النص المفهرس

صفحات 281-300

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
دن
فإِذاً ؛ لا شكرَ إلا بأنْ تعرِفَ أنَّ الكلَّ منهُ، فإنْ خالجَكَ ريبٌ في هذا ..
لم تكنْ عارفاً لا بالنعمةِ ولا بالمنعمِ ، فلا تفرحُ بالمنعمِ وحدَهُ بلْ بغيرِهِ ،
فبنقصانِ معرفتِكَ ينقصُ حالُكَ في الفرحِ ، وبنقصانٍ فرحِكَ ينقصُ عملُكَ .
فهذا بيانُ هذا الأصلِ .
الأصلُ الثاني : الحالُ المستمدَّةُ مِنْ أصلِ المعرفةِ :
وهوَ الفرحُ بالمنعمِ معَ هيئةِ الخضوعِ والتواضع ، وهوَ أيضاً في نفسِهِ
شكرٌ على تجرُّدِهِ؛ كما أنَّ المعرفةَ شكرٌ، ولكنْ إنَّما يكونُ شكراً إذا كانَ
جامعاً شروطَهُ ، وشرطُهُ أنْ يكونَ فرحُكَ بالمنعمِ لا بالنعمةِ ولا بالإنعامِ ،
ولعلَّ هذا ممَّا يتعذَّرُ عليكَ فهمُهُ، فنضربُ لكَ مثلاً فنقولُ :
الملكُ الذي يريدُ الخروجَ إلى سفرٍ فأنعمَ بفرسٍ على إنسانٍ يُصوَّرُ أنْ
يفرحَ المنعَمُ عليهِ بالفرسِ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ :
أحدُها : أنْ يفرحَ بالفرسِ مِنْ حيثُ إنَّهُ فرسٌ ، وإنَّهُ مالٌ يُنتفعُ بهِ ،
ومركوبٌ يوافقُ غرضَهُ، وإنَّهُ جوادٌ نفيسٌ ، وهذا فرحُ مَنْ لا حظَّ لهُ في
الملكِ، بلْ غرضُهُ الفرسُ فقطْ، ولو وجدَهُ في صحراءَ فأخذَهُ .. لكانَ
فرحُهُ مثلَ هذا الفرحِ .
الوجهُ الثاني : أنْ يفرحَ بهِ لا مِنْ حيثُ إنَّهُ فرسٌ ، بلْ مِنْ حيثُ يستدُّ بهِ
على عنايةِ الملكِ بهِ وشفقتِهِ عليهِ واهتمامِهِ بجانبهِ ، حتَّى لَوْ وجدَ هذا
٢٨١

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
الفرسَ في صحراءَ أوْ أعطاهُ إِيَّاهُ غيرُ الملكِ .. لكانَ لا يفرحُ بهِ أصلاً ؛
لاستغنائِهِ عنِ الفرسِ أصلاً، واستحقارِهِ لهُ بالإضافةِ إلى مطلوبِهِ مِنْ نيلِ
المحلِّ في قلبِ الملكِ .
الوجهُ الثالثُ : أَنْ يفرحَ بهِ ليركبَهُ فيخرجَ في خدمةِ الملكِ ويحتملَ مشقَّةً
السفرِ لينالَ بخدمتِهِ رتبةَ القرْبِ منهُ ، وربَّما يرتقي إلى درجةِ الوزارةِ ، مِنْ
حيثُ إنَّهُ ليسَ يقنعُ بأنْ يكونَ محلُّهُ في قلبِ الملكِ أنْ یعطیَهُ فرساً ويُعنى بهِ
هذا القدرَ مِنَ العنايةِ ، بلْ هوَ طالبٌ لئلا ينعمَ الملكُ بشيءٍ مِنْ مالِهِ على
أحدٍ إلا بواسطتِهِ ، ثمَّ إنَّهُ ليسَ يريدُ مِنَ الوزارةِ الوزارةَ أيضاً ، بلْ يريدُ
مشاهدةَ الملكِ والقرْبَ منهُ، حتَّى لَوْ خُيِّرَ بينَ القرْبِ دونَ الوزارةِ ، وبينَ
الوزارةِ دونَ القربِ .. لاختارَ القرْبَ .
٥٠
فهذهِ ثلاثُ درجاتٍ .
فالأولى لا يدخلُ فيها معنى الشكرِ أصلاً ؛ لأنَّ نظرَ صاحبها مقصورٌ على
الفرسِ ، ففرحُهُ بالفرسِ لا بالمعطي ، وهذا حالُ كلِّ مَنْ فرحَ بنعمةٍ مِنْ
حيثُ إنَّها لذيذةٌ وموافقةٌ لغرضِهِ ، فهوَ بعيدٌ عنْ معنى الشكرِ .
والثانيةُ داخلةٌ في معنى الشكرِ مِنْ حيثُ إنَّهُ فرحٌ بالمنعِمِ ، ولكنْ لا مِنْ
حيثُ ذاتُهُ، بلْ مِنْ حيثُ معرفةُ عنايتِهِ التي تستحثُّهُ على الإنعامِ في
المستقبلِ، وهذا حالُ الصالحينَ الذينَ يعبدونَ اللهَ ويشكرونَهُ خوفاً مِنْ
عقابِهِ ورجاءً لثوابِهِ .
وإنَّما الشكرُ التاُّ في الفرح الثالثِ ، وهوَ أنْ يكونَ فرحُ العبدِ بنعمةِ اللهِ
٢٨٢

ربع المنجبات
كتاب الصبر والشكر
مِنْ حيثُ إنَّهُ يقدرُ بها على التوصُّلِ إلى القرْبِ منهُ تعالى والنزولِ في جوارِهِ
والنظرِ إلى وجهِهِ على الدوام، فهذا هوَ الرتبةُ العليا، وأمارتُهُ: ألا يفرحَ
مِنَ الدنيا إلا بما هوَ مزرعةُ الآخرةِ ويعينُهُ عليها، ويحزنَ بكلِّ نعمةٍ تلهيهِ عنْ
ذكرِ اللهِ تعالىُ وتصدُّهُ عنْ سبيلِهِ ؛ لأنَّهُ ليسَ يريدُ النعمةَ لأنَّها لذيذةٌ كما لمْ
يرد صاحبُ الفرسِ الفرسَ لأنَّهُ جوادٌ ومهملجٌ(١) ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّهُ يحملُهُ
في صحبةِ الملكِ حتَّى تدومَ مشاهدتُهُ لهُ وقربُهُ منهُ ، ولذلكَ قالَ الشبليُّ
رحمهُ اللهُ: ( الشكرُ رؤيةُ المنعِمِ لا رؤيةُ النعمةِ)(٢).
2
ـه
وقالَ الخوَّاصُ : ( شكرُ العامَّةِ على المطعمِ والملبسِ والمشربِ ،
وشكرُ الخاصَّةِ على وارداتِ القلوبِ )(٣).
وهذهِ رتبةٌ لا يدركُها كلُّ مَنِ انحصرَتْ عندَهُ اللذَّاتُ في البطنِ والفرجِ
ومدركاتِ الحواسُّ مِنَ الألوانِ والأصواتِ وخلا عنْ لذَّةِ القلبِ ، فإنَّ القلبَ
لا يلتذُّ في حالِ الصحةِ إلا بذكرِ اللهِ تعالى ومعرفتِهِ ولقائِهِ ، وإنَّما يلتذُّ بغيرِهِ إذا
مرضَ بسوءِ العاداتِ كما يلتذُّ بعضُ الناسِ بأكلِ الطينِ ، وكما يستبشعُ بعضُ
[من الوافر ]
المرضى الأشياءَ الحلوةَ ويستحلي الأشياءَ المرَّةَ ، كما قيلَ (٤):
وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرِّ مَرِيضٍ يَجِدْ مُرّاً بِهِ الْمَاءَ الزُّلالا
يو
(١) المهملج : لفظة فارسية ، السريع السير في بخترة وحسن .
(٢)
الرسالة القشيرية ( ص ٣١٢) .
(٣) الرسالة القشيرية (ص ٣١٢).
(٤) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٢٢٨/٣).
٢٨٣

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
فإذاً ؛ هذا شرطُ الفرح بنعمةِ اللهِ تعالى، فإنْ لمْ تكنْ إبلٌ .. فمِعْزىّ، فإنْ
لمْ يكنْ هذا .. فالدرجةُ الثانيةُ ، أمَّا الأولىُ .. فخارجةٌ عنْ كلِّ حسابٍ ، فكمْ
مِنْ فرقٍ بينَ مَنْ يريدُ الملكَ للفرسِ ، ومَنْ يريدُ الفرسَ للملكِ ، وكمْ مِنْ فرقٍ
بينَ مَنْ يريدُ اللهَ لينعمَ عليهِ ، وبينَ مَنْ يريدُ نعمَ اللهِ ليصلَ بها إليهِ .
الأصلُ الثالثُ : العملُ بموجَبِ الفرح الحاصلِ مِنْ معرفةِ المنعمِ :
وهذا العملُ يتعلَّقُ بالقلبِ ، وباللسانِ ، وبالجوارحِ .
أمَّا بالقلبٍ .. فقصدُ الخيرِ وإضمارُهُ لكافَّةِ الخلقِ .
وأمَّا باللسانِ .. فإظهارُ الشكرِ للهِ تعالى بالتحميداتِ الدالَّةِ عليهِ .
وأمَّا بالجوارح .. فاستعمالُ نعمِ اللهِ تعالى في طاعتِهِ ، والتوقي مِنَ الاستعانةِ
بها على معصيتِهِ ، حتَّى إنَّ شكرَ العينينِ أنْ تسترَ كلَّ عيبٍ تراهُ لمسلمٍ ، وشكرَ
الأذنينِ أنْ تسترَ كلَّ عيبٍ تسمعُهُ فيهِ ، فيدخلُ هذا في جملةِ شكرِ النعمِ لِهذهِ
الأعضاءِ ، والشكرُ باللسانِ لإظهارِ الرضا عنِ اللهِ تعالى، وهوَ مأمورٌ بهِ؛ فقدْ قالَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لرجلٍ: «كيفَ أصبحتَ ؟)) فقالَ: بخيرٍ ، فأعادَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ السؤالَ ، فأعادَ الرجلُ الجوابَ ، حتَّى قالَ في الثالثةِ: بخيرٍ
أحمدُ اللهَ وأشكرُهُ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هذا الذي أردتُ منكَ))(١).
(١) كذا في ((القوت)) (٢٠٤/١)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٣٧)، والطبراني
في ((الدعاء)) (١٩٣٩) من حديث فضيل بن عمرو معضلاً بنحوه ، ورواه في
٢٨٤

ربع المنجبات
كتاب الصبر والشكر
وكانَ السلفُ يتساءلونَ ونِيُّهُمُ استخراجُ الشكرِ اللهِ تعالى؛ ليكونَ الشاكرُ
مطيعاً، والمستنطقُ لهُ بهِ مطيعاً، وما كانَ قصدُهُمُ الرياءَ بإظهارِ الشوقِ(١).
وكلُّ عبدٍ سُئِلَ عنْ حالٍ فهوَ بينَ أَنْ يشكرَ أوْ يشكوَ أوْ يسكتَ ، فالشكرُ
طاعةٌ ، والشكوى معصيةٌ قبيحةٌ مِنْ أهلِ الدينِ ، وكيفَ لا تقبحُ الشكوىُ مِنْ
ملكِ الملوكِ وبيدِهِ كلُّ شيءٍ إلى عبدٍ مملوكٍ لا يقدرُ على شيءٍ ؟! فالأحرى
بالعبدِ إنْ لمْ يحسنِ الصبرَ على البلاءِ والقضاءِ ، وأفضىُ بهِ الضعفُ إلى
الشكوى .. أنْ تكونَ شكواهُ إلى اللهِ تعالى، فهوَ المبلي وهوَ القادرُ علىُّ
إزالةِ البلاءِ ، وذلُّ العبدِ لمولاهُ عزّ، والشكوى إلى غيرِهِ ذلِّ ، وإظهارُ الذلِّ
للعبيدِ معَ كونِهِمْ أذلاَءَ قبيحٌ ، قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُ﴾، وقالَ
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ﴾.
فالشكرُ باللسانِ مِنْ جملةِ الشكرِ .
وقدْ رُوِيَ أنَّ وفداً قدموا على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ ، فقامَ
شابٌّ ليتكلَّمَ ، فقالَ عمرُ : الكبرَ الكبرَ ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ لوْ كانَ
(«الأوسط)) (٤٣٧٤) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وليس فيه ذكر تكرار
=
السؤال .
(١) فقد روى مالك في («الموطأ)) (٩٦١/٢) عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب،
وسلَّمَ عليه رجل فردّ عليه السلام ، ثم سأل عمرُ الرجلَ : كيف أنت ؟ فقال : أحمد
إليك الله ، فقال عمر : ذلك الذي أردت منك .
٢٨٥

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
الأمرُ بالسنِّ .. لكانَ في المسلمينَ مَنْ هوَ أسنُّ منكَ، فقالَ : تكلَّمْ ،
فقالَ : لسنا وفدَ الرغبةِ ، ولا وفدَ الرهبةِ، أمَّا الرغبةُ .. فقدْ أوصلَها إلينا
فضلُكَ، وأَمَّا الرهبةُ .. فقدْ آمَنَنا منها عدلُكَ، وإنَّما نحنُ وفدُ الشكرِ ،
جئناكَ نشكرُكَ باللسانِ وننصرفُ(١) .
فهذهِ هيَ أصولُ معاني الشكرِ المحيطةُ بمجموع حقيقتِهِ .
فأمَّا قولُ مَنْ قالَ: ( إنَّ الشكرَ هوَ الاعترافُ بنعمةِ المنعمِ على وجهِ
الخضوع )(٢) . . فهوَ نظرٌ إلى فعلِ اللسانِ معَ بعضٍ أحوالِ القلبِ .
وقولُ مَنْ قالَ : ( إنَّ الشكرَ هوَ الثناءُ على المحسنِ بذكرِ إحسانِهِ )(٣)
نظرٌ إلى مجرَّدٍ عملِ اللسانِ .
وقولُ القائلِ : ( إنَّ الشكرَ هوَ اعتكافٌ على بساطِ الشهودِ بإدامةِ حفظٍ
الحرمةِ )(٤) جامعٌ لأكثرِ معاني الشكرِ ، لا يشذُّ منهُ إلا عملُ اللسانِ .
وقولُ حمدونِ القصار: ( شكرُ النعمةِ أنْ ترىُ نفسَكَ في الشكرِ طفيليّاً )(٥)
(١) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (١٣٣/٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق ))
(١٩٤/٦٨)، وكذا أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٣١٤).
(٢) الرسالة القشيرية (ص٣١١).
(٣) هذا ما جعله حقيقة الشكر الإمام القشيري في تفسيره ((لطائف الإشارات))
(٣٨٠/١)، وأورده في ((رسالته)) (ص٣١١).
ـو
(٤) وهو شكر القلب كما أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٣١١) .
(٥) الرسالة القشيرية (ص٣١١).
٢٨٦

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
إشارةٌ إلى أنَّ معنى المعرفةِ مِنْ معاني الشكرِ فقطْ .
ـحة
وقولُ الجنيدِ : ( الشكرُ ألاَّ ترى نفسَكَ أهلاً للنعمةِ)(١) إشارةٌ إلى حالٍ
مِنْ أحوالِ القلبِ على الخصوصِ .
%
وهؤلاءِ أقوالُهُمْ تعربُ عنْ أحوالِهِمْ، ولذلكَ تختلفُ أجوبِتُهُمْ
ولا تتفقُ ، ثمَّ قَدْ يختلفُ جوابُ كلِّ واحدٍ في حالتينٍ ؛ لأنَّهُمْ لا يتكلَّمونَ
إلا عنْ حالتِهِمُ الراهنةِ الغالبةِ عليهِمُ ؛ اشتغالاً بما يهمُّهُمْ عمَّا لا يهمُّهُمْ ، أَوْ
يتكلَّمونَ بما يرونَهُ لائقاً بحالِ السائلِ ؛ اقتصاراً على ذكرِ القدْرِ الذي يحتاجُ
إليهِ، وإعراضاً عمَّا لا يحتاجُ إليهِ، فلا ينبغي أنْ تظنَّ أنَّ ما ذكرناهُ طعنٌ
عليهِمْ، وأنَّهُ لوْ عُرِضَ عليهِمْ جميعُ المعاني التي شرحناها .. كانوا
ينكرونَها ، بلْ لا يُظْنُّ ذلكَ بعاقلٍ أصلاً ، إلا أنْ تُفُرضَ منازعةٌ مِنْ حيثُ
اللفظُ في أنَّ اسمَ الشكرِ في وضعِ اللسانِ هلْ يشملُ جميعَ المعاني ، أمْ
يتناولُ بعضَها مقصوداً وبقيةُ المعاني تكونُ مِنْ توابعِها ولوازمِها ؟
ولسنا نقصدُ في هذا الكتابِ شرحَ موضوعاتِ اللغاتِ ، فليسَ ذلكَ مِنْ
علمٍ طريقِ الآخرةِ في شيءٍ ، واللهُ الموفقُ برحمتِهِ .
(١) الرسالة القشيرية (ص٣١٢) .
٢٨٧
حج حن حن حن حن
حن

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
بيان طريق كشف الغطاء عن الشكر في حق الله تعالى
لعلَّهُ يخطرُ ببالِكَ: أَنَّ الشكرَ إنَّما يُعقلُ في حقِّ منعِمٍ هوَ صاحبُ حظٍّ في
الشكرِ ، فإنَّا نشكرُ الملوكَ إمَّا بالثناءِ ليزيدَ محلُّهُمْ في القلوبِ ، ويظهرَ
كرمُهُمْ عندَ الناسِ فيزيدَ بهِ صيتُهُمْ وجاهُهُمْ ، أَوْ بالخدمةِ التي هيَ إعانةٌ لَهُمْ
على بعضٍ أغراضِهِمْ ، أوْ بالمثولِ بينَ أيديهِمْ في صورةِ الخدمِ وذلكَ تكثيرٌ
لسوادِهِمْ وسببٌ لزيادةِ جاهِهِمْ ، فلا يكونُ شاكراً لهُمْ إلا بشيءٍ مِنْ ذلكَ ،
وهذا محالٌ في حقِّ اللهِ تعالى مِنْ وجهينِ :
أحدُهُما : أنَّ اللهَ تعالى منزَّهُ عنِ الحظوظِ والأغراضِ ، مقدَّسُ عنِ الحاجةِ
إلى الخدمةِ والإعانةِ ، وعنْ نشرِ الجاهِ والحشمةِ بالثناءِ والإطراءِ ، وعنْ تكثيرٍ
سوادِ الخدمِ بالمثولِ بينَ يديهِ راكعاً أو ساجداً ، فشكرُنا إِيَّاهُ بما لا حظَّ لهُ فيهِ
يضاهي شكرَنا الملكَ المنعِمَ علينا بأنْ ننامَ في بيوتِنا أوْ نسجدَ أوْ نركعَ ؛ إذْ
لا حظّ للملكِ فيهِ وهوَ غائبٌ لا علمَ لهُ ، ولا حظّ للهِ تعالى في أفعالِنا كلِّها .
حن:
والوجهُ الثاني : أنَّ جميعَ ما نتعاطاهُ باختيارِنا فهوَ نعمةٌ أخرى علينا مِنْ
نعمِ اللهِ؛ إذْ جوارحُنا وقدرتنا وإرادتنا وداعيتنا وسائرُ الأمورِ التي هيَ أسبابُ
حركتِنا ونفْسُ حركتِنا .. مِنْ خلقِ اللهِ تعالى ونعمتِهِ ، فكيفَ نشكرُ نعمتَهُ
بنعمتِهِ ؟ ولوْ أعطانا الملكُ مركوباً ، فأخذنا مركوباً آخرَ لهُ وركبناهُ أوْ أعطانا
الملكُ مركوباً آخرَ .. لمْ يكنِ الثاني شكراً للأوَّلِ منَّا ، بلْ كانَ الثاني يحتاجُ
٢٨٨

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
إلى شكرٍ كما يحتاجُ الأوَّلُ، ثمَّ لا يمكنُ شكرُ الشكرِ إلا بنعمةٍ أخرى ،
فيؤدي ذلكَ إلى أنْ يكونَ الشكرُ محالاً في حقٌّ اللهِ تعالىُ مِنْ هَذِينِ
الوجهينِ ، ولسنا نشكُ في الأمرينِ جميعاً، والشرعُ قَدْ وردَ بهِ ، فكيفَ
السبيلُ إلى الجمعِ ؟
فاعلمْ : أنَّ هذا الخاطرَ قدْ خطرَ لداوودَ عليهِ السلامُ ، وكذلكَ لموسى
عليهِ السلامُ ، فقالَ : يا ربِّ، كيفَ أشكرُكَ وأنا لا أستطيعُ أنْ أشكرَكَ إلا
بنعمةٍ ثانيةٍ مِنْ نعمِكَ ؟ وفي لفظٍ آخرَ : وشكري لكَ نعمةٌ أخرىُ منكَ
توجبُ عليَّ الشكرَ لكَ ؟ فأوحى اللهُ تعالى إليهِ: إذا عرفتَ هذا .. فقدْ
شكرتَنَّي ، وفي خبرٍ آخرَ : إذا عرفتَ أنَّ النعمَ منِّي . . رضيتُ منكَ بذلكَ
شكراً(١) .
فإنْ قلتَ : فقدْ فهمتُ السؤالَ وفهمي قاصرٌ عنْ إدراكِ معنى ما أُوحِيَ
إليهِمْ، فإنّي أعلمُ استحالةَ الشكرِ اللهِ تعالى ، فأمَّا كونُ العلمِ باستحالةِ
الشكرِ شكراً .. فلا أفهمُهُ، فإنَّ هذا العلمَ أيضاً نعمةٌ منهُ، فكيفَ صارَ
شكراً ؟ وكأنَّ الحاصلَ يرجعُ إلى أنَّ مَنْ لمْ يشكرْ فقدْ شكرَ ، وأنَّ قبولَ
الخلعةِ الثانيةِ مِنَ الملكِ شكرٌ للخلعةِ الأولىُ ، والفهمُ قاصرٌ عنْ درْكِ السرِّ
فيهِ ، فإنْ أمكنَ تعريفُ ذلكَ بمثالٍ ؛ فهوَ مهمٌّ في نفسِهِ .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٠٤/١).
جن حن
٢٨٩
جن ثن ضن حن حن

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
فاعلمْ: أنَّ هذا قرعُ بابٍ مِنَ المعارفِ ، وهيَ أعلىُ مِنْ علومٍ
المعاملةِ ، ولكنَّا نشيرُ منها إلى ملامحَ ونقولُ : هلهنا نظرانِ :
نظرٌ بعينِ التوحيدِ المحضِ : وهذا النظرُ يعرِّفُكَ قطعاً أنَّهُ الشاكرُ وأنَّهُ
المشكورُ ، وأنَّهُ المحبُّ وأنَّهُ المحبوبُ ، وهذا نظرُ مَنْ عرفَ أنْ ليسَ في
الوجودِ غيرُهُ ، وأَنَّ كلَّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَهُ ، وأنَّ ذلكَ صدقٌ في كلِّ حالٍ
أزلاً وأبداً؛ لأنَّ الغيرَ هوَ الذي يُتصوَّرُ أنْ يكونَ لهُ بنفسِهِ قوامٌ ، ومثلُ هذا
الغيرِ لا وجودَ لهُ، بلْ هوَ محالٌ أنْ يوجدَ ؛ إذِ الموجودُ المحقَّقُ هوَ القائمُ
بنفسِهِ ، وما ليسَ لهُ بنفسِهِ قوامٌ فليسَ لهُ بنفسِهِ وجودٌ ، بلْ هوَ قائمٌ بغيرِهِ ،
فهوَ موجودٌ بغيرِهِ ، فإنِ اعتُبرَ ذاتُهُ ولمْ يُلتَفَتْ إلى غيرِهِ .. لمْ يكنْ لهُ وجودٌ
ألبتةَ ، وإنَّما الموجودُ هوَ القائمُ بنفسِهِ ، والقائمُ بنفسِهِ هوَ الذي لوْ قُدِّرَ عدمُ
غيرِهِ .. بقيَ موجوداً ، فإنْ كانَ معَ قيامِهِ بنفسِهِ يقومُ بوجودِهِ وجودُ غیرِهِ . .
فهوَ قيُّومٌ ، ولا قيُّومَ إلا واحدٌ، ولا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ غيرُ ذلكَ .
فإذاً؛ ليسَ في الوجودِ غيرُ الحِيِّ القُّوم ، وهوَ الواحدُ الصمدُ ، فإنْ
نظرتَ مِنْ هذا المقام .. علمتَ أنَّ الكلَّ منهُ مصدرُهُ، وإليهِ مرجعُهُ ، فهوَ
مے
الشاكرُ وهوَ المشكورُ ، وهوَ المحبُّ وهوَ المحبوبُ .
٤٠
ومِنْ ههنا نظرَ حبيبُ بنُ أبي حبيبٍ حيثُ قرأَ قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ
صَاِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابٌ﴾ فقالَ: (واعجباهُ! أعطى وأثنى)(١)، أشارَ إلى أنَّهُ
جوجو: جن.
(١) أورده الطرطوشي في ((سراج الملوك)) (٣٩٧/١).
٢٩٠
حنحن
.:

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
إذا أثنى على عطائِهِ .. فعلى نفسِهِ أثنى ، فهوَ المثني وهوَ المثنىُ عليهِ .
ومِنْ ههنا نظرَ الشيخُ أبو سعيدِ المِيهَنيُّ حيثُ قُرِىءَ بينَ يديهِ قولُهُ
تعالى: ﴿يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، فقالَ: ( لعمري يحبُّهُمْ، ودعْهُ يحبُّهُمْ، فبحقِّ
يحبُّهُمْ لأَنَّهُ إنَّما يحبُّ نفسَهُ ) ، أشارَ بهِ إلى أنَّهُ المحبُّ وأنَّهُ المحبوبُ .
وهذهِ رتبةٌ عاليةٌ لا تفهمُها إلا بمثالٍ على حدٍّ عقلِكَ ، ولا يخفى عليكَ
أنَّ المصنَّفَ إذا أحبَّ تصنيفَهُ .. فقدَ أحبَّ نفسَهُ، والصانعُ إذا أحبَّ
صنعتُهُ .. فقدْ أحبَّ نفسَهُ ، والوالدُ إذا أحبَّ ولدَهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ ولدُهُ .. فقدْ
أحبَّ نفسَهُ ، وكلُّ ما في الوجودِ سوى اللهِ فهوَ تصنيفُ اللهِ وصنعتُهُ ، فإنْ
أحبَّهُ فما أحبَّ إلا نفسَهُ، وإذا لمْ يحبَّ إلا نفسَهُ .. فبحقِّ أحبَّ ما أحبَّ .
وهذا كلُّهُ نظرٌ بعينِ التوحيدِ ، وتعبِّرُ الصوفيّةُ عنْ هذهِ الحالةِ بفناءٍ
النفسِ ؛ أيْ : فنيَ عنْ نفسِهِ وعنْ غيرِ اللهِ ، فلمْ يرَ إلا اللهَ، فمَنْ لمْ يفهمْ
هذا .. ينكرُ عليهِمْ ويقولُ: كيفَ فِيَ وطولُ طلِلِهِ أربعةُ أذرع(١)، ولعلَّهُ
يأكلُ في كلِّ يومٍ أرطالاً مِنَ الخبزِ؟! فيضحكُ عليهِمُ الجَّالُ ؛ لجهلِهِمْ
بمعاني كلامِهِمْ، وضرورةُ العارفينَ أنْ يكونوا ضُحْكَةً للجاهلينَ ، وإلیهِ
الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴾ وَإِذَا
مَرُواْ بِهِمْ يَتَغَامَنُونَ : #: وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِينَ ﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ
هَؤُلَاءٍ لَضَالُّونَ ﴿﴿ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَتِهِمْ حَفِظِينَ﴾، ثمَّ بَيَّنَ سبحانَهُ أنَّ ضحكَ
حر
(١) الطلل : الشخص ، يقال : حيا الله طللك وطلالتك ؛ أي : شخصك .
٢٩١

کتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
العارفينَ عليهِمْ غداً أعظمُ إذْ قالَ تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
عَلَى الْأَرَِّكِ يَنظُرُونَ﴾، وكذلك أمَّةُ نوح كانوا يضحكونَ عليهِ عندَ اشتغالِهِ
بعملِ السفينةِ ، ﴿ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.
فهذا أحدُ النظرينِ .
تعـ
النظرُ الثاني : نظرُ مَنْ لمْ يبلغْ إلى مقامِ الفناءِ عنْ نفسِهِ : وهؤلاءٍ
قسمانِ :
- قسمٌ لمْ يثبتوا إلا وجودَ أنفسِهِمْ، وأنكروا أنْ يكونَ لهُمْ ربٌ يُعبدُ ،
وهؤلاءِ هُمُ العميانُ المنكوسونَ ، وعماهُمْ في كلتا العينينِ ؛ لأنَّهُمْ نفَوا
ما هوَ الثابتُ تحقيقاً ، وهوَ القيُّومُ الذي هوَ قائمٌ بنفسِهِ ، وقائمٌ على كلِّ نفسٍ
بما كسبَتْ ، وكلُّ قائمٍ فقائمٌ بهِ ، ولمْ يقتصروا على هذا حتَّى أثبتوا
أنفسَهُمْ! ولوْ عرفوا .. لعلموا أنَّهُمْ مِنْ حيثُ هُمْ هُمْ لا ثباتَ لهُمْ،
ولا وجودَ لهُمْ ، وإنَّما وجودُهُمْ مِنْ حيثُ أُوجدوا ، لا مِنْ حيثُ وُجدوا ،
وفرقٌ بينَ الموجودِ وبينَ الموجَدِ ، وليسَ في الوجودِ إلا موجودٌ واحدٌ
وموجَدٌ ، فالموجودُ حقٌّ، والموجَدُ باطلٌ مِنْ حيثُ هوَ هوَ ، والموجودُ
قائمٌ وقُّوٌ ، والموجَدُ هالكٌ وفانٍ ، وإذا كانَ كلُّ مَنْ عليها فانياً .. فلا يبقى
إلا وجهُ ربِّكَ ذو الجلالِ والإكرامِ .
C:
؟
- الفريقُ الثاني ليسَ بِهِم عمىٌ ، ولكنْ بِهِمْ عَوَرٌ ، يبصرونَ بإحدى
٢٩٢

ربع المنجيات
ـيه
كتاب الصبر والشكر
العينينِ وجودَ الموجودِ الحقِّ فلا ينكرونَةُ، والعينُ الأخرى إنْ تمَّ عماها .. لِمْ
يُبصرْ بها فناءُ غيرِ الموجودِ الحقِّ ، فأثبتَ موجوداً آخرَ معَ اللهِ تعالى ، وهذا
مشركٌ تحقيقاً ، كما كانَ الذي قبلَهُ جاحداً تحقيقاً ، فإنْ جاوزَ حدَّ العمى إلى
العمشِ .. أدركَ تفاوتاً بينَ الموجودينِ ، فأثبتَ عبداً وربّاً ، فبهذا القدْرِ مِنْ
إثباتِ التفاوتِ والنقصِ مِنَ الموجودِ الآخرِ دخلَ في حدِّ التوحيدِ .
ثُمَّ إِنْ كُحِلَ بصرُهُ بما يزيدُ في أنوارِهِ .. فيقلُّ عمشُهُ ، وبقدْرِ ما يزيدُ في
بصرِهِ يظهرُ لهُ نقصانُ ما أثبتَهُ سوى اللهِ تعالى ، فإنْ بقيَ في سلوكِهِ كذلكَ ..
فلا يزالُ يفضي بهِ النقصانُ إلى المحوِ ، فينمحي عنْ رؤيةِ ما سوى اللهِ ، فلا
يرىُ إلا اللهَ ، فيكونُ قَدْ بلغَ كمالَ التوحيدِ .
2
وحيثُ أدركَ نقصاً في وجودٍ ما سوى اللهِ تعالى .. دخلَ في أوائلِ
التوحيدِ ، وبينَهُما درجاتٌ لا تُحصى، فيها تتفاوتُ درجاتُ الموحِّدينَ .
وكتبُ اللهِ المنزَّلةُ على ألسنةِ رسلِهِ هيَ الكحْلُ الذي بهِ يحصلُ أنوارُ
الأبصارِ، والأنبياءُ هُمُ الكخَالونَ ، وقد جاؤوا داعينَ إلى التوحيدِ
المحضٍ، وترجمتُهُ قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ، ومعناهُ : ألا يرى إلا الواحدَ
الحقَّ، والواصلونَ إلى كمالِ التوحيدِ هُمُ الأقلُّونَ ، والجاحدونَ
والمشركونَ أيضاً قليلونَ ، وهُمْ على الطرفِ الأقصى المقابلِ لطرفٍ
التوحيدِ؛ إذْ عبدةُ الأوثانِ قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾،
فكانوا داخلين في أوائلِ أبوابِ التوحيدِ دخولاً ضعيفاً ، والمتوسطونَ هُمُ
٢٩٣
جن

كتاب الصبر والشكر
۔ھے
ربع المنجيات
. 9.
الأكثرونَ ، وفيهِمْ مَنْ تنفتحُ بصيرتُهُ في بعضِ الأحوالِ ، فتلوحُ لهُ حقائقُ
التوحيدٍ ولكنْ كالبرقِ الخاطفِ لا يثبتُ ، وفيهِمْ مَنْ يلوحُ لهُ ذلكَ ويثبتُ
زماناً ولكنْ لا يدومُ ، والدوامُ فيهِ عزيزٌ .
لِكُلِّ إِلَى شَأْوِ أَلْعَلَا حَرَكَاتُ وَلَكِنْ عَزِيزٌ فِي الرِّجَالِ ثَبَاتُ(١)
ولمَّا أُمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بطلبِ القرْبِ، فقيلَ لهُ: ﴿ وَأَسْجُدْ
وَأَقْتَّبِ﴾ .. قالَ في سجودِهِ: (( أعوذُ بعفوٍكَ مِنْ عقائِكَ، وأعوذُ برضاكَ مِنْ
سخطِكَ ، وأعوذُ بكَ منكَ ، لا أحصي ثناءً عليكَ ، أنتَ كما أثنيتَ على
نفسِكَ))(٢)، فقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أعوذُ بعفوِكَ مِنْ عقائِكَ)) كلامٌ عنْ
مشاهدةٍ فعلِ اللهِ فقطْ، فكأنَّهُ لمْ يرَ إلا اللهَ وأفعالَهُ ، فاستعاذَ بفعلِهِ مِنْ فعلِهِ ،
ثُمَّ اقتربَ ففنيَ عنْ مشاهدةِ الأفعالِ ، وترقَّى إلى مصادرِ الأفعالِ وهيَ الصفاتُ
فقالَ: ((أعوذُ برضاكَ مِنْ سخطِكَ )) ، وهما صفتانِ ، ثمَّ رأى ذلكَ نقصاناً في
التوحيدِ ، فاقتربَ ورقيَ مِنْ مقام مشاهدةِ الصفاتِ إلى مشاهدةِ الذاتِ فقالَ :
((أعوذُ بكَ منكَ)) ، وهذا فرارٌ منهُ إليهِ مِنْ غيرِ رؤيةٍ فعلٍ وصفةٍ ، ولكنَّهُ رأى
نفسَهُ فارّاً منهُ إليهِ ، ومستعيذاً ومثنياً ، ففنيَ عنْ مشاهدةِ نفسِهِ ؛ إذْ رأى ذلكَ
نقصاناً ، واقتربَ فقالَ : أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ لا أحصي ثناءً عليكَ ،
فقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا أحصي)) خبرٌ عنْ فناءِ نفسِهِ وخروجِهِ
(١) البيت من الطويل، وهو لابن الحَريش الأصبهاني. انظر (( تتمة يتيمة الدهر))
(١٣٦/٥ ) .
(٢) رواه مسلم (٤٨٦)، والنسائي (٢٨٣/٨).
٢٩٤
بين حم جنجن
CG
... ... . . ...
G
٠ ٠

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
عنْ مشاهدَتِها(١)، وقولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ))
بيانٌ أنَّهُ المثني وهوَ المثنى عليهِ ، وأنَّ الكلَّ منهُ بدأَ وإليهٍ يعودُ ، وأنَّ كلَّ شيءٍ
هالكٌ إلا وجهَهُ ، فكانَ أوَّلُ مقاماتِهِ نهايةَ مقاماتِ الموحِّدينَ ، وهوَ ألا يرى
إلا اللهَ تعالى وأفعالَهُ ، فيستعيذُ بفعلٍ مِنْ فعلِ ، فانظرْ إلى ماذا انتهتْ نهايتُهُ إذ
انتهى إلى الواحدِ الحقِّ، حتَّى ارتفعَ مِنْ نظرِهِ ومشاهدتِهِ سوى الذاتِ الحقِّ .
ولقدْ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يرقىُ مِنْ رتبةٍ إلى أخرى إلا ويرى
الأولىُ بعداً بالإضافةِ إلى الثانيةِ ، فكانَ يستغفرُ اللهَ مِنَ الأولىُ ، ويرىُ ذلكَ
نقصاناً في سلوكِهِ وتقصيراً في مقامِهِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((إنَّهُ ليُغانُ على قلبي حتَّى أستغفرُ اللهَ في اليوم والليلةِ سبعينَ
مرّةً))(٢) ، فكأنَّ ذلكَ لترقيهِ إلى سبعينَ مقاماً بعضُها فوقَ البعضِ ، أوائلُها
وإنْ كانَ مجاوزاً أقصى غاياتِ الخلقِ ، ولكنْ كانَ نقصاناً بالإضافةِ إلى
أواخرِها ، فكانَ استغفارُهُ لذلكَ .
12
ولمَّا قالَتْ لهُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : أليسَ قدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ مِنْ
ذنبكَ وما تأخّرَ فما هذا البكاءُ في السجودِ ، وما هذا الجهدُ الشديدُ ؟ قالَ
عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أفلا أكونُ عبداً شكوراً))(٣)، معناهُ: أفلا أكونُ
(١) في غير (د): (عن مشاهدته ) بدل ( عن مشاهدتها) .
(٢) رواه مسلم ( ٢٧٠٢)، وأبو داوود (١٥١٥) بلفظ: ((مئة مرة )) بدل ((سبعين مرة))،
وعند البخاري (٦٣٠٧): « والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة)).
(٣) رواه مسلم ( ٢٨٢٠) .
٢٩٥

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
حر
طالباً للمزيدِ في المقاماتِ ، فإنَّ الشكرَ سببُ الزيادةِ ، حيثُ قالَ تعالى :
﴿لَبِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وإذْ تغلغلنا في بحارِ علوم المكاشفةِ .. فلنقبضِ العِنانَ ، ولنرجعْ إلى
ما يليقُ بعلومِ المعاملةِ ، فنقولُ :
الأنبياءُ عليهِمُ السلامُ بُعثوا لدعوةِ الخلقِ إلى كمالِ التوحيدِ الذي
وصفناهُ ، ولكنْ بينَهُمْ وبينَ الوصولِ إليهِ مسافةٌ بعيدةٌ ، وعقباتٌ شديدةٌ ،
وإنَّما الشرعُ كلُّهُ تعريفُ طريقِ سلوكِ تلكَ المسافةِ ، وقطع تلكَ العقباتِ ،
وعندَ ذلكَ يكونُ النظرُ عنْ مشاهدةٍ أخرى ومقامٍ آخرَ ، فيظهرُ في ذلكَ المقامِ
وبالإضافةِ إلى تلكَ المشاهدةِ الشكرُ والشاكرُ والمشكورُ ، ولا يُعرفُ ذلكَ
إلا بمثالٍ ، فأقولُ :
يمكنُكَ أنْ تفهمَ أنَّ ملكاً مِنَ الملوكِ أرسلَ إلى عبدٍ قَدْ بَعُدَ منهُ مركوباً
وملبوساً ونقداً ؛ لأجلٍ زادِهِ في الطريقِ حتَّى يقطعَ بهِ مسافةً البعدِ ويقربَ مِنْ
حضرةِ الملكِ ، ثمَّ يكونُ لهُ حالتانِ :
إحداهما : أنْ يكونَ قصدُهُ مِنْ وصولِ العبدِ إلى حضرتِهِ أَنْ يقومَ ببعضٍ
مهمَّاتِهِ ، ويكونَ لهُ عنايةٌ في خدمتِهِ .
والثانيةُ : ألا يكونَ للملكِ حظٍّ في العبدِ ، ولا حاجةَ بهِ إليهِ ، بلْ حضورُهُ
لا يزيدُ في ملكِهِ؛ لأنَّهُ لا يقوى على القيام بخدمةٍ تغني منهُ غَناءً (١)، وغيبتُهُ
دن
حن
(١) الغناء : النفع .
٢٩٦

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
لا تنقصُ مِنْ ملكِهِ ، فيكونُ قصدُهُ مِنَ الإنعام عليهِ بالمركوبِ والزادِ أنْ
يحظى العبدُ بالقربِ منهُ ، وينالَ سعادةَ حضرتِهِ ؛ لينتفعَ هوَ في نفسِهِ ،
لا لينتفعَ الملكُ بهِ وبانتفاعِهِ . فينزلُ العبادُ مِنَ اللهِ تعالى في المنزلةِ الثانيةِ ،
لا في المنزلةِ الأولىُ، فإنَّ الأولى محالٌ على اللهِ ، والثانيةَ غيرُ محالٍ .
ثُمَّ اعلمْ أنَّ العبدَ لا يكونُ شاكراً في الحالةِ الأولى بمجرَّدِ الركوبِ
والوصولِ إلى حضرتِهِ ما لمْ يقمْ بخدمتِهِ التي أرادَها الملكُ منهُ، وأمَّا في
الحالةِ الثانيةِ .. فلا يحتاجُ إلى الخدمةِ أصلاً، ومعَ ذلكَ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ
شاكراً وكافراً ، ويكونُ شكرُهُ بأنْ يستعملَ ما أنفذَهُ إليهِ مولاهُ فیما أحبَّهُ لأجلِهِ
لا لأجلِ نفسِهِ ، وكفرُهُ ألا يستعملَ ذلكَ فيهِ بأنْ يعطِّلَهُ أوْ يستعملَهُ فيما يزيدُ
في بعدِهِ منهُ .
فمهما لبسَ العبدُ الثوبَ وركبَ المركوبَ ولمْ ينفقِ الزادَ إلا في
الطريقِ .. فقدْ شكرَ مولاهُ؛ إذ استعملَ نعمتَهُ في محبَّتِهِ ؛ أيْ: فيما أحبَّهُ
لعبدِهِ لا لنفسِهِ .
وإنْ ركبَهُ واستدبرَ حضرتَهُ ، وأخذَ يبعدُ منهُ .. فقدْ كفرَ نعمتَهُ ؛ أي :
استعملَها فيما كرهَهُ مولاهُ لعبدِهِ لا لنفسِهِ .
وإنْ جلسَ ولمْ يركبْ لا في طلبِ القربِ ولا في طلبِ البعدِ .. فقدْ كفرَ
أيضاً نعمتَهُ ؛ إذْ أهملَها وعطَّلَها ، وإنْ كانَ هذا دونَ ما لوْ بعدَ منهُ .
فكذلكَ خلقَ اللهُ سبحانَهُ الخلقَ ، وهُمْ في ابتداءِ فطرتِهِمْ يحتاجونَ إلى
٢٩٧

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
جو.
استعمالِ الشهواتِ ؛ لتكملَ بها أبدانُهُمْ، فيبعدونَ بها عنْ حضرتِهِ ، وإنَّما
سعادتهُمْ في القرْبِ منهُ ، فأعدّ لهُمْ مِنَ النعمِ ما يقدرونَ على استعمالِها في
نيلِ درجةِ القرْبِ، وعنْ بعدِهِمْ وقربِهِمْ عبَّرَ اللهُ تعالى إذْ قالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا
اُلْإِسَنَ فِىَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿؛ ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴾ إِلَّا الَّذِينَءَامَنُواْ ... ) الآيةَ.
فإذاً ؛ نعمُ اللهِ تعالى آلاتٌ يترقَّى العبدُ بها عنْ أسفلِ السافلينَ ،
خلقها اللهُ تعالى لأجلِ العبدِ حتَّى ينالَ بها سعادةَ القربِ ، واللهُ تعالى غنيٌّ
عنهُ قرُبَ أمْ بعُدَ ، والعبدُ فيها بينَ أنْ يستعملَها في الطاعةِ فيكونَ قَدْ شكرَ
لموافقتِهِ محبََّ مولاهُ ، وبينَ أنْ يستعملَها في معصيتِهِ فقدْ كفرَ لاقتحامِهِ
ما يكرهُهُ مولاهُ ولا يرضاهُ لهُ، فإنَّ اللهَ لا يرضى لعبادِهِ الكفرَ والمعصيةَ ،
وإنْ عطّلَها ولمْ يستعملْها في طاعةٍ ولا معصيةٍ .. فهوَ أيضاً كفرانٌ للنعمةِ
بالتضييع ، وكلُّ ما خُلقَ في الدنيا إنَّما خُلقَ آلةٌ للعبدِ ليتوصَّلَ بهِ إلى سعادةٍ
الآخرةِ ونيلِ القرْبِ مِنَ اللهِ تعالىْ ، فكلُّ مطيعٍ فهوَ بقدْرِ طاعتِهِ شاكرٌ نعمةَ اللهِ
في الأسبابِ التي استعملَها في الطاعةِ ، وكلُّ كسلانَ تركَ الاستعمالَ أوْ
عاصٍ استعملَها في طريقِ البعدِ .. فهوَ كافرٌ جارٍ في غيرِ محبَّةِ اللهِ تعالى ،
فالمعصيةُ والطاعةُ تشملُهما المشيئةُ ، ولكنْ لا تشملُهُما المحبَّةُ والكراهةُ ،
بلْ رُبَّ مرادٍ محبوبٌ، ورُبَّ مرادٍ مكروهٌ، ووراءَ بيانِ هذهِ الدقيقةِ سرُّ
القدرِ الذي مُنِعَ مِنْ إفشائِهِ ، وقدِ انحلَّ بهذا الإشكالُ الأوَّلُ، وهوَ أنَّهُ إذا لمْ
يكنْ للمشكورِ حظٍّ فكيفَ يكونُ الشكرُ .
٩٠
وبهذا أيضاً ينحلُّ الإشكالُ الثاني ، فإنَّا لمْ نعنِ بالشكرِ إلا انصرافَ
فا
٢٩٨
محن
من:

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
نعمةِ اللهِ في جهةٍ محبَِّ اللهِ ، فإذا انصرفَتِ النعمةُ في جهةِ المحبَّةِ بفعلِ اللهِ
تعالى .. فقدْ حصلَ المرادُ، وفعلُكَ عطاءٌ مِنَ اللهِ تعالى، ومِنْ حيثُ أنْتَ
محلُّهُ فقدْ أثنىُ عليكَ ، وثناؤُهُ نعمةٌ أخرى منهُ إليكَ ، فهوَ الذي أعطى ،
وهوَ الذي أثنى، فصارَ أحدُ فعليهِ سبباً لانصرافِ فعلِهِ الثاني إلى جهةٍ
محبِّّهِ ، فلهُ الشكرُ على كلِّ حالٍ ، وأنتَ موصوفٌ بأنَّكَ شاكرٌ ؛ بمعنى أنَّكَ
محلُّ المعنى الذي الشكرُ عبارةٌ عنهُ ، لا بمعنى أنَّكَ موجدٌ لهُ ؛ كما أنَّكَ
موصوفٌ بأنَّكَ عارفٌ وعالمٌ لا بمعنى أنَّكَ خالقُ العلمِ وموجدُهُ ولكنْ بمعنى
أنَّكَ محلٌّ لهُ، وقدْ وُجِدَ بالقدرةِ الأزليَّةِ فيكَ، فوصفُكَ بأنَّكَ شاكرٌ إثباتُ
شيئيَّةٍ لكَ، وأنتَ شيءٌ إذْ جعلَكَ خالقُ الأشياءِ شيئاً ، وإنَّما أنتَ لا شيءَ إذا
كنتَ أنتَ ظاناً لنفسِكَ شيئيَّةً مِنْ ذاتِكَ، فأمَّا باعتبارِ النظرِ إلى الذي جعلَ
الأشياءَ أشياءَ .. فأنتَ شيءٌ إِذْ جعلَكَ شيئاً ، فإنْ قُطعَ النظرُ عنْ جعِلِهِ ..
كنتَ لا شيءَ تحقيقاً .
حن
وإلى هذا أشارَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: (( اعملوا ؛ فكلٌّ ميسَّرٌ
لما خُلقَ لهُ)) لمَّا قيلَ لهُ : ففيمَ العملُ إذا كانتِ الأشياءُ قَدْ فُرِغَ منها مِنْ
قبلُ ؟(١) .
فبيَّنَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ الخلقَ مجاري قدرةِ اللهِ تعالى ومحلُّ أفعالِهِ
وإنْ كانوا همْ أيضاً مِنْ أفعالِهِ ، ولكنْ بعضُ أفعالِهِ محلٌّ للبعضِ ، وقولُهُ :
(١) رواه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم ( ٢٦٤٧) .
٢٩٩

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
حر
((اعملوا)) وإنْ كانَ جارياً على لسانِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فهوَ
فعلٌ مِنْ أفعالِهِ ، وهوَ سببٌ لعلمِ الخلقِ بأنَّ العملَ نافعٌ ، وعلمُهُمْ فعلٌ مِنْ
أفعالِ اللهِ تعالىُ ، والعلمُ سببٌ لانبعاثِ داعيةٍ جازمةٍ إلى الحركةِ والطاعةِ ،
وانبعاثُ الداعيةِ أيضاً مِنْ أفعالِ اللهِ تعالى ، وهوَ سببٌ لحركةِ الأعضاءِ ،
وهيَ أيضاً مِنْ أفعالِ اللهِ تعالى ، ولكنْ بعضُ أفعالِهِ سببٌ لبعضٍ ؛ أي :
الأوَّلُ شرطٌ للثاني ؛ كما كانَ خلقُ الجسمِ سبباً لخلْقِ العرضِ ؛ إذْ لا يُخلقُ
العرضُ قبلَهُ، وخلْقُ الحياةِ شرطٌ لخلْقِ العلمِ ، وخلْقُ العلمِ شرطٌ لخلْقِ
الإرادةِ ، والكلُّ مِنْ أفعالِ اللهِ تعالىُ ، وبعضُها سببٌ للبعضِ ؛ أي : هوَ
شرطٌ، ومعنى كونِهِ شرطاً : أنَّهُ لا يستعدُّ لقبولِ فعلِ الحياةِ إلا جوهرٌ ،
ولا يستعدُّ لقبولِ العلمِ إلا ذو حياةٍ ، ولا لقبولِ الإرادةِ إلا ذو علمٍ ، فيكونُ
بعضُ أفعالِهِ سبباً للبعضِ بهذا المعنى، لا بمعنى أنَّ بعضَ أفعالِهِ موجِدٌ
لغيرِهِ، بلْ ممهّدٌ شرطَ الحصولِ لغيرِهِ، وهذا إذا حُقِّقَ .. ارتقى إلى درجةٍ
التوحيدِ الذي ذكرناهُ .
فإنْ قلتَ : فلِمَ قالَ اللهُ تعالى: اعملوا، وإلا .. فأنتم معاقبونَ ومذمومونَ
على العصيانِ، وما إلينا شيءٌ، فكيفَ نُدُ وإنَّما الكلُّ إلى اللهِ تعالى ؟
فاعلمْ : أنَّ هذا القولَ مِنَ اللهِ تعالى سببٌ لحصولِ اعتقادٍ فينا ،
والاعتقادُ سببٌ لهيجانِ الخوفِ ، وهيجانُ الخوفِ سببٌ لتركِ الشهواتِ
٩.٠٠
٣٠٠