النص المفهرس

صفحات 401-420

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
فإِنْ قلتَ : فهلاَ فوَّضتَ هذهِ الأفعالَ إلى ملكٍ واحدٍ ، ولِمَ افتقرَ إلى
سبعةِ أملاكِ ، والحنطةُ أيضاً تحتاجُ إلى مَنْ يطحنُ أولاً، ثمَّ إلى مَنْ يميزُ عنهُ
النخالةَ ويدفعُ الفضلةَ ثانياً ، ثمَّ إلى مَنْ يصبُّ الماءَ عليهِ ثالثاً، ثمَّ إلى مَنْ
يعجنُ رابعاً ، ثمَّ إلى مَنْ يقطعُهُ كراتٍ مدورةً خامساً ، ثمَّ إلى مَنْ يرقِّقُها
رغفاناً عريضةً سادساً ، ثمَّ إلى مَنْ يلصقُها بالتنورِ سابعاً ، ولكنْ قدْ يتولىُ
جميعَ ذلكَ رجلٌ واحدٌ يستقلُّ بهِ ، فهلاَّ كانَتْ أعمالُ الملائكةِ باطناً كأعمالٍ
الإنسِ ظاهراً .
فاعلمْ : أنَّ خلقةَ الملائكةِ تخالفُ خلقةَ الإنسِ ، وما مِنْ واحدٍ منهُمْ إلا
وهوَ وحدانيُّ الصفةِ ، ليسَ فيهِ خلطٌ وتركيبٌ ألبتةَ ، فلا يكونُ لكلِّ واحدٍ
منهُمْ إلا فعلٌ واحدٌ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ
مَّعْلُومٌ﴾، فلذلكَ ليسَ بينَهُمْ تنافسٌ وتقاتلٌ ، بلْ مثالُهُمْ في تعتُّنِ مرتبةٍ كلِّ
واحدٍ منهُمْ وفعلِهِ مثالُ الحواسِّ الخمسِ ، فإنَّ البصرَ لا يزاحمُ السمعَ في
إدراكِ الأصواتِ ، ولا الشُّ يزاحمُهُما ، ولا هما ينازعانِ الشمّ ، وليسَ
كاليدِ والرجْلِ ؛ فإنَّكَ قدْ تبطشُ بأصابع الرجْلِ بطشاً ضعيفاً ، فتزاحمُ بهِ
اليدَ ، وقدْ تضربُ غيرَكَ برأسِكَ فتزاحمُ اليدَ التي هيَ آلةُ الضرْبِ ،
ولا كالإنسانِ الواحدِ الذي يتولَّى بنفسِهِ الطحْنَ والعجْنَ والخبزَ ؛ فإنَّ هذا
نوعٌ مِنَ الاعوجاجِ والعدولِ عنِ العدْلِ ، سببُهُ اختلافُ صفاتِ الإنسانِ
واختلافُ دواعيهِ ، فإنَّهُ ليسَ وحدانيَّ الصفةِ ، فلمْ يكنْ وحدانيَّ الفعلِ .
ولذلكَ ترى الإنسانَ يطيعُ اللهَ مرَّةً ويعصيهِ أخرى ؛ لاختلافِ دواعیهِ
٤٠١

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
وصفاتِهِ ، وذلكَ غيرُ ممكنٍ في طباع الملائكةِ ، بلْ هُمْ مجبولونَ على
الطاعةِ ، لا مجالَ للمعصيةِ في حقِّهِمْ ، فلا جرمَ لا يعصونَ اللهَ ما أمرَهُمْ ،
ويفعلونَ ما يُؤمرونَ ، ويسبّحونَ الليلَ والنهارَ لا يفترونَ ، والراكعُ منهُمْ
راكعٌ أبداً ، والساجدُ منهُمْ ساجدٌ أبداً ، والقائمُ قائمٌ أبداً ، لا اختلافَ في
أفعالِهِمْ ولا فتورَ، ولكلِّ واحدٍ مقامٌ معلومٌ لا يتعدَّاهُ(١).
وطاعتُهُمْ للهِ تعالىُ مِنْ حيثُ لا مجالَ للمخالفةِ فيهِمْ يمكنُ أنْ تُشْبَّهَ بطاعةٍ
أطرافِكَ لكَ ؛ فإنَّكَ مهما جزمتَ الإرادةَ بفتحِ الأجفانِ .. لمْ يكنْ للجفنِ
الصحيحِ تردّدٌ واختلافٌ في طاعتِكَ مرَّةً ومعصيتِكَ أخرى ، بلْ كأنَّهُ منتظرٌ
لأمرِكَ ونهِكَ، ينفتحُ وينطبقُ متصلاً بإشارتِكَ، فههذا يشبهُهُ مِنْ وجهٍ ،
لكنْ يخالفُهُ مِنْ وجهٍ ؛ إذِ الجفنُ لا علمَ لهُ بما يصدرُ منهُ مِنَ الحركةِ فتحاً
وإطباقاً ، والملائكةُ أحياءٌ عالمونَ بما يفعلونَ.
A.M
فإذاً ؛ هذهِ نعمةُ اللهِ عليكَ في الملائكةِ الأرضيَّةِ والسماويَّةِ ، وحاجتُكَ
إليهِما في غرضِ الأكلِ فقطْ دونَ ما عداها مِنَ الحركاتِ والحاجاتِ كلِّها ،
فإنَّا لِمْ نطوِّلْ بذكرِها .
(١) وقد روى المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢٦٠)، وأبو الشيخ في (( العظمة))
(٥١٥) مرفوعاً: ((إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته ، ما منهم ملك يقطر دمعة
من عينه إلا وقعت ملكاً قائماً يصلي ، وإن منهم ملائكة سجوداً منذ خلق الله السماوات
والأرض ، لم يرفعوا رؤوسهم ، لا يرفعونها إلى يوم القيامة ، وإن منهم ركوعاً لم
يرفعوا رؤوسهم منذ خلق الله السماوات والأرض ، فلا يرفعونها إلى يوم القيامة ، فإذا
رفعوا رؤوسهم ونظروا إلى وجه الله .. قالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك)).
قه
٤٠٢
-. -
9

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
حن
فهذهِ طبقةٌ أخرىْ مِنْ طبقاتِ النعَمِ ، ومجامعُ الطبقاتِ لا يمكنُ
إحصاؤُها ، فكيفَ آحادُ ما يدخلُ تحتَ مجامع الطبقاتِ ؟!
فإذاً؛ قدْ أسبغَ اللهُ تعالى عليكَ نعمَهُ ظاهرةً وباطنةً، ثمّ قالَ: ﴿وَذَرُواْ
ظَهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، فتركُ باطنِ الإثمِ ممَّا لا يعرفُهُ الخلقُ مِنَ الحسدِ
وسوء الظنِّ والبدعةِ وإضمارِ الشرِّ للناسِ إلى غيرِ ذلكَ مِنْ آثامِ القلوبِ .. هوَ
الشكرُ للنعَمِ الباطنةِ، وتركُ الإثمِ الظاهرِ بالجوارحِ شكرٌ للنعمةِ الظاهرةِ .
بلْ أقولُ : كلُّ مَنْ عصى الله تعالى ولوْ في تطريفةٍ واحدةٍ ؛ بأنْ فتحَ جفنَهُ
مثلاً حيثُ يجبُ غضُّ البصرِ .. فقدْ كفرَ كلَّ نعمةٍ اللهِ تعالىُ عليهِ في
السماواتِ والأرضِ وما بينَهُما ، فإنَّ كلَّ ما خلقَهُ اللهُ تعالى حتَّى الملائكةِ
والسماواتِ والأرضِ والحيوانِ والنباتِ بجملتِهِ نعمةٌ على كلِّ واحدٍ مِنَ
العبادِ ، قدْ تمَّ بهِ انتفاعُهُ وإن انتفعَ غيرُهُ أيضاً بهِ ؛ فإنَّ اللهِ تعالى في كلِّ
تطريفةٍ بالجفنِ نعمتينِ في نفسِ الجفنِ ؛ إذْ خلقَ تحتَ كلِّ جفنٍ عضلاتٍ
ولها أوتارٌ ورباطاتٌ متصلةٌ بأعصابِ الدماغ ، بها يتمُّ انخفاضُ الجفنِ
الأعلى وارتفاعُ الجفنِ الأسفلِ ، وعلى كلِّ جفنٍ شعورٌ سودٌ ، ونعمةُ اللهِ في
سوادِها أنَّها تجمعُ ضوءَ العينِ ؛ إذِ البياضُ يفرِّقُ الضوءَ ، والسوادُ يجمعُهُ ،
ونعمةُ اللهِ تعالى في ترتيبها صفّاً واحداً أنْ يكونَ مانعاً للهوامِّ مِنَ الدبيبِ إلى
باطنِ العينِ ، ومتشيئاً للأقذاءِ التي تتناثرُ في الهواءِ ، ولَهُ في كلِّ شعرةٍ منها
نعمتانِ مِنْ حيثُ لينُ أصلِها ، ومعَ اللينِ قُوِّمَ نصبُها ، ولهُ في اشتباكِ
الأهدابِ نعمةٌ أعظمُ مِنَ الكلِّ ، وهوَ أنَّ غبارَ الهواءِ قدْ يمنعُ مِنْ فتحِ العينِ ،
ـط
٤٠٣

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
ولوْ طبَّقَ .. لمْ يبصرْ، فيجمعُ الأجفانَ مقدارَ ما تتشابكُ الأهدابُ ، فينظرُ
مِنْ وراءِ شَّاكِ الشعرِ ، فيكونُ شَبَّاكُ الشعرِ مانعاً مِنْ وصولِ القذىُ مِنْ
خارجٍ ، وغيرَ مانعٍ مِنِ امتدادِ البصرِ مِنْ داخلٍ .
ثُمَّ إِنْ أصابَ الحدقةَ غبارٌ .. فقدْ خلقَ أطرافَ الأجفانِ حادّةً منطبقةً على
الحدقةِ ، كالمصقلةِ للمرآةِ ، فيطبقُها مرَّةً أوْ مَّتينٍ وقدِ انصقلَتِ الحدقةُ مِنَ
الغبارِ ، وخرجَتِ الأقذاءُ إلى زوايا العينِ والأجفانِ ، والذبابُ لما لمْ يكنْ
لحدقتِهِ جفنٌ .. خلقَ لهُ يدينِ ، فتراهُ على الدوامِ يمسحُ بهِما حدقتيهِ
ليصقلَهُما مِنَ الغبارِ .
وإِذْ تركنا الاستقصاءَ لتفاصيلِ النعَمِ لافتقارِهِ إلى تطويلٍ يزيدُ على أصلٍ
هذا الكتابِ ، ولعلَّنا نستأنفُ لهُ كتاباً مقصوداً فيهِ إنْ أمهلَ الزمانُ وساعدَ
التوفيقُ، نسمِّيهِ: ((عجائبَ صنْعِ اللهِ تعالى))(١) .. فلنرجعْ إلى غرضِنا،
فنقولُ :
مَنْ نظرَ إلى غيرِ مَحْرِمٍ .. فقدْ كفرَ بفتحِ العينِ نعمةَ اللهِ في الأجفانِ(٢)،
حن
(١) ذكره ابن السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٢٧/٦) ضمن ما سرد للمصنف
رحمه الله تعالى من مؤلفات، ولعله هو كتاب (( الحكمة من مخلوقات الله عز وجل ))
نفسه ؛ إذ يقول الإمام الغزالي في مقدمته : ( إنه لما كان الطريق إلى معرفة الله سبحانه
التعظيم له بالنظر إلى مخلوقاته ، والتفكر في عجائب مصنوعاته ، وفهم
الحكمة ... )، والله تعالى أعلم .
(٢) قوله : ( من نظر إلى غير محرم) سقط من جميع النسخ ، وأثبت من (ق) ونسخة
الحافظ الزبيدي .
٤٠٤

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
ولا تقومُ الأجفانُ إلا بعينٍ ، ولا العينُ إلا برأسٍ ، ولا الرأسُ إلا بجميعِ
البدنِ ، ولا البدنُ إلا بالغذاءِ ، ولا الغذاءُ إلا بالماءِ والأرضِ والهواءِ
والمطرِ والغيمِ والشمسِ والقمرِ، ولا يقومُ شيءٌ مِنْ ذلكَ إلا بالسماواتِ ،
ولا السماواتُ إلا بالملائكةِ ، فإنَّ الكلَّ كالشيءِ الواحدِ ، يرتبطُ البعضُ منهُ
بالبعض ارتباطَ أعضاءِ البدنِ بعضِها ببعضٍ ، فإذاً ؛ قدْ كفرَ كلَّ نعمةٍ لله تعالى
في الوجودِ مِنْ منتهى الثريًّا إلى منتهى الثرى، فلمْ يبقَ فلكٌ ولا ملكٌ
ولا حيوانٌ ولا نباتٌ ولا جمادٌ إلا ويلعنُهُ، ولذلكَ وردَ في الأخبارِ أنَّ البقعةَ
التي يجتمعُ فيها الناسُ إمَّا أنْ تلعنَهُمْ إذا تفرَّقوا أوْ تستغفرَ لهُمْ (١) ، وكذلكَ
وردَ أنَّ العالمَ يستغفرُ لهُ كلُّ شيءٍ حتَّى الحوتُ في البحرِ (٢)، وأنَّ الملائكةَ
يلعنونَ العصاةَ(٣)، في ألفاظٍ كثيرةٍ لا يمكنُ إحصاؤها، وكلُّ ذلكَ إشارةٌ
(١) بهذا اللفظ قد قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً)، والمعنى مبثوث في كتب
السنة ، روى الترمذي (٣٢٥٥) عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((ما من مؤمن إلا وله
بابان ، باب يصعد منه عمله ، وباب ينزل منه رزقه ، فإذا مات .. بكيا عليه ، فذلك
قوله عز وجل: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاَلْأَرْضُ وَمَا كَانُواْمُنَظَرِينَ﴾ )).
وروى أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٢٤٦٨/٥) عن مالك بن عتاهية رضي الله عنه
مرفوعاً: ((إن الأرض لتستغفر للمصلي في السراويل)) ، وفي خبر أيوب عليه السلام
الآتي ما يفيد هذا المعنى كذلك .
(٢) رواه أبو داوود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣).
(٣) روى مسلم (٢٦١٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( من أشار إلى أخيه
بحديدة .. فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه )).
وَيَلْعَنُهُمُ الََّعِنُونَ﴾
وروى الطبري في ((تفسيره)» (٢/ ٧٥/٢) في تفسير قوله تعالى : ﴿
عن قتادة : ( هم الملائكة ) .
٤٠٥

-
کتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
ـجو
إلى أنَّ العاصيّ بتطريفةٍ واحدةٍ جنى على جميع ما في الملكِ والملكوتِ ،
وقدْ أهلكَ نفسَهُ ، إلا أنْ يتبعَ السيئةَ بحسنةٍ تمحوها ، فيتبذَلُ اللعنُ
بالاستغفار ، فعسى اللهُ أنْ يتوبَ عليهِ ويتجاوزَ عنهُ .
وأوحى اللهُ تعالى إلى أيُّوبَ عليهِ السلامُ : ( يا أيوبُ ؛ ما مِنْ عبدٍ لي مِنَ
الآدميينَ إلا ومعَهُ ملكانِ ، فإذا شكرني على نعمائي .. قالَ الملكانِ:
اللهمَّ ؛ زدْهُ نعماً على نعمٍ ، فإنَّكَ أهلُ الحمدِ والشكرِ، فَكُنْ مِنَ الشاكرينَ
قريباً ، فكفى بالشاكرينَ علوَّ رتبةٍ عندي أنِّي أشكرُ شكرَهُمْ ، وملائكتي
يدعونَ لهُمْ ، والبقاعُ تحبُّهُمْ، والآثارُ تبكي عليهِمْ)(١).
وكما عرفتَ أنَّ في كلِّ طرفةِ عينٍ نعماً كثيرةً . . فاعلمْ أنَّ في كلِّ نَفَسٍ
ينبسطُ وينقبضُ نعمتينِ ؛ إذْ بانبساطِهِ يخرجُ الدخانُ المحترقُ مِنَ القلبِ ،
ولوْ لمْ يخرجْ .. لهلكَ، وبانقباضِهِ يجمعُ روحَ الهواءِ إلى القلبِ ، ولوْ سُدَّ
متنفسُهُ .. لاحترقَ قلبُهُ بانقطاع روحِ الهواءِ وبرودِتِهِ عنهُ وهلكَ .
بلِ اليومُ والليلةُ أربعٌ وعشرونَ ساعةً ، وفي كلِّ ساعةٍ قريبٌ مِنْ ألفٍ
نفسٍ ، وكلُّ نفسٍ قريبٌ مِنْ عشرِ لحظاتٍ ، فعليكَ في كلِّ لحظةٍ آلافُ آلافِ
نعمةٍ في كلِّ جزءٍ مِنْ أجزاءٍ بدِنِكَ ، بلْ في كلِّ جزءٍ مِنْ أجزاءِ العالمِ ، فانظرْ
هلْ يُتصوَّرُ إحصاءُ ذلكَ أمْ لا ؟!
ولمَّا انكشفَ لموسى عليه السلامُ حقيقةُ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّ واْنِعْمَتَ
(١) قوت القلوب (٢١٠/١) .
٤٠٦

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ .. قالَ: (إلهي؛ كيفَ أشكرُكَ ولكَ في كلِّ شعرةٍ مِنْ
جسدي نعمتانِ؛ أنْ لينتَ أصلَها، وأنْ طمستَ رأسَها ؟!)(١) .
ولذلكَ وردَ في الأثرِ : ( مَنْ لمْ يعرفْ نعَمَ اللهِ إلا في مطعمِهِ ومشرِبِهِ ..
فقدْ قلَّ علمُهُ ، وحضرَ عذابُهُ)(٢) .
وجميعُ ما ذكرناهُ يرجعُ إلى المطعمِ والمشربِ ، فاعتبرْ ما سواهُ مِنَ
النعمِ بهِ ، فإنَّ البصيرَ لا تقعُ عينُهُ في العالمِ على شيءٍ ولا يلمُّ خاطرُهُ
بموجودٍ إلا ويتحقَّقُ أنَّ للهِ فيهِ نعمةً علیهِ .
فلنتركِ الاستقصاءَ والتفصيلَ ؛ فإنَّهُ طمعٌ في غيرِ مَطْمَعٍ .
(١) قوت القلوب (٢٠٩/١).
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢١٠/١) عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
٤٠٧

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
بيان السبب الصارف للخلق عن الشّكر
..-- -
اعلمْ : أنَّهُ لمْ يقصرْ بالخلقِ عنْ شكرِ النعمةِ إلا الجهلُ والغفلةُ ، فإِنَّهُمْ
مُنعوا بالجهلِ والغفلةِ عنْ معرفةِ النعَمِ ، ولا يُتصوَّرُ شكرُ النعمةِ إلا بعدَ
معرفتِها ، ثمَّ إنَّهُمْ إنْ عرفوا نعمةً ظُّوا أنَّ الشكرَ عليها أنْ يقولَ بلسانِهِ :
الحمدُ للهِ ، الشكرُ للهِ، ولمْ يعرفوا أنَّ معنى الشكرِ أنْ يستعملَ النعمةَ في
إتمامِ الحكمةِ التي أُريدَتْ بها ، وهيَ طاعةُ اللهِ تعالى ، فلا يمنعُ مِنَ الشكرِ
بعدَ حصولِ هاتينِ المعرفتينِ إلا غلبةُ الشهوةِ واستيلاءُ الشيطانِ .
أمَّا الغفلةُ عنِ النعم .. فلها أسبابٌ ، وأحدُ أسبابِها أنَّ الناسَ بجهلِهِمْ
لا يعدُّونَ ما يعمُّ الخلقَ ويسلمُ لهُمْ في جميع أحوالِهِمْ نعمةً ، فلذلكَ
لا يشكرونَ على جملةِ ما ذكرناهُ مِنَ النعمِ ؛ لأنَّها عامَّةٌ للخلْقِ مبذولةٌ لَهُمْ
في جميع أحوالِهِمْ، فلا يرى كلُّ واحدٍ لنفسِهِ اختصاصاً بهِ ، فلا يعدُّهُ
نعمةً ، فلا تراهُمْ يشكرونَ اللهَ تعالى على روحِ الهواءِ ، ولَوْ أُخذَ بمُخَنَّقِهِمْ
لحظةً حتَّى انقطعَ الهواءُ عنهُمْ .. ماتوا ، ولوْ حُبسوا في بيتِ حمامٍ فيهِ هواءٌ
حارّ، أوْ في بئرٍ فيهِ هواءٌ ثقُلَ برطوبةِ الماءِ .. ماتوا غمّاً ، فإنِ ابتليَ واحدٌ
منهُمْ بشيءٍ مِنْ ذلكَ ثمَّ نجا .. ربَما قدَّرَ ذلكَ نعمةً، وشكرَ اللهَ عليها ،
وهذا غايةُ الجهلِ ؛ إذْ صارَ شكرُهُمْ موقوفاً على أنْ تُسلبَ عنهُمُ النعمةُ ثمَّ
تُردُّ عليهِمْ في بعضِ الأحوالِ ، والنعمةُ في جميع الأحوالِ أولى بأنْ تُشْكرَ
ـكن
٤٠٨

ربع المنجيات
کتاب الصبر والشكر
مِنَ النعمةِ في بعضِها ، فلا ترى البصيرَ يشكرُ صحَّةَ بَصرِهِ إلى أنْ تعمى
عينُهُ ، فعندَ ذلكَ لوْ أُعيدَ عليهِ بصرُهُ .. أحسَّ بهِ وشكرَهُ وعدَّهُ نعمةً .
ولمَّا كانَتْ رحمةُ اللهِ واسعةً على الخلقِ ، مبذولةً لَهُمْ في جميعِ
الأحوالِ (١) .. فلمْ يعدُّهُ الجاهلُ نعمةً، وهذا الجاهلُ مثلُ العبدِ السوءِ،
حقُّهُ أنْ يُضربَ دائماً، حتَّى إذا تُركَ ضربُهُ ساعةً .. تقلَّدَ بهِ منَّةً ، فإنْ تُركَ
ضربُّهُ على الدوام .. غلبَهُ البطرُ وتركَ الشكرَ ، فصارَ الناسُ لا يشكرونَ إلا
المالَ الذي يتطرَّقُ الاختصاصُ إليهِ مِنْ حيثُ الكثرةُ والقلَّةُ ، وينسونَ جمیعَ
نعَمِ اللهِ تعالىُ عليهِمْ .
كما شكا بعضُهُمْ فقرَهُ إلى بعضِ أربابِ البصائرِ ، وأظهرَ شدَّةَ اغتمامِهِ
بهِ ، فقالَ لهُ : أيسرُّكَ أنَّكَ أعمى ولكَ عشرةُ آلافِ درهم؟ فقالَ : لا ،
فقالَ : أيسرُكَ أنَّكَ أخرسُ ولكَ عشرةُ آلافٍ ؟ فقالَ : لا ، فقالَ: أيسرُكَ
أنَّكَ أقطعُ اليدينِ والرجلينِ ولكَ عشرونَ ألفاً؟ فقالَ: لا، فقالَ: أيسرُكَ
أنَّكَ مجنونٌ ولكَ عشرةُ آلافِ درهمٍ ؟ فقالَ : لا ، فقالَ : أما تستحي أنْ
تشكوَ مولاكَ ولَهُ عندَكَ عروضٌ بخمسينَ ألفاً ؟!(٢).
وحُكِيَ أنَّ بعضَ القرَّاءِ اشتدَّ بهِ الفقرُ حتَّى ضاقَ بهِ ذرعاً ، فرأى في
المنام كأنَّ قائلاً يقولُ لهُ : تودُّ أنَّا أنسيناكَ سورةَ الأنعام وأنَّ لكَ ألفَ دينارٍ ؟
(١) والعبارة في غير (أ): ( ولما كانت رحمة الله واسعة .. عمَّمَ الخلق ، وبذل لهم في
جميع الأحوال ... ) .
(٢) قوت القلوب (٢١٠/١).
٤٠٩

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
قالَ : لا ، قالَ : فسورةَ هودٍ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فسورةَ يوسفَ ؟ قالَ :
لا، فلمْ يزلْ يعدِّدُ عليهِ سوراً، ثمّ قالَ : فمعَكَ قيمةُ مئة ألفٍ دينارٍ وأنتَ
تشكو ؟! فأصبحَ وقدْ سُرِّيَ عنهُ(١) .
ودخلَ ابنُ السمَّاكِ على بعضِ الخلفاءِ وبيدهِ كوزُ ماءٍ يشربُهُ ، فقالَ لهُ :
عظْني ، فقالَ : لوْ لمْ تُعطَ هذهِ الشربةَ إلا ببذلِ جميع أموالِكَ وإلا .. بقيتَ
عطشانَ .. فهلْ كنتَ تعطيهِ؟ قالَ: نعمْ، فقالَ: لوْ لمْ تُعطَ إلا بملكِكَ
كلِّهِ .. فهلْ كنتَ تتركُهُ ؟ قالَ : نعمْ ، قالَ : فلا تفرح بملْكِ لا يساوي شربةً
ماءٍ (٢).
فبهذا يتبيَّنُ أنَّ نعمةَ اللهِ تعالى على العبدِ في شربةِ ماءٍ عندَ العطشِ أعظمُ
مِنْ ملكِ الأرضِ كلِّها .
وإذا كانَتِ الطباعُ مائلةً إلى اعتدادِ النعمةِ الخاصَّةِ نعمةً دونَ العامَّةِ وقدْ
ذكرنا النعَمَ العامَّةَ .. فلنذكرْ إشارةٌ وجيزةً إلى النعَم الخاصَّةِ ، فنقولُ :
ـحر
ما مِنْ عبدٍ إلا ولوْ أنعمَ النظرَ في أحوالِهِ .. رأى مِنَ اللهِ تعالى نعمةٌ أو
نعماً كثيرةً تخصُّهُ ، لا يشاركُهُ فيها الناسُ كافَّةٌ ، بلْ يشاركُهُ عددٌ يسيرٌ مِنَ
٤٠
(١) قوت القلوب (٢١٠/١) .
(٢) والخبر في (أ): ( ودخل ابن السماك على الرشيد وفي يده كوز ماء ليشربه ، فقال :
عظني ، قال : أرأيت لو منعت هذه الشربة أكنت مفتديها بملكك ؟ قال : بلى ، قال :
اشرب هنيئاً ، فشرب ، ثم قال : أرأيت لو منعت إخراجها أكنت مفتديها بملكك ؟
قال : بلى ، قال : يا أمير المؤمنين ؛ وما قدر ملك لا يساوي شربة وبولة ؟!)، وقد
رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ١٣٤) .
حن
٤١٠

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
الناسِ ، وربَّما لا يشاركُهُ فيها أحدٌ ، وذلكَ يعترفُ بهِ كلُّ عبدٍ في ثلاثةِ
أمورٍ : في العقلِ ، والخُلُقِ ، والعلمِ .
دن
أمَّا العقلُ: فما مِنْ عبدِ اللهِ تعالى إلا وهوَ راضٍ عنِ اللهِ تعالى في عقلِهِ ،
يعتقدُ أنَّهُ أعقلُ الناسِ ، وقلَّما يسألُ اللهَ العقلَ، وإنَّ مِنْ شرفِ العقلِ أنْ
يفرحَ بهِ الخالي عنهُ كما يفرحُ بهِ المتصفُ بهِ ، فإذا كانَ اعتقادُهُ أنَّهُ أعقلُ
الناسِ .. فواجبٌ عليهِ أنْ يشكرَهُ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ كذلكَ .. فالشكرُ واجبٌ
عليهِ ، وإنْ لمْ يكنْ ولكنَّهُ يعتقدُ أنَّهُ كذلكَ .. فهوَ نعمةٌ في حقِّهِ ، فمَنْ وضعَ
كنزاً تحتَ الأرضِ فهوَ يفرحُ بهِ ويشكرُ عليهِ ، فإنْ أُخذَ الكنزُ مِنْ حيثُ
لا يدري .. فيبقى فرحُهُ بحسَبِ اعتقادِهِ ، ويبقى شكرُهُ؛ لأنَّهُ في حقِّهِ
كالباقي .
حن
وأمَّا الخُلُقُ: فما مِنْ عبدٍ إلا ويرىُ مِنْ غيرِهِ عيوباً يكرهُها وأخلاقاً
يذمُّها ، وإنَّما يذمُها مِنْ حيثُ يرىُ نفسَهُ بريئاً عنها، فإذا لمْ يشتغلْ بذمِّ
الغيرِ .. فينبغي أنْ يشتغلَ بشكرِ اللهِ؛ إذْ حسَّنَ خُلُقَهُ وابتلىُ غيرَهُ بالخُلُقِ
السِّیءِ .
د.
وأمَّا العلمُ : فما مِنْ أحدٍ إلا ويعرفُ مِنْ بواطنِ أمورِ نفسِهِ وخفايا أفكارِهِ
ما هوَ منفردٌ بهِ ، ولوْ كُشِفَ الغطاءُ حتَّى اطلعَ عليهِ أحدٌ مِنَ الخلقِ ..
لافتضحَ ، فكيفَ لوِ اطلعَ الناسُ كافَّةً ؟!
فإذاً ؛ لكلِّ عبدٍ علمٌ بأمرٍ خاصٍّ لا يشاركُهُ فيهِ أحدٌ مِنْ عبادِ اللهِ ، فِلِمَ
٤١١

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
لا يشكرُ سترَ اللهِ الجميلَ الذي أرسلَهُ على وجهِ مساوئِهِ ، فأظهرَ الجميلَ
وسترَ القبيحَ ، وأخفى ذلكَ عنْ أعينِ الخلْقِ ، وخصَّصَ علمَهُ بهِ حتَّى
لا يطلعَ عليهِ أحدٌ ؟!
فهذهِ ثلاثٌ مِنَ النعَمِ خاصَّةٌ يعترفُ بها كلُّ عبدٍ ؛ إمَّا مطلقاً ، وإمَّا في
بعضِ الأمورِ ، فلننزلْ عنْ هذهِ الطبقةِ إلى طبقةٍ أخرى أعمَّ منها قليلاً ،
فنقولُ :
ما مِنْ عبدٍ إلا وقدْ رزقَهُ اللهُ تعالى في صورتِهِ أوْ شخصِهِ ، أوْ أخلاقِهِ أُوْ
صفاتِهِ ، أوْ أهلِهِ أوْ ولدِهِ ، أوْ مسكنِهِ أوْ بلدِهِ ، أَوْ رفيقِهِ أوْ أقاربِهِ ، أو عزِّهِ
أوْ جاهِهِ ، أوْ في سائرِ محابِّهِ .. أموراً لوْ سُلبَ ذلكَ منهُ وأُعطيَ ما خُصِّصَ
بهِ غيرُهُ .. لكانَ لا يرضى بهِ، وذلكَ مثلُ أنْ جعلَهُ مؤمناً لا كافراً، وحيّاً
لا جماداً ، وإنساناً لا بهيمةً، وذكراً لا أنثى، وصحيحاً لا مريضاً،
وسليماً لا معيباً ، فإنَّ كلَّ هذهِ خصائصُ وإنْ كانَ فيها عمومٌ أيضاً ؛ فإنَّ
هذهِ الأحوالَ لوْ بُدِّلَتْ بأضدادِها .. لمْ يرضَ بها، بلْ لهُ أمورٌ لا يبدِّلُها
بأحوالِ الآدميينَ أيضاً ، وذلكَ إمّا أنْ يكونَ بحيثُ لا يبدِّلُهُ بما خُصَّ بهِ أحدٌ
مِنَ الخلقِ ، أوْ لا يبدِّلُهُ بما خُصَّ بهِ الأكثرُ، فإذا كانَ لا يبدِّلُ حالَ نفسِهِ
بحالٍ غيرِهِ .. فإذاً حالُهُ أحسنُ مِنْ حالٍ غيرِهِ ، فإنْ كانَ لا يعرفُ شخصاً
يرتضي لنفسِهِ حالَهُ بدلاً عنْ حالِ نفسِهِ إِمَّا على الجملةِ وإمَّا في أمرٍ خاصٍّ ..
فإذاً للهِ تعالىُ عليهِ نعمٌ ليسَتْ لهُ على أحدٍ مِنْ عبادِهِ سواهُ ، وإنْ كانَ يبدِّلُ
حالَ نفسِهِ بحالِ بعضِهِمْ دونَ البعضِ .. فلينظرْ إلى عددِ المغبوطينَ عندَهُ ،
٤١٢

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
فإنَّهُ - لا محالةَ - يراهُمْ أقلَّ بالإضافةِ إلى غيرِهِمْ، فيكونُ مَنْ دونَهُ في الحالِ
أكثرَ بكثيرٍ ممَّنْ هوَ فوقَهُ، فما بالُهُ ينظرُ إلى مَنْ فوقَهُ ليزدريَ نعَمَ اللهِ تعالى
على نفسِهِ ولا ينظرُ إلى مَنْ دونَهُ ليستعظمَ نعمَ اللهِ تعالىُ عليهِ ؟! وما بالُهُ
لا يسوِّي دنياهُ بدينِهِ؟ أليسَ إذا لامَتْهُ نفسُهُ على سيئةٍ يقارفُها يعتذرُ إليها بأنَّ
في الفسَّاقِ كثرةً ، فينظرُ أبداً في الدينِ إلى مَنْ دونَهُ لا إلى مَنْ فوقَهُ ؟! فِلِمَ
لا يكونُ نظرُهُ في الدنيا كذلكَ ؟
فإذا كانَ حالُ أكثرِ الخلقِ في الدينِ خيراً منهُ ، وحالُهُ في الدنيا خيراً مِنْ
حالٍ أكثرِ الخلْقِ .. فكيفَ لا يلزمُهُ الشكرُ ؟!
ولهذا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ نظرَ في الدنيا إلى مَنْ هوَ دونَهُ ،
ونظرَ في الدينِ إلى مَنْ هوَ فوقَهُ .. كتبَهُ اللهُ صابراً وشاكراً ، ومَنْ نظرَ في
الدنيا إلى مَنْ هوَ فوقَهُ، وفي الدينِ إلى مَنْ هوَ دونَهُ .. لمْ يكتبْهُ اللهُ صابراً
ولا شاكراً ))(١).
فإذاً ؛ كلُّ مَنِ اعتبرَ حالَ نفسِهِ وفتَّشَ عمَّا خُصَّ بهِ .. وجدَ لله تعالى على
نفسِهِ نعماً كثيرةً ، لا سيَّما مَنْ خُصَّ بالسنَّةِ والإيمانِ ، والعلمِ والقرآنِ ، ثمَّ
الفراغِ والصحّةِ والأمنِ وغيرِ ذلكَ .
ولذلكَ قيلَ(٢) :
[من البسيط]
منْ شاءَ عيشاً رحيباً يستطيبُ بهِ في دينِهِ ثم في دنياهُ إقبالا
(١) رواه الترمذي (٢٥١٢) .
(٢) البيتان لأبي الفتح البستي في ((ديوانه)) (ص٢٨٤).
٤١٣

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
فلينظرَنَّ إلى مَنْ فوقَهُ ورعاً ولينظرَنَّ إلى مَنْ دونَهُ مالا
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ لمْ يستغنِ بآياتِ اللهِ .. فلا
أغناهُ اللهُ)) (١) ، وهذا إشارةٌ إلى نعمةِ العلمِ.
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((إنَّ القرآنَ هوَ الغنى الذي لا غنىُ بعدَهُ
ولا فقرَ معَهُ ))(٢).
ن.
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ آتاهُ اللهُ القرآنَ فظنَّ أنَّ أحداً أغنى
منهُ .. فقدِ استهزأَ بآياتِ اللهِ))(٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((ليسَ منَّا مَنْ لمْ يتغنَّ بالقرآنِ))(٤) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «كفى باليقينِ غنىّ)»(٥) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( يقولُ اللهُ تعالى : إنَّ عبداً أغنيتُهُ عنْ ثلاثةٍ لقدْ
أتممتُ عليهِ نعمتي؛ عنْ سلطانٍ يأتيهِ، وطبيبٍ يداويهِ، وعمَّا في يدِ أخيهِ)(٦)،
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٠/١)، وقال الحافظ العراقي: (لم أجده بهذا اللفظ).
((إتحاف)) (٩/ ١٣٢ ) .
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٢٧٧٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٥٥/١) من
حديث أنس رضي الله عنه بنحوه .
كز
(٣) قوت القلوب (٢١٠/١)، وروى البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٦٥/٣) نحوه.
(٤) رواه البخاري ( ٧٥٢٧) .
ـان
(٥) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤١٠)، والبيهقي في ((الشعب))
( ١٠٠٧٢ ).
(٦) قوت القلوب (١/ ٢١٠).
٤١٤

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
حن
وعبَّرَ الشاعرُ عنْ هذا فقالَ (١):
[من الهزج]
ـكَ وَالصِّحَّةُ وَالأَمْنُ
إِذا الْقُوتُ تأَتَّى لَـ
وَأَصْبَحْتَ أَخا حُزْنٍ فَلا فارَقَكَ الْحُزْنُ
=
بلْ أرشقُ العباراتِ وأفصحُ الكلماتِ كلامُ أفصحِ مَنْ نطقَ بالضادِ ، حیثُ
عبَّرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ هذا المعنى فقالَ: «مَنْ أصبحَ آمناً في سرِبِهِ ،
معافىّ في بدنِهِ، عندَهُ قوتُ يومِهِ .. فكأنَّما حيزَتْ لهُ الدنيا
بحذافيرها)»(٢).
دن
بين
حن
حن
ومهما تأمَّلتَ الناسَ كلَّهُمْ .. وجدتَهُمْ يشكونَ ويتأَلَّمُونَ مِنْ أمورٍ وراءَ
هذِهِ الثلاثِ معَ أنَّها وبالٌ عليهِمْ ، ولا يشكرونَ نعمةَ اللهِ في هذهِ الثلاثِ ،
ولا يشكرونَ نعمةَ اللهِ عليهِم في الإيمانِ الذي بهِ وصولُهُمْ إلى النعيمِ المقيمِ
والملكِ العظيمِ .
بلِ البصيرُ ينبغي ألا يفرحَ إلا بالمعرفةِ واليقينِ والإيمانِ ، بلْ نحنُ نعلمُ
مِنَ العلماءِ مَنْ لَوْ سُلَّمَ إليهِ جميعُ ما دخلَ تحتَ قدرةٍ ملوكِ الأرضِ مِنَ
المشرقِ إلى المغربِ مِنْ أموالٍ وأتباع وأنصارٍ وقيلَ لهُ : خُذْ هذا عوضاً عنْ
علمِكَ ، بلْ عنْ عُشْرٍ عَشِيرٍ علمِكَ .. لمْ يأخذْهُ، وذلكَ لرجائِهِ أنَّ نعمةَ
(١) البيتان متنازع في نسبتهما، فهما في ((زهر الآداب)) (٨٢٧/٢ ) لمنصور الفقيه، وفي
((محاضرات الأدباء)) (٣١٣/٢ - ٣١٤) لأبي العتاهية، وفي (( تاريخ دمشق))
(٤١٦/٥١) للإمام الشافعي.
(٢) رواه الترمذي (٢٣٤٦)، وابن ماجه (٤١٤١).
٤١٥
بور

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
العلمِ تفضي بهِ إلى قرْبِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى في الآخرةِ ، بلْ لَوْ قِيلَ لهُ : لكَ
في الآخرةِ ما ترجوهُ بكمالِهِ ، فخذْ هذهِ اللذَّاتِ في الدنيا بدلاً عنِ التذاذِكَ
بالعلمِ في الدنيا وفرحِكَ بهِ .. لكانَ لا يأخذُهُ؛ لعلمِهِ بأنَّ لذَّةَ العلمِ دائمةٌ
لا تنقطعُ وثابتةٌ لا تُسرقُ ولا تُغْصبُ ولا يُنافسُ فيها، وأنَّها صافيةٌ لا كدورةَ
فيها ، ولذَّاتُ الدنيا كلُّها ناقصةٌ ومكدَّرةٌ ومشوشةٌ لا يفي مرجوُها
بِمَخُوفِها ، ولا لذَّتُها بألمِها ، ولا فرحُها بغمِّها ، هكذا رُّبِيَ إلى الآنَ،
وهكذا تكونُ ما بقيَ الزمانُ، إذْ ما خُلقَتْ لذَّاتُ الدنيا إلا لتُجلبَ بها
العقولُ الناقصةُ وتُخدعَ ؛ حتَّى إذا انخدعَتْ وتقيَّدَتْ بها .. أبتْ عليها
واستعصَتْ ؛ كالمرأةِ الجميلِ ظاهرُها ، تتزيَّنُ للشابِّ الشبقِ الغبيِّ، حتَّى
إذا تقيَّدَ بها قلبُهُ .. استعصَتْ عليهِ واحتجبَتْ عنهُ، فلا يزالُ معَها في عناءٍ
دائمٍ وتعبٍ قائمٍ ، وكلُّ ذلكَ باغترارِهِ بلذَّةِ النظرِ إليها في لحظةٍ ، ولوْ عقلَ
وغضَّ البصرَ واستهانَ بتلكَ اللذَّةِ .. سلمَ جميعَ عمرِهِ، فهكذا وقعَتْ أربابُ
الدنيا في شباكِ الدنيا وحبائلِها .
ولا ينبغي أنْ نقول : إنَّ المعرضَ عنِ الدنيا متألِّمٌ بالصبرِ عنها ؛ فإنَّ
المقبلَ عليها أيضاً متألِّمٌ بالصبرِ عليها وحفظِها وتحصيلِها ودفع القُصُودِ
عنها(١) ، وتألُمُ المعرضِ يفضي إلى لذَّةٍّ في الآخرةِ ، وتألُمُ المقبلِ يفضي
إلى آلامٍ في الآخرةِ ، فليقرأِ المعرضُ عنِ الدنيا على نفسِهِ قولَهُ تعالى:
(١) وفي (ق) ونسخة الحافظ الزبيدي: (اللصوص) بدل (القصود). ((إتحاف))
(١٣٣/٩).
٤١٦

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ
مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ فإذاً؛ إنَّما انسدَّ طريقُ الشكرِ على الخلْقِ لجهلِهِمْ
بضروبِ النعمِ الظاهرةِ والباطنةِ ، والخاصَّةِ والعامَّةِ .
فإنْ قلتَ : فما علاجُ هذهِ القلوبِ الغافلةِ حتَّى تشعرَ بنعمِ اللهِ تعالى
فعساها تشکرُ ؟
حن
فأقولُ : أمَّا القلوبُ البصيرةُ .. فعلاجُها التأمُّلُ فيما رمزنا إليهِ مِنْ
أصنافِ نعَمِ اللهِ تعالى العامَّةِ ، وأمَّا القلوبُ البليدةُ التي لا تعُدُّ النعمةَ نعمةً
إلا إذا خصَّتْها ، أوْ أُشعرَ بالبلاءِ معها .. فسبيلُهُ أنْ ينظرَ أبداً إلى مَنْ دونَهُ ،
ويفعلَ ما كانَ يفعلُهُ بعضُ الصوفيّةِ ، إذْ كانَ يحضرُ كلَّ يومٍ دارَ المرضى
والمقابرَ والمواضعَ التي تُقَامُ فيها الحدودُ ، فكانَ يحضرُ دارَ المرضى
ويشاهدُ أنواعَ بلاءِ اللهِ تعالى عليهِمْ، ثمَّ يتأمَّلُ في صحتِهِ وسلامتِهِ ؛ ليشعرَ
قلبُهُ بنعمةِ الصحَّةِ عندَ شعورِهِ ببلاءِ الأمراضِ ويشكرَ اللهَ تعالى ، ويشاهدُ
الجناةَ الذينَ يُقتلونَ وتُقُطِعُ أطرافُهُمْ ويُعذَّبونَ بأنواعِ العذابِ ؛ ليشكرَ اللهَ
تعالى على عصمتِهِ مِنَ الجناياتِ ومِنْ تلكَ العقوباتِ ، ويشكرَ اللهَ تعالى على
نعمةِ الأمنِ ، ويحضرُ المقابرَ فيعلمُ أنَّ أحبَّ الأشياءِ إلى الموتى أنْ يُرِدُّوا
إلى الدنيا ولوْ يوماً واحداً؛ أمَّا مَنْ عصى اللهَ .. فليتداركَ، وأمَّا مَنْ أطاعَ ..
فليزيدَ في طاعتِهِ ، فإنَّ يومَ القيامةِ يومُ التغابنِ ، فالمطيعُ مغبونٌ ؛ إذْ يرى
٤١٧

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
جزاءَ طاعتِهِ فيقولُ : كنتُ أقدرُ على أكثرَ مِنْ هذهِ الطاعاتِ ، فما أعظمَ
غبني إذْ ضيّعتُ بعضَ الأوقاتِ في المباحاتِ ! وأمَّا العاصي .. فغبنُهُ ظاهرٌ ،
فإذا شاهدَ المقابرَ ، وعلمَ أنَّ أحبَّ الأشياءِ إليهِمْ أنْ يكونَ قَدْ بقيَ لهُمْ مِنَ
العمرِ ما بقيَ لهُ .. فيصرفُ بقيَّةَ العمرِ إلى ما يشتهي أهلُ القبورِ العودَ
لأجلِهِ ؛ ليكونَ ذلكَ معرفةً لنعمةِ اللهِ في بقيّةِ العمرِ ، بلْ في الإمهالِ في كلِّ
نَفَسٍ مِنَ الأنفاسِ، وإذا عرفَ تلكَ النعمةَ .. شكَرَ بأنْ يصرفَ العمرَ إلى
ما خُلِقَ العمرُ لأجلِهِ ، وهوَ التزوُّدُ مِنَ الدنيا للآخرةِ .
فههذا علاجُ هذهِ القلوبِ الغافلةِ لتشعرَ بنعمِ اللهِ تعالى فعساها تشكرُ .
ولقدْ كانَ الربيعُ بنُ خُئيٍ معَ تمامِ استبصارِهِ يستعينُ بهذِهِ الطريقِ تأكيداً
للمعرفةِ ، فكانَ قدْ حفرَ في دارِهِ قبراً ، فكانَ يضعُ غِلاَّ في عنقِهِ وينامُ في
لحدِهِ ثمَّ يقولُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿﴾: لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا﴾، ثمَّ يقومُ ويقولُ :
يا ربيعُ ؛ قدْ أُعطيتَ ما سألتَ، فاعملْ قبلَ أنْ تسألَ الرجوعَ فلا ترجعَ (١).
ـتن
ـتن
حن
وممَّ ينبغي أنْ تُعالجَ بهِ القلوبُ البعيدةُ عنِ الشكرِ أنْ تعرفَ أنَّ النعمةَ إذا لمْ
تُشُكر .. زالَتْ ولمْ تعدْ ، ولذلكَ كانَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمَهُ اللهُ يقولُ :
( عليكُمْ بمداومةِ الشكرِ على النعمِ ، فقلَّ نعمةٌ زالَتْ عنْ قومٍ فعادَتَ إليهِمْ)(٢).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( النعَمُ وحشيَّةٌ، فقيِّدوها بالشكرِ)(٣).
(١) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٣١١/١١).
(٢) قوت القلوب (٢٠٩/١)، والسياق عنده.
(٣) قوت القلوب (٢٠٩/١).
٤١٨

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
وفي الخبرِ : ( ما عظمَتْ نعمةُ اللهِ تعالى على عبدٍ إلا كثرَتْ حوائجُ
الناسِ إليهِ، فمَنْ تهاونَ بِهِمْ .. عرَّضَ تلكَ النعمةَ للزوالِ)(١).
وقالَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا
بِأَنْفُسِمْ﴾ .
فهذا تمامُ هذا الركنِ .
كير
حن حن حن
(١) كذا في ((القوت)) (٢٠٩/١)، وأصله من كلام لسيدنا علي رضي الله عنه رواه له ابن
الطيوري في (( الطيوريات)) ( ٤٦٢).
٤١٩

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
الركن الثالث من كتاب الصبر والشّكر
فيما يشترك في الصبر والشّكر ويرتبط أحدهما بالآخر
بيان وجد اجتماع الصبر والشكر على سيشٍ واحد
G
لعلَّكَ تقولُ : ما ذكرتَهُ في النعمِ إشارةٌ إلى أنَّ لهِ تعالى في كلِّ موجودٍ
نعمةً، وهذا يشيرُ إلى أَنَّ البلاءَ لا وجودَ لهُ أصلاً، فما معنى الصبرِ إذاً؟
وإنْ كانَ البلاءُ موجوداً .. فما معنى الشكرِ على البلاءِ وقدِ ادَّعى مدَّعونَ أنَّا
نشكرُ على البلاءِ فضلاً عنِ الشكرِ على النعمةِ، فكيفَ يُصوَّرُ الشكرُ على
البلاءِ ؟ وكيفَ يُشكرُ على ما يُصبرُ عليهِ والصبرُ على البلاءِ يستدعي ألماً
والشكرُ يستدعي فرحاً وهما متضادانٍ ؟ وما معنى ما ذكر تُمُوهُ مِنْ أَنَّ لله تعالى
في كلِّ ما أوجدهُ نعمةً على عبادِهِ ؟
فاعلمْ : أنَّ البلاءَ موجودٌ كما أنَّ النعمةَ موجودةٌ ، والقولَ بإثباتِ النعمةِ
يوجبُ القولَ بإثباتِ البلاءِ ؛ لأنَّهُما متضادانِ ، ففقدُ البلاءِ نعمةٌ ، وفقدُ
النعمةِ بلاءٌ ، ولكنْ قدْ سبقَ أنَّ النعمةَ تنقسمُ إلى نعمةِ مطلقةٍ مِنْ كلِّ وجهٍ ؛
أمَّا في الآخرةِ .. فكسعادةِ العبدِ بالنزولِ في جوارِ اللهِ تعالى، وأمَّا في
الدنيا .. فكالإيمانِ وحسن الخلقِ وما يعينُ عليهِما ، وإلى نعمةٍ مقيّدةٍ مِنْ
وجهِ دونَ وجهٍ ؛ كالمالِ الذي يصلحُ الدينَ مِنْ وجهٍ ويفسدُهُ مِنْ وجهٍ .
٤٢٠