النص المفهرس
صفحات 441-460
ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر بيان فضل التعمه على البلاء لعلَّكَ تقولُ : هذهِ الأخبارُ تدلُّ على أنَّ البلاءَ في الدنيا خيرٌ مِنَ النعَمِ ، فهلْ لنا أنْ نسألَ اللهَ البلاءَ ؟ فأقولُ: لا وجهَ لذلكَ ؛ لما رُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ كانَ يستعيذُ في دعائِهِ مِنْ بلاءِ الدنيا وبلاءِ الآخرةِ(١)، وكانَ يقولُ هوَ والأنبياءُ عليهِمُ السلامُ: ﴿ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً﴾ (٢)، وكانوا يستعيذونَ مِنْ شماتةِ الأعداءِ وغيرِها(٣). وقالَ عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ: اللهمَّ ؛ إنِّي أسألُكَ الصبرَ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لقدْ سألتَ اللهَالبلاءَ .. فاسألْهُ العافيةَ)) (٤). وروى الصدِّيقُ رضوانُ اللهِ عليهِ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( سلوا الله العافيةَ، فما أُعطيَ أحدٌ أفضلَ مِنَ العافيةِ إلا اليقينَ))(٥)، وأشارَ باليقينِ إلى عافيةِ القلبِ عنْ مرضِ الجهلِ والشكِّ ، فعافيةُ القلب أعلىُ مِنْ عافيةِ البدنِ . (١) إذ روى أحمد في ((مسنده)) (١٨١/٤) من حديث بسربن أرطاة رضي الله عنه مرفوعاً: ((وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة )). (٢) وكان هذا من أكثر دعائه عليه الصلاة والسلام كما روى ذلك مسلم (٣٦٩٠). (٣) رواها النسائي (٢٦٥/٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٣١/١). (٤) رواه الترمذي (٣٥٢٧) ولم يذكر أن القائل هو علي رضي الله عنه، وعيّنه (٣٥٦٤). (٥) رواه ابن ماجه (٣٨٤٩) بنحوه . ٤٤١ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وقالَ الحسنُ رحمَهُ اللهُ: ( الخيرُ الذي لا شرَّ فيهِ العافيةُ معَ الشكرِ ، فكَمْ مِنْ منعَمٍ عليهِ غيرُ شاكرٍ)(١) . وقالَ مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ : (لأَنْ أُعافى فأشكرَ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أُبتلى فأصبرَ )(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في دعائِهِ: ((وعافيتُكَ أحبُّ إليَّ))(٣). وهذا أظهرُ مِنْ أنْ يُحتاجَ فيهِ إلى استشهادٍ ، وهذا لأنَّ البلاءَ صارَ نعمةٌ باعتبارینِ : أحدُهُما : بالإضافةِ إلى ما هوَ أكثرُ منهُ ؛ إمَّا في الدنيا ، أوْ في الدينِ . والآخرُ : بالإضافةِ إلى ما يُرجى مِنَ الثوابِ ، فينبغي أنْ يسألَ اللهَ تمامَ النعمةِ في الدنيا ، ودفعَ ما فوقَهُ مِنَ البلاءِ ، ويسألَهُ الثوابَ في الآخرةِ على (١) كذا في ((القوت)) (٢٠٦/١)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥٤/٤) عن عون بن عبد الله . (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٥٣/١١)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢/ ٢٠٠ ) . ـن (٣) كذا في ((القوت)) (٢٠٦/١)، وهي قطعة من الدعاء المشهور له صلى الله عليه وسلم يوم خرج إلى الطائف يدعو ثقيفاً، وأورده ابن هشام في ((سيرته)) (١/ ٤٢٠) ولفظه : ((ولكن عافيتك هي أوسع لي))، وقال الحافظ العراقي: (رواه ابن الجوزي في ((السيرة)) ... ، وكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الدعاء )) من رواية حسان بن عطية مرسلاً ، ورواه أبو عبد الله بن منده من حديث عبد الله بن جعفر مسنداً وفيه من يجهل ). ((إتحاف)) (١٤٨/٩). ٤٤٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الشكرِ على نعمِهِ ، فإنَّهُ قادرٌ على أنْ يعطيَ على الشكرِ ما يعطيهِ على الصبرِ . فإنْ قلتَ : فقدْ قالَ بعضُهُمْ : ( أوذُّ أنْ أكونَ جسراً على النارِ يعبرُ عليَّ الخلقُ كلُّهُمْ فينجونَ، وأكون أنا في النارِ ) . وقالَ سمنونٌ(١): [من مخلع البسيط] حن وَلَيْسَ لِي فِي سِواكَ حَظِّ فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَأَخْتَبَرْنِي فهذا منْ هؤلاءِ سؤالٌ للبلاءِ . فاعلمْ : أنَّهُ حُكِيَ عنْ سمنونٍ رحمَهُ اللهُ أنَّهُ بُلِيَ بعدَ هذا البيتِ بعلَّةِ الحصرِ ، فكانَ بعدَ ذلكَ يدورُ على أبوابِ المكاتبِ ويقولُ للصبيانِ : ( ادعوا لعمِّكُمُ الكذَّابِ ) . وأمَّا محبَّةُ الإنسانِ ليكونَ هوَ في النارِ دونَ سائرِ الخلقِ .. فغيرُ ممكنةٍ ، ولكنْ قدْ تغلبُ المحبَّةُ على القلبِ ، حتَّى يظنَّ المحبُّ بنفسِهِ حبّاً لمثلٍ ذلكَ، فمَنْ شربَ بكأسِ المحبةِ .. سكرَ، ومَنْ سكرَ .. توسَّعَ في الكلام ، ولوْ زايلَهُ سكرُهُ .. علمَ أنَّ ما غلبَ عليهِ كانَ حالةٌ لا حقيقةً لها ، فما سمعتَهُ مِنْ هذا الفنِّ فهوَ كلامُ العشّاقِ الذينَ أفرطَ حبُّهُمْ ، وكلامُ العشّاقِ يُستلذّ سماعُهُ ولا يُعزَّلُ عليهِ ؛ كما حُكِيَ أنَّ فاختةً كانَ يراودُها زوجُها فمنعَتْهُ، فقالَ : ما الذي يمنعُكِ عنِّي ولو أردتِ أنْ أقلبَ لكِ ملكَ (١) عقلاء المجانين (ص٣٣٩)، والرسالة القشيرية (ص٨٨). ٤٤٣ کتاب الصبر والشكر ربع المنجيات سليمانَ ظهراً لبطنٍ .. لفعلتُهُ لأجلِكِ، فسمعَهُ سليمانُ عليهِ السلامُ ، فاستدعاهُ وعاتبَهُ، فقالَ: يا نبيَّ اللهِ؛ كلامُ العشَّاقِ لا يُحكى(١) ، وهوَ كما قالَ . وقولُ الشاعرِ(٢): [من الوافر] أُرِيدُ وِصالَهُ وَيُرِيدُ هَجْرِي فَأَتْرُكُ ما أُرِيدُ لِما يُرِيدُ هوَ أيضاً محالٌ ، ومعناهُ : أنِّي أريدُ ما لا أريدُ ؛ لأنَّ مَنْ أرادَ الوصالَ ما أرادَ الهجرَ ، فكيفَ أرادَ الهجرَ الذي لمْ يردْهُ ؟! بلْ لا يصدقُ هذا الكلامُ إلا بتأويلينِ . أحدُهُما : أنْ يكونَ ذلكَ في بعضِ الأحوالِ حتَّى يكتسبَ بهِ رضاهُ الذي يتوصَّلُ بهِ إلى مرادِ الوصالِ في الاستقبالِ ، فيكونُ الهجرانُ وسيلةً إلى الرضا، والرضا وسيلةً إلى وصالِ المحبوبِ ، والوسيلةُ إلى المحبوبِ محبوبٌ ، فيكونُ مثالُهُ مثالَ محبّ المالِ إذا أسلمَ درهماً في درهمينِ ، فهوَ بحبِّ الدرهمينِ يتركُ الدرهمَ في الحالِ . ـوة الثاني : أنْ يصيرَ رضاهُ عندَهُ مطلوباً مِنْ حيثُ إنَّهُ رضاً فقطْ ، ويكونُ لهُ لذّةٌ في استشعارِهِ رضا محبوبِهِ منهُ تزيدُ تلكَ اللذَّةُ على لذَّتِهِ في مشاهدتِهِ معَ (١) الرسالة القشيرية (ص ٥٣٠) بنحوه، والفاختة: الحمامةُ المطوقة. (٢) البيت لابن المنجم الواعظ. انظر ((فوات الوفيات)) (٣٠١/٢)، و((الوافي بالوفيات)) ( ٢٦٨/١٨). ٤٤٤ ربع المنجيات کتاب الصبر والشكر كراهتِهِ ، فعندَ ذلكَ يُتصوَّرُ أنْ يريدَ ما فيهِ الرضا ، فلذلكَ قدِ انتهى حالُ بعضِ المحبِّنَ إلى أنْ صارَتْ لذتُهُمْ في البلاءِ معَ استشعارِهِمْ رضا اللهِ عنْهُمْ أكثرَ مِنْ لذَّاتِهِمْ في العافيةِ مِنْ غيرِ شعورِ الرضا ، فهؤلاءِ إذا قدَّروا رضاهُ في البلاءِ .. صارَ البلاءُ أحبَّ إليهِمْ مِنَ العافيةِ، وهذهِ حالةٌ لا يبعدُ وقوعُها في غلباتِ الحبِّ ، ولكنَّها لا تثبتُ ، وإنْ ثبتَتْ مثلاً .. فهلْ هيَ حالةٌ صحيحٌ أمْ حالةٌ اقتضَتْها حالةٌ أخرى وردَتْ على القلبِ فمالَتْ بهِ عنِ الاعتدالِ ؟ هذا فيهِ نظرٌ ، وذكرُ تحقیقِهِ لا يليقُ بما نحنُ فیهِ . وقدْ ظهرَ بما سبقَ أنَّ العافيةَ خيرٌ مِنَ البلاءِ ، فنسألُ اللهَ تعالى المنانَ بفضلِهِ على جميع خلقِهِ العفوَ والعافيةَ في الدينِ والدنيا والآخرةِ لنا ولجميع المسلمينَ . ٤٤٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات بيان الأفضل من الصبر والشكر اعلمْ : أنَّ الناسَ اختلفوا في ذلكَ : فقالَ قائلونَ : الصبرُ أفضلُ مِنَ الشكرِ . وقالَ آخرونَ : الشكرُ أفضلُ . وقالَ آخرونَ : هما سيَّانِ . وقالَ آخرونَ : يختلفُ ذلكَ باختلافِ الأحوالِ . واستدلَّ كلٌّ فريقٍ بكلامٍ شديدِ الاضطرابِ ، بعيدِ عنِ التحصيلِ ، فلا معنى للتطويلِ بالنقلِ ، بلِ المبادرةُ إلى إظهارِ الحقِّ أولى ، فنقولُ : في بيانِ ذلك مقامانِ : المقامُ الأوَّلُ : البيانُ على سبيلِ التساهلِ : ـكن ئن ـحن وهوَ أنْ يُنظرَ إلى ظاهرِ الأمرِ ، ولا يُطلبَ بالتفتيشِ تحقيقُهُ ، وهوَ البيانُ الذي ينبغي أنْ يُخاطبَ بهِ عوامُ الخلقِ ؛ لقصورِ أفهامِهِمْ عنْ درْكِ الحقائقِ الغامضةِ، وهذا الفنُّ مِنَ الكلام هوَ الذي ينبغي أنْ يعتمدَهُ الوَاظُ ؛ إذْ مقصودُ كلامِهِمْ مِنْ مخاطبةِ العوامِّ إصلاحُهُمْ ، والظِئْرُ المشفقةُ لا ينبغي أنْ تصلحَ الصبيَّ الطفلَ بالطيورِ السمانِ وضروبِ الحلاواتِ ، بلْ باللبنِ اللطيفِ ، وعليها أنْ تؤخِّرَ عنهُ أطايبَ الأطعمةِ إلى أنْ يصيرَ محتملاً لها بقوَّتِهِ ، ويفارقَ الضعفَ الذي هوَ عليهِ في بِنْتِهِ ، فنقولُ : ٤٤٦ كلف. ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر هذا المقامُ في البيانِ يأبى البحثَ والتفصيلَ ، ومقتضاهُ النظرُ إلى الظاهرِ المفهومِ مِنْ مواردِ الشرع ، وذلكَ يقتضي تفضيلَ الصبرِ ؛ فإنَّ الشكرَ وإنْ وردَتْ أخبارٌ كثيرةٌ في فضلِهِ ، فإذا أُضيفَ إليهِ ما وردَ في فضيلةِ الصبرِ .. كانَتْ فضائلُ الصبرِ أكثرَ ، بلْ فيهِ ألفاظٌ صريحةٌ في التفضيلِ ؛ كقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مِنْ أفضلِ ما أُوتِيتُمُ اليقينُ وعزيمةُ الصبرِ))(١). وفي الخبرِ : ( يُؤتَى بأشكرِ أهلِ الأرضِ ، فيجزيهِ اللهُ جزاءَ الشاكرينَ ، ويُؤتى بأصبرِ أهلِ الأرضِ ، فيُقالُ لهُ: أترضى أنْ نجزيَكَ كما جزينا هذا الشاكرَ ، فيقولُ : نعمْ يا ربِّ، فيقولُ اللهُ تعالى: كلاَ، أنعمتُ عليهِ فشكرَ ، وابتليتُكَ فصبرتَ ، لأضعِّفَنَّ لكَ الأجرَ عليهِ ، فيُعطى أضعافَ جزاءٍ الشاكرينَ )(٢). ے وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنََّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . وأمَّا قولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( الطاعمُ الشاكرُ بمنزلةِ الصائمِ الصابرِ))(٣) .. فهوَ دليلٌ على الفضيلةِ في الصبرِ ؛ إذْ ذكرَ ذلكَ في معرضٍٍ المبالغةِ لرفع درجةِ الشكرِ ، فألحقَهُ بالصبرِ ، فكانَ هذا منتهى درجتِهِ ، ولولا أنَّهُ فُهِمَ مِنَ الشرع علوُ درجةِ الصبرِ .. لما كانَ إلحاقُ الشكرِ بهِ مبالغةً (١) أورده الإمام أبو طالب في ((القوت)) (١٩٤/١) من حديث شهر بن حوشب الأشعري عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: ((من أقلّ)) بدل ((من أفضل)). (٢) كذا في ((القوت)) (١٩٥/١)، ولم يذكر رفعه. (٣) رواه الترمذي ( ٢٤٨٦)، وابن ماجه (١٧٦٤ ) . ٤٤٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات في الشكرِ، وهوَ كقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الجمعةُ حجُّ المساكينِ»(١)، ((وجهادُ المرأةِ حسنُ التّبعُلِ))(٢)، وكقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( شاربُ الخمرِ كعابدٍ وثنٍ))(٣) ، وأبداً المشبُّ بهِ ينبغي أنْ يكونَ أعلى رتبةً، فكذلكَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الصبرُ نصفُ الإيمانِ)) (٤) لا يدلُّ على أنَّ الشكرَ مثلُهُ، وهوَ كقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الصومُ نصفُ الصبرِ))(٥) ؛ فإنَّ كلَّ ما ينقسمُ بقسمينِ يُسمَّى أحدُهُما نصفاً وإنْ كانَ بينَهُما تفاوتٌ؛ كما يُقالُ : الإيمانُ هوَ العلمُ والعملُ ، فالعملُ نصفُ الإيمانِ ، فلا يدلُّ ذلكَ على أنَّ العملَ يساوي العلمَ . وفي الخبرِ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((آخرُ الأنبياءِ دخولاً الجنَّةَ سليمانُ بنُ داوودَ عليهِما السلامُ ؛ لمكانِ ملكِهِ ، وآخرُ أصحابي دخولاً .2 (١) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٢/ ١٦٠)، والقضاعي في (( مسند الشهاب)) (٧٨)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» (٣٨/ ٤٣٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً . (٢) رواه البيهقي في (( الشعب)) (١١٥٢) عن علي رضي الله عنه مرفوعاً ضمن خبر ، وروى ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (٥٢٨) حديث وافدة النساء التي وصفت من حال الرجال ما لا يبلغ شأوه النساء وفيه: «أقرئي النساء عني وقولي لهن : إن طاعة الزوج تعدل ما هناك، وقليل منكن تفعله ... )) الخبر . (٣) رواه ابن ماجه (٣٣٧٥) . (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤/٥)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٢٧/١٣)، وأوقفه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٤/٩) على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٥) رواه الترمذي ( ٣٥١٩)، وابن ماجه (١٧٤٥ ). ٤٤٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الجنَّةَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ؛ لمكانٍ غناهُ))، وفي لفظٍ آخرَ: (( يدخلُ سليمانُ بعدَ الأنبياءِ بأربعينَ خريفاً »(١). وفي الخبرِ : ( أبوابُ الجنَّةِ كلُّها مصراعانِ إلا بابَ الصبرِ ، فإنَّهُ مصراعٌ واحدٌ ، وأوَّلُ مَنْ يدخلُهُ أهلُ البلاءِ أمامَهُمْ أيُّوبُ عليهِ السلامُ)(٢). وكلُّ ما وردَ في فضائلِ الفقرِ يدلُّ على فضيلةِ الصبرِ ؛ لأنَّ الصبرَ حالُ الفقيرِ ، والشكرَ حالُ الغنيِّ . فهذا هوَ المقامُ الذي يقنعُ العوامَّ ، ويكفيهِمْ في الوعظِ اللائقِ بِهِمْ ، والتعريفِ لما فيهِ صلاحُ دينِهِمْ . المقامُ الثاني : هوَ البيانُ الذي نقصدُ بهِ تعريفَ أهلِ العلم والاستبصارِ بحقائقٍ الأمورِ بطريقِ الكشفِ والإيضاحِ : فنقولُ فيهِ : كلُّ أمرينٍ مبهمينٍ لا تمكنُ الموازنةُ بينَهُما معَ الإبهامِ ما لمْ (١) كذا في ((القوت)) (٢٠٣/١)، وقد روى الطبراني في ((الأوسط)) (٤١٢٥) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: (( الأنبياء كلهم يدخلون الجنة قبل داوود وسليمان بألفي عام ... )) الحديث، وهو عند الديلمي في (( مسند الفردوس)) (٨٩٠٩) بلفظ: ((يدخل الأنبياء كلهم قبل داوود وسليمان الجنة بأربعين عاماً)»، وروى البزار في ((مسنده)) ( ٧٠٠٣) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((إن أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي عبد الرحمن بن عوف ، والذي نفس محمد بيده لن يدخلها إلا حبواً)) . (٢) كذا في ((القوت)) (٢٠٣/١)، ولم يرفعه، بل قال: (وقد جاء في الآثار ... ). ٤٤٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات يُكشفْ عنْ حقيقةِ كلِّ واحدٍ منهُما ، وكلُّ مكشوفٍ يشتملُ على أقسامِ لا تمكنُّ الموازنةُ بينَ الجملةِ والجملةِ ، بلْ يجبُ أنْ تُفُردَ الآحادُ بالموازنةِ حتَّى يتبيَّنَ الرجحانُ ، والصبرُ والشكرُ أقسامُهُما وشعبُهُما كثيرةٌ ، فلا يتبيَّنُ حكمُهُما في الرجحانِ والنقصانِ معَ الإجمالِ ، فنقولُ : قدْ ذكرنا أنَّ هذهِ المقاماتِ تنتظمُ مِنْ ثلاثةِ أمورٍ : علومٌ ، وأحوالٌ ، وأعمالٌ ، والشكرُ والصبرُ وسائرُ المقاماتِ هيَ كذلكَ ، وهذهِ الثلاثةُ إذا وُزنَ البعضُ منها بالبعضِ .. لاحَ للناظرينَ إلى الظواهرِ أنَّ العلومَ تُرادُ للأحوالِ ، والأحوالُ تُرادُ للأعمالِ، والأعمالُ هيَ الأفضلُ، وأمَّا أربابُ البصائرِ .. فالأمرُ عندَهُمْ بالعكسِ مِنْ ذلكَ، فإنَّ الأعمالَ تُرادُ للأحوالِ ، والأحوالُ تُرادُ للعلومِ ، فالأفضلُ العلومُ، ثمَّ الأحوالُ، ثمَّ الأعمالُ؛ لأنَّ كلَّ مرادٍ لغيرِهِ فذلكَ الغيرُ - لا محالةَ - أفضلُ منهُ. وأمَّا آحادُ هذهِ الثلاثةِ .. فالأعمالُ قدْ تتساوى وقدْ تتفاوتُ إذا أُضيفَ بعضُها إلى بعضٍ ، وكذا آحادُ الأحوالِ إذا أُضيفَ بعضُها إلى بعضٍ ، وكذا آحادُ المعارفِ . دن. من حه ؟ وأفضلُ المعارفِ علومُ المكاشفةِ ، وهيَ أرفعُ مِنْ علومِ المعاملةِ ، بلْ علومُ المعاملةِ دونَ المعاملةِ ؛ لأنَّها ترادُ للمعاملةِ ، ففائدتُها إصلاحُ العملِ ، وإنَّما فضلُ العالمِ بالمعاملةِ على العابدِ إذا كانَ علمُهُ ممَّا يعمُ نفعُهُ، فيكونُ بالإضافةِ إلى عملٍ خاصٍّ أفضلَ ، وإلا .. فالعلمُ القاصرُ بالعملِ ليسَ بأفضلَ مِنَ العملِ القاصرِ ، فنقولُ : ب ٤٥٠ ربع المنجيات جمعـ كتاب الصبر والشكر فائدةُ إصلاحِ العملِ إصلاحُ حالِ القلبِ ، وفائدةُ إصلاحِ حالِ القلبِ أنْ ينكشفَ لهُ جلالُ اللهِ تعالى في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، فأرفعُ علوم المكاشفةِ معرفةُ اللهِ سبحانه وتعالى ، وهيَ الغايةُ التي تُطْلبُ لذاتِها ؛ فإنَّ السعادةَ تُنَالُ بها ، بلْ هيَ عينُ السعادةِ ، ولكنْ قَدْ لا يشعرُ القلبُ في الدنيا بأنَّها عينُ السعادةِ ، وإنَّما يشعرُ بها في الآخرةِ ، فهيَ المعرفةُ الحرَّةُ التي لا قيدَ عليها ، فلا تتقيَُّ بغيرِها ، وكلُّ ما عداها مِنَ المعارفِ عبيدٌ وخدمٌ بالإضافةِ إليها ، فإنَّها إنَّما تُرادُ لأجلِها ، ولما كانَتْ مرادةً لأجلِها .. كانَ تفاوتُها بحسَبِ نفعِها في الإفضاءِ إلى معرفةِ اللهِ تعالى ، فإنَّ بعضَ المعارفِ يفضي إلى بعضٍٍ ؛ إمَّا بواسطةٍ وإِمَّا بوسائطَ كثيرةٍ ، فكلَّما كانَتِ الوسائطُ بينَهُ وبينَ معرفةِ اللهِ تعالى أقلَّ .. فهيَ أفضلُ . وأمَّا الأحوالُ .. فنعني بها أحوالَ القلبِ في تصفيتِهِ وتطهيرِهِ عنْ شوائبٍ الدنيا وشواغلِ الخلقِ ، حتَّى إذا طهرَ وصفا .. اتضحَ لهُ حقيقةُ الحقِّ. فإذاً ؛ فضائلُ الأحوالِ بقدْرِ تأثيرِها في إصلاحِ القلبِ وتطهيرِهِ وإعدادِهِ لأنْ تحصلَ لهُ علومُ المكاشفةِ ، وكما أنَّ تصقيلَ المرآةِ يحتاجُ إلى أنْ يتقدَّمَ على تمامِهِ أحوالٌ للمرآةِ ، بعضُها أقربُ إلى الصقالةِ مِنْ بعضٍ .. فكذلكَ أحوالُ القلبِ ، فالحالةُ القريبةُ أو المقرِّبةُ مِنْ صفاءِ القلبِ هيَ أفضلُ ممَّا دونَها لا محالةَ ؛ بسببِ القربِ مِنَ المقصودِ . وهكذا ترتيبُ الأعمالِ ؛ فإنَّ تأثيرَها في تأكيدِ صفاءِ القلبِ وجلبٍ الأحوالِ إليهِ ، وكلُّ عملِ إمَّا أنْ يجلبَ إليهِ حالةً مانعةً مِنَ المكاشفةِ ، ٤٥١ 1 كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات موجبةً لظلمةِ القلبِ ، جاذبةً إلى زخارفِ الدنيا ، وإمَّا أنْ يجلبَ إليهِ حالةً مهيَّةً للمكاشفةِ ، موجبةً صفاءَ القلبِ وقطعَ علائقِ الدنيا عنهُ ، واسمُ الأوَّلِ المعصيةُ ، واسمُ الثاني الطاعةُ . والمعاصي مِنْ حيثُ التأثيرُ في ظلمةِ القلبِ وقساوتِهِ متفاوتةٌ ، وكذا الطاعاتُ في تنويرِ القلبِ وتصفيتِهِ ، فدرجاتها بحسَبِ درجاتِ تأثيرِها ، وذلكَ يختلف باختلافِ الأحوالِ ، وذلكَ أنَّا بالقولِ المطلقِ ربما نقولُ : الصلاةُ النافلةُ أفضلُ مِنْ كلِّ عبادةٍ نافلةٍ ، وإنَّ الحجَّ أفضلُ مِنَ الصدقةِ ، وإنَّ قيامَ الليلِ أفضلُ مِنْ غیرِهِ . ولكنَّ التحقيقَ فيهِ : أنَّ الغنيَّ الذي معَهُ مالٌ وقدْ غلبَهُ البخلُ وحبُّ المالِ على إمساكِهِ .. فإخراجُ درهمٍ لهُ أفضلُ مِنْ قيامٍ ليالٍ وصيام أيام ؛ لأنَّ الصيامَ يليقُ بمَنْ غلبَتْهُ شهوةُ البطنِ فأرادَ كسرَها ، أوْ منعَهُ الشبعُ عنْ صفاءٍ الفكرِ في علومِ المكاشفةِ فأرادَ تصفيةَ القلبِ بالجوع ، فأمَّا ههذا المدبرُ إذا لمْ تكنْ حالُهُ هذهِ الحالَ . . فليسَ يستضرُّ بشهوةِ بطنِهِ ، ولا هوَ مشتغلٌ بنوعٍ فكرٍ يمنعُهُ الشبعُ منهُ ، فاشتغالُهُ بالصومِ خروجٌ منهُ عنْ حالِهِ إلى حالِ غيرِهِ ، وهوَ كالمريضِ الذي يشكو وجعَ البطنِ، إذا استعملَ دواءَ الصداع .. لَمْ ينتفعْ بهِ ، بلْ حقُّهْ أنْ ينظرَ في المهلكِ الذي استولى عليهِ ، والشخُ المطاعُ مِنْ جملةِ المهلكاتِ ، ولا يزيلُ صيامُ مئةِ سنةٍ وقيامُ ألفِ ليلةٍ منهُ ذرَّةً، بلْ لا يزيلُهُ إلا إخراجُ المالِ ، فعليهِ أنْ يتصدَّقَ بما معَهُ ، وتفصيلُ هذا ممَّا ذكرناهُ في ربع المهلكاتِ ، فليُرجِعْ إليهِ . ٤٥٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فيهلِكَ .. فلهُ غرضٌ في الترياقِ ، ولهُ غرضٌ في حفْظِ الولدِ ، فواجبٌ عليهِ أنْ يزنَ غرضَهُ في الترياقِ بغرضِهِ في حفْظِ الولدِ ، فإذا كانَ يقدرُ على الصبرِ عنِ الترياقٍ ولا يستضرُّ بهِ ضرراً كثيراً، ولوْ أخذَها لأخذها الصبيُّ ، ويعظمُ ضررُهُ بهلاكِهِ .. فواجبٌ عليهِ أنْ يهربَ عنِ الحيّةِ إذا رآها ويشيرُ على الصبيِّ بالهربِ ، ويقبِّحُ صورتَها في عينِهِ ، ويعرِّفُهُ أنَّ فيها سمّاً قاتلاً لا ينجو منهُ أحدٌ ، ولا يحدِّثُهُ أصلاً بما فيها مِنْ نفع الترياقِ؛ فإنَّ ذلكَ ربما يغرُّهُ فيقدمُ عليهِ مِنْ غيرِ تمامِ المعرفةِ . وكذلكَ الغوَّاصُ إذا علمَ أنَّهُ لوْ غاصَ في البحرِ بمرأىّ مِنْ ولِدِهِ لاتبعَهُ وهلكَ .. فواجبٌ عليهِ أنْ يحذّرَ الصبيَّ ساحلَ البحرِ والنهرِ ، فإنْ كانَ لا ينزجرُ الصبيُّ بمجرَّدِ الزجرِ مهما رأى أباهُ يحومُ حولَ الساحلِ .. فواجبٌ عليهِ أنْ يبعُدَ مِنَ الساحلِ معَ الصبيِّ ولا يقربَ منهُ بينَ يديهِ . فكذلكَ الأمَّةُ في حجرِ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ كالصبيانِ الأغبياءِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما أنا لكُمْ مثلُ الوالدِ لولدِهِ))(١). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إنَّكُمْ تتهافتونَ على النارِ تهافتَ الفراشِ وأنا آخذٌ بحُجِزِكُمْ))(٢) . وحظُّهُمُ الأوفرُ في حفْظِ أولادِهِمْ عنِ المهالكِ ، فإنَّهُمْ لمْ يُبعثوا إلا (١) رواه أبو داوود (٨)، والنسائي (٣٨/١)، وابن ماجه (٣١٣). (٢) رواه البخاري (٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤) . ٣٥٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ﴿﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾، فكيفَ لا يكونُ الفعلُ والإنفاقُ هوَ الأفضلَ ؟ ے فاعلمْ : أنَّ الطبيبَ إذا أثنى على الدواءِ .. لمْ يدلَّ على أنَّ الدواءَ مرادٌ لعينِهِ ، أوْ على أنَّهُ أفضلُ مِنَ الصحةِ والشفاءِ الحاصلِ بهِ ، ولكنَّ الأعمالَ علاجٌ لمرضٍِ القلوبِ ، ومرضُ القلوبِ ممَّا لا يُشعرُ بهِ غالباً ، فهوَ كبرصٍ على وجهِ مَنْ لا مرآةَ مَعَهُ ، فإنَّهُ لا يشعرُ بهِ ، ولو ذكرَ لهُ لا يصدِّقُ بهِ ، فالسبيلُ معَهُ المبالغةُ في الثناءِ على غسلِ الوجهِ بماءِ الوردِ مثلاً إنْ كانَ ماءُ الورد يزيلُ البرصَ ؛ حتَّى يستحثَّهُ فرطُ الثناءِ على المواظبةِ عليهِ ، فيزولَ مرضُهُ، فإنَّهُ لوْ ذُكِرَ لهُ أنَّ المقصودَ زوالُ البرصِ عنْ وجهِكَ .. ربما تركَ العلاجَ ، وزعمَ أنَّ وجهَهُ لا عيبَ فيهِ . ولنضربْ مثلاً أقربَ مِنْ هذا فنقولُ : مَنْ لهُ ولدٌ علَّمَهُ العلمَ والقرآنَ ، وأرادَ أنْ يثبتَ ذلكَ في حفظِهِ بحيثُ لا يزولُ عنهُ، وعلمَ أنَّهُ لوْ أمرَهُ بالتكرارِ والدراسةِ ليبقى لهُ محفوظاً .. لقالَ: إنَّهُ محفوظٌ، ولا حاجةَ بي إلى تكرارِ ودراسةٍ ؛ لأنَّهُ يظنُ أنَّ ما يحفظُهُ في الحالِ يبقى كذلكَ أبداً، وكانَ لهُ عبيدٌ ، فأمرَ الولدَ بتعليمِ العبيدِ ، ووعدَهُ على ذلكَ بالجميلِ ؛ لتتوفَّرَ داعيتُهُ على كثرةِ التكرارِ بالتعليمِ ، فربما يظنُّ الصبيُّ المسكينُ أنَّ المقصودَ تعليمُ العبيدِ القرآنَ، وأنَّهُ قدِ استخدمَ لتعليمِهِمْ، فيشكلُ عليهِ الأمرُ فيقولُ : ما بالي قدِ استخدمتُ ـجن ci حن ٤٥٤ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر لأجلِ العبيدِ وأنا أجلُّ منهُمْ وأعزُّ عندَ الوالدِ ؟ وأعلمُ أنَّ أبي لو أرادَ تعليمَ العبيدِ .. لقدرَ عليهِ دونَ تكليفي؟ وأعلمُ أنَّهُ لا نقصانَ لأبي بفقدِ هؤلاءِ العبيدِ فضلاً عنْ عدمٍ علمِهِمْ بالقرآنِ ؟! فربما يتكايسُ هذا المسكينُ فيتركُ تعليمَهُمُ اعتماداً على استغناءِ أبيهِ وعلى كرمِهِ في العفوِ عنهُ ، فينسى العلمَ والقرآنَ ، ويبقى مدبراً محروماً مِنْ حيثُ لا يدري . وقدِ انخدعَ بمثلِ هذا الخيالِ طائفةٌ ، وسلكوا طريقَ الإباحةِ ، وقالوا : إنَّ اللهَ تعالى غنيٌّ عنْ عبادِتِنا وعنْ أنْ يستقرضَ منَّا، فأيُّ معنىَ لقولِهِ: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ولوْ شاءَ اللهُ إطعامَ المساكينِ .. لأطعمَهُمْ؟ فلا حاجةَ بنا إلى صرفِ أموالِنا إليهِمْ ، كما قالَ تعالى حكايةً عنِ الكفارِ : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِنَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظْعِمُ مَن لَّوْيَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، وقالوا أيضاً: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَّ ءَابَآ ؤُنَا﴾، فانظرْ كيفَ كانوا صادقينَ في كلامِهِمْ وكيفَ هلكوا بصدقِهِمْ . فسبحانَ مَنْ إذا شاءَ .. أهلكَ بالصدقِ ، وإذا شاءَ أسعدَ بالجهلِ ، يضلُّ بهِ کثیراً ویهدي بهِ کثیراً ! فهؤلاءِ لمَّا ظنُّوا أنَّهُمُ استخدموا لأجلِ المساكينِ والفقراءِ ، أَوْ لأجلِ اللهِ تعالى ، ثمَّ قالوا : لا حظّ لنا في المساكينِ، ولا حظّ للهِ فينا وفي أموالِنا ، سواءٌ أنفقنا أوْ أمسكنا .. هلكوا كما هلكَ الصبيُّ لمَّا ظنَّ أنَّ مقصودَ الوالِدِ ٤٥٥ حن كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات استخدامُهُ لأجلِ العبيدِ ، ولمْ يشعرْ بأنَّهُ كانَ المقصودُ منهُ ثباتَ صفةِ العلمِ في نفسِهِ ، وتأكدَهُ في قلبِهِ ، حتَّى يكونَ ذلكَ سببَ سعادتِهِ في الدنيا ، وإنَّما كانَ ذلكَ مِنَ الوالِدِ تلطُّفاً بهِ في استجرارِهِ إلى ما فيهِ سعادتُهُ . فهذا المثالُ يبيِّنُ لكَ ضلالَ مَنْ ضلَّ مِنْ هذا الطريقِ . فإذاً ؛ المسكينُ الآخذُ لمالِكَ يستوفي بواسطةِ المالِ خبْثَ البخلِ وحبَّ الدنيا مِنْ باطنِكَ ، فإنَّهُ مهلكٌ لكَ ، فهوَ كالحجَّام ، يستخرجُ الدمَ منكَ ليخرجَ بخروج الدم العلَّةَ المهلكَةِ منْ باطنِكَ ، فالحجَّامُ خادمٌ لكَ ، لا أنتَ خادمٌ للحجَّامِ ، ولا يخرجُ الحجَّامُ عنْ كونِهِ خادماً ؛ بأنْ يكونَ لهُ غرضٌ في أنْ يصنعَ شيئاً بالدم ، ولمَّا كانتِ الصدقاتُ مطهرةً للبواطنِ ، ومزكيةً لها عنْ خبائثِ الصفاتِ .. امتنعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ أخذِها ، وانتهىُ عنها ؛ كما نهى عنْ كسبِ الحجَّام(١) ، وسمَّاها: أوساخَ أموالِ الناسِ، وشرَّفَ أهلَ بيتِهِ بالصيانةِ عنها(٢) . والمقصودُ : أنَّ الأعمالَ مؤثراتٌ في القلبِ كما سبقَ في ربعٍ المهلكاتِ ، والقلبُ بحسَبِ تأثيرِها يستعدُّ لقبولِ الهدايةِ ونورِ المعرفةِ ، فهذا هوَ القولُ الكلِّيُّ والقانونُ الأصليُّ الذي ينبغي أنْ يُرجعَ إليهِ في معرفةٍ فضائلِ الأعمالِ والأحوالِ والمعارفِ . (١) رواه النسائي (٧/ ٣١٠)، وابن ماجه (٢١٦٥) . (٢) كما روى ذلك مسلم (١٠٧٢). ٤٥٦ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فلنرجع الآنَ إلى خصوصٍٍ ما نحنُ فيهِ مِنَ الصبرِ والشكرِ ، فنقولُ : في كلِّ واحدٍ منهُما معرفةٌ وحالٌ وعملٌ ، فلا يجوزُ أنْ تُقابلَ المعرفةُ في أحدِهِما بالحالِ أوِ العملِ في الآخرِ ، بلْ يُقابلُ كلُّ واحدٍ منها بنظيرِهِ ، حتَّى يظهرَ التناسبُ ، وبعدَ التناسبِ يظهرُ الفضلُ . ومهما قُوبِلَتْ معرفةُ الشاكرِ بمعرفةِ الصابرِ ربما رجعا إلى معرفةٍ واحدةٍ ؛ إذْ معرفةُ الشاكرِ أنْ يرى نعمةَ العينينِ مثلاً مِنَ اللهِ تعالى ، ومعرفةُ الصابرِ أنْ يرى العمىُ مِنَ اللهِ ، وهما معرفتانِ متلازمتانِ ومتساويتانِ ، هذا إنِ اعتُبرَ في البلاءِ والمصائبِ ، وقدْ بيََّّا أنَّ الصبرَ قدْ يكونُ على الطاعةِ وعنِ المعصيةِ ، وفيهِما يتَحدُ الصبرُ والشكرُ ؛ لأنَّ الصبرَ على الطاعةِ هوَ عينُ شكرِ الطاعةِ ؛ لأنَّ الشكرَ يرجعُ إلى صرْفِ نعمةِ اللهِ تعالى إلى ما هوَ المقصودُ منها بالحكمةِ ، والصبرَ يرجعُ إلى ثباتِ باعثِ الدينِ في مقابلةِ باعثِ الهوى ، فالصبرُ والشكرُ فيهِ اسمانِ لمسمّىّ واحدٍ باعتبارينِ مختلفينِ ، فثباتُ باعثِ الدينِ في مقابلةِ باعثِ الهوى يُسمَّى صبراً بالإضافةِ إلى باعثِ الهوى، ويُسمَّى شكراً بالإضافةِ إلى باعثِ الدينِ ؛ إذْ باعثُ الدينِ إنَّما خُلِقَ لهذهِ الحكمةِ ، وهوَ أنْ يصرعَ بهِ باعثَ الشهوةِ ، فقدْ صرفَهُ إلى مقصودِ الحكمةِ ، فهُما عبارتانِ عنْ معنىّ واحدٍ ، فكيفَ يفضلُ الشيءُ على نفسِهِ ؟! فإذاً ؛ مجاري الصبر ثلاثةٌ : الطاعةُ، والمعصيةُ ، والبلايا ، وقدْ ظهرَ حكمُهُما في الطاعةِ والمعصيةِ . ـد ٤٥٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ـحن وأمَّا البلاءُ .. فهوَ عبارةٌ عنْ فقْدِ نعمةٍ ، والنعمةُ إمَّا أنْ تقعَ ضروريةً ؛ كالعينينِ مثلاً ، وإمَّا أنْ تقعَ في محلِّ الحاجةِ ؛ كالزيادةِ على قدْرِ الكفايةِ مِنَ المالِ . أمَّا العينانِ .. فصبرُ الأعمىُ عنهُما بألا يُظهرَ الشكوى ، ويظهرَ الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى ، ولا يترخَّصَ بسببِ العمى في بعضِ المعاصي ، وشكرُ البصيرِ عليهِما مِنْ حيثُ العملُ بأمرينِ : أحدُهُما : ألا يستعينَ بهِما على معصيةٍ . والآخرُ : أنْ يستعملَهُما في الطاعةِ . وكلُّ واحدٍ مِنَ الأمرينِ لا يخلو عنِ الصبرِ ؛ فإنَّ الأعمىْ كُفِيَ الصبرَ عنِ الصورِ الجميلةِ لأنَّهُ لا يراها ، والبصيرُ إذا وقعَ بصرُهُ على جميلٍ فصبرَ .. كانَ شاكراً لنعمةِ العينينِ ، وإنْ أتبعَ النظرَ .. كفرَ نعمةَ العينينِ ، فقدْ دخلَ الصبرُ في شکرِهِ . وكذا إذا استعانَ بالعينينِ على الطاعةِ .. فلا بدَّ أيضاً فيهِ مِنْ صبرٍ على الطاعةِ ، ثمَّ قدْ يشكرُها بالنظرِ إلى عجائبِ صنع اللهِ تعالى، ليتوصَّلَ بهِ إلىُ معرفةِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى ، فيكونَ هذا الشكرُ أفضلَ مِنَ الصبرِ . ولولا هذا .. لكانَتْ رتبةُ شعيبٍ عليهِ السلامُ مثلاً - وقدْ كانَ ضريراً - من الأنبياءِ فوقَ رتبةِ موسى عليهِما السلامُ وغيرِهِ مِنَ الأنبياءِ ؛ لأنَّهُ صبرَ على فقْدِ البصرِ ، وموسى عليهِ السلامُ لمْ يصبرْ مثلاً، ولكانَ الكمالُ في أنْ يُسلبَ ٤٥٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الإنسانُ الأطرافَ كلَّها ويُتركَ كلحمٍ على وَضَمٍ ، وذلكَ محالٌ جداً ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ هذهِ الأعضاءِ آلةٌ في الدينِ ، فيفوتُ بفواتِها ذلكَ الركنُ مِنَ الدينِ ، وشكرُها استعمالُها فيما هيَ آلةُ فيهِ مِنَ الدينِ ، وذلكَ لا يكونُ إلا بصبرٍ . ت وأمَّا ما يقعُ في محلِّ الحاجةِ ؛ كالزيادةِ على الكفايةِ مِنَ المالِ .. فإنَّهُ إذا لمْ يُؤْتَ إلا قدْرَ الضرورةِ وهوَ محتاجٌ إلى ما وراءَهُ .. ففي الصبرِ عنهُ مجاهدةٌ ، وهوَ جهادُ الفقراءِ ، ووجودُ الزيادةِ نعمةٌ ، وشكرُها أنْ تُصرفَ إلى الخيراتِ ، أوْ ألا تُستعملَ في المعصيةِ ، فإنْ أُضيفَ الصبرُ إلى الشكرِ الذي هوَ صرْفٌ إلى الطاعةِ .. فالشكرُ أفضلُ؛ لأنَّهُ تضمَّنَ الصبرَ أيضاً ، وفيهِ فرحٌ بنعمةِ اللهِ تعالى، وفيهِ احتمالُ ألمٍ في صرفِهِ إلى الفقراءِ ، وتركُ صرفِهِ إلى التنعُمِ المباحِ ، وكانَ الحاصلُ يرجعُ إلى أنَّ شيئينٍ أفضلُ مِنْ شيءٍ واحدٍ ، وأنَّ الجملةَ أعلى رتبةً مِنَ البعضِ ، وهذا فيهِ خللٌ ، إذْ لا تصحُ الموازنةُ بينَ الجملةِ وبينَ أبعاضِها . وأمَّا إذا كانَ شكرُهُ بألا يستعينَ بهِ على معصيةٍ ، بلْ يصرفُهُ إلى التنقُّمِ المباحِ .. فالصبرُ هلهنا أفضلُ مِنَ الشكرِ ، والفقيرُ الصابرُ أفضلُ مِنَ الغنيِّ الممسكِ مالَهُ الصارفِ لهُ إلى المباحاتِ ، لا مِنَ الغنيِّ الصارفِ مالَهُ إلى الخيراتِ ؛ لأنَّ الفقيرَ قدْ جاهدَ نفسَهُ وكسرَ نهمتَها ، وأحسنَ الرضا على بلاءِ اللهِ تعالىُ ، وهذهِ الحالةُ تستدعي - لا محالةَ - قوَّةً، والغنيُّ أتبعَ نهمتَهُ وأطاعَ شهوتَهُ ، ولكنَّهُ اقتصرَ على المباحِ ، والمباحُ فيهِ مندوحةٌ عنِ الحرامِ ، ولكنْ لا بدَّ مِنْ قوَّةٍ في الصبرِ عنِ الحرامِ أيضاً ، إلا أنَّ القوَّةَ التي عنها ٤٥٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات يصدرُ صبرُ الفقيرِ أعلى وأتُّ مِنْ هذهِ القوَّةِ التي عنها يصدرُ الاقتصارُ في التنعُمِ على المباحِ ، والشرفُ لتلكَ القوَّةِ التي يدلُّ العملُ عليها ، فإنَّ الأعمالَ لا تُرادُ إلا لأحوالِ القلوبِ ، وتلكَ القوَّةُ حالةٌ للقلبِ تختلفُ بحسَبِ قوَّةِ اليقينِ والإيمانِ ، فما دلَّ على زيادةٍ قوَّةٍ في الإيمانِ فهوَ أفضلُ لا محالةَ . وجميعُ ما وردَ مِنْ تفضيلِ أجرِ الصبرِ على أجرِ الشكرِ في الآياتِ والأخبارِ إنَّما أُريدَ بهِ هذهِ الرتبةُ على الخصوصِ ؛ لأنَّ السابقَ إلى أفهامِ الناسِ مِنَ النعمةِ الأموالُ والغنى بها ، والسابقَ إلى الأفهام مِنَ الشكرِ أنْ يقولَ الإنسانُ : ( الحمدُ للهِ ) ، ولا يستعينَ بالنعمةِ على المعصيةِ ، لا أنْ يصرفَها إلى الطاعةِ ، فإذاً ؛ الصبرُ أفضلُ مِنَ الشكرِ ؛ أي : الصبرُ الذي تفهمُهُ العامَّةُ أفضلُ مِنَ الشكرِ الذي تفهمُهُ العامَّةُ . وإلى هذا المعنى على الخصوصِ أشارَ الجنيدُ رحمَهُ اللهُ حيثُ سُئِلَ عنِ الصبرِ والشكرِ أَيُّهُما أفضلُ ؟ فقالَ : ( ليسَ مدحُ الغنيِّ بالوجودِ ، ولا مدحُ الفقيرِ بالعدم ، وإنَّما المدحُ في الاثنينِ قيامُهُما بشروطِ ما عليهِما ، فشرطُ الغنيِّ يصحبُهُ فيما عليهِ أشياءُ تلائمُ صفتَهُ وتمتعُها وتلذُّذُها ، والفقيرُ يصحبُهُ فيما عليهِ أشياءُ تلائمُ صفتَهُ وتقبضُها وتزعجُها ، فإذا كانَ الاثنانِ قائمينِ للهِ عزَّ وجلَّ بشرطِ ما عليهِما .. كانَ الذي آلمَ صفتَهُ وأزعجَها أتمَّ حالاً ممَّنْ مثَّعَ صفتهُ ونعَّمَها)(١) . حرة' جر (١) قوت القلوب (٢٠١/١). ٤٦٠ ٥