النص المفهرس

صفحات 321-340

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
ـدن
X
وبحثٍ ، بلْ عنْ إرادةٍ وحكمةٍ ، وحكمٍ حقِّ وأمرٍ جزْم استُعيرَ لهُ لفظُ
القضاءِ، وقيل: إنَّهُ كلمح بالبصرِ أوْ هوَ أقربُ ، ففاضَتْ بحارُ المقاديرِ
بحكْمِ ذلكَ القضاءِ الجزْم بما سبقَ بهِ التقديرُ ، فاستُغيرَ لترتُّبِ آحادٍ
المقدوراتِ بعضِها على بعضٍ لفظُ القَدَرِ ، فكانَ لفظُ القضاءِ بإزاءِ الأمرِ
الواحدِ الكلِّيِّ ، ولفظُ القَدَرِ بإزاءِ التفصيلِ المتمادي إلى غيرِ نهايةٍ ، وقيلَ :
إِنَّ شيئاً مِنْ ذلكَ ليسَ خارجاً عنِ القضاءِ والقدَرِ ، فخطرَ لبعضِ العبادِ أنَّ
القسمةَ لماذا اقتضتْ هذا التفصيلَ؟ وكيفَ انتظمَ العدْلُ معَ هذا التفاوتِ
والتفضيلِ ؟ وكانَ بعضُهُمْ لقصورِهِ لا يطيقُ ملاحظةَ كنْهِ هذا الأمرِ والاحتواءِ
على مجامعِهِ ، فَأَلجموا عمَّا لمْ يطيقوا خوضَ غمرتِهِ بلجامِ المنع ، وقيلَ
لهُمُ : اسكتوا ، فما لهذا خلقتُمْ ، لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهُمْ يُسألونَ .
ےہ
وامتلأَتْ مشكاةُ بعضِهِمْ نوراً مقتبساً مِنْ نورِ اللهِ تعالى في السماواتِ
والأرضِ، وكانَ زيتُهُمْ أوَّلاً صافياً يكادُ يضيءُ ولوْ لمْ تمسسْهُ نارٌ ، فمسَّتْهُ
نارٌ ، فاشتعلَ نوراً على نورِ ، فأشرقَتْ أقطارُ الملكوتِ بينَ أيديهِمْ بنورٍ
ربِّها، فأدركوا الأمورَ كلَّها على ما هيَ عليهِ، فقيلَ لهُمْ : تأذَّبوا بآدابِ اللهِ
تعالى واسكتوا ، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ .. فأمسكوا ؛ فإنَّ للحيطانِ آذاناً ،
وحوالَيْكُمْ ضعفاءُ الأبصارِ ، فسيروا بسيرِ أضعفِكُمْ ، ولا تكشفوا حجابَ
الشمسِ لأبصارِ الخفافيشِ ، فيكونَ ذلكَ سببَ هلاكِهِمْ، فتخلَّقوا
بأخلاقِ اللهِ تعالى ، وانزلوا إلى سماءِ الدنيا مِنْ منتهى علوّكُمْ ليأنسَ بِكُمُ
الضعفاءُ ، ويقتبسوا مِنْ بقايا أنوارِكُمُ المشرقةِ مِنْ وراءِ حجابِكُمْ ؛ كما
٣٢١
حة.

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
يقتبسُ الخفافيشُ مِنْ بقايا نورِ الشمسِ والكواكبِ في جنحِ الليلِ ، فيحيا بهِ
حياةً يحتملُها شخصُهُ وحالُهُ ، وإنْ كانَ لا يحيا بهِ حياةً المتردِّدينَ في كمالٍ
نورِ الشمسِ، وكونوا كمَنْ قِيلَ فِيهِمْ(١) :
[من الطويل]
كَذاكَ شَرابُ الطَّيِّبِينَ يَطيبُ
شَرِبْنا شَراباً طَيِّاً عِنْدَ طَيِّبٍ
ق
وَلِلْأَرْضِ مِنْ كَأْسِ الْكِرامِ نَصيبُ
شَرِبْنا وَأَهْرَقْنَا عَلى الأَرْضِ فَضْلَةً
فهكذا كانَ أوَّلُ هذا الأمرِ وآخرُهُ ، ولا تفهمْهُ إلا إذا كنتَ أهلاً لهُ ، وإذا
كنتَ أهلاً لهُ .. فتحتَ العينَ وأبصرتَ ، فلا تحتاجُ إلى قائدٍ يقودُكُ ،
والأعمى يمكنُ أنْ يُقادَ ، ولكنْ إلى حدٍّ ما ، فإذا ضاقَ الطريقُ وصارَ أحدَّ
مِنَ السيفِ وأدقَّ مِنَ الشعرِ .. قدرَ الطائرُ على أنْ يطيرَ عليهِ ، ولمْ يقدر على
أنْ يستجرَّ وراءَهُ أعمى، وإذا دقَّ المجالُ ولُفَ لَطْفَ الماءِ مثلاً ، ولمْ
يمكنِ العبورُ إلا بالسباحةِ .. فقدْ يقدرُ الماهرُ بصنعةِ السباحةِ أَنْ يعبرَ
بنفسِهِ ، وربَّما لمْ يقدرْ على أنْ يستجرَّ وراءَهُ آخرَ .
٩٠
فهذهِ أمورٌ نسبةُ السيرِ عليها إلى السيرِ على ما هوَ مجالُ جماهيرِ الخلْقِ
كنسبةِ المشي على الماءِ إلى المشي على الأرضِ ، والسباحةُ يمكنُ أنْ
تُعلَّمَ ، فأمَّا المشيُ على الماءِ .. فلا يُكتسبُ بالتعلُّمِ، بلْ يُنالُ بقوَّةِ
اليقينِ ، ولذلكَ قيلَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ عيسى عليهِ السلامُ
(١) انظر ((زهر الأكم)) (٢٦٥/١) .
٣٢٢
ـكن
ـن

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
حن
يُقالُ: إنَّهُ مشى على الماءِ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((لو ازدادَ يقيناً ..
لمشى على الهواءِ))(١) .
فهذهِ رموزٌ وإشاراتٌ إلى معنى الكراهةِ والمحبّةِ ، والرضا والغضبِ ،
والشكرِ والكفرانِ ، لا يليقُ بعلمِ المعاملةِ أكثرُ منها .
وقدْ ضربَ اللهُ مثلاً لذلكَ تقريباً إلى أفهام الخلْقِ ؛ إذْ عرَّفَ أنَّهُ ما خلقَ
الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدوهُ ، فكانَتْ عبادتُهُمْ غايةَ الحكمةِ في حقِّهِمْ ، ثمَّ
أخبرَ أنَّ لهُ عبدينِ ؛ يحبُّ أحدَهُما ، واسمُهُ جبريلُ وروحُ القدُسِ والأمينُ ،
وهوَ عندَهُ محبوبٌ مطاعٌ أمينٌ مكينٌ ، ويبغضُ الآخرَ ، واسمُهُ إبليسُ ، وهوَ
اللعينُ ، المُنْظَرُ إلى يومِ الدينِ .
جير
ےہے
حر
ثمَّ أحالَ الإرشادَ إلى جبريلَ فقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اَلْقُدُسِ مِن
زَّيِّكَ بِالْحَقِ﴾، وقال تعالى: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾،
وأحالَ الإغواءَ على إبليسَ فقال تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾، والإغواءُ :
هوَ استيقافُ العبادِ دونَ بلوغ غايةِ الحكمةِ ، فانظرْ كيفَ نسبَهُ إلى العبدِ الذي
غضبَ عليهِ، والإرشادُ : سياقةٌ لهُمْ إلى الغايةِ ، فانظرْ كيفَ نسبَهُ إلى العبدِ
الذي أحبّهُ .
وعندَكَ في العادةِ لهُ مثالٌ ؛ فالملكُ إذا كانَ محتاجاً إلى مَنْ يسقيهِ
ـجو
(١) رواه المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) ( ص٤٨٧) من حديث معاذ بن جبل رضي الله
عنه، وهو كذلك عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٣٠٣)، وانظر
((الإتحاف)) (٧٥/٩) .
٣٢٣
حن: آن.
حن

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
الشرابَ وإلىْ مَنْ يحجمُهُ وينظّفُ فِناءَ منزِلِهِ عنِ القاذوراتِ وكانَ لهُ عبدانِ ..
فلا يعيِّنُ للحجامةِ والتنظيفِ إلا أقبحَهُما وأخسَّهُما ، ولا يفوِّضُ حملَ
الشرابِ الطيِّبِ إلا إلى أحسنِهِما وأكملِهِما وأحبِّهما إليهِ .
ولا ينبغي أنْ تقولَ : هذا فعلي ، فلِمَ يكونُ فعلُهُ على وِزانٍ فعلي ؟
فإنَّكَ أخطأتَ إذْ أضفتَ ذلكَ إلى نفسِكَ ، بلْ هوَ الذي صرفَ داعيتَكَ
لتخصيصِ الفعلِ المكروهِ بالشخصِ المكروهِ والفعلِ المحبوبِ بالشخصِ
المحبوب ؛ إتماماً للعدْلِ، فإنَّ عدْلَهُ تارةً يتمُّ بأمورٍ لا مدخلَ لكَ فيها ،
وتارةً يتمُّ فيكَ ، فإنَّكَ أيضاً مِنْ أفعالِهِ، فداعيتُكَ وقدرتُكَ، وعلمُكَ
وعملُكَ ، وسائرُ أسبابِ حركاتِكَ في التعيينِ .. هوَ فعلُهُ الذي رتَبَّهُ بالعدلِ
ترتيباً تصدرُ منهُ الأفعالُ المعتدلةُ ، إلا أنَّكَ لا ترى إلا نفسَكَ، فتظرُ أَنَّ
ما يظهرُ عليكَ في عالمٍ الشهادةِ ليسَ لهُ سببٌ مِنْ عالمٍ الغيبِ والملكوتِ ،
فلذلكَ تضيفُهُ إلى نفسِكَ .
وإنَّما أنتَ مثلُ الصبيِّ الذي ينظرُ ليلاً إلى لعبِ المشعوذِ الذي يخرجُ
صوراً مِنْ وراءِ حجابٍ ترقصُ وتزعقُ وتقومُ وتقعدُ ، وهيَ مؤلَّفَةٌ مِنْ خرقٍ
لا تتحرَّكُ بأنفسِها، وإنَّما تحرِّكُها خيوطٌ شعريَّةٌ دقيقةٌ لا تظهرُ في ظلامِ
الليلِ ، ورؤوسُها في يدِ المشعوذِ ، وهوَ محتجبٌ عنْ أبصارِ الصبيانِ ،
فيفرحونَ ويتعجّونُ ؛ لظنِّهِمْ أنَّ تلكَ الخرقَ ترقصُ وتلعبُ وتقومُ وتقعدُ ،
وأمَّا العقلاءُ .. فإنَّهُمْ يعلمونَ أنَّ ذلكَ تحريكٌ وليسَ بتحرُّكِ ، ولكنَّهُمْ
ربّما لا يعلمونَ كيفَ تفصيلُهُ، والذي يعلمُ بعضَ تفصيلِهِ لا يعلمُهُ كما
السبب
٣٢٤

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
حن
يعلمُهُ المشعوذُ الذي الأمرُ إليهِ والجاذبةُ بيدِهِ .
حن
ـحن
فكذلكَ صبيانُ أهلِ الدنيا ، والخلقُ كلُّهُمْ صبيانٌ بالنسبةِ إلى العلماءِ ،
ينظرونَ إلى هذهِ الأشخاصِ فيظنُّونَ أنَّها المتحرّكةُ ، فيحيلونَ عليها ،
والعلماءُ يعلمونَ أنَّهُمْ محرَّكونَ إلا أنَّهُمْ لا يعرفونَ كيفيَّةَ التحريكِ وهُمُ
الأكثرونَ ، إلا العارفونَ والعلماءُ الراسخونَ ، فإنَّهُمْ أدركوا بحدَّةِ أبصارِهِمْ
خيوطاً دقيقةً عنكبوتيَّةً ، بلْ أدقُ منها بكثيرٍ ، معلّقةً مِنَ السماءِ متشبثةً
الأطرافِ بأشخاصِ أهلِ الأرضِ ، لا تُدركُ تلكَ الخيوطُ لدقَّتِها بهذهِ
الأبصارِ الظاهرةِ ، ثمَّ شاهدوا رؤوسَ تلكَ الخيوطِ في مناطاتٍ لها هيَ معلّقةٌ
بها ، وشاهدوا لتلكَ المناطاتِ مقابضَ هيَ في أيدي الملائكةِ المحرِّكِينَ
للسماواتِ ، وشاهدوا أبصارَ ملائكةِ السماواتِ مصروفةً إلى حملةِ العرشِ ،
ينتظرونَ منهُم ما ينزلُ عليهِمْ مِنَ الأمرِ مِنْ حضرةِ الربوبيّةِ كيْ لا يعصوا اللهَ
ما أمرَهُمْ ويفعلونَ ما يُؤْمرونَ .
نجيـ.
وعُيِّرَ عنْ هذهِ المكاشفاتِ في القرآنِ فقيلَ: ﴿ وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا
تُوعَدُونَ﴾، وعُبِّرَ عنِ انتظارِ ملائكةِ السماواتِ لما ينزلُ إليهِمْ مِنَ الأمرِ
والقدَرِ فقيلَ: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَّوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوَأْأَنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ .
وهذهِ أمورٌ لا يعلمُ تأويلَها إلا اللهُ والراسخون في العلمِ ، وعبَّرَ ابنُ
عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما عنِ اختصاصِ الراسخينَ في العلمِ بعلوم لا تحتملُها
٣٢٥

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
أفهامُ الخلقِ حيثُ قرأَ قولَهُ تعالى: ﴿يَنَغَزَّلُ الْأَمُ بَيْنَهُنَّ﴾ فقالَ: ( لوْ ذكرتُ
ما أعرفُهُ مِنْ معنى هذهِ الآيةِ .. لرجمتُموني)، وفي لفظٍ آخرَ : ( لقلتُمْ:
إنَّهُ كافرٌ)(١).
ولنقتصرْ على هذا القدْرِ ، فقدْ خرجَ عِنانُ الكلامِ عنْ قبضةِ الاختيارِ ،
وامتزجَ بعلمِ المعاملةِ ما ليسَ منهُ ، فلنرجعْ إلى مقاصدِ الشكرِ ، فنقولُ :
إذا رجعَ حقيقةُ الشكرِ إلى كونِ العبدِ مستعملاً في إتمام حكمةِ اللهِ
تعالى .. فأشكرُ العبادِ أحبُّهُمْ إلى اللهِ وأقربُهُمْ إليهِ، وأقربُهُمْ إلى اللهِ
الملائكةُ، ولهُمْ أيضاً ترتيبٌ، وما منهُمْ إلا لهُ مقامٌ معلومٌ، وأعلاهُمْ في
رتبةِ القَرْبِ ملكٌ اسمُهُ إسرافيلُ عليهِ السلامُ ، وإنَّما علوُّ درجتِهِمْ لأنَّهُمْ في
أنفسِهِمْ كرامٌ بررةٌ، وقدْ أصلحَ اللهُ تعالىُ بهِمُ الأنبياءَ عليهِمُ السلامُ وهُمْ
أشرفُ مخلوقٍ على وجهِ الأرضِ ، وتلي درجتَهُمْ درجةُ الأنبياءِ عليهِمُ
السلامُ، فإنَّهُمْ في أنفسِهِمْ أخيارٌ ، وقدْ هدى اللهُ بهِمْ سائرَ الخلْقِ ، وتمَّمَ
بِهِمْ حكمتهٌ، وأعلاهُمْ رتبةً نبيًا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ إذْ أكملَ اللهُ بهِ
الدينَ ، وختمَ بهِ النبيِّينَ ، ويليهِمُ العلماءُ الذينَ هُمْ ورثةُ الأنبياءِ ، فإنَّهُمْ في
أنفسِهِمْ صالحونَ ، وقدْ أصلحَ اللهُ بِهِمْ سائرَ الخلقِ ، ودرجةُ كلِّ واحدٍ منهُمْ
بقدرِ ما أصلحَ مِنْ نفسِهِ ومِنْ غيرِهِ ، ثمَّ يليهِمُ السلاطينُ بالعدْلِ ؛ لأنَّهُمْ
أصلحوا دنيا الخلقِ كما أصلحَ العلماءُ دينَهُمْ ، ولأجلِ اجتماع الدينِ والملكِ
حن
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٣/١)، وبنحوه رواه الطبري في ((تفسيره))
(١٨٨/٢٨/١٤) .
٣٢٦
ـوة:

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
والسلطنةِ لنبيّنا محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. كانَ أفضلَ مِنْ سائرِ الأنبياءِ
صلواتُ اللهِ عليهِمْ؛ فإنَّهُ أكملَ اللهُ بهِ صلاحَ دينِهِمْ ودنياهُمْ ، ولمْ يكنِ
السيفُ والملكُ لغيرِهِ مِنَ الأنبياءِ ، ثمَّ يلي العلماءَ والسلاطينَ الصالحونَ
الذينَ أصلحوا نفوسَهُمْ فقطْ ، فلمْ تتمَّ حكمةُ اللهِ بِهِمْ إلا فيهِمْ ، ومَنْ عدا
هؤلاءِ .. فهمَجٌ رَعاعٌ .
واعلمْ : أنَّ السلطانَ بهِ قوامُ الدينِ ، فلا ينبغي أنْ يُستحقرَ وإنْ كانَ
ظالماً فاسقاً ، قال عمرُو بنُ العاصِ: ( إمامٌ غشومٌ خيرٌ مِنْ فتنةٍ تدومُ)(١).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((سيكونُ عليكُمْ أمراءُ يفسدونَ
وما يصلحُ اللهُ بِهِمْ أكثرُ، فإنْ أحسنوا .. فلهُمُ الأجرُ وعليكُمُ الشكرُ ، وإنْ
أساؤوا .. فعليهِمْ الوزرُ وعليكُمُ الصبرُ))(٢) .
وقالَ سهلٌ : ( مَنْ أنكرَ إمامةَ السلطانِ .. فهوَ زنديقٌ ، ومَنْ دعاهُ
السلطانُ فلمْ يجبْ .. فهوَ مبتدعٌ، ومَنْ أتاهُ مِنْ غيرِ دعوةٍ .. فهوَ جاهلٌ)(٣).
(١) قوت القلوب (١٢٥/٢)، والغشوم : الظالم .
(٢) كذا في ((القوت)) (١٢٥/٢)، ورواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٢٠/٢)، والبيهقي
في (( الشعب)) ( ٦٩٨٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً ، وروى الطبراني
في ((الكبير)) (١٣٢/١٠) من حديثه رضي الله عنه : اصبروا؛ فإن جور إمام خمسين
عاماً خير من هرج شهر ، وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا
بد للناس من إمارة برة أو فاجرة ، فأما البرة .. فتعدل في القسم ، ويقسم بينكم فيئكم
بالسوية، وأما الفاجرة .. فيبتلى فيها المؤمن، والإمارة الفاجرة خير من
الهرج))، قيل: يا رسول الله؛ وما الهرج؟ قال: ((القتل والكذب)).
(٣) قوت القلوب (١٢٥/٢).
٣٢٧
حن حن حن ثن حن حس ون

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
وسُئِلَ : أيُّ الناس خيرٌ؟ فقالَ: السلطانُ ، فقيلَ: كنَّا نرى أنَّ شرّ
الناسِ السلطانُ! فقالَ : مهلاً، إنَّ اللهِ تعالى كلَّ يوم نظرتينِ ، نظرةٌ إلى
سلامةٍ أموالِ المسلمينَ ، ونظرةٌ إلى سلامةِ أبكارِهِمْ ، فيطلعُ في صحيفتِهِ ،
فيغفرُ لهُ جميعَ ذنوِهِ (١).
وكانَ يقولُ : ( الخشباتُ السودُ المعلّقةُ على أبوابِهِمْ خيرٌ مِنْ سبعينَ
قاصّاً يقصُّونَ )(٢) .
.جن حنا حم:
ثن:
(١) قوت القلوب (١٢٥/٢). وفي (أ): (أبصارهم)، وفي (د): (أبدانهم) .
(٢) قوت القلوب (١٢٥/٢) .
٣٢٨
حن
K="

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
الركن الثاني من أركان الشكر:، عليه الشّكر
وهوّ النعمةُ، ولنذكرْ فيهِ حقيقةَ النعمةِ ، وأقسامَها ، ودرجاتِها ،
وأصنافَها ، ومجامعَها فيما يخصُّ ويعمُّ ، فإنَّ إحصاءَ نعمِ اللهِ على عبادِهِ
خارجٌ عنْ مقدورِ البشرِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُذُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا
تُخْصُوهَا﴾ .
فتقدِّمُ أموراً كليّةً تجري مَجرى القوانينِ في معرفةِ النعَمِ ، ثمَّ نشتغلُ بذکرِ
الآحادِ ، واللهُ الموفقُ للصوابِ .
بيان حقيقة النعمة وأقسامها
اعلمْ : أَنَّ كلَّ خيرٍ ولذَّةٍ وسعادةٍ ، بلْ كلَّ مطلوبٍ ومؤْثَرٍ فإنَّهُ يُسمَّى
نعمةً ، ولكنَّ النعمةَ بالحقيقةِ هيَ السعادةُ الأخرويَّةُ ، وتسميةُ ما عداها نعمةً
وسعادةً إمَّا غلطٌ وإمَّا مجازٌ ؛ كتسميةِ السعادةِ الدنيويةِ التي لا تعينُ على
الآخرةِ نعمةٌ ، فإنَّ ذلكَ غلطٌ محضٌ ، وقدْ يكونُ اسمُ النعمةِ للشيءٍ صدقاً ،
ولكنْ يكونُ إطلاقُهُ على السعادةِ الأخرويَّةِ أصدقَ ؛ ككلِّ سببٍ يوصلُ إلى
سعادةِ الآخرةِ ويعينُ عليها ، إمّا بواسطةٍ واحدةٍ أوْ بوسائطَ ، فإنَّ تسميتهُ
نعمةٌ صحيحٌ وصدقٌ ؛ لأجلِ أنَّهُ يفضي إلى النعمةِ الحقيقيةِ .
٣٢٩
شن

كتاب الصبر والشكر
:55:
ربع المنجيات
والأسبابُ المعينةُ واللذَّاتُ المسمَّةُ نعمةً نشرحُها بتقسيماتٍ :
مجد
القسمةُ الأولى :
أنَّ الأمورَ كلَّها بالإضافةِ إلينا تنقسمُ إلى ما هوَ نافعٌ في الدنيا والآخرةِ
جميعاً ؛ كالعلمِ وحسْنِ الخلُقِ ، وإلى ما هوَ ضارِّ فيهِما جميعاً ؛ كالجهلِ
وسوءِ الخلُقِ ، وإلى ما ينفعُ في الحالِ ويضرُّ في المآلِ ؛ كالتلذُّذِ باتباع
الشهواتِ ، وإلى ما يضرُّ في الحالِ ويؤلمُ ولكنْ ينفعُ في المآلِ ؛ كقمع
الشهواتِ ومخالفةِ النفسِ .
فالنافعُ في الحالِ والمآلِ هوَ النعمةُ تحقيقاً ؛ كالعلمِ وحسْنِ الخلقِ ،
والضارُّ فيهِما هوَ البلاءُ تحقيقاً ؛ وهوَ ضدُّهُما .
والنافعُ في الحالِ المضرُّ في المآلِ بلاءٌ محضٌ عندَ ذوي الأبصار وتظتُّهُ
الجهّالُ نعمةً ، ومثالُهُ : الجائعُ إذا وجدَ عسلاً فيهِ سمٌّ، فإنَّهُ يعدُّهُ نعمةٌ إِنْ
كانَ جاهلاً ، وإذا علمَهُ .. علمَ أنَّ ذلكَ بلاءٌ سيقَ إليهِ .
والضارُّ في الحالِ النافعُ في المآلِ نعمةٌ عندَ ذوي الألبابِ ، بلاءٌ عندَ
الجهَّالِ، ومثالُهُ: الدواءُ البشعُ في الحالِ مذاقُهُ ، إلا أنَّهُ شافٍ مِنَ الأمراضِ
والأسقام وجالبٌ للصحَّةِ والسلامةِ ، فالصبيُّ الجاهلُ إذا كُلِّفَ شربَهُ .. ظنَّهُ
بلاءَ، والعاقلُ يعدُّهُ نعمةٌ ويتقلَّدُ المنَّةَ ممَّنْ يهديهِ إليهِ ويقربُهُ منهُ ويهيِّئُ لهُ
أسبابَهُ ، فلذلكَ تمنعُ الأُّ ولدَها مِنَ الحجامةِ والأبُ يدعوهُ إليها ، فإنَّ الأبَ
بكمالِ عقلِهِ يلحظُ العاقبةَ ، والأمَّ لقصورِها وفرْطِ حبُّها تلحظُ الحالَ ،
محور
G
٣٣٠
چن

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
والصبيَّ لجهلِهِ يتقلَّدُ منَّةً مِنْ أمِّهِ دونَ أبيهِ ، ويأنسُ إليها وإلى شفقتِها ،
ويقدِّرُ الأبَ عدواً لهُ، ولوْ عقلَ .. لعلمَ أنَّ الأمَّ عدوٌ باطنٌ في صورةٍ
صديقٍ ؛ لأنَّ منعَها إِيَّاهُ مِنَ الحجامةِ يسوقُهُ إلى أمراضٍ وآلامٍ أشدَّ مِنَ
الحجامةِ ، ولكنَّ الصديقَ الجاهلَ شرٌّ مِنَ العدوِّ العاقلِ، وكلُّ إنسانٍ فإنَّهُ
صديقُ نفسِهِ ، ولكنَّهُ صديقٌ جاهلٌ ، فلذلكَ تعملُ بهِ ما لا يعملُ بهِ العدؤُّ .
قسمةٌ ثانيةٌ :
اعلمْ: أنَّ الأسبابَ الدنيويَّةَ مختلطةٌ ، قدِ امتزجَ خيرُها بشرِّها ، فقلّما
يصفو خيرُها ؛ كالمالِ والأهلِ والولدِ والأقاربِ والجاهِ وسائرِ الأسبابِ ،
ولكنْ تنقسمُ إلى ما نفعُهُ أكثرُ مِنْ ضرِّهِ ؛ كقدْرِ الكفايةِ مِنَ المالِ والجاهِ
وسائرِ الأسبابِ ، وإلى ما ضرُّهُ أكثرُ مِنْ نفعِهِ في حقِّ أكثرِ الأشخاصِ ؛
كالمالِ الكثيرِ والجاهِ الواسع ، وإلى ما يكافىءُ ضررُهُ نفعَهُ ، وهذهِ
أمورٌ تختلفُ بالأشخاصِ ، فرَّ إنسانٍ صالحِ ينتفعُ بالمالِ الصالحِ وإنْ
كثرَ ، فينفقُهُ في سبيلِ اللهِ ، ويصرفُهُ إلى الخيراتِ ، فهوَ معَ هذا التوفيقِ
نعمةٌ في حقُّهِ ، وربَ إنسانٍ يستضرُ بالقليلِ أيضاً ؛ إذْ لا يزالُ مستصغراً لهُ
شاكياً مِنْ ربِّهِ ، طالباً للزيادةِ عليهِ ، فيكونُ ذلكَ معَ هذا الخذلانِ بلاءً في
حقِّهِ .
جو.
جو
٣٣١
se.
2

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
قسمةٌ ثالثةٌ :
اعلمْ : أنَّ الخيراتِ باعتبارٍ آخرَ تنقسمُ إلى ما هوَ مؤثَرٌ لذاتِهِ لا لغيرِهِ ،
وإلى مؤثَرٍ لغيرِهِ ، وإلى مؤثَرِ لذاتِهِ ولغيرِهِ .
فالأوَّلُ : ما يُؤثرُ لذاتِهِ لا لغيرِهِ ؛ كلذَّةِ النظرِ إلى وجهِ اللهِ تعالى،
وسعادةِ لقائِهِ ، وبالجملةِ سعادةُ الآخرةِ التي لا انقضاءَ لها ؛ فإنَّها لا تُطلبُ
ليُوصَّلَ بها إلى غايةٍ أخرى مقصودةٍ وراءَها ، بلْ تُطلبُ لذاتِها .
الثاني : ما يُقصدُ لغيرِهِ ولا غرضَ أصلاً في ذاتِهِ ؛ كالدراهمِ والدنانيرِ ،
فإنَّ الحاجاتِ لوْ كانَتْ لا تنقضي بها .. لكانَتْ هيَ والحصباءُ بمثابةٍ
واحدةٍ ، ولكنْ لمَّا كانَتْ وسيلةً إلى اللذَّاتِ سريعةَ الإيصالِ إليها .. صارَتْ
عندَ الجَّالِ محبوبةٌ في أنفسِها ، حتَّى يجمعونَها ويكنزونَها ويتصارفونَ عليها
بالربا ، ويظنُّونَ أنَّها مقصودةٌ ، ومثالُ هؤلاءِ مثالُ مَنْ يحبُّ شخصاً ، فيحبُّ
بسببهِ رسولَهُ الذي يجمعُ بينَهُ وبينَهُ ، ثمَّ ينسى في محبّةِ الرسولِ محبَّةً
الأصلِ ، فيعرضُ عنهُ طولَ عمرِهٍ ولا يزالُ مشغولاً بتعهُّدِ الرسولِ ومراعاتِهِ
وتفقُّدِهِ ، وهوَ غايةُ الجهلِ والضلالِ .
الثالثُ : ما يُقصدُ لذاتِهِ ولغيرِهِ ؛ كالصحّةِ والسلامةِ ، فإنَّها تُقُصدُ ليقدرَ
بسبِها على الفكرِ والذكرِ الموصلينِ إلى لقاءِ اللهِ تعالىُ، أَوْ ليتوصَّلَ بها إلى
استيفاءِ لذَّاتِ الدنيا، وتُقُصدُ أيضاً لذاتِها ، فإنَّ الإنسانَ وإنِ استغنى عنِ المشئٍ
الذي تُرادُ سلامةُ الرجْلِ لأجلِهِ فيريدُ أيضاً سلامةَ الرجْلِ مِنْ حيثُ إنَّها سلامةٌ .
ـحر
بجح .مئة:
حور".
سســ
G؟
٣٣٢

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
فإذاً ؛ المؤثَرُ لذاتِهِ فقطْ هوَ الخيرُ والنعمةُ تحقيقاً ، وما يُؤثرُ لذاتِهِ ولغيرِهِ
أيضاً فهو نعمةٌ، ولكنْ دونَ الأوَّلِ، فأمَّا ما لا يُؤثرُ إلا لغيرِهِ ؛ كالنقدينِ ..
فلا يُوصفانِ في أنفسِهِما مِنْ حيثُ إنَّهُما جوهرانِ بأنَّهُما نعمةٌ ، بلْ مِنْ حيثُ
هما وسيلتانِ ، فيكونانِ نعمةً في حقِّ مَنْ يقصدُ أمراً ليسَ يمكنُهُ أنْ يتوصَّلَ
إليهِ إلا بهما، فلوْ كانَ مقصدُهُ العلمَ والعبادةَ ومعَهُ الكفايةُ التي هيَ ضرورةٌ
حياتِهِ .. استوىُ عندَهُ الذهبُ والمدرُ ، فكانَ وجودُهُما وعدمُهُما عندَهُ بمثابةٍ
واحدةٍ ، بلْ ربما شغلَهُ وجودُهُما عنِ الفكرِ والعبادةِ ، فيكونانِ بلاءً في حقِّهِ
ولا يكونانِ نعمةً .
ـحن.
قسمةٌ رابعةٌ :
اعلمْ : أَنَّ الخيراتِ باعتبارٍ آخرَ تنقسمُ إلى نافعٍ ، وجميلٍ ، ولذيذٍ ؛
فاللذيذُ: هوَ الذي تُدركُ راحتُهُ في الحالِ ، والنافعُ : هوَ الذي يفيدُ في
المآلِ ، والجميلُ : هوَ الذي يُستحسنُ في سائرِ الأحوالِ .
والشرورُ أيضاً تنقسمُ إلى ضارِّ، وقبيحٍ ، ومؤلمٍ .
وكلُّ واحدٍ من القسمينِ ضربانِ : مطلقٌ ومقيّدُ .
فالمطلقُ : هوَ الذي اجتمعَ فيهِ الأوصافُ الثلاثةُ؛ أمَّا في الخيرِ ..
فكالعلم والحكمةِ ؛ فإنَّها نافعةٌ وجميلةٌ ولذيذةٌ عندَ أهلِ العلمِ والحكمةِ ،
وأمَّا في الشرِّ .. فكالجهلِ، فإنَّهُ ضارٌّ وقبيحٌ ومؤلمٌ، وإنَّما يحسُّ الجاهلُ
٣٣٣
00

٥٠٠
كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
بألمٍ جهلِهِ إذا عرفَ أنَّهُ جاهلٌ ؛ بأنْ يرىُ غيرَهُ عالماً ، ويرىُ نفسَهُ جاهلاً ،
فيدركَ ألمَ النقصِ ، فتنبعثَ منهُ شهوةُ العلمِ اللذيذةُ، ثمَّ قدْ يمنعُهُ الحسدُ
والكبْرُ والشهواتُ البدنِيَّةُ عنِ التعلُّم، فيتجاذبُهُ متضادَّانِ ، فيعظمُ ألمُهُ ،
فإِنَّهُ إِنْ تركَ التعلُّمَ .. تألَّمَ بالجهلِ ودرْكِ النقصانِ ، وإنِ اشتغلَ بالتعلُّم ..
تألَّمَ بتركِ الشهواتِ أوْ بتركِ الكبْرِ وذلِّ التعلُّم ، ومثلُ هذا الشخصِ لا يزالُ
في عذابٍ دائمٍ لا محالةَ .
والضربُ الثاني : مقيَّدٌ: وهوَ الذي جمعَ بعضَ هذهِ الأوصافِ دونَ
بعضٍ ، فربَّ نافعٍ مؤلمٌ ؛ كقطع الإصبع المتآكلةِ والسُّلعةِ الخارجةِ مِنَ
البدنِ(١) ، وربَّ نافع قبيحٌ؛ كالحمقِ ، فإنَّهُ بالإضافةِ إلى بعضِ الأحوالِ
نافعٌ، وقدْ قيلَ: (استراحَ مَنْ لا عقلَ لهُ)، فإنَّهُ لا يهتمُّ بالعاقبةِ ،
فيستريحُ في الحالِ إلى أنْ يحينَ وقتُ هلاكِهِ ، وربَّ نافعٍ مِنْ وجهٍ ضارٍّ مِنْ
وجهٍ ؛ كإلقاءِ المالِ في البحرِ عندَ خوفِ الغرقِ ، فإنَّهُ ضارٌّ للمالِ ، ونافعٌ
للنفْسِ في نجاتِها .
والنافعُ قسمانِ : ضروريٌّ ؛ كالإيمانِ وحسْنِ الخلقِ في الإيصالِ إلى
سعادةِ الآخرةِ ، وأعني بهِما العلمَ والعملَ ؛ إذْ لا يقومُ مقامَهُما ألبتةَ
غيرُهُما ، وإلى ما لا يكونُ ضرورياً ؛ كالسكنجبينِ مثلاً في تسكينٍ
الصفراءِ ، فإنَّهُ قدْ يمكنُ تسكينُها بما يقومُ مقامَهُ .
مسسـ
(١) السلعة : زيادة تحدث في الجسد؛ كالغدة والخرَّاج .
٣٣٤
ـدة

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
قسمةٌ خامسةٌ :
اعلمْ : أنَّ النعمةَ يُعبَّرُ بها عنْ كلِّ لذيذٍ ، واللذَّاتُ بالإضافةِ إلى الإنسانِ
مِنْ حيثُ اختصاصُهُ بها أوْ مشاركتُهُ لغيرِهِ ثلاثةُ أنواع: عقليَّةٌ ، وبدنيَّةٌ
مشتركةٌ معَ بعضِ الحيواناتِ ، وبدنيَّةٌ مشتركةٌ معَ جميع الحيواناتِ .
أمَّا العقليّةُ .. فكلذَّةِ العلم والحكمةِ؛ إذْ ليسَ يستلذُّها السمعُ والبصرُ
والشمُّ ، ولا البطنُ ولا الفرجُ، وإنَّما يستلذُّها القلبُ؛ لاختصاصِهِ بصفةٍ
يُعبَّرُ عنها بالعقلِ، وهـذهِ أقلُّ اللذاتِ وجوداً ، وهيَ أشرفُها .
أَمَّا قَّتُها .. فلأنَّ العلمَ لا يستلذُّهُ إلا عالمٌ، والحكمةَ لا يستلذُّها إلا
حكيمٌ، وما أقلَّ أهلَ العلم والحكمةِ ، وما أكثرَ المتسمِّينَ باسمِهِمْ
والمترسِّمينَ برسومِهِمْ .
وأمَّا شرفُها .. فلأنَّها لازمةٌ لا تزولُ أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرةِ ،
ودائمةٌ لا تُمُلُّ ، فالطعامُ يُشبعُ منهُ فيُمُّ ، وشهوةُ الوقاعِ يُفرغُ منها
فَتُستثقلُ ، والعلمُ والحكمةُ قطُّ لا يُتصوَّرُ أنْ تُمُلَّ وتُستثقلَ .
ومَنْ قدرَ على الشريفِ الباقي أبدَ الآبادِ إذا رضيَ بالخسيسِ الفاني في
أقربِ الآمادِ .. فهوَ مصابٌ في عقلِهِ ، محرومٌ لشقاوتِهِ وإدبارِهِ ، وأقلُّ أمرٍ
فيهِ أنَّ العلمَ والعقلَ لا يحتاجُ إلى أعوانٍ وحفظةٍ بخلافِ المالِ ؛ إذِ العلمُ
يحرسُكَ وأنتَ تحرسُ المالَ، والعلمُ يزيدُ بالإنفاقِ والمالُ ينقصُ
بالإنفاقِ ، والمالُ يُسرقُ والولايةُ يُعزلُ عنها والعلمُ لا تمتدُّ إليهِ أيدي السرَّاقِ
٣٣٥

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
بالأخذِ ، ولا أيدي السلاطينِ بالعزْلِ ، فيكونُ صاحبُهُ في رَوْحِ الأمنِ أبداً ،
وصاحبُ المالِ والجاهِ في كَرْبِ الخوفِ أبداً .
ثُمَّ العلمُ نافعٌ ولذيذٌ وجميلٌ في كلِّ حالٍ أبداً ، والمالُ تارةً يجذبُ إلى
الهلاكِ ، وتارةٌ يجذبُ إلى النجاةِ، ولذلكَ ذمَّ اللهُ تعالى المالَ في القرآنِ في
مواضعَ وإنْ سمَّاهُ خيراً في مواضعَ .
وأمَّا قصورُ أكثرِ الخلقِ عنْ إدراكِ لذَّةِ العلمِ .. فإمَّا لعدم الذوْقِ، فمَنْ
لمْ يذقْ .. لمْ يعرفْ ولمْ يشتقْ؛ إذ الشوقُ تبعُ الذوقِ ، وإمَّا لفسادِ أمزجتِهِمْ
ومرضٍ قلوبِهِمْ بسببِ اتباع الشهواتِ ؛ كالمريضِ الذي لا يدركُ حلاوةَ
العسلِ ويراهُ مرّاً، وإمَّا لقصورِ فطرتِهِمْ؛ إذْ لمْ تُخلقْ لهُمْ بعدُ الصفةُ التي بها
يُستلذَّ العلمُ ؛ كالطفلِ الرضيع الذي لا يدركُ لذَّةَ العسلِ والطيورِ السمانِ ،
ولا يستلذُّ إلا اللبنَ ، وذلكَ لا يدلُّ على أنَّها ليسَتْ لذيذةً، ولا استطابتُهُ
للبنِ تدلُّ على أنَّهُ ألذُّ الأشياءِ .
فالقاصرونَ عنْ درْكِ لذَّةِ العلم والحكمةِ ثلاثةٌ: إمَّا مَنْ لمْ يحيَ بعدُ
باطنُهُ كالطفلِ ، وإمَّا مَنْ ماتَ بعدَ الحياةِ باتباع الشهواتِ ، وإمَّا مَنْ مرضَ
بسببِ اتباع الشهواتِ .
وقولُهُ تعالى: ﴿فِى قُلُوبِهِم تَرَضٌ﴾ إشارةٌ إلى مرضِ العقولِ، وقولُهُ عَزَّ
وجلَّ: ﴿ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ إشارةٌ إلى مَنْ لمْ يحيَ حياةً باطنةٌ، وكلُّ حيٍّ
بالبدنِ مِيِّتٍ بالقلبِ فهوَ عندَ اللهِ مِنَ الموتى وإنْ كانَ عندَ الجَّالِ مِنَ
٣٣٦
ـحة

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
الأحياءِ، ولذلكَ كانَ الشهداءُ أحياءً عندَ ربِّهِمْ يُرزقونَ فرحينَ وإنْ كانوا
موتى بالأبدانِ .
الثانيةُ : لذةٌ يشاركُ الإنسانُ فيها بعضَ الحيواناتِ : كلذَّةِ الرئاسةِ والغلبةِ
والاستيلاءِ ، وذلكَ موجودٌ في الأسدِ والنمرِ وبعضِ الحيواناتِ .
عـ
الثالثةُ : ما يشاركُ الإنسانُ بها سائرَ الحيواناتِ : كلذةِ البطْنِ والفرْجِ ،
وهذهِ أكثرُها وجوداً ، وهي أختُها ، ولذلكَ اشتركَ فيها كلُّ ما دبَ ودرجَ
حتَّى الديدانُ والحشراتُ .
ومَنْ جاوزَ هذهِ الرتبةَ .. تشبثَتْ بهِ لذَّةُ الغلبةِ ، وهيَ أشدُّها التصاقاً
بالمتعاقلينَ(١)، فإنْ جاوزَ ذلكَ .. ارتقى إلى الثالثةِ، فصارَ أغلبُ اللذَّاتِ
عليهِ لذةَ العلمِ والحكمةِ ، لا سيما لذَّةُ معرفةِ اللهِ تعالى ومعرفةِ صفاتِهِ
وأفعالِهِ ، وهذهِ رتبةُ الصدِّيقينَ، ولا يُنالُ تمامُها إلا بخروجِ استيلاءِ حبّ
الرئاسةِ مِنَ القلبِ ، وآخرُ ما يخرجُ مِنْ رؤوسِ الصدِّيقينَ حبُّ الرئاسةِ ،
وأمَّا شرهُ البطْنِ والفرْج .. فكسرُهُ ممَّا يقوى عليهِ الصالحونَ، وشهوةُ
الرئاسةِ لا يقوى على قهرِها إلا الصدِّيقونَ، فأمَّا قمعُها بالكليَّةِ حتَّى لا يقعَ
بها الإحساسُ على الدوام وفي اختلافِ الأحوالِ .. فيشبهُ أنْ يكونَ خارجاً
عنْ مقدورِ البشرِ .
(١) في (د): ( المتغافلين ) .
٣٣٧

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
نعمْ ، تغلبُ لذَّةُ معرفةِ اللهِ في أحوالٍ لا يقعُ معَها الإحساسُ بلذَّةِ الرئاسةِ
والغلبةِ ، ولكنْ ذلكَ لا يدومُ طولَ العمرِ ، بلْ تعتريهِ الفتراتُ ، فتعودُ إليهِ
الصفاتُ البشريَّةُ ، فتكونُ موجودةٌ ولكنْ تكونُ مقهورةٌ لا تقوى على حمْلٍ
النفسِ على العدولِ عنِ العدْلِ .
وعندَ هذا تنقسمُ القلوبُ إلى أربعة أقسامٍ :
G'
قلبٌ لا يحبُّ إلا اللهَ تعالى ، ولا يستريحُ إلا بزيادةِ المعرفةِ بهِ والفكرِ
فيهِ ، وقلبٌ لا يدري ما لذّةُ المعرفةِ ، وما معنى الأنسِ باللهِ، وإنَّما لذتُهُ
بالجاهِ والرئاسةِ والمالِ وسائرِ الشهواتِ البدنيّةِ ، وقلبٌ أغلبُ أحوالِهِ الأنسُ
باللهِ سبحانَهُ والتلذُّذُ بمعرفتِهِ والفكرِ فيهِ ، ولكنْ قدْ يعتريهِ في بعضِ الأحوالِ
الرجوعُ إلى أوصافِ البشريَّةِ ، وقلبٌ أغلبُ أحوالِهِ التلذُّذُ بالصفاتِ البشريةِ
ويعتريهِ في بعضِ الأحوالِ تلذُّذُ بالعلم والمعرفةِ .
أَمَّا الأوَّلُ .. فإنْ كانَ ممكناً في الوجودِ فهوَ في غايةِ البعدِ .
وأمَّا الثاني .. فالدنيا طافحةٌ بهِ .
وأمَّا الثالثُ والرابعُ .. فموجودانِ ولكنْ على غايةِ الندور ، ولا يُتصوَّرُ
أنْ يكونَ ذلكَ إلا نادراً شاذّاً ، وهوَ معَ الندورِ يتفاوتُ في القلّةِ والكثرةِ ،
وإنَّما تكونُ كثرتُهُ في الأعصارِ القريبةِ مِنْ أعصارِ الأنبياءِ عليهمُ السلامُ ، فلا
يزالُ يزدادُ العهدُ طولاً وتزدادُ مثلُ هذهِ القلوبِ قلَّةُ إلى أنْ تقربَ الساعةُ ،
ويقضيَ اللهُ أمراً كانَ مفعولاً .
حر
ـكن
S
٣٣٨

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
وإنَّما وجبَ أنْ يكونَ هذا نادراً؛ لأنَّهُ مبادي ملكِ الآخرةِ ، والملكُ
عزيزٌ ، والملوكُ لا يكثرونَ ، فكما لا يكونُ الفائقُ في الملكِ والجمالِ إلا
نادراً وأكثرُ الناسِ مِنْ دونِهِمْ .. فكذا في ملكِ الآخرةِ ، فإنَّ الدنيا مرآةٌ
الآخرةِ ، فإنَّها عبارةٌ عنْ عالمِ الشهادةِ ، والآخرةُ عبارةٌ عنْ عالمِ الغيبِ ،
وعالمُ الشهادةِ تابعٌ لعالمِ الغيبِ ؛ كما أنَّ الصورةَ في المرآةِ تابعةٌ لصورةٍ
الناظرِ في المرآةِ ، والصورةُ في المرآةِ وإنْ كانَتْ هيَ الثانيةَ في رتبةِ الوجودِ
فإنَّها أولى في حقِّ رؤيتِكَ ، فإنَّكَ لا ترىُ نفسَكَ، وترى صورتَكَ في المرآةِ
أوَّلاً ، فتعرفُ بها صورتَكَ التي هيَ قائمةُ بكَ ثانياً على سبيلِ المحاكاةِ ،
فانقلبَ التابعُ في الوجودِ متبوعاً في حقِّ المعرفةِ ، وانقلبَ المتأخِّرُ متقدماً ،
وهذا نوعٌ مِنَ الانعكاسِ ، ولكنَّ الانعكاسَ والانتكاسَ ضرورةُ هذا
العالمِ ، فكذلكَ عالمُ الملكِ والشهادةِ محاٍ لعالمِ الغيبِ والملكوتِ .
فمِنَ الناسِ مَنْ يُسِّرَ لهُ نظرُ الاعتبارِ ، فلا ينظرُ في شيءٍ مِنْ عالمِ الملكِ
إلا ويعبرُ بهِ إلى عالمِ الملكوتِ ، فَيُسمَّى عبورُهُ عبرةً، وقدْ أُمرَ الخلقُ بهِ ،
فقيلَ: ﴿فَأَعْتَبِرُوا يَتْأُوْلِ اَلْأَبْصَرِ﴾.
ومنهُمْ مَنْ عميَتْ بصيرتُهُ فلمْ يعبرْ ، فاحتُبُسَ في عالمِ الملكِ والشهادةِ ،
وستُفتحُ إلى حبسِهِ أبوابُ جهنَّمَ ، وهذا الحبسُ مملوءٌ ناراً منْ شأنِها أنْ
تطلعَ على الأفئدةِ ، إلا أنَّ بينَهُ وبينَ إدراكِ ألمِها حجاباً ، فإذا رُفِعَ ذلكَ
الحجابُ بالموتِ .. أدركَ .
٣٣٩

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
وعنْ هذا أظهرَ اللهُ الحقَّ على لسانِ قوم استنطقَهُمْ بالحقِّ(١) ، فقالوا :
( الجنَّةُ والنارُ مخلوقتانِ )، ولكنِ الجحيمُ تُدركُ مرَّةً بإدراكٍ يُسمَّى علمَ
اليقينِ ، ومرَّةَ بإدراكٍ آخرَ يُسمَّى عينَ اليقينِ ، وعينُ اليقينِ لا يكونُ إلا في
الآخرةِ ، وعلمُ اليقينِ قدْ يكونُ في الدنيا ، ولكنْ للذينَ وفرَ حُهُمْ مِنْ نورِ
# لَتَرَوَنَّ
اليقينِ، فلذلكَ قالَ تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
الْجَحِيمَ﴾ أي: في الدنيا، ﴿ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا عَيْنَ اَلْيَقِينِ﴾ أي: في الآخرةِ .
فإذاً ؛ قدْ ظهرَ أنَّ القلبَ الصالحَ لملكِ الآخرةِ لا يكونُ إلا عزيزاً
كالشخصِ الصالحِ لملكِ الدنيا .
٧
قسمةٌ سادسةٌ حاويةٌ لمجامعِ النعَمِ :
اعلمْ : أنَّ النعمَ تنقسمُ إلى ما هيَ غايةٌ مطلوبٌ لذاتِها ، وإلى ما هيَ
مطلوبةٌ لأجلِ الغايةِ .
أمّا الغايةُ .. فإنَّها سعادةُ الآخرةِ ، ويرجعُ حاصلُها إلى أربعةِ أمورٍ : بقاءٌ
لا فناءَ لهُ، وسرورٌ لا غمَّ فيهِ، وعلمٌ لا جهلَ معَهُ ، وغنىّ لا فقرَ بعدَهُ ، وهيَ
النعمةُ الحقيقيّةُ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا عيشَ إلا
عيشُ الآخرةِ)) ، وقالَ ذلكَ مرَّةً في الشدَّةِ تسليةً للنفسِ ، وذلكَ في وقتِ حفرٍ
(١) قوله: ( وعن هذا) أي: بسبب ما ذكر، فعنْ هنا للتسبب، والمراد بالقوم: أهل
السنة والجماعة .
٣٤٠
٥