النص المفهرس
صفحات 241-260
ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر ((إنَّما الأعمالُ بالنيّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرىءٍ ما نوى))(١)، وقال تعالى: وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِذِينَ﴾. ولههذا المعنىُ قدَّم اللهُ تعالى الصبرَ على العملِ فقالَ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ . - الحالةُ الثانيةُ : حالةَ العملِ : كي لا يغفُلَ عنِ اللهِ تعالى في أثناءِ عملِهِ ، ولا يتكاسلَ عنْ تحقيقِ آدابِهِ وسنِهِ ، ويدومَ على شرطِ الأدبِ إلى آخرِ العملِ ، فيلازمُ الصبرَ عنْ دواعي الفتورِ إلى الفراغ ، وهذا أيضاً مِنْ شدائدِ الصبرِ، ولعلَّهُ المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿نِعْمَ أَجْرُ اُلْعَمِلِينَ } الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أيْ : صبروا إلى تمامِ العملِ. - الحالةُ الثالثةُ: بعدَ الفراغ مِنَ العملِ : إذْ يحتاجُ إلى الصبرِ عنْ إفشائِهِ والتظاهرِ بهِ للسمعةِ والرياءِ ، والصبرِ عنِ النظرِ إليهِ بعينِ العجْبِ ، وعنْ كلِّ ما يبطلُ عملَهُ ويحبطُ أثرَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾، وكما قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنْ وَاَلْأَذَى﴾، فمَنْ لمْ يصبرْ بعدَ الصدقةِ عنِ المنُّ والأذى .. فقدْ أبطلَ عملَهُ . والطاعاتُ تنقسمُ إلى فرضٍ ونفلٍ ، وهوَ محتاجٌ إلى الصبرِ عليهِما جميعاً، وقدْ جمعَهما اللهُ تعالى في قولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾، فالعدْلُ هوَ الفرضُ، والإحسانُ هوَ النفلُ، وإيتاءُ (١) رواه البخاري (١)، ومسلم ( ١٩٠٧). ٢٤١ كتاب الصبر والشكر 2.5 ربع المنجيات ذي القربى هوَ المروءةُ وصلةُ الرحم ، وكلُّ ذلكَ يحتاجُ إلى صبرٍ . الضربُ الثاني : المعاصي : فما أحوجَ العبدَ إلى الصبرِ عنها! وقدْ جمعَ اللهُ تعالى أنواعَ المعاصي في قولهِ تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِي﴾ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المهاجرُ مَنْ هجرَ السوءَ، والمجاهدُ مَنْ جاهدَ هواهُ))(١). غے والمعاصي مقتضى باعثِ الهوى ، وأشدُّ أنواع الصبرِ عنِ المعاصي الصبرُ عنِ المعاصي التي صارَتْ مألوفةً بالعادةِ ، فإنَّ العادةَ طبيعةٌ خامسةٌ ، فإذا انضافَتِ العادةُ إلى الشهوةِ .. تظاهرَ جندانٍ مِنْ جنودِ الشيطانِ على جندِ اللهِ تعالى ، فلا يقوى باعتُ الدينِ على قمعِهِما . ثُمَّ إِنْ كانَ ذلكَ الفعلُ ممَّا يتيسَرُ فعلُهُ .. كانَ الصبرُ عنهُ أثقلَ على النفسِ ؛ كالصبرِ عنْ معاصي اللسانِ ؛ مِنَ الغيبةِ ، والكذبِ ، والمراءِ ، والثناءِ على النفسِ تعريضاً وتصريحاً ، وأنواع المزحِ المؤذي للقلوبِ ، وضروبِ الكلماتِ التي يُقصدُ بها الإزراءُ والاستحقارُ ، وذكرِ الموتى والقدحِ فيهِم وفي علومِهِمْ وسيرِهِمْ ومناصبِهِمْ ، فإنَّ ذلكَ في ظاهرِهِ غيبةٌ ، .حم جن. (١) رواه بنحوه الحاكم في ((المستدرك)) (١١/١) ضمن خطبة له صلى الله عليه وسلم من حديث فضالة رضي الله عنه، ولفظه: (( والمجاهد من جاهد نفسه ، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب )) . ٢٤٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر وفي باطئِهِ ثناءٌ على النفسِ ، فللنفسِ فيهِ شهوتانِ : إحداهما : نفيُ الغيرِ ، والأخرى : إثباتُ نفسِهِ ، وبهِما تتمُّ لهُ الربوبيةُ التي في طبعِهِ، وهيَ ضُّ ما أُمَرَ بِهِ مِنَ العبوديةِ ، ولاجتماع الشهوتينِ وتيسُّرِ تحريكِ اللسانِ ، ومصيرِ ذلكَ معتاداً في المحاوراتِ .. يعسرُ الصبرُ عنها، وهيَ أكبرُ الموبقاتِ، حتَّى بطلَ استنكارُها واستقباحُها مِنَ القلوبِ ؛ لكثرةِ تكررِها ، وعمومِ الأنسِ بها ، فترى الإنسانَ يلبسُ حريراً مثلاً فيُستبعدُ ذلكَ منهُ غايةَ الاستبعادِ ، ويطلقُ لسانَهُ طولَ النهارِ في أعراضِ الناسِ ولا يُستنكرُ ذلكَ معَ ما وردَ في الخبرِ مِنْ أنَّ الغيبةَ أشدُّ مِنَ الزنا(١) ، ومَنْ لمْ يملكْ لسانَهُ في المحاوراتِ ، ولمْ يقدرْ على الصبرِ على ذلكَ .. فيجبُ عليهِ العزلةُ والانفرادُ ، فلا ينجيهِ غيرُهُ ، فالصبرُ على الانفرادِ أهونُ مِنَ الصبرِ على السكوتِ معَ المخالطةِ . ـحن حن ٢٨٥٠ وتختلفُ شدَّةُ الصبرِ في آحادِ المعاصي باختلافِ داعيةِ تلكَ المعصيةِ في قوَّتِها وضعفِها ، وأيسرُ مِنْ حركةِ اللسانِ حركةُ الخواطرِ باختلاجِ الوساوسِ ، فلا جرمَ يبقى حديثُ النفسِ في العزلةِ ، ولا يمكنُ الصبرُ عنهُ أصلاً ، إلا بأنْ يغلبَ على القلبِ همٌّ آخرُ في الدينِ يستغرقُهُ ؛ كمَنْ أصبحَ وهمومُهُ همّ واحدٌ، وإلا .. فإنْ لمْ يستعملِ الفكرَ في شيءٍ معيَّنٍ .. لَمْ يُتصوَّرْ فتورُ الوسواسِ عنهُ . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٦٤). ٢٤٣ بجي:" حن كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات القسمُ الثاني : ما لا يرتبطُ هجومُهُ باختیارِهِ ولهُ اختبارٌ في دفعِهِ : كما لوْ أُوذيَ بفعلٍ أوْ قولٍ ، أَوْ جُنِيَ عليهِ في نفسِهِ أوْ مالِهِ ، فالصبرُ على ذلكَ بتركِ المكافأةِ تارةً يكونُ واجباً ، وتارةً يكونُ فضيلةٌ . قالَ بعضُ الصحابةِ : ( ما كنَّا نعدُّ إيمانَ الرجلِ إيماناً إذا لمْ يصبرْ على الأذى )(١) . وقدْ أخبرَ اللهُ تعالى عنهُمْ في قولِهِ: ﴿وَلَنَصْبِرَبَ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونًا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنْوَكَلِ الْمُتَوَّكِلُونَ﴾ . G وقسمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّةً مالاً ، فقالَ بعضُ الأعرابِ مِنَ المسلمينَ : هذهِ قسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ اللهِ، فأُخبرَ بذلكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فاحمرَّتْ وجنتاهُ ثمّ قالَ: (( رحمَ اللهُ أخي موسىُ ، لقدْ أُوذيَ بأكثرَ مِنْ هذا فصبرَ))(٢). وقالَ اللهُ تعالى لنبيِِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ﴿ وَدَعْ أَذَنُهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًّا جَمِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴿: فَيِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ﴾. (١) هو في ((القوت)) (١٩٥/١) بلفظ: ( وقال بعض العلماء : ما كنا نعد إيمان من لم يؤذ فيحتمل الأذى ويصبر عليه إيماناً ) . (٢) رواه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم ( ١٠٦٢) . ٢٤٤ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر وقال تعالى: ﴿وَلَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ﴾ أيْ : تصبروا عنِ المكافأةِ ، ولذلكَ مدحَ اللهُ تعالى العافينَ عنْ حقوقِهِمْ في القصاصِ وغيرِهِ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوفِبْتُم بِهٌِ وَلَيْن صَبَرْ تُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِصَّبِنَ﴾. وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((صلْ مَنْ قطعَكَ، وأعطٍ مَنْ حرمَكَ ، واعفُ عمَّنْ ظلمَكَ))(١) . ورأيتُ في الإنجيلِ: قالَ عيسى ابنُ مريمَ عليهِ السلامُ : لقدْ قيلَ لكُمْ مِنْ قبلُ (٢): إنَّ السنَّ بالسنِّ والأنفَ بالأنفِ، وأنا أقولُ لكُمْ: لا تقاوموا الشرّ بالشرِّ، بلْ مَنْ ضربَ خذَّكَ الأيمنَ .. فحوَّلْ إليهِ الخدَّ الأيسرَ، ومَنْ أخذَ رداءَكَ .. فأعطِهِ إزارَكَ، ومَنْ سخَّرَكَ لتسيرَ معهُ ميلاً .. فسِرْ معَهُ ميلينِ . وكلُّ ذلكَ أمرٌ بالصبرِ على الأذى ، فالصبرُ على أذى الناسِ مِنْ أعلى مراتبِ الصبرِ ؛ لأنَّهُ يتعاونُ فيهِ باعثُ الدينِ وباعثُ الشهوةِ والغضبِ جميعاً . 0 ٠٢٨٠٠ ٢٨ ٨٠٠ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٨/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٧٧٢٣). (٢) أي: في التوراة، وذلك مصداق قول الحق جل وعلا: ﴿وَكَبَنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَاَلْأَنْفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُبَ بِالْأُذُنِ وَالِسِنَّ بِالسِّنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ٢٤٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات القسمُ الثالثُ : ما لا يدخلُ تحتَ الاختيارِ أوَّلُهُ وآخرُهُ : كالمصائبِ ؛ مثلُ موتِ الأعزَّةِ ، وهلاكِ الأموالِ ، وزوالِ الصحَّةِ بالمرضِ ، وعمى العينِ ، وفسادِ الأعضاءِ ، وبالجملةِ سائرُ أنواع البلاءِ ، فالصبرُ على ذلكَ مِنْ أعلى مقاماتِ الصبرِ ، قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( الصبرُ في القرآنِ على ثلاثةِ أوجهٍ : صبرٌ على أداءِ فرائضٍِ اللهِ تعالى ، فلهُ ثلاثُ مئةِ درجةٍ ، وصبرٌ عنْ محارم اللهِ تعالى ، فلهُ ستُّ مئةٍ درجةٍ، وصبرٌ على المصيبةِ عندَ الصدمةِ الأولى، فلهُ تسعُ مئةِ درجةٍ)(١). وإنَّما فُضِّلَتْ هذهِ الرتبةُ معَ أنَّها مِنَ الفضائلِ على ما قبلَها وهيَ مِنَ الفرائض .. لأنَّ كلَّ مؤمنٍ يقدرُ على الصبرِ عنِ المحارم ، فأمَّا الصبرُ على بلاءِ اللهِ تعالى .. فلا يقدرُ عليهِ إلا الأنبياءُ؛ لأنَّهُ بضاعةُ الصدِّيقينَ، فإنَّ ذلكَ شديدٌ على النفسِ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أسألُكَ مِنَ اليقينِ ما تهوِّنُ بهِ عليَّ مصائب الدنيا »(٢)، فهذا صبرٌ مستندُهُ حسنُ اليقينِ. وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : ( واللهِ ؛ ما نصبرُ على ما نحبُّ ، فكيفَ نصبرُ على ما نكرَهُ؟! )(٣). جح بجن حج بجن جن حة (١) كذا في ((القوت)) (١٩٨/١)، وروى الديلمي نحوه مرفوعاً في ((مسند الفردوس)) (٣٨٤٦) من حديث علي رضي الله عنه . (٢) رواه الترمذي (٣٥٠٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٦١)، والحاكم في (( المستدرك)» (٥٢٨/١) . (٣) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٣٢٥). ٢٤٦ حن حجدة ربع المنجبات كتاب الصبر والشكر وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: إذا وجَّهتُ إلى عبدٍ مِنْ عبيدي مصيبةً في بدنِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولِدِهِ ثمّ استقبلَ ذلكَ بصبرٍ جميلٍ .. استحييتُ منهُ يومَ القيامةِ أنْ أنصبَ لهُ ميزاناً أَوْ أنشرَ لهُ ديواناً)»(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((انتظارُ الفرج بالصبرِ عبادةٌ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما مِنْ عبدٍ مؤمنٍ أُصيبَ بمصيبةٍ فقالَ كما أمرَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآَ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾، اللهمَّ؛ أَجُرْني في مصيبتي وأعقبْني خيراً منها .. إلا فعلَ اللهُ ذلكَ بهِ))(٣). وقالَ أنسٌ: حدَّثَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ : (( يا جبريلُ؛ ما جزاءُ مَنْ سلبتُ کریمتیهِ ؟ قالَ : سبحانَكَ لا علم لنا إلا ما علمتَنَا، قالَ تعالى: جزاؤُهُ الخلودُ في داري، والنظرُ إلى وجهي)) (٤). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : إذا ابتليتُ عبدي ببلاءٍ فصبرَ ولمْ يشكُني إلى عوَّادِهِ .. أبدلتُهُ لحماً خيراً مِنْ لحمِهِ ، ودماً خيراً (١) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٢٢٢)، وابن عدي في (( الكامل)) (١٥٠/٧)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤٦٢). (٢) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٤٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٥٣١). (٣) رواه مسلم (٩١٨) . (٤) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٨٨٥٠)، وعند البخاري ( ٥٦٥٣) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((إن الله قال : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر .. عوضته منهما الجنة )) . ـجو ٢٤٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات مِنْ دِمِهِ، فإنْ أبرأتُهُ .. أبرأتُهُ ولا ذنبَ لهُ، وإنْ توقَّيْتُهُ .. فإلى رحمتي))(١). وقالَ داوودُ عليهِ السلامُ : يا ربِّ؛ ما جزاءُ الحزينِ الذي يصبرُ على المصائبِ ابتغاءَ مرضاتِكَ ؟ قالَ : جزاؤُهُ أنْ ألبسَهُ لباسَ الإيمانِ فلا أنزعَهُ عنهُ أبداً(٢) . وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمة اللهِ عليه في خطبتِهِ : ( ما أنعمَ اللهُ على عبدٍ نعمةً فانتزعَها منهُ وعوَّضَهُ منها الصبرَ إلا كانَ ما عوَّضَهُ منها أفضلَ ممَّا انتزعَ منهُ)، وقرأَ: ﴿ إِنََّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٣) . وسُئِلَ الفضيلُ عنِ الصبرِ فقالَ : هوَ الرضا بقضاءِ اللهِ ، قيلَ : وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ : الراضي لا يتمنَّى فوقَ منزلتِهِ (٤) . وقيلَ : حُبسَ الشبليُّ رحمهُ اللهُ في المارستانِ ، فدخلَ عليهِ جماعةٌ فقالَ: مَنْ أَنتُمْ ؟ قالوا : أحباؤُكَ جاؤُوكَ زائرينَ ، فأخذَ يرميهِمْ بالحجارةِ ، فأخذوا يهربونَ منهُ ، فقالَ: لوْ كنتُمْ أحبَّائي .. لصبرتُمْ على بلائي(٥). (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٨/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)» (٣٧٥/٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، وهو عند مالك في (( الموطأ)) (٢ / ٩٤٠) عن عطاء بن يسار مرسلاً . (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٤١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤٧/٤). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩٨/٥). (٤) روى ابن أبي الدنيا في (( الرضا عن الله بقضائه)) (١٦) عن الفضيل يقول: (الراضي لا يتمنى فوق منزلته ) . (٥) الرسالة القشيرية (ص٣٢٨). ٢٤٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر وكانَ بعضُ العارفينَ في جيبهِ رقعةٌ يخرجُها كلَّ ساعةٍ ويطالعُها ، وكانَ فيها: ﴿ وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾(١) . ويُقالُ : إنَّ امرأةَ فتح الموصليِّ عثرَتْ، فانقطعَ ظفرُها ، فضحكَتْ ، فقيلَ لها : أما تجدينَ الوجعَ ؟ فقالَتْ: إنَّ لذةَ ثوابِهِ أزالَتْ عنْ قلبي مرارةً ه (٢) وجعِهِ(٢). وقالَ داوودُ لسليمانَ عليهما السلامُ : ( يُستدلُّ على تقوى المؤمنِ بثلاثٍ : حسنُ التوكلِ فيما لمْ ينلْ ، وحسنُ الرضا فيما قدْ نالَ ، وحسنُ الصبرِ فيما قدْ فاتَ )(٣). وقالَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مِنْ إجلالِ اللهِ ومعرفةِ حقُّهِ ألا تشكوَ وجعَكَ ولا تذكرَ مصيبتكَ)) (٤) . ويُروىُ عنْ بعضٍ الصالحينَ أنَّهُ خرجَ يوماً وفي كمِّهِ صرَّةٌ ، فافتقدَها ، (١) الرسالة القشيرية (ص٣٢٨) ولفظه: وقال بعضهم: كنت بمكة ، فرأيت فقيراً طاف بالبيت ، وأخرج من جيبه رقعة ونظر فيها ومرّ ، فلما كان بالغد .. فعل مثل ذلك ، فترقبته أياماً وهو يفعل مثل ذلك ، فيوماً من الأيام طاف ونظر في الرقعة ، وتباعد قليلاً وسقط ميتاً، فأخرجت الرقعة من جيبه، فإذا فيها: ﴿ وَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُفِنَا﴾. (٢) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص٥١٩ ) . (٣) رواه البيهقي في (( الزهد الكبير)) (٩٦٦). (٤) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده مرفوعاً، وإنما رواه ابن أبي الدنيا في (( المرض والكفارات)) [٢٢٣] من رواية سفيان عن بعض الفقهاء قال : من الصبر ألا تحدث بمصيبتك ولا بوجعك ولا تزكي نفسك). «إتحاف)) (٢٩/٩) ، وقول سفيان رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٣٨٩/٦) أيضاً . ٢٤٩ جة ـحر كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات فإذا هيَ قدْ أُخذَتْ مِنْ كمِّهِ، فقالَ: باركَ اللهُ لهُ فيها، لعلَّهُ أحوجُ إليها مِنِّي . ورُوِيَ عنْ بعضِهِمْ أَنَّهُ قالَ : مررتُ على سالم مولى أبي حذيفةً في القتلى - وذلكَ باليمامةِ في ردّةٍ بني حنيفةً - وبهِ رمقٌ ، فقلتُ لهُ : أسقيكَ ماءً ؟ فقالَ: جُزَّني قليلاً إلى العدوِّ واجعلِ الماءَ في الترسِ فإنّي صائمٌ ، فإنْ عشتُ إلى الليلِ .. شربتُهُ . فهكذا كانَ صبرُ سالكي طريقِ الآخرةِ على بلاءِ اللهِ تعالى . فإنْ قلتَ : فبماذا تُنالُ درجةُ الصبرِ في المصائبِ وليسَ الأمرُ إلى اختيارِهِ ، فهوَ مضطرٍّ شاءَ أمْ أبى ، فإنْ كانَ المرادُ بهِ ألا تكونَ في نفسِهِ كراهيةٌ للمصيبةِ .. فذلكَ غيرُ داخلٍ في الاختيارِ ؟ ـئن فاعلمْ : أنَّهُ إنَّما يخرجُ عنْ مقامِ الصابرينَ بالجزع ، وشقُّ الجيوبِ ، وضربِ الخدودِ ، والمبالغةِ في الشكوى ، وإظهارِ الكآبةِ ، وتغييرِ العادةِ في الملبسِ والمفرشِ والمطعمٍ ، وهذهِ الأمورُ داخلةٌ تحتَ اختيارِهِ ، فينبغي أنْ يجتنبَ جميعَها ، ويظهرَ الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى ، ويبقى مستمراً على عادتِهِ ، ويعتقدَ أنَّ ذلكَ كانَ وديعةً فاستُرجعَتْ؛ كما رُوِيَ عنِ الرُّميصاءِ أَمِّ سُليمٍ رحمها اللهُ أنَّها قالَتْ : تُوفِّيَ ابنٌ لي وزوجي أبو طلحةَ غائبٌ ، فقمتُ فسجَّتُهُ في ناحيةِ البيتِ ، فقدمَ أبو طلحةَ ، فقمتُ فهَّأْتُ لهُ إفطارَهُ ، فجعلَ حن ٢٥٠ حن تن حن حن حن ثن حن ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر ـكن . يأكلُ ، وقالَ : كيفَ الصبيُّ ؟ فقلتُ: بأحسنِ حالٍ بحمدِ اللهِ ومنِّهِ ؛ فإنَّهُ لمْ يكنْ منذُ اشتكى بأسكنَ منهُ الليلةَ ، ثمَّ تصنَّعتُ لهُ أحسنَ ما كنتُ أتصنَّعُ قبلَ ذلكَ ، حتَّى أصابَ منِّي حاجتَهُ ، ثمَّ قلتُ : ألا تعجبُ مِنْ جيرانِنا ؟ قالَ : وما لهُمْ؟ قلتُ: أُعيروا عاريةً ، فلمَّا طُلبَتْ منْهُمْ واستُرجِعتْ .. جزعوا ، فقالَ : بئسَ ما صنعوا ، فقلتُ : هذا ابنُكَ كانَ عاريةً مِنَ اللهِ تعالى ، وإنَّ اللهَ قدْ قبضَهُ إليهِ ، فحمدَ اللهَ واسترجعَ ، ثمَّ غدا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبرَهُ، فقالَ: «اللهمَّ؛ بارْ لهُمْ في ليلتِهِمْ)) ، قالَ الراوي(١): فلقدْ رأيتُ لهُمْ بعدَ ذلكَ في المسجدِ سبعةً، كلَّهُمْ قدْ قرؤوا القرآن(٢). وروى جابرٌ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: « رأيتُني دخلتُ الجنَّةَ؛ فإذا أنا بالرُّميصاءِ امرأةٍ أبي طلحةً»(٣). وقدْ قيلَ : ( الصبرُ الجميلُ هوَ ألا يُعرفَ مَنْ صاحبُ المصيبةِ إذْ يشبهُ غيرَهُ ) (٤) . :5 ولا يخرجُهُ عنْ حدِّ الصابرينَ توجُّعُ القلبِ ، ولا فيضانُ العينِ بالدمع ؛ (١) وهو عَباية بن رِفاعة. (٢) رواه الطبراني في «الكبير» (١٢٨/٢٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٩/٢)، وأصله عند البخاري ( ٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤). (٣) رواه البخاري ( ٣٦٧٩) . (٤) الرسالة القشيرية (ص٣٢٨) بنحوه . ٢٥١ حن: كن كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات إِذْ يكونُ منْ جميع الحاضرينَ لأجلِ الموتِ سواءً ، ولأنَّ البكاءَ توجُّعُ القلبِ على الميتِ ؛ فإنَّ ذلكَ مقتضى البشريّةِ ، ولا يفارقُ الإنسانَ إلى الموتِ ، ولذلكَ لمَّا ماتَ إبراهيمُ ولدُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فاضَتْ عيناهُ، فقيلَ لهُ: أما نهيتَنَا عَنْ هذا؟ فقالَ: ((إنَّ هذهِ رحمةٌ، وإنَّما يرحمُ اللهُ مِنْ عبادِهِ الرحماءَ ))(١). بلْ ذلكَ أيضاً لا يخرجُ عنْ مقامِ الرضا ، فالمقدمُ على الفصدِ والحجامةِ راضٍ بهِ وهوَ متألُمٌ بسببهِ لا محالةَ ، وقدْ تفيضُ عينُهُ إذا عظمَ ألمُهُ ، وسيأتي ذلكَ في كتابِ الرضا إنْ شاءَ اللهُ تعالى . وكتبَ ابنُ أبي نَجِيح يُعزِّي بعضَ الخلفاءِ فكتبَ : ( إنَّ أحقَّ مَنْ عرفَ حقَّ اللهِ تعالى فيما أُخِذَ منهُ مَنْ عظَّمَ حقَّ اللهِ تعالى عندَهُ فيما أبقاهُ لهُ ، واعلمْ أنَّ الماضيَ قبلَكَ هوَ الباقي لكَ، والباقيَ بعدكَ هوَ المأجورُ فيكَ ، واعلمْ أنَّ أجرَ الصابرينَ فيما يُصابونَ بهِ أعظمُ مِنَ النعمةِ عليهِمْ فيما يُعافَونَ فيهِ )(٢) . فإذاً ؛ مهما دفعَ الكراهةَ بالتفكُّرِ في نعمةِ اللهِ تعالى عليهِ بالثوابِ .. نالَ درجةَ الصابرينَ . (١) رواه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥) بنحوه ، ووقع هذا القول عندما رفع إليه عليه الصلاة والسلام ابن لابنة له كما هو عند البخاري (١٣٨٤ )، ومسلم (٩٢٣ ) . (٢) قوت القلوب (١٩٥/١). ٢٥٢ - ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر نعمْ ، مِنْ كمالِ الصبرِ كتمانُ المرضِ والفقرِ وسائرِ المصائبِ ، وقدْ ء قيلَ : ( مِنْ كنوزِ البرِّ كتمانُ المصائبِ والأوجاع والصدقةِ)(١) . فقدْ ظهرَ لكَ بهذهِ التقسيماتِ أنَّ وجوبَ الصبرِ عامٌّ في جميع الأحوالِ والأفعالِ ، فإنَّ الذي كُفِيَ الشهواتِ كلَّها واعتزلَ وحدَهُ .. فلا يستغني عنٍ الصبرِ على العزلةِ والانفرادِ ظاهراً ، وعنِ الصبرِ عنْ وساوس الشيطانِ باطناً ، فإنَّ اختلاجَ الخواطرِ لا يسكنُ ، وأكثرُ جولانِ الخاطرِ إنَّما يكونُ في فائتٍ لا تداركَ لهُ، أَوْ في مستقبلٍ لا بدّ وأنْ يحصلَ منهُ ما هوَ مقدَّرٌ ، فهوَ كيفَما كانَ تضييعُ زمانٍ ، وآلةُ العبدِ قلبُهُ وبضاعتُهُ عمرُهُ ، فإذا غفلَ القلبُ فِي نَفَسٍ واحدٍ عنْ ذكرٍ يستفيدُ بهِ أنساً باللهِ تعالى ، أوْ عنْ فكرٍ يستفيدُ بهِ معرفةً باللهِ تعالى ليستفيدَ بالمعرفةِ محبةَ اللهِ تعالى .. فهوَ مغبونٌ، هذا إنْ كانَ فكرُهُ ووسواسُهُ في المباحاتِ مقصوراً عليهِ ، ولا يكونُ كذلكَ غالباً ، بلْ يتفكّرُ في وجوهِ الحيلِ لقضاءِ الشهواتِ ؛ إذْ لا يزالُ ينازعُ كلَّ مَنْ تحرَّكَ على خلافِ غرضِهِ في جميع عمرِهٍ ، أَوْ مَنْ يتوهّمُ بهِ أنَّهُ ينازعُهُ ويخالفُ أمرَهُ أَوْ غرضَهُ بظهورٍ أمارةٍ لهُ منهُ، بلْ يقدِّرُ المخالفةَ مِنْ أخلصِ الناسِ في حبِّهِ ، حتَّىَّ في أهلِهِ وولدِهِ ، ويتوهّمُ مخالفتَهُمْ لهُ، ثمَّ يتفكّرُ في كيفيةِ زجرِهِمْ وكيفيةِ قهِهِمْ وجوابِهِمْ عمَّا يتعلَّلونَ بهِ في مخالفتِهِ ، ولا يزالُ في شغلٍ دائمٍ . فللشيطانِ جندانِ ؛ جندٌ يطيرُ، وجندٌ يسيرُ، والوسواسُ عبارةٌ عنْ (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٩٥٧٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٨/ ١٩٧) مرفوعاً . ٢٥٣ کتاب الصبر والشكر ربع المنجيات حركةٍ جندِهِ الطَّارِ ، والشهوةُ عبارةٌ عنْ حركةِ جندِهِ السيّارِ ، وهذا لأنَّ الشيطانَ خُلِقَ مِنَ النّارِ، وخُلِقَ الإنسانُ مِنْ صلصالٍ كالفخارِ ، والفخارُ قدِ اجتمعَ فيهِ معَ النارِ الطينُ ، والطينُ طبعُهُ السكونُ ، والنارُ طبعُها الحركةُ ، فلا يُتصوَّرُ نارٌ مشتعلةٌ لا تتحرَّكُ، بلْ لا تزالُ تتحرَّكُ بطبعِها، وقدْ كُلِّفَ الملعونُ المخلوقُ مِنَ النارِ أنْ يطمئنَّ عنْ حركتِهِ ساجداً لما خُلِقَ مِنَ الطينِ ، فأبى واستكبرَ واستعصى ، وعبَّرَ عنْ سببِ استعصائِهِ بأَنْ قالَ: ﴿خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِطِينٍ﴾ . فإذاً ؛ حيثُ لمْ يسجدِ الملعونُ لأبينا آدمَ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ .. فلا ينبغي أنْ يُطمعَ في سجودِهِ لأولادِهِ ، ومهما كفَّ عنِ القلبِ وسواسَهُ وعدوانهُ، وطيرانَهُ وجولانَهُ .. فقدْ أظهرَ انقيادَهُ وإذعانَهُ، وانقيادُهُ بالإذعانِ سجودٌ منهُ، فهوَ روحُ السجودِ ، وإنَّما وضْعُ الجبهةِ على الأرضِ قالبُهُ وعلامتُهُ الدالَّةُ بالاصطلاحِ عليهِ ، ولوْ جُعلَ وضعُ الجبهةِ على الأرضِ علامةَ استخفافٍ بالاصطلاح .. لتُصوّرَ ذلكَ، كما أنَّ الانبطاحَ بينَ يدي المعظّمِ المحترمِ يُرى استخفافاً بالعادةِ . فلا ينبغي أنْ يدهشَكَ صدفُ الجوهرِ عنِ الجوهرِ ، وقالبُ الروحِ عنِ الروحِ ، وقشرُ اللبِّ عنِ اللبُّ، فتكونَ ممَّنْ قِيَّدَهُ عالمُ الشهادةِ بالكليّةِ عنْ عالم الغيبِ ، وتحقَّقْ أنَّ الشيطانَ مِنَ المنظرينَ ، فلا يتواضعُ لكَ بالكفِّ عنِ الوسواسِ إلى يومِ الدينِ ، إلا أنْ تصبحَ وهمومُكَ همٍّ واحدٌ ، فتشغلَ قلبَكَ باللهِ وحدَهُ ، فلا يجدُ الملعونُ مجالاً فيكَ ، فعندَ ذلكَ تكونُ مِنْ عبادِ اللهِ ٠حة ٢ مدن ق ٢٥٤ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر المخلصينَ ، الداخلينَ في الاستثناءِ عنْ سلطنةِ هذا اللعينِ . ولا تظنَّنَّ أنَّهُ يخلو عنهُ قلبٌ فارغٌ ، بلْ هوَ سِيَّالٌ يجري مِنِ ابنِ آدمَ مجَرى الدم ، وسيلانُهُ مثلُ الهواءِ في القدح ، فإنَّكَ إنْ أردتَ أنْ يخلوَ القدحُ عنِ الهواءِ مِنْ غيرِ أنْ تشغلَهُ بالماءِ أوْ بغيرِهِ .. فقدْ طمعتَ في غيرِ مطمعٍ ، بلْ بقدرِ ما يخلو مِنَ الماءِ يدخلُ فيهِ الهواءُ لا محالةَ ، فكذلكَ القلبُ المشغولُ بفكرٍ مهمٌّ في الدينِ يخلو عنْ جولانِ الشياطينِ ، وإلا .. فمَنْ غفلَ عنِ اللهِ تعالى ولوْ في لحظةٍ فليسَ لهُ في تلكَ اللحظةِ قرينٌ إلا الشيطانُ ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَمُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَِّينٌ﴾ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يبغضُ الشابَّ الفارغَ))(١)، وهذا لأَنَّ الشابّ إذا تعطّلَ عنْ عملٍ يشغلُ باطنَهُ بمباحٍ يستعينُ بهِ على دينِهِ .. كانَ ظاهرُهُ فارغاً ، ولمْ يبقَ قلبُهُ فارغاً ، بلْ يعششُ فيهِ الشيطانُ ويبيضُ ويفرِّغُ ، ثمَّ تزدوجُ أفراخُهُ أيضاً وتبيضُ مرَّةً أخرى وتفرِّغُ ، وهكذا يتوالدُ نسلُ الشيطانِ توالداً أسرعَ مِنْ توالدِ سائرٍ الحيواناتِ ؛ لأنَّ طبعَهُ مِنَ النارِ ، وإذا وجدَ الحَلْفاءَ اليابسةَ .. كثرَ توالدُهُ، فلا يزالُ تتوالدُ النارُ مِنَ النارِ ، ولا تنقطعُ ألبتةَ ، بلْ تسري شيئاً فشيئاً على الاتصالِ ، فالشهوةُ في نفسٍٍ (١) قال الحافظ العراقي: (غريب لم أجده). («إتحاف)) (٣٣/٩)، وروى الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٢٢٩)، وأبو نعيم في « الحلية)) (١٣٠/١) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ( إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً ليس في أمر دنيا ولا آخرة ) . قمـ ٢٥٥ ـحة كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الشابِّ للشيطانِ كالحلفاءِ اليابسةِ للنارِ ، وكما لا تبقى النارُ إذا لمْ يبقَ لها قوتٌ وهوَ الحطبُ .. فلا يبقى للشيطانِ مجالٌ إذا لمْ تكنْ شهوةٌ . فإذاً؛ إذا تأمَّلتَ .. علمتَ أنَّ أعدى عدوِّكَ شهوتُكَ، وهيَ صفةٌ نفسِكَ ، ولذلكَ قالَ الحسينُ بنُ منصورِ الحلَّجُ حينَ كانَ يُصلبُ وقَدْ سُئِلَ عنِ التصوُّفِ ما هوَ؟ فقالَ: ( هيَ نفسُكَ، إنْ لمْ تشغلْها .. شغلَتْكَ)(١). فإِذاً ؛ حقيقةُ الصبرِ وكمالُهُ الصبرُ عنْ كلِّ حركةٍ مذمومةٍ ، وحركةُ الباطنِ أولى بالصبرِ عنْ ذلكَ، وهذا صبرٌ دائمٌ لا يقطعُهُ إلا الموتُ، نسالُ اللهَ حسنَ التوفيقِ بمنِّهِ وكرمِهِ . ـحن: (١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٢٨/٨). ٢٥٦ بجد ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر بيان دواء القبر وما يستعان بدعليه اعلمْ : أنَّ الذي أنزلَ الداءَ أنزلَ الدواءَ ووعدَ الشفاءَ ، فالصبرُ وإنْ كانَ شاقّاً أوْ ممتنعاً فتحصيلُهُ يمكنُ بمعجونِ العلمِ والعملِ ، فالعلمُ والعملُ هما الأخلاطُ التي منها تُركبُ الأدويةُ لأمراضٍ القلوبِ كلِّها ، ولكنْ يحتاجُ كلُّ مرضٍ إلى علمٍ آخرَ وعملٍ آخرٌ . وكما أنَّ أقسامَ الصبرِ مختلفةٌ فأقسامُ العللِ المانعةِ منهُ مختلفةٌ ، وإذا اختلفَتِ العللُ .. اختلفَ العلاجُ ؛ إذْ معنى العلاج مضادَّةُ العلَّةِ وقمعُها ، واستيفاءُ ذلكَ ممَّا يطولُ، ولكنَّا نعرِّفُ الطريقَ في بعض الأمثلةِ فنقولُ : إذا افتقرَ إلى الصبرِ عنْ شهوةِ الوقاع مثلاً وقدْ غلبَتْ عليهِ الشهوةُ بحيثُ ليسَ يملكُ معَها فرجَهُ ، أوْ يملكُ فرجَهُ ولكنْ ليسَ يملكُ عينَهُ ، أوْ يملكُ عينَهُ ولكنْ ليسَ يملكُ قلبَهُ ونفسَهُ ؛ إذْ لا تزالُ تحدّثُهُ بمقتضياتِ الشهوةِ ، ويصرفُهُ ذلكَ عنِ المواظبةِ على الذكرِ والفكرِ والأعمالِ الصالحةِ .. فنقولُ : ـيو. قدْ قدَّمنا أنَّ الصبرَ عبارةٌ عنْ مصارعةِ باعثِ الدينِ معَ باعثِ الهوى ، وكلُّ متصارعينٍ أردنا أنْ يغلبَ أحدُهُما الآخرَ فلا طريقَ لنا فيهِ إلا بتقويةٍ مَنْ أردنا أنْ تكونَ لهُ اليدُ العليا وتضعيفِ الآخرِ ، فلزمَنا ههنا تقويةُ باعثِ الدينِ وتضعيفُ باعثِ الشهوةِ . ٢٥٧ عے ? كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات حر ٠ ٦-٥.٠ -١١ فأمّا باعثُ الشهوةِ . . فسبيلُ تضعيفِهِ ثلاثةُ أمورٍ : أحدُها : أنْ ننظرَ إلى مادةٍ قوتِهِ ، وهيَ الأغذيةُ الطيِّةُ المحرِّكةُ للشهوةِ مِنْ حيثُ نوعُها ومِنْ حيثُ كثرتُها ، فلا بدَّ مِنْ قطعِها بالصومِ الدائمِ معَ الاقتصارِ عندَ الإفطارِ على طعامٍ قليلٍ في نفسِهِ ، ضعيفٍ في جنسِهِ ، فيحترزُ منِ اللحمِ والأطعمةِ المهيِّجةِ للشهوةِ . G والثاني : قطعُ أسبابِهِ المهيِّجةِ لهُ في الحالِ ، فإنَّهُ إنَّما يهيجُ بالنظرِ إلى مظانِّ الشهوةِ ؛ إذِ النظرُ يحرِّكُ القلبَ، والقلبُ يحرِّكُ الشهوةَ، وهذا يحصلُ بالعزلةِ ، والاحترازِ عنْ مظانٌّ وقوعِ البصرِ على الصورِ المشتهاةِ ، والفرار منها بالكليّةِ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((النظرةُ سهمٌ مسمومٌ مِنْ سهامٍ إبليسَ ))(١) ، وهذا سهمٌ يسدِّدُهُ الملعونُ ولا ترسَ يمنعُ منهُ إلا تغميضُ الأجفانِ ، أوِ الهربُ مِنْ صوبٍ رمِهِ ، فإنَّهُ إنَّما يرمي هذا السهمَ عنْ قوسِ الصورِ ، فإذا انفتلتَ عنْ صوْبِ الصورِ .. لمْ يصبْكَ وم سهمُهُ . سئن . والثالثُ : تسليةُ النفسِ بالمباحِ مِنَ الجنسِ الذي تشتهيهِ ، وذلكَ بالنكاح ، فإنَّ كلَّ ما يشتهيهِ الطبعُ ففي المباحاتِ مِنْ جنسِهِ ما يغني عنِ المحظوراتِ منهُ ، وهذا هوَ العلاجُ الأنفعُ في حقِّ الأكثرِ ، فإنَّ قطعَ الغذاءِ يضعفُ عنْ سائرِ الأعمالِ ، ثمَّ قدْ لا يقمعُ الشهوةَ في حقِّ أكثرِ الرجالِ ، (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٤/٤). ٢٥٨ فج ، جن جن" حن جنحن حن ربع المنجيات كن كتاب الصبر والشكر ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عليكُمْ بالباءةِ ، فمَنْ لمْ يستطعْ .. فعليهِ بالصوم؛ فإنَّ الصومَ لهُ وجاءٌ))(١). فهذهِ ثلاثةُ أسبابٍ ، فالعلاجُ الأوَّلُ - وهوَ قطعُ الطعامِ - يضاهي قطعَ العلفِ عنِ البهيمةِ الجموحِ وعنِ الكلبِ الضاري ليضعفَ فتسقطَ قوَّتُهُ ، والثاني يضاهي تغييبَ اللحمِ عن الكلبِ وتغييبَ الشعيرِ عنِ البهيمةِ حتَّى لا تتحرَّكَ بواطنُها بسببٍ مشاهدتِها ، والثالثُ يضاهي تسليتَها بشيءٍ قليلٍ ممَّا يميلُ إليهِ طبعُها حتَّى يبقىُ معَها مِنَ القوَّةِ ما تصبرُ بهِ على التأديبِ . وأمَّا تقويةُ باعثِ الدينِ .. فإنَّما تكونُ بطريقينِ : أحدُهُما : إطماعُهُ في فوائدِ المجاهدةِ وثمراتِها في الدينِ والدنيا ، وذلكَ بأنْ يكثرَ فكرُهُ في الأخبارِ التي أوردناها في فضلِ الصبرِ ، وفي حسنٍ عواقبهِ في الدنيا والآخرةِ ، وفي الأثرِ أنَّ ثوابَ الصبرِ على المصيبةِ أكثرُ ممَّا فاتَ(٢) ، وأنَّهُ بسببِ ذلكَ مغبوطٌ بالمصيبةِ؛ إذْ فاتَهُ ما لا يبقىُ معَهُ إلا مدَّةَ الحياةِ ، وحصلَ لهُ ما يبقىُ بعدَ موتِهِ أبدَ الآبادِ ، ومَنْ أسلمَ خسيساً في نفيسٍ .. فلا ينبغي أنْ يحزنَ لفواتِ الخسيسِ في الحالِ . وهذا مِنْ بابِ المعارفِ ، وهوَ مِنَ الإيمانِ ، فتارةً يضعفُ وتارةً (١) رواه الضياء في ((المختارة)) ( ١٨٥٣)، والطبراني في «الأوسط)) (٨١٩٩). (٢) لعله يشير إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما: ( ... ، وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، فله تسع مئة درجة)، وهو مروي في ((القوت)) (١٩٨/١). ٢٥٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات يقوىُ، فإنْ قويَ .. قويَ باعثُ الدينِ، وهيَّجَهُ تهييجاً شديداً، وإنْ ضعفَ .. ضعَّفَهُ، وإنَّما قوَّةُ الإيمانِ يُعبَّرُ عنها باليقينِ، وهوَ المحرِّكُ العزيمةِ الصبرِ ، وأقلُّ ما أُوتِيَ الناسُ اليقينُ وعزيمةُ الصبرِ(١) . والثاني : أنْ يعوِّدَ هذا الباعثَ مصارعةَ باعثِ الهوى تدريجاً ، قليلاً قليلاً، حتَّى يدركَ لذَّةَ الظفرِ بها، فيستجرىءَ عليها، وتقوى مُنَّتُهُ في مصارعتِها ؛ فإنَّ الاعتيادَ والممارسةَ للأعمالِ الشاقَّةِ تؤكِّدُ القوى التي تصدرُ منها تلكَ الأعمالُ ، ولذلكَ تزيدُ قوَّةُ الحمَّالينَ والفلَّحينَ والمقاتلينَ وبالجملةِ : فقوةُ الممارسينَ للأعمالِ الشاقَّةِ تزيدُ على قوَّةِ الخيَّاطِينَ والعطَّارينَ والفقهاءِ والصالحينَ ، وذلكَ لأنَّ قواهُمْ لمْ تتأكَّدْ بالممارسةِ . فالعلاجُ الأوَّلُ يضاهي إطماعَ المصارع في الخلعةِ عندَ الغلبةِ ، ووعدَهُ بأنواع الكرامةِ ؛ كما وعدَ فرعونُ سحرتَهُ عندَ إغرائِهِ إِيَّاهُمْ بموسى عليهِ السلامُ حيثُ قالَ : ﴿ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُفَرِِّينَ﴾ . والثاني يضاهي تعويدَ الصبيِّ الذي يُرادُ منهُ المصارعةُ والمقاتلةُ بمباشرةٍ أسبابِ ذلكَ منذُ الصبا حتَّى يأنسَ بهِ ، ويستجرىءَ عليهِ، وتقوى فيهِ مُنَّهُ ، فمَنْ تركَ بالكليّةِ المجاهدةَ بالصبرِ .. ضعفَ فيهِ باعثُ الدينِ ، ولا يقوى على الشهوةِ وإِنْ ضعفَتْ ، ومَنْ عوَّدَ نفسَهُ مخالفةَ الهوى .. غلبَها مهما أرادَ . فهذا منهاجُ العلاجِ في جميع أنواع الصبرِ ، ولا يمكنُ استيفاؤُهُ ، وإنَّما (١) قوت القلوب (٩٤/١). 1 ٢٦٠ جـ