النص المفهرس
صفحات 361-380
ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر بيان وجد الأنموذج في كثرة نعم الله تعالى وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء اعلمْ : أنَّا جمعنا النعَمَ في ستةَ عشرَ ضرباً ، وجعلنا صحَّةَ البدنِ نعمةً مِنَ النعمِ الواقعةِ في الرتبةِ المتأخرةِ . فهذهِ النعمةُ الواحدةُ لوْ أردنا أنْ نستقصيَ الأسبابَ التي بها تمَّتْ هذهِ النعمةُ .. لمْ نقدرْ عليها، ولكنِ الأكلُ أحدُ أسبابِ الصَّةِ . فلنذكرْ نبذةً مِنْ جملةِ الأسبابِ التي بها تتمُّ نعمةُ الأكلِ . ولا يخفى أنَّ الأكلَ فعلٌ ، وكلُّ فعلٍ مِنْ هذا النوع فهوَ حركةٌ ، وكلُّ حركةٍ فلا بدَّ لها مِنْ جسم متحرِّكِ هوَ آلتُها ، ولا بدَّ لها مِنْ قدرةٍ على الحركةِ ، ولا بدَّ مِنْ إرادةٍ للحركةِ ، ولا بدَّ مِنْ علمٍ بالمرادِ وإدراكِ لهُ ، ولا بدَّ للآكلِ مِنْ مأكولٍ ، ولا بدَّ للمأكولِ مِنْ أصلٍ منهُ يحصلُ ، ولا بدَّ لهُ مِنْ صانعٍ يصلحُهُ . فلنذكرْ أسبابَ الإدراكِ ، ثمَّ أسبابَ الإراداتِ ، ثمَّ أسبابَ القدرةِ ، ثمَّ أسبابَ المأكولِ على سبيلِ التلويحِ لا على سبيلِ الاستقصاءِ . ٣٦١ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الطرف الأول: في نقسم الله تعالى في خلقّ أسباب الإدراك اعلمْ : أنَّ اللهَ تعالى خلقَ النباتَ ، وهوَ أكملُ وجوداً مِنَ الحجرِ والمدرِ ، والحديدِ والنحاسِ ، وسائرِ الجواهرِ التي لا تنمو ولا تغتذي ، فإِنَّ النباتَ خُلِقَ فيهِ قوَّةٌ بها يجتذبُ الغذاءَ إلى نفسِهِ مِنْ جهةِ أصلِهِ وعروقِهِ التي في الأرضِ ، وهيَ لهُ آلاتٌ فيها يجتذبُ الغذاءَ ، وهيَ العروقُ الدقيقةُ التي تراها في كلِّ ورقةٍ ، ثمَّ تغلظُ أصولُها ثمَّ تتشغَبُ ، ولا تزالُ تستدقُّ وتتشعَّبُ إلى عروقٍ شعريّةٍ تنبسطُ في أجزاءِ الورقةِ حتَّى تغيبَ عنِ البصرِ . إلا أنَّ النباتَ معَ هذا الكمالِ ناقصٌ، فإنَّهُ لوْ أعوزَهُ غذاءٌ يُساقُ إليهِ ويماسُّ أصلَهُ .. جفَّ وييسَ ، ولمْ يمكنْهُ طلبُ الغذاءِ مِنْ موضع آخرَ ، فإنَّ الطلبَ إنَّما يكونُ بمعرفةِ المطلوبِ وبالانتقالِ إليهِ ، والنباتُ عاجزٌ عنْ ذلكَ ، فمِنْ نعمةِ اللهِ تعالى عليكَ أنْ خلقَ لكَ آلةَ الإحساسِ ، وآلةَ الحركةِ في طلبِ الغذاءِ ، فانظرْ إلى ترتيبِ حكمةِ اللهِ تعالى في خلْقِ الحواسِّ الخمسِ التي هي آلةُ الإدراكِ . فأولُها حاسَّةُ اللمْسِ ، وإنَّما خُلقَتْ لكَ حتَّى إذا مسَّتْكَ نارٌ محرقةٌ أوْ سيفٌ جارحٌ .. تحسُّ بهِ فتهربُ منهُ، وهذا أوَّلُ حسِّ يُخلقُ للحيوانِ ، ولا يُتصوَّرُ حيوانٌ إلا ويكونُ لهُ هذا الحسُّ ؛ لأنَّهُ إنْ لمْ يحسَّ أصلاً .. فليسَ بحيوانٍ ، وأنقصُ درجاتِ الحسِّ أنْ يحسَّ بما يلاصقُهُ ويماسُهُ ، فإنَّ ٣٦٢ : ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الإحساسَ بما يبعدُ منهُ إحساسٌ أتُّ لا محالةَ ، وهذا الحسُّ موجودٌ لكلِّ حيوانٍ ، حتَّى الدودةُ التي في الطينِ ، فإنَّها إذا غُرِزَ فيها إبرةٌ .. انقبضَتْ للهربِ ، لا كالنباتِ ؛ فإنَّ النباتَ يُقطعُ فلا ينقبضُ ؛ إذْ لا يحسُّ بالقطع . إلا أنَّكَ لوْ لمْ يُخلقْ لكَ إلا هذا الحسُّ .. لكنتَ ناقصاً كالدودِ لا تقدرُ على طلبِ الغذاءِ مِنْ حيثُ يبعدُ عنكَ ، بلْ ما يمسُ بدنَكَ فتحسُّ بهِ ، فتجذبُهُ إلى نفسِكَ فقطْ ، فافتقرتَ إلى حسنٌّ تدركُ بهِ ما بعُدَ عنكَ ، فخلقَ لكَ الشمّ . إلا أنَّكَ تدركُ بهِ الرائحةَ ، ولا تدري أنَّها جاءَتْ مِنْ أيِّ ناحيةٍ ، فتحتاجُ إلى أنْ تطوفَ كثيراً مِنَ الجوانبِ ، فربَّما تعثرُ على الغذاءِ الذي شممتَ رِيحَهُ وربَّما لمْ تعثرْ ، فتكونُ في غايةِ النقصانِ لوْ لمْ يخلقْ لكَ إلا هذا ، فخلقَ لكَ البصرَ لتدركَ بهِ ما بعُدَ عنكَ، وتدركَ جهتَهُ، فتقصدَ تلكَ الجهةَ بعينها . إلا أنَّهُ لَوْ لمْ يخلقْ لكَ إلا هذا .. لكنتَ ناقصاً؛ إذْ لا تدركُ بهذا ما وراءَ الجدرانِ والحجبِ ، فتبصرُ غذاءً ليسَ بينَكَ وبينَهُ حجابٌ، وتبصرُ عدوّاً لا حجابَ بِينَكَ وبينَهُ ، وأمّا ما بينكَ وبينَهُ حجابٌ فلا تبصرُهُ وقدْ لا ينكشفُ الحجابُ إلا بعدَ قربِ العدوِّ فتعجزُ عنِ الهربِ ، فخلقَ لكَ السمعَ حتَّى تدركَ بهِ الأصواتَ مِنْ وراءِ الجدرانِ والحجبِ عندَ جريانِ الحركاتِ ، ولأنَّكَ لا تدركُ بالبصرِ إلا شيئاً حاضراً ، وأمَّا الغائبُ .. فلا يمكنُكَ معرفتُهُ إلا بكلام ٣٦٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ينتظمُ مِنْ حروفٍ وأصواتٍ تُدركُ بحسِّ السمع، فاشتدَّتْ إليهِ حاجتُكَ ؛ فخلقَ لكَ ذلكَ ، ومُيِّرْتَ بفهمِ الكلامِ عنْ سائرِ الحيواناتِ . وكلُّ ذلكَ ما كانَ يغنيكَ لوْ لمْ يكنْ لكَ حسُ الذوقِ ؛ إذْ يصلُ الغذاءُ إليكَ فلا تدري أنَّهُ موافقٌ لكَ أوْ مخالفٌ ، فتأكلُهُ فتهلكُ ؛ كالشجرةِ يُصبُّ في أصلِها كلُّ مائعٍ ولا ذوقَ لها ، فتجذبُهُ وربّما يكونُ ذلكَ سببَ جفافِها . ثمَّ كلُّ ذلكَ لا يكفيكَ لوْ لمْ يُخلقْ في مقدِّمةِ دماغِكَ إدراكٌ آخرُ يُسمَّى حسّاً مشتركاً تتأدَّى إليهِ هذهِ المحسوساتُ الخمسُ وتجتمعُ فيهِ ، ولولاهُ .. لطالَ الأمرُ عليكَ ، فإنَّكَ إذا أكلتَ شيئاً أصفرَ مثلاً ، فوجدتَهُ مرّاً مخالفاً لكَ فتركتَهُ ؛ فإذا رأيتَهُ مرَّةً أخرى .. فلا تعرفُ أنَّهُ مضرٌّ ما لمْ تذقْهُ ثانياً لولا الحسُّ المشتركُ ؛ إذ العينُ تبصرُ الصفرةَ ولا تدركُ المرارةَ ، فكيفَ تمتنعُ عنهُ والذوقُ يدركُ المرارةَ ولا يدركُ الصفرةَ، فلا بدَّ مِنْ حاكمٍ تجتمعُ عندَهُ الصفرةُ والمرارةُ جميعاً ، حتَّى إذا أدركَ الصفرةَ .. حكمَ بأنَّهُ مٍّ ، فيمتنعُ عنْ تناولِهِ ثانياً . ـحة وهذا كلُّهُ تشاركُكَ فيهِ الحيواناتُ ؛ إذْ للشاةِ هذهِ الحواسُ كلُّها ، فلوْ لمْ يكنْ لكَ إلا هذا .. لكنتَ ناقصاً ، فإنَّ البهيمةَ يُحتالُ عليها فتُؤخذُ ، فلا تدري كيفَ تدفعُ الحيلةَ عنْ نفسِها وكيفَ تتخلَّصُ إذا قُيِّدَتْ ، وقدْ تلقي نفسَها في البئرِ ولا تدري أنَّ ذلكَ يهلكُها ، وكذلكَ قدْ تأكلُ البهيمةُ ما تستلذُّهُ في الحالِ ويضرُّها في ثاني الحالِ ، فتمرضُ وتموتُ ؛ إذْ ليسَ لها حن من ٣٦٤ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر إلا الإحساسُ بالحاضرِ، فأمَّا إدراكُ العواقبِ .. فلا، فميَّزَكَ اللهُ تعالى وأكرمَكَ بصفةٍ أخرى هيَ أشرفُ مِنَ الكلِّ ، وهيَ العقلُ ، فبهِ تدركُ مضرّةً الأطعمةِ ومنفعتَها في الحالِ والمآلِ ، وبهِ تدركُ كيفيَّةَ طبخ الأطعمةِ وتأليفِها وإعدادِ أسبابِها ، فتنتفعُ بعقلِكَ في الأكلِ الذي هوَ سببُ صحَّتِكَ ، وهوَ أخسنُّ فوائدِ العقلِ وأقلُّ الحِكَمِ فيهِ ، بلِ الحكمةُ الكبرىُ فيهِ معرفةُ اللهِ تعالى ومعرفةُ أفعالِهِ ومعرفةُ الحكمةِ في عالمِهِ . وعندَ ذلكَ تنقلبُ فائدةُ الحواسِّ الخمسِ في حقِّكَ ، فتكونُ الحواسُ الخمسُ كالجواسيسِ وأصحابِ الأخبارِ المؤكَّلينَ بنواحي المملكةِ ، وقدْ وُكِّلَتْ كلُّ واحدةٍ منها بأمرٍ تختصُّ بهِ، فواحدةٌ منها بأخبارِ الألوانِ ، والأخرى بأخبارِ الأصواتِ ، والأخرى بأخبارِ الروائح ، والأخرىُ بأخبارٍ الطعومِ ، والأخرى بأخبارِ الحرِّ والبردِ ، والخشونةِ والملاسةِ ، واللينِ والصلابةِ ، وغيرِها . وهذهِ البُرُدُ والجواسيسُ يقتنصونَ الأخبارَ مِنْ أقطارِ المملكةِ ، ويسلمونَها إلى الحسنِّ المشتركِ ، والحسُّ المشتركُ قاعدٌ في مقدمةِ الدماغ ، مثلُ صاحبِ القصصِ والكتبِ على بابِ الملكِ ، يجمعُ القصصَ والكتبَ الواردةَ مِنْ نواحي العالم ، فيأخذُها وهيَ مختومةٌ ؛ ويسلِّمُها إذْ ليسَ لهُ إلا أخذُها وجمعُها وحفظُها ، فأمَّا معرفةُ حقائقِ ما فيها .. فلا، ولكنْ إذا صادفَ القلبَ العاقلَ الذي هوَ الأميرُ والملكُ .. سلَّمَ الإنهاءاتِ المختومةَ إليهِ ، فيفتشُها الملكُ ويطلعُ منها على أسرارِ المملكةِ ، ويحكمُ فيها بأحكام ٣٦٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات عجيبةٍ لا يمكنُ استقصاؤُها في هذا المقام ، وبحسَبِ ما يلوحُ لهُ مِنَ الأحكامِ والمصالح يحرِّكُ الجنودَ، وهيَ الأعضاءُ ، مرَّةً في الطلبِ ، ومرَّةً في الهربِ ، ومرَّةً في إتمامِ التدبيراتِ التي تعنُّ لهُ . فهذهِ سياقةُ نعمةِ اللهِ عليكَ في الإدراكاتِ ، ولا تظنَّنَّ أنَّا استوفيناها ؛ فإِنَّ الحواسَّ الظاهرةَ هيَ بعضُ الإدراكاتِ ، والبصرُ واحدٌ مِنْ جملةِ الحواسِّ ، والعينُ آلةٌ واحدةٌ لهُ، وقدْ رُكبَتِ العينُ مِنْ عشرِ طبقاتٍ مختلفةٍ ، بعضُها رطوباتٌ وبعضُها أغشيةٌ ، وبعضُ الأغشيةِ كأنَّها نسجُ العنكبوتِ ، وبعضُها كالمشيمةِ ، وبعضُ تلكَ الرطوباتِ كأنَّهُ بياضُ البيضِ ، وبعضُها كأنَّهُ الجمْدُ ، ولكلِّ واحدةٍ منْ هذهِ الطبقاتِ العشرِ صفةٌ وصورةٌ ، وشكلٌ وهيئةٌ ، وعرْضٌ وتدويرٌ وتركيبٌ، لوِ اختلَّتْ طبقةٌ واحدةٌ مِنْ جملةِ العشرِ ، أوْ صفةٌ واحدةٌ مِنْ صفاتِ كلِّ طبقةٍ .. لاختلَّ البصرُ ، وعجزَ عنهُ الأطباءُ والكخَالونَ كلُّهُمْ . فهذا في حسِّ واحدٍ ، فقسْ بهِ حاسَّةَ السمع وسائرَ الحواسِّ ، بلْ لا يمكنُ أنْ تُستوفى حِكَمُ اللهِ تعالى وأنواعُ نِعَمِهِ في جسمِ البصرِ وطبقاتِهِ في مجلَّداتٍ كثيرةٍ ، معَ أنَّ جملتَهُ لا تزيدُ على جوزةٍ صغيرةٍ ، فكيفَ ظنُّكَ بجمیعِ البدنِ وسائرِ أعضائِهِ وعجائبِهِ ؟! فهذهِ مرامزُ إلى نعمِ اللهِ تعالىُ بخلْقِ الإدراكاتِ . ٣٦٦ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الطرف الثاني: في أصناف النّقسم في خلق الإرادات اعلمْ : أنَّهُ لوْ خُلِقَ لكَ البصرُ حتَّى تدركَ بهِ الغذاءَ مِنْ بعْدٍ ولمْ يُخلقْ لكَ ميلٌ في الطبع وشوقٌ إليهِ وشهوةٌ لهُ تستحقُكَ على الحركةِ .. لكانَ البصرُ معطَّلاً، فَكَمْ مِنْ مريضٍ يرى الطعامَ وهوَ أنفعُ الأشياءِ لهُ وقدْ سقطَتْ شهوتُهُ ، فلا يتناولُهُ، فيبقى البصرُ والإدراكُ معطّلاً في حقِّهِ . فاضطررتَ إلى أنْ يكونَ لكَ ميلٌ إلى ما يوافقُكَ يُسمَّى شهوةً ، ونفرةٌ عمَّا يخالفُكَ تُسمَّى كراهةً ؛ لتطلبَ بالشهوةِ ، وتهربَ بالكراهةِ ، فخلقَ اللهُ تعالى فيكَ شهوةَ الطعام ، وسلَّطَها عليكَ ، ووكلَها بكَ ؛ كالمتقاضي الذي يضطرُّكَ إلى التناولِ ، حتَّى تتناولَ وتتغذَّى، فتبقى بالغذاءِ، وهذا ممَّا يشاركُكَ فِيهِ الحيوانُ دونَ النباتِ . مرهم ثمَّ هذهِ الشهوةُ لوْ لمْ تسكنْ إذا أخذتَ مقدارَ الحاجةِ .. أسرفتَ وأهلكتَ نفسَكَ، فخلقَ اللهُ لكَ الكراهةَ عندَ الشبع ؛ لتتركَ الأكلَ بها ، لا كالزرع، فإنَّهُ لا يزالُ يجتذبُ الماءَ إذا انصبَّ في أسافلِهِ حتَّى يفسدَ ، فيحتاجُ إلى آدميٍّ يقدِّرُ غذاءَهُ بقدْرِ الحاجةِ ، فيسقيهِ مرَّةً ويقطعُ عنهُ الماءَ أخرى . وكما خُلقَتْ لكَ هذهِ الشهوةُ حتَّىُ تأكلَ فيبقى بهِ بدنُكَ .. خلقَ لكَ شهوةَ الوقاعِ حتَّى تجامعَ فيبقىُ بهِ نسلُكَ . ٣٦٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ٨٠٠ ولوْ قصصنا عليكَ عجائبَ صنع اللهِ تعالى في خلْقِ الرحمِ ، وخلْقِ دم الحيضٍ ، وتأليفِ الجنينِ مِنَ المنيِّ ودمِ الحيضِ ، وكيفيَّةِ خلْقِ الأنثيينِ والعروقِ السالكةِ إليها مِنَ الفقارِ الذي هوَ مستقرُّ النطفةِ ، وكيفيَّةِ انصبابٍ ماءٍ المرأةِ مِنَ الترائبِ بواسطةِ العروقِ ، وكيفيَّةِ انقسامٍ مقعَّرِ الرحمِ إلى قوالبَ تقعُ النطفةُ في بعضِها فتتشكَّلُ بشكلِ الذكورِ ، وتقعُ في بعضِها فتتشكَّلُ بشكلِ الإناثِ ، وكيفيّةِ إدارتها في أطوارِ خلقِها مضغةً وعلقةً ، ثمَّ عظماً ولحماً ودماً ، وكيفيَّةِ قسمةِ أجزائِها إلى رأسٍ ورجْلٍ وبطنٍ وظهرٍ ويدِ وسائرِ الأعضاءِ .. لقضيتَ منْ أنواع نعَمِ اللهِ تعالى عليكَ في مبدأِ خلقِكَ كلَّ العجبِ فضلاً عمَّا تراهُ الآنَ، ولكنَّا لسنا نريدُ أنْ نتعرَّضَ إلا لنعَمِ اللهِ تعالى في الأكلِ وحدَهُ كي لا يطولَ الكلامُ . فإذاً ؛ شهوةُ الطعام أحدُ ضروبِ الإراداتِ ، وذلكَ لا يكفيكَ ، فإنَّهُ تأتيكَ المهلكاتُ مِنَ الجوانبِ ، فلوْ لمْ يُخلقْ فيكَ الغضبُ الذي بهِ تدفعُ كلَّ ما يضادُّكَ ولا يوافقُكَ .. لبقيتَ عرضةً للآفاتِ، ولأُخِذَ منكَ كلُّ ما حصَّلتَهُ مِنَ الغذاءِ ، فإنَّ كلَّ واحدٍ يشتهي ما في يديكَ ، فتحتاجُ إلى داعيةٍ في دفعِهِ ومقاتلتِهِ ، وهيَ داعيةُ الغضبِ الذي بهِ تدفعُ كلَّ ما يضادُّكَ ولا يوافقُكَ . ثمَّ هذا لا يكفيكَ ؛ إذِ الشهوةُ والغضبُ لا يدعوانِ إلا إلى ما يضرُّ وينفعُ في الحالِ ، وأمَّا في المآلِ .. فلا تكفي فيهِ هذهِ الإرادةُ ، فخلقَ اللهُ تعالى لكَ إرادةً أخرى مسخّرةً تحتَ إشارةِ العقلِ المعرِّفِ للعواقبِ ؛ كما خلقَ ٣٦٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الشهوةَ والغضبَ مسخّرةً تحتَ إدراكِ الحسِّ المدركِ للحالةِ الحاضرةِ ، فتمَّ بها انتفاعُكَ بالعقلِ ؛ إذْ كانَ مجرَّدُ المعرفةِ بأنَّ هذهِ الشهوةَ مثلاً تضرُّكَ لا يغنيكَ في الاحترازِ عنها ما لم يكنْ لكَ ميلٌ إلى العملِ بموجَبِ المعرفةِ ، وهذهِ الإرادةُ أفردتَ بها عنِ البهائمِ إكراماً لبني آدمَ ، كما أفردتَ بمعرفةٍ العواقب ، وقدْ سمَّينا هذهِ الإرادةَ باعثاً دينياً ، وفصلناهُ في كتابِ الصبرِ تفصيلاً أوفى مِنْ هذا . بو ٣٦٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الطرف الثّالث: في نقسم الله تعالى في خلق القدرة وآلات الحركة اعلمْ: أنَّ الحسَّ لا يفيدُ إلا الإدراكَ، والإرادةُ لا معنى لها إلا الميلُ إلى الطلبِ أوِ الهربِ ، وهذا لا كفايةَ فيهِ ما لمْ تكنْ فيكَ آلهُ الطلبِ والهربِ ، فكَمْ مِنْ زَمِنٍ مشتاقٍ إلى شيءٍ بعيدٍ عنهُ مدرِكٍ لهُ ، ولكنَّهُ لا يمكنُهُ أنْ يمشيَ إليهِ لفقدِ رجْلِهِ ، أوْ لا يمكنُهُ أنْ يتناولَهُ لفقدٍ يدِهِ ، أوْ لفلجٍ وخَدَرٍ فيهِما ، فلا بدَّ مِنْ آلاتٍ للحركةِ ، وقدرةٍ في تلكَ الآلاتِ على الحركةِ ؛ لتكونَ حركتُها بمقتضى الشهوةِ طلباً ، وبمقتضى الكراهةِ هرباً ، فلذلكَ خلقَ اللهُ تعالى لكَ الأعضاءَ التي تنظرُ إلى ظاهرِها ولا تعرفُ أسرارَها ، فمنها ما هوَ للطلبِ والهربِ ؛ كالرجْلِ للإنسانِ ، والجناحِ للطيرِ ، والقوائمِ للدوابِّ ، ومنها ما هوَ للدفع ؛ كالأسلحةِ للإنسانِ ، والقرونِ للحيواناتِ ، وفي هذا تختلفُ الحيواناتُ اختلافاً كثيراً ؛ فمنها ما يكثرُ أعداؤُهُ ويبعدُ غذاؤُهُ ، فيحتاجُ إلى سرعةِ الحركةِ ، فخُلِقَ لهُ الجناحُ ليطيرَ بسرعةٍ ، ومنها ما خُلِقَ لهُ أربعُ قوائمَ ، ومنها ما له رجْلانِ ، ومنها ما يدبُّ ، وذكرُ ذلكَ يطولُ . فلنذكرِ الأعضاءَ التي بها يتمُّ الأكلُ فقطْ ؛ ليقاسَ عليها غيرُها ، فنقولُ : رؤيتُكَ الطعامَ مِنْ بعدٍ وحركتُكَ إليهِ لا تكفي ما لمْ تتمكَّنْ منْ أنْ تأخذَهُ، فافتقرتَ إلى آلةٍ باطشةٍ ، فأنعمَ اللهُ تعالى عليكَ بخلْقِ اليدينِ ، وهما طويلتانِ ممتدَّتانِ إلى الأشياءِ ، ومشتملتانِ على مفاصلَ كثيرةٍ لتتحرَّكَ في الجهاتِ ، ٣٧٠ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فتمتدُّ وتنثني إليكَ ، فلا تكونُ كخشبةٍ منصوبةٍ ، ثمَّ جعلَ رأسَ اليدِ عريضاً بخلْقِ الكفِّ ، ثمَّ قسَّمَ رأسَ الكفِّ بخمسةِ أقسامِ هيَ الأصابعُ ، وجعلَها في صفَّيْنٍ بحيثُ يكونُ الإبهامُ في جانبٍ ويدورُ على الأربعةِ الباقيةِ ، ولوْ كانَتْ مجتمعةً أوْ متراكمةً .. لمْ يحصلْ بها تمامُ غرضِكَ، فوضعَها وضعاً إنْ بسطتَها .. كانَتْ لكَ مجرفةً ، وإنْ ضممتَها .. كانَتْ لكَ مغرفةً، وإنْ جمعتَها .. كانَتْ لكَ آلةً للضربِ ، وإنْ نشرتَها ثمَّ قبضتَها .. كانَتْ لكَ آلةً في القبضِ ، ثمَّ خلقَ لها أظفاراً ، وأسندَ إليها رؤوسَ الأصابع حتَّى لا تتفتَّتَ ، وحتَّى تلتقطَ بها الأشياءَ الدقيقةَ التي لا تحويها الأصابعُ ، فتأخذَها برؤوسِ أظفارِكَ . ثمَّ هبْ أَنَّكَ أَخذتَ الطعامَ باليدِ .. فمِنْ أينَ يكفيكَ هذا ما لمْ يصلْ إلى المعدةِ وهيَ في الباطنِ ، فلا بدَّ وأنْ يكونَ مِنَ الظاهرِ دهليزٌ إليها؛ حتَّى يدخلَ الطعامُ منهُ ، فجعلَ الفمَ منفذاً إلى المعدةِ معَ ما فيهِ مِنَ الحِكَمِ الكثيرةِ سوى كونِهِ منفذاً للطعامِ إلى المعدةِ . ثمّ إنْ وضعتَ الطعامَ في الفم وهوَ قطعةٌ واحدةٌ .. فلا يتيسَّرُ ابتلاعُهُ ، فتحتاجُ إلى طاحونةٍ تطحنُ بها الطعامَ ، فخلقَ لكَ اللحيينِ مِنْ عظمينِ ، وركَّبَ فيهما الأسنانَ ، وطبَّقَ الأضراسَ مِنَ العليا على السفلى لتطحنَ بهِما الطعامَ طحناً . ثُمَّ الطعامُ تارةً يحتاجُ إلى الكسرِ ، وتارةً إلى القطعِ ، ثمَّ يحتاجُ إلى طحنٍ بعدَ ذلكَ ، فقسَّمَ الأسنانَ إلى عريضةٍ طواحنَ كالأضراسِ ، وإلى حادّةٍ قواطعَ كالرَّباعِياتِ ، وإلى ما يصلحُ للكسرِ كالأنيابِ . ٣٧١ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ثمَّ جعلَ مفصِلَ اللحيينِ متخلخلاً بحيثُ يتقدَّمُ الفُّ الأسفلُ ويتأخّرُ ؛ حتَّى يدورَ على الفكِّ الأعلىُ دورانَ الرحى، ولولا ذلكَ .. لما تيسَّرَ إلا ضربُ أحدِهِما على الآخرِ ؛ مثلَ تصفيقِ اليدينِ مثلاً ، وبذلكَ لا يتمُّ الطحنُ ، فجعلَ اللحيَ الأسفلَ متحرِّكاً حركةَ دوريَّةً ، واللحيَ الأعلىُ ثابتاً لا يتحرَّكَ ، فانظرْ إلى عجيبٍ صنع اللهِ تعالى! فإنَّ كلَّ رحىّ صنعَهُ الخلْقُ فيثبتُ منهُ الحجرُ الأسفلُ ويدورُ الأعلى إلا هذا الرحى الذي صنعَهُ اللهُ تعالى؛ إذْ يدورُ منهُ الأسفلُ على الأعلى، فسبحانَهُ ما أعظمَ شانَهُ وأعزَّ سلطانَهُ وأتمَّ برهانَهُ وأوسعَ امتنانَهُ ! ثمَّ هبْ أنَّكَ وضعتَ الطعامَ في فضاءِ الفم .. فكيفَ يتحرَّكُ الطعامُ إلى ما تحتَ الأسنانِ ؟ أوْ كيفَ تستجرُّهُ الأسنانُ إلى نفسِها ؟ أوْ كيفَ يتصرَّفُ باليدِ في داخلِ الفمٍ ؟ فانظرْ كيفَ أنعمَ اللهُ تعالى عليكَ بخلْقِ اللسانِ ، فإنَّهُ يطوفُ في جوانبِ الفمٍ ويردُّ الطعامَ مِنَ الوسطِ إلى الأسنان بحسَبِ الحاجةِ كالمجرفةِ التي تردُّ الطعامَ إلى الرحى ، هذا معَ ما فيهِ مِنْ فائدةِ الذوْقِ ، وعجائبِ قوَّةِ النطْقِ التي لسنا نطنبُ بذكرِها . ثمَّ هبْ أنَّكَ قطعتَ الطعامَ وطحنتَهُ وهوَ يابسٌ .. فلا تقدرُ على الابتلاع إلا بأنْ ينزلقَ إلى الحلقِ بنوع رطوبةٍ ، فانظر كيفَ خلقَ اللهُ تعالى تحتَ اللسانِ عيناً يفيضُ اللعابُ منها وينصبُّ بقدْرِ الحاجةِ ؛ حتَّى ينعجنَ بِهِ الطعامُ ، فانظرْ كيفَ سخَّرَها لهذا الأمرِ ، فإنَّكَ ترى الطعامَ مِنْ بعدٍ ، فتثورُ ٣٧٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر المسكينةُ للخدمةِ(١) ، وينصبُّ اللعابُ حتَّى تتحلَّبَ أشداقُكَ والطعامُ بعدُ بعيدٌ عنكَ . ثُمَّ هذا الطعامُ المطحونُ المنعجنُ مَنْ يوصلُهُ إلى المعدةِ وهوَ في الفمِ ولا تقدرُ على أنْ تدفعَهُ باليدِ ، ولا في المعدةِ يدٌ حتَّى تمتدَّ فتجذبَ الطعامَ ؟ فانظر كيفَ هيَّأَ اللهُ تعالى المريءَ والحَنْجَرةَ، وجعلَ على رأسِها طبقاتٍ تنفتحُ لأخذِ الطعام ، ثمَّ تنطبقُ وتنضغطُ حتَّى يتقلَّبَ الطعامُ بضغطِهِ ، فيهويَ إلى المعدةِ في دهليزِ المريءٍ . فإذا وردَ الطعامُ على المعدةِ وهوَ خبزٌ وفاكهةٌ مقطعةٌ .. فلا يصلحُ لأنْ يصيرَ لحماً وعظماً ودماً على هذهِ الهيئةِ ، بل لا بدّ وأنْ يُطبخَ طبخاً تامّاً حتى تتشابَهُ أجزاؤُهُ ، فخلقَ اللهُ تعالى المعدةَ على هيئةِ قَدْرٍ ، فيقعُ فيها الطعامُ ، فتحتوي عليهِ ، وتنغلقُ عليهِ الأبوابُ ، فلا يزالُ لابثاً فيها حتَّى يتمَّ الهضمُ والنضْجُ بالحرارةِ التي تحيطُ بالمعدةِ مِنَ الأعضاءِ الباطنةِ ؛ إذْ مِنْ جانبها الأيمنِ الكبدُ ، ومِنَ الأيسرِ الطحالُ، ومِنْ قدَّامِ الثَّرْبُ(٢) ، ومِنْ خلفٍ لحمُ الصلْبِ ، فتتعدّى الحرارةُ إليها مِنْ تسخينِ هذهِ الأعضاءِ مِنَ الجوانبِ ، حتَّى ينطبخَ الطعامُ ويصيرَ مائعاً متشابهاً ، يصلحُ للنفوذِ في تجاويفِ العروقِ ، وعندَ ذلكَ يشبهُ ماءَ الشعيرِ في تشابهِ أجزائِهِ ورقَّتِهِ ، وهوَ (١) في نسخة الحافظ الزبيدي (١٠٨/٨): (فيثور الحنكان للخدمة ). (٢) الثرب : شحم رقيق يغشِّي الكرش والأمعاء . ٣٧٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ـحن بعدُ لا يصلحُ للتغذيةِ ، فخلقَ اللهُ تعالى بينها وبينَ الكبدِ مجاريَ مِنَ العروقِ ، وجعلَ لها فوهاتٍ كثيرةٌ حتَّى ينصبَّ الطعامُ فيها ، فينتهيَ إلى الكبدِ . G والكبدُ معجونٌ مِنْ طينةِ الدم حتَّى كأنَّهُ دمٌ ، وفيهِ عروقٌ كثيرةٌ شعريّةٌ منتشرةٌ في أجزاءِ الكبدِ ، فينصبُّ الطعامُ الرقيقُ النافذُ فيها ، وينتشرُ في أجزائِها ، حتَّى تستوليَ عليهِ قوَّةُ الكبدِ ، فتصبغُهُ بلونِ الدم ، فيستقرُّ فيها ريثما يحصلُ لهُ نضجٌ آخرُ ، ويحصلُ لهُ هيئةُ الدمِ الصافي الصالحِ لغذاءِ الأعضاءِ ، إلا أنَّ حرارةَ الكبدِ هيَ التي تنضجُ هذا الدمَ ، فيتولَّدُ مِنْ ههذا الدم فضلتانِ كما يتولَّدُ في جميع ما يُطبخُ : إحداهما : شبيهةٌ بالدرديُّ والعكرِ (١)، وهوَ الخلطُ السوداويُّ، والأخرىُ: شبيهةٌ بالرغوةِ ، وهيَ الصفراءُ ، ولوْ لمْ تُفُصلْ عنهُما هاتانِ الفضلتانِ .. فسدَ مزاجُ الأعضاءِ ، فخلقَ اللهُ تعالى المرارةَ والطحالَ ، وجعلَ لكلِّ واحدٍ منهُما عنقاً ممدوداً إلى الكبدِ داخلاً في تجويفِهِ ، فتجذبُ المرارةُ الفضلةَ الصفراويَّةَ ، ويجذبُ الطحالُ العكرَ السوداويَّ، فيبقى الدمُ صافياً ليسَ فيهِ إلا زيادةُ رقَّةٍ ورطوبةٍ لما فيهِ مِنَ المائيّةِ ، ولولاها .. لما انتشرَ في تلكَ العروقِ الشعريَّةِ، ولا خرجَ منها متصاعداً إلى الأعضاءِ ، فخلقَ اللهُ تعالى الكليتينِ ، وأخرجَ مِنْ كلِّ واحدةٍ منهُما عنقاً طويلاً إلى الكبدِ ، ومِنْ عجائبِ حكمةِ اللهِ تعالى أنَّ عنقَهُما ليسَ داخلاً في تجويفِ الكبدِ ، بلْ متصلٌ بالعروقِ الطالعةِ مِنْ (١) الدردي والعكر : ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان . ٣٧٤ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر حدبةِ الكبدِ ، حتَّى يجذبَ مائيتَها بعدَ الطلوع مِنَ العروقِ الدقيقةِ التي في الكبدِ، إذْ لوٍ اجتُذبَ قبلَ ذلكَ .. لغلظَ ولمْ يخرجْ مِنَ العروقِ ، فإذا انفصلَتْ منهُ المائيَّةُ .. فقدْ صارَ الدمُ صافياً مِنَ الفضلاتِ الثلاثِ ، نقيّاً مِنْ كلِّ ما يفسدُ الغذاءَ . ثُمَّ إِنَّ اللهَ تعالى أطلعَ مِنَ الكبدِ عروقاً ، ثمَّ قسمَها بعدَ الطلوع أقساماً ، وشعبَ كلَّ قسمٍ بشعبٍ ، وانتشرَ ذلكَ في البدنِ كلِّهِ مِنَ الفَرْقِ إلى القدمِ ظاهراً وباطناً ، فيجري الدمُ الصافي فيها ، ويصلُ إلى سائرِ الأعضاءِ ، حتَّى تصيرَ العروقُ المنقسمةُ شعريَّةً كعروقِ الأوراقِ في الأشجارِ ، بحيثُ لا تدركُ بالأبصارِ ، فيصلُ منها الغذاءُ بالرشحِ إلى سائرِ الأعضاءِ . ولوْ حلَّتْ بالمرارةِ آفةٌ فلمْ تجذبْ الفضلةَ الصفراويةَ .. فسدَ الدمُ ، وحصلَ منهُ الأمراضُ الصفراويَّةُ ؛ كاليرقانِ والبثورِ والحمرةِ ، وإنْ حلَّتْ بالطحالِ آفةٌ فلمْ يجذبِ الخلطَ السوداويَّ .. حدثَتِ الأمراضُ السوداويَّةُ ؛ كالبهقِ والجذامِ والماليخوليا وغيرِها (١) ، وإنْ لمْ تندفع المائيةُ نحوَ الكلى .. حدثَ منهُ الاستسقاءُ وغيرُهُ(٢). ثُمَّ انظرْ إلى حكمةِ الفاطرِ الحكيمِ كيفَ رتَّبَ منافعَ على هذهِ الفضلاتِ الثلاثِ الخسيسةِ : (١) الماليخوليا : مرض يثوِّر الوساوس والظنون والخوف . (٢) الاستسقاء : مرض احتباس السوائل في الجسم . ٣٧٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات أمَّا المرارةُ .. فإنَّها تجذبُ بأحدٍ عنقيها وتقذفُ بعنقٍ آخرَ إلى الأمعاءِ ؛ ليحصلَ بهِ في ثقلِ الطعامِ رطوبةٌ مزلقةٌ ، ويحدثَ في الأمعاءِ لذعٌ يحرِّكُها للدفع ، فتنضغطَ حتَّى يندفعَ الثفلُ وينزلقَ ، وتكونُ صفرتُهُ لذلكَ . وأمَّا الطحالُ .. فإنَّهُ يحيلُ تلكَ الفضلةَ إحالةً يحصلُ بها فيهِ حموضةٌ وقبضٌ ، ثمَّ يرسلُ منها في كلِّ يومٍ شيئاً إلى فم المعدةِ ، فيحرِّكُ الشهوةَ بحموضتِهِ ، وينبهها ويثيرُها ، ويخرجُ الباقيَ معَ الثفلِ . وأمَّا الكليةُ .. فإنَّها تغتذي بما في تلكَ المائيّةِ مِنْ دم ، وترسلُ الباقيَ إلى المثانةِ . ولنقتصرْ على هذا القذْرِ مِنْ بيانِ نعَمِ اللهِ تعالى في الأسبابِ التي أُعدَّتْ للأكلِ ، ولو ذكرنا كيفيَّةَ احتياج الكبدِ إلى القلبِ والدماغِ ، واحتياجٍ كلِّ واحدٍ مِنْ هذهِ الأَعضاءِ الرئيسةِ إلى صاحبِهِ ، وكيفيَّةَ انشعابِ العروقِ الضواربِ مِنَ القلبِ إلى سائرِ البدنِ التي بواسطتِها تصلُ الروحُ (١)، وكيفيَّةَ انشعابِ الأعصابِ مِنَ الدماغِ إلى سائرِ البدنِ وبواسطتِها يصلُ الحسُ ، وكيفيّةَ انشعابِ العروقِ السواكنِ مِنَ الكبدِ إلى سائرِ البدنِ وبواسطتِها يصلُ الغذاءُ ، ثمَّ كيفيَّةَ تركيبِ الأعضاءِ ، وعددَ عظامِها وعضلاتِها وعروقِها ، وأوتارِها ورباطاتِها ، وغضاريفِها ورطوباتِها .. لطالَ الكلامُ، وكلُّ ذلك محتاجٌ إليهِ للأكلِ ولأمورٍ أُخرَ سواهُ. ـدة جن حن (١) والمراد بالروح هنا: البخار اللطيف الذي محلّه القلب ، كما سيبينه المصنف قريباً . ٣٧٦ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر بلْ في الآدميِّ آلافٌ مِنَ العضلاتِ والعروقِ والأعصابِ ، مختلفةٌ بالصغرِ والكبرِ ، والدقَّةِ والغلظِ ، وكثرةِ الانقسام وقلَّتِهِ ، ولا شيءَ منها إلا وفيهِ حكمةٌ أو اثنتانِ أوْ ثلاثٌ أوْ أربعٌ إلى عشرٍ وزيادةٍ ، وكلُّ ذلكَ نعَمٌ مِنَ اللهِ تعالى عليكَ ، لوْ سكنَ مِنْ جملتِها عرقٌ متحرٌِّ، أوْ تحرَّكَ عرقٌ ساكنٌ .. لهلكتَ يا مسكينٌ . فانظرْ إلى نعمةِ اللهِ تعالى عليكَ أوَّلاً ؛ لتقوى بعدَها على الشكرِ ، فإنََّكَ لا تعرفُ مِنْ نعمةِ اللهِ تعالى إلا الأكلَ وهوَ أخُّها ، ثمَّ لا تعرفُ منها إلا أنَّكَ تجوعُ فتأكلُ ، والحمارُ أيضاً يعلمُ أنَّهُ يجوعُ فيأكلُ ، ويتعبُ فينامُ ، ويشتهي فيجامعُ ، ويستريحُ فِيُشْمَصُ ويُرمَحُ (١) ، فإذا لمْ تعرفْ أنتَ مِنْ نفسِكَ إلا ما يعرفُهُ الحمارُ .. فكيفَ تقومُ بشكرِ نعَمِ اللهِ عليكَ ؟! وهذا الذي رمزنا إليهِ على الإيجازِ قطرةٌ مِنْ بحرٍ واحدٍ مِنْ بحارِ نعمِ اللهِ عزَّ وجلَّ فقطْ ، فقسْ على الإجمالِ ما أهملناهُ مِنْ جملةِ ما عرفناهُ حذراً مِنَ التطويلِ . وجملةُ ما عرفناهُ وعرفَهُ الخلقُ كلُّهُمْ بالإضافةِ إلى ما لمْ يعرفوهُ مِنْ نعمِ اللهِ تعالى أقلُّ مِنْ قطرةٍ مِنْ بحرٍ ، إلا أنَّ مَنْ علمَ شيئاً مِنْ هذا .. أدركَ شئَّةً مِنْ معاني قولهِ تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّ واْ نِعْمَتَ الهِلَا تُحْصُوهَا﴾. ثمَّ انظرْ كيفَ ربطَ اللهُ تعالى قوامَ هذهِ الأعضاءِ وقوامَ منافعِها وإدراكاتِها (١) الشمص : ضرب الدابة وطردها لاستنهاضها، والرَّمْح مثله، أو هو وصف للدابة إن رفست. ٣٧٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وقوَّاها ببخارٍ لطيفٍ يتصاعدُ مِنَ الأخلاطِ الأربعةِ ، ومستقرُّهُ القلبُ ، ويسري في جميعِ البدنِ بواسطةِ العروقِ الضواربِ ، فلا ينتهي إلى جزءٍ مِنْ أجزاءِ البدنِ إلا ويحدثُ عندَ وصولِهِ في تلكَ الأجزاءِ ما يحتاجُ إليهِ مِنْ قوَّةِ حسِّ وإدراكِ ، وقوَّةِ حركةٍ وغيرِها ؛ كالسراجِ الذي يُدارُ في أطرافِ البيتِ ، فلا يصلُ إلى جزءٍ إلا ويحصلُ بسببٍ وصولِهِ ضوءٌ على أجزاءِ البيتِ مِنْ خلْقِ اللهِ تعالى واختراعِهِ ، ولكنَّهُ جعلَ السراجَ سبباً لهُ بحكمتِهِ . وهذا البخارُ اللطيفُ هوَ الذي تسمِّيهِ الأطباءُ الروحَ ، ومحلُّهُ القلبُ ، ومثالُهُ جرمُ نارِ السراجِ، والقلبُ لهُ كالمَسْرَجةِ (١) ، والدمُ الأسودُ الذي في باطنِ القلبِ لهُ كالفتيلةِ ، والغذاءُ لهُ كالزيتِ ، والحياةُ الظاهرةُ في سائرِ أعضاءِ البدنِ بسببهِ كالضوءِ للسراج في جملةِ البيتِ ، وكما أنَّ السراجَ إذا انقطعَ زيتُهُ انطفاً .. فسراجُ الروحِ أيضاً ينطفىءُ مهما انقطعَ غذاؤُهُ . وكما أنَّ الفتيلةَ قدْ تحترقُ وتصيرُ رماداً ، بحيثُ لا تقبلُ الزيتَ ، فينطفىُ السراجُ معَ كثرةِ الزيتِ . . فكذلكَ الدمُ الذي تشبَّثَ بهِ هذا البخارُ في القلبِ قدْ يحترقُ بفرْطِ حرارةِ القلبِ ، فينطفىءُ معَ وجودِ الغذاءِ ، فإنَّهُ لا يقبلُ الغذاءَ الذي يبقى بهِ الروحُ كما لا يقبلُ الرمادُ الزيتَ قبولاً تتشبَّتُ النارُ بهِ . وكما أنَّ السراجَ تارةً ينطفىءُ بسببٍ مِنْ داخلٍ كما ذكرناهُ ، وتارةً بسببٍ (١) المسرجة: التي فيها الفتيلة والزيت . ٣٧٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر جن مِنْ خارجٍ كريحِ عاصفٍ .. فكذلكَ الروحُ تارةً تنطفىءُ بسببٍ مِنْ داخلٍ ، وتارةً بسببٍ مِنْ خارجٍ وهوَ القتلُ ، وكما أنَّ انطفاءَ السراج بفناءِ الزيتِ ، أوْ بفسادِ الفتيلةِ ، أو بريحِ عاصفٍ ، أو بإطفاءِ إنسانٍ لا يكونُ إلا بأسبابٍ مقدَّرةٍ في علمِ اللهِ تعالى مرتبةٍ ، ويكونُ كلُّ ذلكَ بقدَرٍ .. فكذلكَ انطفاءُ الروحِ ، وكما أنَّ انطفاءَ السراجِ هوَ منتهىُ وقتٍ وجودِهِ ، فيكونُ ذلكَ أجلَهُ الذي أُجِّلَ لهُ في أمِّ الكتابِ .. فكذلكَ انطفاءُ الروحِ . وكما أنَّ السراجَ إذا انطفأَ أظلمَ البيتُ كلُّهُ .. فالروحُ إذا انطفأَ أظلمَ البدنُ كلُّهُ ، وفارقَتْهُ أنوارُهُ التي كانَ يستفيدُها مِنَ الروحِ ، وهيَ أنوارُ الإحساساتِ والقُدَرِ والإراداتِ وسائرِ ما يجمعُها معنى لفظِ الحياةِ. حن فهذا أيضاً رمزٌ وجيزٌ إلى عالمٍ آخرَ مِنْ عوالمِ نعمِ اللهِ تعالى وعجائب صنعِهِ وحكمتِهِ ؛ ليعلمَ أنَّهُ لوْ كانَ البحرُ مداداً لكلماتِ ربِّي .. لنفدَ البحرُ قبلَ أنْ تنفدَ كلماتُ ربِّي ، فتَعْساً لمَنْ كفرَ باللهِ تَعْساً ، وسُحْقاً لمَنْ كفرَ نعمتَهُ سُحقاً . فإنْ قلتَ : فقدْ وصفتَ الروحَ ومثَّلتَهُ ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سُئِلَ عنِ الروحِ فلمْ يزدْ على أنْ قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾، فلِمَ لمْ يصفْهُ لَهُمْ على هذا الوجهِ؟(١). (١) أي: على أنه بخار لطيف محلّه القلب، وحديث السؤال عن الروح رواه البخاري (٤٧٢١)، ومسلم (٢٧٩٤). ٣٧٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات فاعلمْ : أنَّ هذهِ غفلةٌ عنِ الاشتراكِ الواقع في لفظِ الروحِ ، فإنَّ الروحَ يُطلقُ لمعانٍ كثيرةٍ لا نطوِّلُ بذكرِها ، ونحنُ إنَّما وصفنا مِنْ جملتِها جسماً لطيفاً تسمِّيهِ الأطباءُ روحاً، وقدْ عرفوا صفتَهُ ووجودَهُ ، وكيفيَّةَ سريانِهِ في الأعضاءِ ، وكيفيَّةَ حصولِ الإحساسِ والقوى في الأعضاءِ بهِ ، حتَّى إذا خدِرَ بعضُ الأعضاءِ .. علموا أنَّ ذلكَ لوقوع سدَّةٍ في مجَرى هذا الروحِ ، فلا يعالجونَ موضعَ الخدَرِ ، بلْ منابتَ الأعصابِ ومواقعَ السدةِ فيها ، ويعالجونَها بما يفتحُ السدةَ ، فإنَّ هذا الجسمَ بلطفِهِ ينفذُ في شباكِ العصبِ ، وبواسطتِهِ يتأدَّى مِنَ القلبِ إلى سائرِ الأعضاءِ ، وما ترتقي إليهِ معرفةُ الأطباءِ فأمرُهُ سهلٌ نازلٌ . وأمَّا الروحُ التي هيَ الأصلُ ، وهيَ التي إذا فسدَتْ فسدَ لها سائرُ البدنِ .. فذلكَ سٍّ مِنْ أسرارِ اللهِ لمْ نصفْهُ ، ولا رخصةَ في وصفِهِ إلا بأنْ يُقالَ: هوَ أمرٌ ربَّانِيٌّ كما قال تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾، والأمورُ الربّانيَّةُ لا تحتملُ العقولُ وصفَها ، بل تتحيَّرُ فيها عقولُ أكثرِ الخلقِ ، وأمَّا الأوهامُ والخيالاتُ .. فقاصرةٌ عنها بالضرورةِ قصورَ البصرِ عنْ إدراكِ الأصواتِ ، وتتزلزلُ في ذكرِ مبادي وصفِها معاقدُ العقولِ المقيدةِ بالجوهرِ والعرضِ ، المحبوسةِ في مضيقِها ، فلا يُدركُ بالعقلِ شيءٌ مِنْ وصفِهِ ، بلْ بنورٍ آخرَ أعلى وأشرفَ مِنَ العقلِ ، يشرقُ ذلكَ النورُ في عالمِ النبوَّةِ والولايةِ ، نسبتُهُ إلى العقلِ نسبةُ العقلِ إلى الوهمِ والخيالِ . حر 02 ١٩ ١٩٠ وقدْ خلقَ اللهُ تعالى الخلْقَ أطواراً ، فكما يدركُ الصبيُّ المحسوساتِ ٣٨٠ قء. G