الموتُ فجأةً .. فلأنَّهُ ربما يتفقُ عندَ غلبةِ خاطرِ سوءٍ واستيلائِهِ على
القلبِ، والقلبُ لا يخلو عنْ أمثالِهِ ، إلا أنْ يُدفعَ بالكراهةِ أوْ بنورِ المعرفةِ .
وأمَّا الشهادةُ .. فلأنَّها عبارةٌ عنْ قبضٍ الروحِ في حالةٍ لمْ يبقَ في القلبِ
سوى حبِّ اللهِ تعالى ، وخرجَ حبُّ الدنيا والأهلِ والمالِ ، والولدِ وجميعِ
الشهواتِ عنِ القلبِ ، إذْ لا يهجمُ على صفِّ القتالِ موطِّناً نفسَهُ على الموتِ
إلا حبّاً للهِ ، وطلباً لمرضاتِهِ ، وبائعاً دنياهُ بآخرتِهِ ، وراضياً بالبيع الذي
بايعَهُ اللهُ بِهِ ؛ إذْ قالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَم
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، والبائع راغبٌ عنِ المبيع لا محالةَ ، ومخرجٌ حبَّهُ مِنَ
القلبٍ ، ومجرَّدٌ حبَّ العوضِ المطلوبِ في قلبِهِ ، ومثلُ هذهِ الحالةِ قَدْ
يغلبُ على القلبِ في بعض الأحوالِ ، ولكنْ لا يتفقُ زهوقُ الروحِ فيها ،
فصفتُّ القتالِ سببٌ لزهوقِ الروحِ على مثلِ هذهِ الحالةِ ، هذا فيمَنْ ليسَ
يقصدُ الغلبةَ والغنيمةَ وحسنَ الصيتِ بالشجاعةِ ، فإنَّ مَنْ هذا حالُهُ وإنْ قُتِلَ
في المعركةِ فهوَ بعيدٌ عنْ مثلِ هذهِ الرتبةِ كما دلَّتْ عليهِ الأخبارُ(١).
(١) إذ روى البخاري (٢٨١٠)، ومسلم (١٩٠٤) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه
قال : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل
يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله؟ قال: (( من قاتل لتكون
كلمة الله هي العليا .. فهو في سبيل الله)).
٥٨٩
جن
حن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
وإذْ بانَ لكَ معنى سوءِ الخاتمةِ ، وما هوَ مخوفٌ فيها .. فاشتغلْ
بالاستعدادِ لها ؛ فواظبْ على ذكرِ اللهِ تعالى، وأخرجْ مِنْ قلبِكَ حبَّ
الدنيا ، واحرسْ عنْ فعلِ المعاصي جوارحَكَ ، وعن الفكرِ فيها قلبَكَ ،
واحترزْ عنْ مشاهدةِ المعاصي ومشاهدةِ أهلِها جهدَكَ ، فإنَّ ذلكَ أيضاً يؤثِّر
في قلبكَ ، ويصرفُ إليهِ فكرَكَ وخواطرَكَ .
وإِيَّاكَ أنْ تسوِّفَ وتقولَ : ( سأستعدُّ لها إذا جاءَتِ الخاتمةُ ) ، فإنَّ كلَّ
نَفَسٍ مِنْ أنفاسِكَ خاتمتُكَ، إذْ يمكنُ أنْ تُختطفَ فيهِ روحُكَ ، فراقبْ قلبَكَ
في كلِّ تطريفةٍ ، وإيّاكَ أنْ تهملَهُ لحظةً ، فلعلَّ تلكَ اللحظةَ خاتمتُكَ ؛ إذْ
يمكنُ أنْ تُختطفَ فيها روحُكَ ، هذا ما دمتَ في يقظتِكَ .
وأمَّا إذا نمتَ .. فإِيَّاكَ أنْ تنامَ إلا على طهارةِ الظاهر والباطنِ ، وأنْ
يغلبَكَ النومُ إلا بعدَ غلبةِ ذكرِ اللهِ على قلبكَ ، لستُ أقولُ : على لسانِكَ ،
فإنَّ حركةَ اللسانِ بمجرَّدِها ضعيفةُ الأثرِ .
واعلمْ قطعاً : أنَّهُ لا يغلبُ عندَ النوم على قلبِكَ إلا ما كانَ قبلَ النوم غالباً
عليهِ ، وأنَّهُ لا يغلبُ في النومِ إلا ما كانَ غالباً قبلَ النوم ، ولا تُبعثُ عنْ
نومِكَ إلا على ما غلبَ على قلبكَ في نومِكَ ، والموتُ والبعثُ شبهُ النوم
واليقظةِ ، فكما لا ينامُ العبدُ إلا على ما غلبَ عليهِ في يقظتِهِ ، ولا يستيقظ
ءَ
إلا على ما كانَ عليهِ في نومِهِ .. فكذلكَ لا يموتُ المرءُ إلا على ما عاشَ
عليهِ ، ولا يُحشرُ إلا على ما ماتَ عليهِ .
٩٠
جة
جن
٥٩٠

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
وتحقَّقْ قطعاً ويقيناً أنَّ الموتَ والبعثَ حالتانِ مِنْ أحوالِكَ كما أنَّ النومَ
واليقظةَ حالتانِ مِنْ أحوالِكَ ، وآمنْ بهذا تصديقاً باعتقادِ القلبِ ، إنْ لمْ تكنْ
أهلاً لمشاهدةِ ذلكَ بعينِ اليقينِ ونورِ البصيرةِ ، وراقبْ أنفاسَكَ ولحظاتِكَ ،
وإيّاكَ أنْ تغْفُلَ عنِ اللهِ طرفةَ عينٍ ، فإنَّكَ إذا فعلتَ ذلكَ كلَّهُ(١) .. كنتَ معَ
ذلكَ في خطرٍ عظيمٍ ، فكيفَ إذا لمْ تفعلْ ؟! فالناسُ كلُّهُمْ هلكى إلا
العالمونَ ، والعالمونَ كلُّهُمْ هلكى إلا العاملونَ، والعاملونَ كلُّهُمْ هلکی إلا
المخلصونَ والمخلصونَ على خطرٍ عظيمٍ .
واعلمْ : أنَّ ذلكَ لا يتيسَّرُ لكَ ما لمْ تقنعْ مِنَ الدنيا بقدْرِ ضرورتِكَ ،
وضرورتُكَ مطعمٌ وملبسٌ ومسكنٌ ، والباقي كلُّهُ فضولٌ .
ہے.
والضرورةُ مِنَ المطعم : ما يقيمُ صلبَكَ ويسدُّ رمقَكَ ، فينبغي أنْ يكونَ
تناولُكَ تناولَ مضطرٍّ كارهٍ لهُ ، ولا تكونَ رغبتُكَ فيهِ أكثرَ مِنْ رغبتِكَ في قضاءٍ
حاجتِكَ ، إذْ لا فرقَ بينَ إدخالِ الطعامِ في البطنِ وبينَ إخراجِهِ ، فهما
ضرورتانِ في الجبلَّةِ ، وكما لا يكونُ قضاءُ الحاجةِ مِنْ همَّتِكَ التي يشتغلُ بها
قلبُكَ .. فلا ينبغي أنْ يكونَ تناولُ الطعامِ مِنْ همَّتِكَ ، واعلمْ أنَّهُ إنْ كانَ
همَّتُكَ ما يدخلُ في بطنِكَ .. فقيمتُكَ ما يخرجُ مِنْ بطنِكَ .
وإذا لمْ يكنْ قصدُكَ مِنَ الطعامِ إلا التقوِّيَ على عبادةِ اللهِ تعالى ؛ كقصدِكَ
(١) أي: من الإيمان القلبي ومراقبة الأنفاس واللحظات. ((إتحاف)) (٢٤٣/٩).
حن
٥٩١

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
مِنْ قضاء حاجتِكَ .. فعلامةُ ذلكَ تظهرُ في ثلاثةِ أمورٍ مِنْ مأكولِكَ : في
وقتِهِ ، وقدرِهِ ، وجنسِهِ .
أمّا الوقتُ .. فأقلُّهُ أن يكتفيَ في اليوم والليلةِ بمرَّةٍ واحدةٍ ، فيواظبَ
على الصومِ .
وأمَّا قدرُهُ .. فألا يزيدَ على ثلثِ البطنِ .
وأمَّا جنسُهُ .. فألا يطلبَ اللذائذَ مِنَ الأطعمةِ ، بلْ يقنعُ بما يتفقُ .
فإنْ قدرتَ على هذهِ الثلاثِ ، وسقطَتْ عنكَ مؤنةُ الشهواتِ اللذائذِ ..
قدرتَ بعدَ ذلكَ على تركِ الشبهاتِ ، وأمكنكَ ألا تأكلَ إلا مِنْ حلِّهِ ، فإنَّ
الحلالَ يعزُّ ولا يفي بجميعِ الشهواتِ .
وأمَّا ملبسُكَ : فليكنْ غرضُكَ منهُ دفعَ الحرِّ والبردِ وسترَ العورةِ ، فكلُّ
ما دفعَ البردَ عنْ رأسِكَ - ولوْ قلنسوةً بدانقٍ - فطلبُكَ غيرَهُ فضولٌ منكَ ، يضيِّعُ
زمانَكَ، ويلزمُكَ الشغلَ الدائمَ والعناءَ القائمَ في تحصيلِهِ بالكسبِ مرَّةً ،
وبالطمعِ أخرى مِنَ الحرامِ والشبهةِ ، وقسْ بهذا ما تدفعُ بهِ الحرَّ والبردَ عنْ
بدنِكَ ، فكلُّ ما حصَّلَ مقصودَ اللَّاسِ إنْ لمْ تكتفِ بهِ في خساسةِ قدرِهِ وجنسِهِ . .
لمْ يكنْ لكَ موقفٌ ومرةٌّ بعدَهُ ، بلْ كنتَ ممَّنْ لا يملأَ بطنَهُ إلا الترابُ .
وكذلكَ المسكنُ : إنِ اكتفيتَ بمقصودِهِ .. كفتكَ السماءُ سقفاً ،
والأرضُ مستقرّاً، فإنْ غلبَكَ حرٌ أَوْ بردٌ .. فعليكَ بالمساجدِ (١)، فإنْ طلبتَ
(١) في غير (ب، ج): ( فالمساجد ) بدل ( فعليك بالمساجد ) .
٥٩٢

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
مسكناً خاصاً .. طالَ عليكَ، وانصرفَ إليهِ أكثرُ عمرِكَ، وعمرُكَ هوَ
بضاعتُكَ ، ثمَّ إنْ تيسَّرَ لكَ فقصدتَ مِنَ الحائطِ سوى كونِهِ حائلاً بينَكَ وبينَ
الأبصارِ ، ومِنَ السقفِ سوى كونِهِ دافعاً للأمطارِ ، فأخذتَ ترفعُ الحيطانَ ،
وتزيِّنُ السقوفَ .. فقدْ تورّطتَ في مهواةٍ يبعدُ رقيُّكَ منها .
وهكذا جميعُ ضروراتِ أمورِكَ ؛ إن اقتصرتَ عليها .. تفرغتَ للهِ،
وقدرتَ على التزوُّدِ لآخرتِكَ ، والاستعدادِ لخاتمتِكَ ، وإنْ جاوزتَ حدَّ
الضرورةِ إلى أوديةِ الأمانيِّ .. تشعبَتْ همومُكَ، ولمْ يبالِ اللهُ في أي وادٍ
أهلكَكَ .
٠ ,
فاقبلْ هذهِ النصيحةَ ممَّنْ هوَ أحوجُ إلى النصيحةِ منكَ .
واعلمْ : أنَّ متسعَ التدبيرِ والتزوُّدِ والاحتياطِ هذا العمرُ القصيرُ ، فإذا
دفعتَهُ يوماً بيوم في تسويفِكَ أوْ غفلتِكَ .. اختُطفتَ فجأةً في غيرِ وقتٍ
إرادتِكَ ، ولمْ تفارقْكَ حسرتُكَ وندامتُكَ .
فإِنْ كنتَ لا تقدرُ على ملازمةِ ما أرشدتُ إليهِ لضعفِ خوفِكَ ؛ إذْ لمْ
يكنْ فيما وصفناهُ مِنَ أمرِ الخاتمةِ كفايةٌ في تخويفِكَ .. فإنَّا سنوردُ عليكَ مِنْ
أحوالِ الخائفينَ ما نرجو أنْ يزيلَ بعضَ القساوةِ عنْ قلبكَ ، فإنَّكَ تتحقَّقُ أنَّ
عقلَ الأنبياءِ والأولياءِ والعلماءِ وعلمَهُمْ ومكانَهُمْ عندَ اللهِ لمْ يكنْ دونَ عقلِكَ
وعلمِكَ ومكانِكَ(١) ، فتأمَّلْ - معَ كَلالِ بصيرتِكَ وعمشٍ عينٍ قلبِكَ - في
(١) في غير ( أ، ب): (وعملهم ... وعملك) بدل ( وعلمهم ... وعلمك) .
٥٩٣
حن كن
ن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
أحوالِهِمْ: لِمَ اشتدَّ بِهِمُ الخوفُ، وطالَ بهِمُ الحزنُ والبكاءُ ؟ حتَّى كانَ
بعضُهُمْ يصعقُ ، وبعضُهُمْ يدهشُ ، وبعضُهُمْ يسقطُ مغشياً عليهِ ، وبعضُهُمْ
يخرُّ ميتاً إلى الأرضِ .
G. eG؟
ولا غروَ إِنْ كانَ ذلكَ لا يؤثِّرُ في قلبكَ ؛ فإنَّ قلوبَ الغافلينَ مثلُ
الحجارةِ أوْ أشدُّ قسوةً ، وإنَّ مِنَ الحجارةِ لما يتفجَّرُ منهُ الأنهارُ ، وإنَّ منها
لما يشقَّقُ فيخرجُ منهُ الماءُ ، وإنَّ منها لما يهبطُ مِنْ خشية اللهِ ، وما اللّهُ بغافلٍ
عمَّا تعملونَ .
ـن
حن
حن
٥٩٤

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
حر
بيان أحوال الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام في الخوف
روَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ إذا
تغيَّرَ الهواءُ ، وهبَّتْ ريحُ عاصفةٌ .. يتغيَّرُ وجهُهُ، ويقومُ ويتردّدُ في
الحجرةِ، ويدخلُ ويخرجُ ، كلُّ ذلكَ خوفاً مِنْ عذابِ اللهِ عزَّ وجلَّ(١) .
وقرأ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ آيَةً في ( سورةِ الحاقَّةِ) فصعقَ(٢).
وقالَ تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ .
ورأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صورةَ جبريلَ عليهِ السلامُ بالأبطحِ
فصعقَ(٣).
ورُوِيَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كانَ إذا دخلَ في الصلاةِ يُسمعُ لصدرِهِ
أزيزٌ كأزيزِ المَرْجَلِ (٤).
(١) رواه البخاري (٤٨٢٩)، ومسلم (٨٩٩)، وفيه قوله لأم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها: (( ما يُؤْمِنِّي أن يكون فيه عذاب ؟! عذب قوم بالريح ، وقد رأى قوم العذاب
فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُخْطِرُنَا﴾)).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٣٨/١)، قال: (وروى حمزة عن حمران بن أعين ... )
وذكره، وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم قرأ أو قُرِىء عنده: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا (﴾
وَطَعَامًا ذَا عُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ فصعق، وأنها رواها ابن عدي في ((الكامل)) (٤٣٦/٢)،
وهناد في ((الزهد)) ( ٢٦٧).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٢٢/١)، والبزار في ((مسنده)) (٤٧١٨)، والطبراني
في (( الكبير)) (١١/ ٥٧).
(٤) رواه أبو داوود (٩٠٤)، والنسائي (١٣/٣).
٥٩٥
ـحر

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما جاءَني جبريلُ قطُّ إلا وهوَ يُرعَدُ فرقاً
مِنَ الجبّارِ))(١) .
وقيلَ : لما ظهرَ على إبليسَ ما ظهرَ .. طفقَ جبريلُ وميكائيلُ عليهما
السلامُ يبكيانِ ، فأوحى اللهُ إليهِما : ما لكما تبكيانِ كلَّ هذا البكاءِ ؟
فقالا : يا ربُّ ؛ ما نأمنُ مكرَكَ، فقالَ اللهُ تعالى : هكذا كونا ، لا تأمنا
مكري(٢) .
وعنْ محمدِ بنِ المنكدرِ قالَ : ( لمَّا خُلقَتِ النارُ .. طارَتْ أفئدةُ
الملائكةِ مِنْ أماكنِها، فلمَّا خُلقَ بنو آدمَ .. عادَتْ)(٣).
وعنْ أنس أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ سألَ جبريلَ: (( ما لي لا أرى ميكائيلَ
(١) عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٨٣٥٧) من حديث أبي ذر: (( والذي بعثني
بالحق ؛ ما أتاني جبريل قط إلا رأيت بين عينيه مصوراً ، فقلت : يا جبريل ؛ ما لي
أراك تأتيني وبين عينيك مصوراً؟ قال : والذي بعثك بالحق وجعلني أميناً فيما بينه
وبينك ؛ ما ضحكت منذ خلقت جهنم))، وروى أبو الشيخ في ((العظمة)) ( ٣٦٣) عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن جبريل يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار تبارك
وتعالىُ تُوعَدُ فرائصه فرقاً من عذاب الله تعالى ، يقول : سبحانك لا إله إلا أنت ،
ما عبدناك حق عبادتك، وروى البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٧ ) عن أبي عمران الجوني
قال : بلغني أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ،
فقال: ((ما يبكيك؟))، قال : ما جفت لي عين منذ خلق الله جهنم ؛ مخافة أن أعصيه
فيلقيني فيها .
؟
جن
ـحة
(٢) كذا في ((الرسالة القشيرية)) (ص ٢٤٠)، ورواه أبو الشيخ في ((العظمة)) (٣٨٣)
وليس فيه ذكر إبليس .
(٣) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٤/ ٥) من كلام طاووس بن كيسان .
ن
ـدة
٥٩٦
دن
ـحر

ربع المنجيات
ـحر
كتاب الرجاء والخوف
يضحكُ؟)) فقالَ جبريلُ: ما ضحكَ ميكائيلُ منذُ خُلقَتِ النارُ(١).
ويُقالُ : إِنَّ اللهِ تعالى ملائكةٌ لمْ يضحكْ أحدٌ منهُمْ منذُ خُلقَتِ النارُ ؛
مخافةَ أنْ يغضبَ اللهُ عليهِمْ فيعذِّبَهُمْ بها (٢) .
وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : خرجتُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ حتَّى دخلَ بعضَ حيطانِ الأنصارِ ، فجعلَ يلتقطُ مِنَ التمرِ ويأكلُ ،
قالَ : فقالَ: (( يا بنَ عمرَ ؛ مالكَ لا تأكلُ؟ )) فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ؛
لا أشتهيهِ، فقالَ: ((لكنِّي أشتهيهِ ، وهذا صبحُ رابعةٍ مُذْ لمْ أذقْ طعاماً ولمْ
أجدْهُ ، ولوْ سألْتُ ربِّي .. لأعطاني ملكَ كسرى وقيصرَ ، فكيفَ بكَ - يا بنَ
عمرَ - إذا بقيتَ في قومٍ يخبؤونَ رزقَ سنتِهِمْ ، ويضعفُ اليقينُ في
قلوبِهِمْ؟ )) قالَ: فواللهِ؛ ما برحنا ولا قمنا حتَّى نزلَتْ: ﴿وَكَأَيِِّ مِّن دَابَّةٍ
لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ لمْ يأمرْكُمْ بكنزِ المالِ ، ولا باتباع
الشهواتِ ، مَنْ كنزَ دنانيرَ يريدُ بها حياةً فانيةً .. فإنَّ الحياةَ بيدِ اللهِ ، ألا وإنِّي
لا أكثرُ ديناراً ولا درهماً، ولا أَخبأُ رزقاً لغدٍ)) (٣)
3
%
عن
.. "
حن
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٤/٣)، ورواه كذلك في حق إسرافيل عليه السلام
البيهقي في ((الشعب)) ( ٨٨٥ ).
(٢) فقد روى البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٦) مرفوعاً: (( إن الله عز وجل ملائكة تُرعَد
فرائصهم من مخافته ، ما منهم ملك يقطر من عينيه دمعة إلا وقعت ملكاً قائماً يسبح)) .
(٣) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) (٨٣١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ٤ / ١٢٧ ) .
٥٩٧
شن جن شن
حن

كتاب الرجاء والخوف
دوم
ربع المنجيات
ـير
وقالَ أبو الدرداءِ : ( كانَ يُسمعُ أزيزُ قلبِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ عليهِ
السلامُ إذا قامَ في الصلاةِ مِنْ مسيرةِ ميلٍ ؛ خوفاً مِنْ ربّه)(١).
وقالَ مجاهدٌ : بكى داوودُ عليهِ السلامُ أربعينَ يوماً ساجداً لا يرفعُ
رأسَهُ ، حتَّى نبتَ المرعىُ مِنْ دموعِهِ، وحتَّى غطَّى رأسَهُ ، فَنُوديَ :
يا داوودُ ؛ أجائعٌ أنتَ فتُطعمُ ، أمْ ظمآنُ فتُسقى ، أمْ عارِ فتُكسى؟ فَنَحَبَ
نحبةً هاجَ العودُ فاحترقَ مِنْ حرِّ جوفِهِ ، ثمَّ أنزلَ اللهُ تعالىُ عليهِ التوبةَ
والمغفرةَ ، فقالَ : يا ربِّ ، اجعلْ خطيئتي في كفِّي ، فصارَتْ خطيئْتُهُ في
كفِّهِ مكتوبةً ، فكانَ لا يبسطُ كفَّهُ لطعامٍ ولا لشرابٍ ولا لغيرِهِ إلا رآها
فأبكتهُ ، قالَ : وكانَ يُؤتى بالقدح ثلثاهُ ماءٌ ، فإذا تناولَهُ .. أبصرَ خطيئتهُ ،
فما يضعُهُ على شفتِهِ حتَّى يفيضَ القدحُ مِنْ دموعِهِ (٢).
ويُروى عنهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنَّهُ ما رفعَ رأسَهُ إلى السماءِ حتَّى ماتَ ،
حياءً مِنَ اللهِ تعالى(٣).
وكانَ يقولُ في مناجاتِهِ : ( إلهي ؛ إذا ذكرتُ خطيئتي .. ضاقَتْ علىَّ
الأرضُ برُخْبها ، وإذا ذكرتُ رحمتَكَ .. ارتدَّتْ إليَّ روحي، سبحانَكَ
حنين
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢١٨/٦) بنحوه .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٧٤)، وهاج: يبس، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ
مُصْفَرًا﴾ .
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٤٧٥).
٥٩٨

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
إلهي ، أتيتُ أطباءَ عبادِكَ ليداووا خطيئتي ، فكلُّهُمْ عليكَ يدلُّني ، فبؤساً
القانطينَ مِنْ رحمتِكَ)(١) .
وقالَ الفضيلُ : بلغَني أنَّ داوودَ عليهِ السلامُ ذكرَ ذنبَهُ ذاتَ يومٍ ، فوثبَ
صارخاً واضعاً يدَهُ على رأسِهِ حتَّى لحقَ بالجبالِ ، فاجتمعَتْ إليهِ السباعُ ،
فقالَ: ارجعوا لا أريدُكُمْ، إنَّما أريدُ كلَّ بِكَّاءٍ على خطيئتِهِ ، فلا يستقبلُني
إلا بالبكاءِ ، ومَنْ لمْ يكنْ ذا خطيئةٍ .. فما يصنعُ بداوودَ الخطَّاءِ (٢).
وكانَ يُعاتبُ في كثرةِ البكاءِ فيقولُ : ( دعوني أبكي قبلَ خروجٍ يومٍ
البكاءِ ، قبلَ تخريقِ العظام واشتعالِ الحشا ، وقبلَ أنْ يُؤْمرَ بي ملائكةٌ غلاظٌ
شدادٌ لا يعصونَ اللهَ ما أمرَهُمْ ويفعلونَ ما يُؤمرونَ)(٣).
وقالَ عبدُ العزيزِ بنُ عميرٍ : لمَّا أصابَ داوودُ الخطيئةَ .. نقصَ صوتُهُ ،
فقالَ : ( إلهي؛ بُحَّ صوتي في صفاءِ أصواتِ الصدِّيقينَ )(٤).
ورُوِيَ أنَّهُ عليهِ السلامُ لمَّا طالَ بكاؤُهُ ولمْ ينفعْهُ ذلكَ ، فضاقَ ذرعُهُ ،
واشتدَّ غُّهُ .. قالَ : يا ربِّ؛ أما ترحمُ بكائي، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ :
يا داوودُ ؛ نسيتَ ذنبَكَ وذكرتَ بكاءَكَ ؟! فقالَ : إلهي وسيِّدي ؛ كيفَ
أنسى ذنبي وكنتُ إذا تلوتُ الزبورَ .. كفَّ الماءُ الجاري عنْ جريِهِ ، وسكنَ
ـو
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٥٢ ) عن عثمان ابن عاتكة يحكيه .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الخائفين)). ((إتحاف)) (٢٤٧/٩).
(٣) رواه ابن المبارك في (( الزهد)) (٤٨٣)، وفيه: ( اللحى) بدل ( الحشا).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الرقة والبكاء)) (٣٩٤).
٥٩٩
حن
جن
ـكن
جن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
V
هبوبُ الريح ، وأظلَّني الطيرُ على رأسِي ، وأنسَتِ الوحوشُ إلى محرابي ؟
إلهي وسيِّدي ؛ فما هذهِ الوحشةُ التي بيني وبينَكَ ؟ فأوحى اللهُ تعالى
إليهِ : يا داوودُ ؛ ذاكَ أنسُ الطاعةِ ، وهذهِ وحشةُ المعصيةِ ، يا داوودُ ؛ آدمُ
خلقٌ مِنْ خلقي ، خلقتُهُ بيدي ، ونفختُ فيهِ مِنْ روحي ، وأسجدتُ لهُ
ملائكتي ، وألبستُهُ ثوبَ كرامتي ، وتوجتُهُ بتاج وقاري ، وشكا إليَّ
الوحدةَ، فزوجتُهُ حوَّاءَ أَمَتي ، وأسكنتُهُ جنَّتي ، عصاني ، فطردتُهُ عنْ
جواري عرياناً ذليلاً، يا داوودُ؛ اسمعْ منِّي والحقَّ أقولُ: أطعتَنَا
فأطعناكَ ، وسألتَنَا فأعطيناكَ ، وعصيتَنَا فأمهلناكَ ، وإنْ عدتَ إلينا على
ما كانَ منكَ .. قبلناكَ(١).
وقالَ يحيىُ بنُ أبي كثيرٍ : بلغَنا أنَّ داوودَ عليهِ السلامُ كانَ إذا أرادَ أنْ
ينوحَ .. مكثَ قبلَ ذلكَ سبعاً لا يأكلُ الطعامَ ، ولا يشربُ الشرابَ ،
ولا يقربُ النساءَ، فإذا كانَ قبلَ ذلكَ بيومٍ .. أُخرجَ لهُ منبرٌ إلى البريّةِ ،
فيأمرُ سليمانَ عليهِ السلامُ أنْ يناديَ بصوتٍ يستقرىءُ البلادَ وما حولَها مِنَ
الغياضِ والآكام والجبالِ والبراري والصوامع والبيع ، فينادي فيها : ألا مَنْ
أرادَ أنْ يسمعَ نوحَ داوودَ على نفسِهِ . . فليأتِ ، قالَ : فتأتي الوحوشُ مِنَ
البراري والآكام ، وتأتي السباعُ مِنَ الغياضِ ، وتأتي الهوائُ مِنَ الجبالِ ،
وتأتي الطيرُ مِنَ الأوكارِ ، وتأتي العذارَى مِنْ خدورِ هِنَّ، وتجتمعُ الناسُ
لذلكَ اليوم ، ويأتي داوودُ حتَّى يرقى على المنبرِ ، ويحيطُ بهِ بنو إسرائيلَ ،
ـت
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الخائفين)). ((إتحاف)) (٢٤٧/٩).
٦٠٠