النص المفهرس

صفحات 221-240

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
ماذا ينفعُكَ وقدِ انتثرَتْ حواسُّكَ التي بها تنتفعُ بالنظرِ إلى الكواكبِ ، والأعمى
يستوي عندَهُ الليلُ والنهارُ ، وكسوفُ الشمسِ وانجلاؤُها ؛ لأنَّها قدْ كسفَتْ في
حقٌّه دفعةً واحدةً ، وهوَ حصتُهُ منها ، فالانجلاءُ بعدَ ذلكَ حصَّةُ غيرِهِ ، ومَنِ
انشقَّ رأسُهُ .. فقدِ انشقَّتْ سماؤُهُ ؛ إِذِ السماءُ عبارةٌ عمَّا يلي جهةَ الرأسِ ، فَمَنْ
لا رأسَ لهُ لا سماءَ لهُ، فمِنْ أينَ ينفعُهُ بقاءُ السماءِ لغيرِهِ ؟!
فهذهِ هيَ القيامةُ الصغرى ، والخوفُ بعدُ أسفلَ ، والهولُ بعدُ مدَّخرٌ ،
وذلكَ إذا جاءَتِ الطامَّةُ الكبرى ، وارتفعَ الخصوصُ ، وبطلَتِ السماواتُ
والأرضُ، ونُسفَتِ الجبالُ، وتمَّتِ الأهوالُ .
واعلمْ : أنَّ هذهِ الصغرى وإنْ طوَّلنا في وصفِها فإنَّا لمْ نذكرْ عُشْرَ عَشِيرٍ
أوصافِها ، وهيَ بالنسبةِ إلى القيامةِ الكبرى كالولادةِ الصغرى بالنسبةِ إلى
الولادةِ الكبرى ، فإنَّ للإنسانِ ولادتينِ ؛ إحداهما الخروجُ مِنَ الصلبِ
والترائبٍ إلى مستودعِ الأرحامِ ، فهوَ في الرحمِ في قرارٍ مكينٍ إلى قدَرٍ
معلومٍ ، ولهُ في سلوكِهِ إلى الكمالِ منازلُ وأطوارٌ ؛ مِنْ نطفةٍ ، وعلقةٍ ،
ومضغةٍ ، وغيرِها ، إلى أنْ يخرجَ مِنْ مضيقِ الرحمِ إلى فضاءِ العالمِ ، فنسبةً
عمومِ القيامةِ الكبرى إلى خصوصِ القيامةِ الصغرىُ كنسبةِ سَعَةِ فضاءِ العالمِ
إلى سعةِ فضاءِ الرحمِ ، ونسبةُ سعةِ العالمِ الذي يقدمُ عليهِ العبدُ بالموتِ إلى
سعةٍ فضاءِ الدنيا كنسبةِ فضاءِ الدنيا أيضاً إلى الرحمِ ، بلْ أوسعُ وأعظمُ ،
فقسِ الآخرةَ بالأولى ، فما خلقُكُمْ ولا بعتُكُمْ إلا كنفسٍ واحدةٍ ، وما النشأةُ
الثانيةُ إلا على قياسِ النشأةِ الأولىُ ، بلْ أعدادُ النشآتِ ليسَتْ محصورةً في
٢٢١

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
مصر
اثنتينِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَنُنْشِتَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فالمقرُّ بالقيامتينِ مؤمنٌ بعالمِ الغيبِ والشهادةِ ، وموقنٌ بالمُلْكِ
والملكوتِ ، والمقرُّ بالقيامةِ الصغرى دونَ الكبرىُّ ناظرٌ بالعينِ العوراءِ إلى
أحدِ العالمينِ ، وذلكَ هوَ الجهلُ والضلالُ ، والاقتداءُ بالأعورِ الدجّالِ ،
فما أعظمَ غفلتَكَ يا مسكينُ - وكلُّنا ذلكَ المسكينُ - وبينَ يديكَ هذهِ
الأهوالُ ، فإنْ كنتَ لا تؤمنُ بالقيامةِ الكبرى للجهلِ والضلالِ .. أفلا تكفيكَ
دلالةُ القيامةِ الصغرىُ ؟!
أوَما سمعتَ قولَ سيِّدِ الأنبياءِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كفى بالموتِ
واعظاً))؟!(١) .
أوَما سمعتَ بكرِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عندَ الموتِ حتَّى قالَ :
((اللهمَّ ؛ هوِّنْ على محمدٍ سكراتِ الموتِ))؟! (٢).
(١) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤١٠)، والبيهقي في (( الشعب))
( ١٠٠٧٢ ) .
(٢) رواه الترمذي (٩٧٨)، وابن ماجه (١٦٢٣) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت :
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في
القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: ((اللهم ؛ أعني على غمرات الموت أو سكرات
الموت )) .
وروى البخاري (٤٤٤٦)، والنسائي (٦/٤) واللفظ له ، عن عائشة رضي الله عنها
قالت : ( مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي ، فلا أكره شدة
الموت لأحد بعدما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
٢٢٢

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
أَوَما تستحي مِنِ استبطائِكَ هجومَ الموتِ اقتداءً برعاع الغافلينَ الذينَ
لا ينظرونَ إلا صيحةً واحدةً تأخذُهُمْ وهُمْ يخصِّمونَ ، فلا يستطيعونَ توصيةً
ولا إلى أهلِهِمْ يرجعونَ ، فيأتيهِمُ المرضُ نذيراً مِنَ الموتِ فلا ينزجرونَ ،
ويأتيهِمُ الشيبُ رسولاً منهُ فما يعتبرونَ ؟!
فيا حسرةً على العبادِ ، ما يأتيهِمْ مِنْ رسولٍ إلا كانوا بهِ يستهزئونَ ،
أفيظنُّونَ أَنَّهُمْ في الدنيا خالدونَ ؟!
أوَلمْ يَرَوا كمْ أهلكنا قبلَهُمْ مِنَ القرونِ أنَّهُمْ إليهِمْ لا يرجعونَ ؟!
أمْ يحسبونَ أنَّ الموتى سافروا مِنْ عندِهِمْ فهمْ معدومونَ ؟!
كلا ، إنْ كلٌّ لمَّا جميعٌ لدينا محضرونَ ، ولكنْ ما تأتيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ
ربِّهِمْ إلا كانوا عنها معرضينَ ، وذلكَ لأنَّا جعلنا مِنْ بينِ أيديهِمْ سدّاً ومِنْ
خلفِهِمْ سدّاً ، فأغشيناهُمْ فَهُمْ لا يبصرونَ ، وسواءٌ عليهِمْ أأنذرتَهُمْ أمْ لمْ
تنذرهُمْ لا يؤمنونَ .
ولنرجعْ إلى الغرضِ ، فإنَّ هذهِ تلويحاتٌ تشيرُ إلى أمورٍ هيَ أعلىُ مِنْ
علوم المعاملةِ ، فنقولُ :
قدْ ظهرَ أنَّ الصبرَ عبارةٌ عنْ ثباتِ باعثِ الدينِ في مقاومةِ باعثِ الهوى ،
وهذهِ المقاومةُ مِنْ خاصَّةِ الآدميينَ ؛ لما وُكِلَ بِهِمْ مِنَ الكرامِ الكاتبينَ ،
ولا يكتبانِ شيئاً على الصبيانِ والمجانينِ ؛ إذْ قدْ ذكرنا أنَّ الحسنةَ في الإقبالِ
على الاستفادةِ منهما ، والسيئةَ في الإعراضِ عنهما ، وما للصبيانِ
ق
٢٢٣
حن حن جن ح

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
ئن
والمجانينِ سبيلٌ إلى الاستفادةِ ، فلا يُتصوَّرُ منهما إقبالٌ وإعراضٌ ، وهما
لا يكتبانِ إلا الإقبالَ والإعراضَ مِنَ القادرينَ على الإقبالِ والإعراضِ .
ولعمري ؛ إنَّهُ قدْ تظهرُ مبادي إشراقِ نورِ الهدايةِ عندَ سنِّ التمييزِ ،
وتنمو على التدريجِ إلى سنِّ البلوغِ ؛ كما يبدو نورُ الصبحِ إلى أنْ يطلعَ قرصُ
الشمسِ ، ولكنَّها هدايةٌ قاصرةٌ لا ترشدُ إلى مضارِّ الآخرةِ ، بلْ إلى مضارٍّ
الدنيا ، فلذلكَ يُضربُ على تركِ الصلواتِ ناجزاً ولا يُعاقبُ في الآخرةِ ،
ولا يُكتبُّ عليهِ مِنَ الصحائفِ ما يُنشرُ في الآخرةِ ، بلْ على القيِّمِ العدْلِ ،
والوليِّ البرِّ الشفيقِ ، إنْ كانَ مِنَ الأبرارِ ، وكانَ على سمتِ الكرامِ البررةِ
الأخيار .. أنْ يكتبَ على الصبيِّ سيئتهُ وحسنتَهُ على صحيفةِ قلبهِ ، فيكتبُهُ
عليهِ بالحفظِ ، ثمَّ ينشرُهُ عليهِ بالتعريفِ ، ثمَّ يعذِّبُهُ عليهِ بالضربِ ، فكلُّ
وليٍّ هذا سمتُهُ في حقِّ الصبيِّ فقدْ ورثَ أخلاقَ الملائكةِ ، واستعملَها في
حقِّ الصبيِّ ، فينالُ بها درجةَ القرْبِ مِنْ ربِّ العالمينَ كما نالَتْهُ الملائكةُ ،
فيكونُ معَ النبيِّينَ والمقرَّبينَ والصدِّيقينَ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( أنا وكافلُ اليتيم كهاتينٍ في الجنَّةِ )) وأشارَ إلى إصبعيهِ الكريمتينِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) .
جر
(١) رواه البخاري (٥٣٠٤)، والترمذي (١٩١٨) بنحوه .
٢٢٤

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
حر
بيان كون الصّبر نصف الإيمان
اعلمْ : أنَّ الإيمانَ تارةً يختصُّ في إطلاقِهِ بالتصديقاتِ بأصولِ الدينِ ،
وتارةٌ يُخصُّ بالأعمالِ الصالحةِ الصادرةِ منها ، وتارةً يُطلقُ عليهما جميعاً .
وللمعارفِ أبوابٌ، وللأعمالِ أبوابٌ ، ولاشتمالِ لفظِ الإيمانِ على
جميعِها كانَ الإيمانُ نِيِّقاً وسبعينَ باباً ، واختلافُ هذهِ الإطلاقاتِ ذكرناهُ في
كتابِ قواعدِ العقائدِ مِنْ ربع العباداتِ ، ولكنَّ الصبرَ نصفُ الإيمانِ
باعتبارينِ ، وعلى مقتضى إطلاقينِ :
أحدُهُما : أنْ يُطلقَ على التصديقاتِ والأعمالِ جميعاً ، فيكونَ للإيمانِ
ركنانِ : أحدُهُما اليقينُ، والآخرُ الصبرُ، والمرادُ باليقينِ : المعارفُ
القطعيَّةُ الحاصلةُ بهدايةِ اللهِ تعالى عبدَهُ إلى أصولِ الدينِ ، والمرادُ بالصبرِ :
العملُ بمقتضى اليقينِ ؛ إذِ اليقينُ يعرِّفُهُ أنَّ المعصيةَ ضارَّةٌ ، والطاعةَ نافعةٌ ،
ولا يمكنُ تركُ المعصيةِ والمواظبةُ على الطاعةِ إلا بالصبرِ ، وهوَ استعمالُ
باعثِ الدينِ في قهرِ باعثِ الهوى والكسلِ ، فيكونُ الصبرُ نصفَ الإيمانِ
بهذا الاعتبارِ .
ولهذا جمعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَهُما فقالَ: (( مِنْ أقلِّ
ما أُوتِيتُمُ اليقينُ وعزيمةُ الصبرِ ... )) الحديثَ إلى آخرِهِ(١).
(١) قوت القلوب (١٩٤/١).
G؟
٢٢٥
حن
حنحن فخ حن جرة

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
حر
الاعتبارُ الثاني : أنْ يُطلقُّ على الأحوالِ المثمرةِ للأعمالِ لا على
المعارفِ ، وعندَ ذلكَ ينقسمُ جميعُ ما يلاقيهِ العبدُ إلى ما ينفعُهُ في الدنيا
والآخرةِ أوْ يضرُّهُ فيهما ، ولهُ بالإضافةِ إلى ما يضرُّهُ حالُ الصبرِ ، وبالإضافةِ
إلى ما ينفعُهُ حالُ الشكرِ ، فيكونُ الشكرُ أحدَ شطري الإيمانِ بهذا الاعتبارِ
كما كانَ اليقينُ أحدَ الشطرينِ بالاعتبارِ الأوَّلِ .
وبهذا النظرِ قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( الإيمانُ نصفانِ : نصفٌ
صبرٌ، ونصفٌ شكرٌ)، وقدْ يُرفعُ أيضاً إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ(١).
ولمَّا كانَ الصبرُ صبراً عنْ بواعثِ الهوىُ بثباتِ باعثِ الدينِ ، وكانَ باعثُ
الهوى قسمينِ ؛ باعثٌ مِنْ جهةِ الشهوةِ ، وباعثٌ مِنْ جهةِ الغضبِ ،
فالشهوةُ لطلبِ اللذيذِ ، والغضبُ للهربِ مِنَ المؤلمٍ ، وكانَ الصومُ صبراً
عنْ مقتضى الشهوةِ فقطْ ، وهيَ شهوةُ البطنِ والفرْجِ دونَ مقتضى الغضبِ ..
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بهذا الاعتبارِ: ((الصومُ نصفُ الصبرِ))(٢)؛ لأنَّ
كمالَ الصبرِ بالصبرِ عنْ دواعي الشهوةِ ودواعي الغضبِ جميعاً ، فيكونُ
الصومُ بهذا الاعتبارِ ربعَ الإيمانِ .
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٤/٩) بنحوه .
(٢) رواه الترمذي (٣٥١٩)، وابن ماجه (١٧٤٥).
٢٢٦
جن جن جن جن بجن حن حن

ربع المنجيات
ميد
حن
كتاب الصبر والشكر
فهكذا ينبغي أنْ تفهمَ تقديراتِ الشرع بحدودِ الأعمالِ والأحوالِ ونسبتِها
إلى الإيمانِ ، والأصلُ فيهِ : أنْ تعرفَ كثرةَ أبوابِ الإيمانِ، وأنَّ اسمَ
الإيمانِ يُطلقُ على وجوهٍ مختلفةٍ .
٠٥٨
٢٢٧
مضان ٥٥٠ ٥٥٠

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
بيان الأسامي التي تُجد والصبر بالإضافة إلى ما عنده القير
اعلمْ : أنَّ الصبرَ ضربانِ :
أحدهما : ضربٌ بدنيٌّ ؛ كتحمُّلِ المشاقِّ بالبدنِ والثباتِ عليها ، وهوَ إِمَّا
بالفعلِ ؛ كتعاطي الأعمالِ الشاقَّةِ إمَّا مِنَ العباداتِ أَوْ مِنْ غيرِها ، وإمَّا
بالاحتمالِ ؛ كالصبرِ على الضربِ الشديدِ والمرضِ العظيمِ والجراحاتِ
الهائلةِ ، وذلكَ قدْ يكونُ محموداً إذا وافقَ الشرعَ .
ولكنَّ المحمودَ التامّ هوَ :
الضربُ الآخرُ : وهوَ الصبرُ النفسيُّ عنْ مشتهياتِ الطبع ومقتضياتٍ
الهوى .
ثمَّ هذا الضربُ إنْ كانَ صبراً عنْ شهوةِ البطنِ والفرج .. سُمِّيَ عفةٌ ،
وإنْ كانَ عنِ احتمالٍ مكروهٍ .. اختلفَتْ أساميهِ عندَ الناسِ باختلافِ المكروهِ
الذي عليهِ الصبرُ .
فإنْ كانَ في مصيبةٍ .. اقتصرَ على اسمِ الصبرِ، وتضادُّهُ حالةٌ تُسمَّى
الجزعَ والهلعَ ؛ وهوَ إطلاقُ داعي الهوى ليسترسلَ في رفع الصوتِ وضربٍ
الخدودِ وشقِّ الجيوبِ وغيرِها .
وإنْ كانَ في احتمالِ الغنى .. سُمِّيَ ضبطَ النفسِ، وتضادُّهُ حالةٌ تُسمَّى
البطرَ .
٢٢٨

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
وإنْ كانَ في حربٍ ومقاتلةٍ .. سُمِّيَ شجاعةٌ ، ويضادُّهُ الجبنُ .
وإنْ كانَ في كظم الغيظِ والغضبِ سُمِّيَ حلماً ، ويضادُّهُ التذقُرُ .
وإنْ كانَ في نائبةٍ مِنْ نوائبِ الزمانِ مضجرةٍ .. سُمِّيَ سعةَ الصدرِ ،
ويضادُّهُ الضجرُ والتبرُّمُ وضيقُ الصدرِ .
وإنْ كانَ في إخفاءِ كلام .. سُمِّي كتمانَ السرِّ، وسُمِّي صاحبُهُ كَتُوماً .
وإنْ كانَ عنْ فضولِ العيشِ .. سُمِّيَ زهداً، ويضادُّهُ الحرصُ .
وإنْ كانَ صبراً على قدْرٍ يسيرٍ مِنَ الحظوظِ .. سُمِّي قناعةٌ، ويضادُّهُ
الشرهُ .
فأكثرُ أخلاقِ الإيمانِ داخلٌ في الصبرِ ، ولذلكَ لمَّا سُئِلَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ مرَّةً عنِ الإيمانِ .. قالَ: ((هوَ الصبرُ))(١)؛ لأنَّهُ أكثرُ أعمالِهِ
وأعزُّها؛ كما قالَ: ((الحجُّ عرفةُ))(٢) .
وقدْ جمعَ اللهُ تعالى أقسامَ ذلكَ وسمَّى الكلَّ صبراً ، فقال تعالى :
﴿وَالصَِّرِينَ فِى الْبَأْسَآءِ﴾ أي: المصيبةِ، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: الفقرِ، ﴿وَحِينَ
الْبَأْسِ﴾ أي: المحاربةِ، ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾.
فإذاً؛ هذِهِ أقسامُ الصبرِ باختلافِ متعلَّقَاتِها، ومَنْ يأخذُ المعانيَ مِنَ
(١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٨٥٤)، والطبراني في ((مكارم الأخلاق)) (٣١).
(٢) رواه أبو داوود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٢٥٦/٥).
٢٢٩

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
الأسامي يظنُّ أنَّ هذهِ أحوالٌ مختلفةٌ في ذواتِها وحقائقِها مِنْ حيثُ رأى
الأساميَ مختلفةً ، والذي يسلكُ الطريقَ المستقيمَ وينظرُ بنورِ اللهِ .. يلحظُ
المعانيَ أوَّلاً ، فيطلعُ على حقائقِها، ثمَّ يلاحظُ الأساميَ ؛ فإنَّها وُضعَتْ
دلالةٌ على المعاني ، فالمعاني هيَ الأصولُ ، والألفاظُ هيَ التوابعُ ، ومَنْ
يطلبُ الأصولَ مِنَ التوابع .. لا بدَّ وأنْ يزلَّ، وإلى الفريقينِ الإشارةُ بقولِهِ
تعالى: ﴿أَفَنَ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهِ، أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فإنَّ
الكفارَ لمْ يغلطوا فيما غلطوا فيهِ إلا بمثلِ هذهِ الانعكاساتِ ، نسالُ اللهَ حسنَ
التوفيقِ بکرمِهِ ولطفِهِ .
من
٢٣٠
حر

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
بيان نقشام الصبر بحسب اختلاف القوّة والضّعف
اعلمْ : أنَّ باعثَ الدينِ بالإضافةِ إلى باعثِ الهوى لهُ ثلاثةُ أحوالٍ :
أحدُها : أنْ يقهرَ داعيَ الهوى فلا تبقى لهُ قوَّةُ المنازعةِ :
ويتوصَّلُ إليهِ بدوام الصبرِ ، وعندَ هذا يقالُ : ( مَنْ صبرَ .. ظفرَ ) ،
والواصلونَ إلى هذهِ الرتبةِ همُّ الأقلُّونَ ، فلا جرمَ همُ الصدِّيقونَ المقرَّبونَ ،
الذينَ قالوا : ( ربّنا اللهُ) ثمّ استقاموا ، فهؤلاءِ لازموا الطريقَ المستقيمَ ،
واستوَوا على الصراطِ القويمٍ ، واطمأنَّتْ نفوسُهُمْ على مقتضى بواعثٍ
الدينِ، وإِيَّاهُمْ ينادي المنادي: ﴿يَأَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ : أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةٌ
تَرْضِيَّةٌ﴾ .
الحالةُ الثانيةُ : أنْ تغلبَ دواعي الهوى وتسقطَ بالكليّةِ منازعةُ باعثِ الدينِ :
فيسلِمُ نفسَهُ إلى جندِ الشياطينِ ، ولا يجاهدُ ليأسِهِ منَ المجاهدةِ ،
وهؤلاءِ همُ الغافلونَ ، وهم الأكثرونَ ، وهمُ الذينَ استرقَّتْهُمْ شهواتُهُمْ،
وغلبَتْ عليهِمْ شِقْوتُهُمْ، فحكَّموا أعداءَ اللهِ في قلوبِهِمُ التي هيَ سرٍّ مِنْ
أسرارِ اللهِ تعالى، وأمرٌ مِنْ أمورِ اللهِ، وإليهِمُ الإشارةُ بقولهِ تعالى: ﴿ وَلَوْ
شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنِهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وهؤلاءِ همُ الذينَ اشترَوُا الحياةَ الدنيا بالآخرةِ،
قه
٢٣١
بجن حن حن جن جن

کتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
فخسرَتْ صفقتُهُمْ، وقيلَ لمَنْ قصدَ إرشادَهُمْ: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ
يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا (٢): ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾.
وهذهِ الحالةُ علامتُها اليأسُ والقنوطُ والغرورُ بالأمانِيِّ، وهوَ غايةُ
الحمقِ، كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( الكيِّرُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعملَ لما
بعدَ الموتِ، والأحمقُ مَنْ أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على اللهِ))(١) .
وصاحبُ هذهِ الحالةِ إذا وُعِظَ .. قالَ : ( أنا مشتاقٌ إلى التوبةِ ، ولكنَّها
قدْ تعذَّرَتْ عليَّ، فلستُ أطمعُ فيها ) ، أَوْ لمْ يكنْ مشتاقاً إلى التوبةِ ، ولكنْ
قالَ : (إنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ كريمٌ ، فلا حاجةَ بهِ إلى توبتي ) .
وههذا المسكينُ قدْ صار عقلُهُ رقيقاً لشهوتِهِ ، فلا يستعملُ عقلَهُ إلا في
استنباطِ دقائقِ الحيلِ التي بها يتوصَّلُ إلى قضاءِ شهوتِهِ ، فقدْ صارَ عقلُهُ في
يدِ شهواتِهِ كمسلمٍ أسيرٍ في أيدي الكفارِ ، فَهُمْ يَستَسْخِرُونَهُ في رعايةِ
الخنازيرِ ، وحفظِ الخمورِ وحملِها ، ومحلُّهُ عندَ اللهِ تعالى محلُّ مَنْ يقهرُ
مسلماً ويسلمُهُ إلى الكفارِ ويجعلُهُ أسيراً عندَهُمْ؛ لأنَّ تفاحشَ جنايتِهِ سببُهُ
أنَّهُ سخَّرَ ما كانَ حقُّهُ ألا يستسخرَهُ(٢) وسلَّطَ ما حقُّهُ أنْ يُتَسلَّطَ عليهِ، وإنَّما
(١) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، وفيهما: ((العاجز)) بدل
((الأحمق))، وورد لفظ (الأحمق) عند ابن سلام في ((غريب الحديث))
(١٣٤/٣)، دان نفسه: جعلها منقادة مطيعة لربِّها تعالى، وتمنَّى على الله : فهو مع
تقصيره في طاعة الله واتباع الشهوات .. لا يعتذر ولا يرجع ، بل يتمنى على الله العفو
والجنة مع الإصرار وترك التوبة والاستغفار. انظر ((الإتحاف)) (٤٤/٧).
(٢) في النسخ: (أن يستسخر) بدل (ألا يستسخره)، والمثبت من نسخة الحافظ الزبيدي .
٢٣٢

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
استحقَّ المسلمُ أنْ يكونَ متسلُّطاً لما فيهِ مِنْ معرفةِ اللهِ وباعثِ الدينِ ، وإنَّما
استحقَّ الكافرُ أن يكونَ متسلَّطاً عليهِ لما فيهِ مِنَ الجهلِ بالدينِ وباعثِ
الشياطينِ ، وحقُّ المسلمِ على نفسِهِ أوجبُ مِنْ حقِّ غيرِهِ عليهِ، فمهما سخّرَ
المعنى الشريفَ الذي هوَ مِنْ حزبِ اللهِ وجندِ الملائكةِ للمعنى الخسيسِ الذي
هوَ مِنْ حزبِ الشياطينِ المبعدينَ عنِ اللهِ تعالى .. كانَ كمَنْ أرقَّ مسلماً
الكافرٍ ، بلْ هوَ كمَنْ قصدَ الملكَ المنعِمَ عليهِ فأخذَ أعزَّ أولادِهِ وسلَّمَهُ إلى
أبغضٍ أعدائِهِ .
فانظر كيفَ يكونُ كفرانُهُ لنعمتِهِ ، واستيجابُهُ لنقمتِهِ ؛ لأنَّ الهوى أبغضُ
إلهٍ عُبِدَ في الأرضِ عندَ اللهِ تعالى، والعقلَ أعزُّ موجودٍ خُلِقَ على وجهِ
الأرضِ .
جن:
همنهمن
جـ
الحالةُ الثالثةُ: أنْ تكونَ الحربُ سِجالاً بينَ الجندينِ ، فتارةً لهُ اليدُ عليها ،
وتارةً لها علیهِ :
وهذا مِنَ المجاهدينَ يُعدُّ مثلُهُ لا مِنَ الظافرينَ، وأهلُ هذهِ الحالةِ همُ
الذينَ خلطوا عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً ، عسى اللهُ أنْ يتوبَ عليهِمْ .
هذا باعتبارِ القوَّةِ والضعفِ .
ويتطرّقُ إليهِ أيضاً ثلاثةُ أحوالٍ باعتبارِ عددٍ ما يُصبرُ عنهُ؛ فإنَّهُ إِمَّا أنْ
يغلبَ جميعَ الشهواتِ ، أَوْ لا يغلبَ شيئاً منها ، أوْ يغلبَ بعضَها دونَ
٢٣٣

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
ـS
بعضٍ، وتنزيلُ قولِهِ تعالى: ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَبِئًا﴾ على مَنْ عجزَ
عنْ بعضِ الشهواتِ دونَ بعضٍ أولىُ ، والتاركونَ للمجاهدةِ معَ الشهواتِ
مطلقاً يُشبَّهون بالأنعام ، بلْ هُمْ أضلُّ سبيلاً ؛ إذِ البهيمةُ لمْ تُخلقْ لها المعرفةُ
والقدرةُ التي بها تجاهدُ مقتضى الشهواتِ، وهذا قدْ خُلِقَ ذلكَ لهُ ولكنْ
عطّلَهُ، فهوَ الناقصُ حقّاً ، المدبرُ يقيناً، ولذلكَ قيلَ(١):
[من الوافر]
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْباً كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
وينقسمُ الصبرُ أيضاً باعتبارِ اليسرِ والعسرِ إلى ما يشقُّ على النفسِ فلا
يمكنُ الدوامُ عليهِ إلا بجهدٍ جهيدٍ وتعبٍ شديدٍ ، ويُسمَّى ذلك تصبُّراً ، وإلى
ما يكونُ مِنْ غيرِ شدَّةٍ تعبٍ ، بلْ يحصلُ بأدنى تحاملٍ على النفسِ ، ويُخصُّ
ذلكَ باسمِ الصبرِ ، وإذا دامَ التقوى وقويَ التصديقُ بما في العاقبةِ مِنَ
الحسنى .. تيسَرَ الصبرُ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّفَى ١٣هي﴾﴾ وَصَدَّقَ
بِالْحُسْنَى ﴾ فَسَيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
حن
ومثالُ هذهِ القسمةِ قدرةُ المصارع على غيرِهِ ؛ فإنَّ الرجلَ القويَّ يقدرُ
على أنْ يصرِعَ الضعيفَ بأدنى حملةٍ وأيسرٍ قوَّةٍ ، بحيثُ لا يلقاهُ في مصارعتِهِ
إعياءٌ ولا لغوبٌ، ولا تضطربُ فيهِ نفسُهُ ولا ينبهرُ ، ولا يقوى على أنْ
يصرعَ الشديدَ إلا بتعبٍ ومزيدٍ جهدٍ وعرقٍ جبينٍ ، فهكذا تكونُ المصارعةُ
(١) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (١٤٥/٤).
٢٣٤
حن

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
بين باعثِ الدينِ وباعثِ الهوى ، فإنَّه على التحقيقِ صراعٌ بينَ جنودِ الملائكةِ
وجنودِ الشياطينِ ، ومهما أذعنَتِ الشهواتُ وانقمعَتْ، وتسلَّطَ باعثُ الدينِ
واستولىُ ، وتيسَّرَ الصبرُ بطولِ المواظبةِ .. أورثَ ذلكَ مقامَ الرضا كما
سيأتي في كتابِ الرضا، فالرضا أعلىُ مِنَ الصبرِ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((اعبدِ اللهَ على الرضا، فإنْ لمْ تستطعْ .. ففي الصبرِ على
ما تكرهُ خيرٌ كثيرٌ))(١) .
وقالَ بعضُ العارفينَ : ( أهلُ الصبرِ على ثلاثٍ مقاماتٍ ؛ أوَّلُها : تركُ
الشكوى ، وهذهِ درجةُ التائبينَ ، والثانيةُ: الرضا بالمقدورِ ، وهذهِ درجةٌ
الزاهدينَ ، والثالثةُ: المحبةُ لما يصنعُ بهِ مولاهُ، وهذهِ درجةٌ
الصدِّيقينَ )(٢).
وسنبيِّنُ في كتابِ المحبَّةِ أنَّ مقامَ المحبَّةِ أعلى مِنْ مقام الرضا ؛ كما أنَّ
مقامَ الرضا أعلىُ مِنْ مقام الصبرِ ، وكأنَّ هذا الانقسامَ يجري في صبرٍ
خاصٌّ ، وهوَ الصبرُ على المصائبِ والبلايا .
واعلمْ : أنَّ الصبرَ أيضاً ينقسمُ باعتبارِ حكمِهِ إلى فرضٍ، ونفلٍ ،
ومكروه ، ومحرَّمٍ .
فالصبرُ عنِ المحظوراتِ فرضٌ ، وعلى المكارهِ نفلٌ ، والصبرُ على
(١) رواه الضياء في ((المختارة)) (١٤)، وأحمد في ((المسند)) (٣٠٧/١).
(٢) قوت القلوب (١٩٩/١).
٢٣٥
جن

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
1
ـر:
الأذى المحظور محظورٌ ؛ كمَنْ تُقطعُ يدُهُ أوْ يدُ ولدِهِ وهوَ يصبرُ عليهِ ساكتاً ،
وكمَنْ يُقصدُ حريمُهُ بشهوةٍ محظورةٍ فتهيجُ غيرتَهُ ، فيصبرُ عنْ إظهارِ الغيرةِ ،
ويسكتُ على ما يجري علىُ أهلِهِ ، فهذا الصبرُ محرَّمٌ ، والصبرُ المكروهُ هوَ
الصبرُ على أذىّ ينالُهُ بجهةٍ مكروهةٍ في الشرعِ .
فليكنِ الشرعُ محكَّ الصبرِ ، فكونُ الصبرِ نصفَ الإيمانِ لا ينبغي أنْ
يُخيَّلَ إليكَ أنَّ جميعَهُ محمودٌ ، بلِ المرادُ بهِ أنواعٌ مِنَ الصبرِ مخصوصةٌ .
٢٣٦

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
بيان مظان الحاجة إلى القبر
وأن العبد لايستغنى عنه في حال من الأحوال
اعلمْ : أنَّ جميعَ ما يلقى العبدُ في هذهِ الحياةِ لا يخلو مِنْ نوعينِ :
أحدُهُما : هوَ الذي يوافقُ هواهُ .
والآخرُ : هو الذي لا يوافقُهُ بلْ يكرهُهُ .
وهوَ محتاجٌ إلى الصبرِ في كلِّ واحدٍ منهُما ، وهوَ في جميع الأحوالِ
لا يخلو عنْ أحدِ هذينِ النوعينِ أوْ عنْ كليهِما ، فهو إذاً لا يستغني قطّ عن
الصبر .
النوعُ الأوّلُ : ما يوافقُ الهوى :
وهوَ الصحةُ ، والسلامةُ ، والمالُ ، والجاهُ ، وكثرةُ العشيرةِ ، واتساعُ
الأسبابِ ، وكثرةُ الأتباعِ والأنصارِ ، وجميعُ ملاذٌ الدنيا ، وما أحوجَ العبدَ
إلى الصبرِ على هذهِ الأمورِ ؛ فإنَّهُ إنْ لمْ يضبط نفسَهُ عنِ الاسترسالِ
والركونِ إليها ، والانهماكِ في ملاذُها المباحةِ منها .. أخرجَهُ ذلكَ إلى البطرِ
والطغيانِ ، فإنَّ الإنسانَ ليطغى أنْ رآهُ استغنى، حتَّى قالَ بعضُ العارفينَ :
( البلاءُ يصبرُ عليهِ المؤمنُ، والعوافي لا يصبرُ عليها إلا صدِّيقٌ)(١).
(١) قوت القلوب (١٩٧/١)، والسياق عنده .
٢٣٧
حر

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
م ٦ سوي
وقالَ سهلٌ : ( الصبرُ على العافيةِ أشدُّ مِنَ الصبرِ على البلاءِ)(١).
ولمَّا فُتَحَتْ أبوابُ الدنيا على الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ .. قالوا : ( ابتلينا
بفتنةِ الضرَّاءِ فصبرنا ، وابتلينا بفتنةِ السرَّاءِ فلمْ نصبرْ )(٢).
ولذلكَ حذَّرَ اللهُ تعالى عبادَهُ مِنْ فتنةِ المالِ والزوجِ والولدِ فقالَ جلَّ
ثناؤُهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَآ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الَّهِ﴾.
وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ
فَاحْذَرُوهُمْ﴾ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الولدُ مبخلةٌ مجبنةٌ محزنةٌ))(٣).
ولمَّا نظرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى ابنِهِ الحسنِ رضيَ اللهُ عنهُ
يتعثَّرُ في قميصِهِ .. نزلَ عنِ المنبرِ واحتضنَهُ ثمَّ قالَ: ((صدقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَاً
أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَئِدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، إنِّي لمَّا رأيتُ ابني يتعثَّرُ .. لمْ أملكْ نفسي أنْ
أخذتُهُ »(٤).
ففي ذلكَ عبرةٌ لأولي الأبصارِ .
فالرجلُ كلُّ الرجلِ مَنْ يصبرُ على العافيةِ ، ومعنى الصبرِ عليها : ألا
ـح
(١) قوت القلوب (١٩٧/١).
(٢) رواه الخرائطي في ((اعتلال القلوب)) (٢١٩) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه .
(٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) ( ١٠٣٢).
(٤) رواه أبو داوود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي (١٠٨/٣)، وابن ماجه
(٣٦٠٠)، وقالوا: (الحسن والحسين ) رضي الله عنهما.
قه
٢٣٨
حن:

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
ـيس
يركنَ إليها ، ويعلمَ أنَّ كلَّ ذلكَ مستودعٌ عندَهُ، وعسىُ أنْ يُسترجعَ على
القرْبِ ، وألا يرسلَ نفسَهُ في الفرحِ بها ، ولا ينهمكَ في التنقُّمِ واللذّةِ
واللهوِ واللعبِ ، وأنْ يرعى حقوقَ اللهِ في مالِهِ بالإنفاقِ ، وفي بدنِهِ ببذلٍ
المعونةِ للخلقِ ، وفي لسانِهِ ببذلِ الصدقِ ، وكذلكَ في سائرِ ما أنعمَ اللهُ بهِ
عليهِ ، وهذا الصبرُ متصلٌ بالشكرِ ، فلا يتمُّ إلا بالقيامِ بحقِّ الشكرِ كما
سيأتي .
وإنَّما كانَ الصبرُ على السرَّاءِ أشدَّ لأنَّهُ مقرونٌ بالقدرةِ ، ومِنَ العصمةِ ألا
تقدرَ، والصبرُ على الحجامةِ والفصْدِ إذا تولاَّهُ غيرُكَ أيسرُ مِنَ الصبرِ على
فصدِكَ نفسَكَ وحجامتِكَ نفسَكَ ، والجائعُ عندَ غيبةِ الطعام أقدرُ على الصبرِ
منهُ إذا حضرَتْهُ الأطعمةُ الطيبةُ اللذيذةُ وقدرَ عليها، فلهذا عظمَتْ فتنةٌ
السرَّاءِ .
النوعُ الثاني : ما لا يوافقُ الهوى والطبعَ :
وذلكَ لا يخلو : إمّا أنْ يرتبطَ باختيارِ العبدِ ؛ كالطاعاتِ والمعاصي ،
أوْ لا يرتبطَ باختيارِهِ ؛ كالمصائبِ والنوائبِ ، أَوْ لا يرتبطَ أوَّلُهُ باختيارِهِ
ولكنْ لهُ اختيارٌ في إزالتِهِ ؛ كالتشفِّي مِنَ المؤذي بالانتقام منهُ ، فهيَ ثلاثةُ
قسام .
ـدي
٢٣٩
بان
ـرة

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
القسمُ الأوَّلُ : ما يرتبطُ باختيارِهِ :
وهوَ سائرُ أفعالِهِ التي تُوصفُ بكونِها طاعةً أوْ معصيةً ، وهما ضربانِ :
الضربُ الأوَّلُ : الطاعةُ : والعبدُ يحتاجُ إلى الصبرِ عليها ، فالصبرُ على
الطاعةِ شديدٌ ؛ لأنَّ النفسَ بطبعِها تنفرُ عنِ العبوديةِ ، وتشتهي الربوبيةَ ،
ولذلكَ قالَ بعضُ العارفينَ : ما مِنْ نفسٍ إلا وهيَ مضمرةٌ ما أظهرَهُ فرعون
مِنْ قولِهِ: ﴿ أَنَْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ولكنْ فرعونُ وجدَ لَهُ مجالاً وقبولاً فأظهرَهُ ؛
إذ استخفَّ قومَهُ فأطاعوهُ ، وما مِنْ أحدٍ إلا وهوَ يدَّعي ذلكَ معَ عبدِهِ وخادمِهِ
وأتباعِهِ وكلِّ مَنْ هوَ تحتَ قهرِهِ وطاعتِهِ وإنْ كانَ ممتنعاً مِنْ إظهارِهِ ، فإنَّ
امتعاضَهُ وغيظَهُ عندَ تقصيرِهِمْ في خدمتِهِ واستبعادَهُ ذلكَ ليسَ يصدرُ إلا عنْ
إضمارِ الكبرِ ومنازعةِ الربوبيةِ في رداءِ الكبرياءِ .
فإِذاً ؛ العبوديةُ شاقَّةٌ على النفسِ مطلقاً ، ثمَّ مِنَ العباداتِ ما يُكرهُ بسببٍ
الكسلِ كالصلاةِ ، ومنها ما يُكرهُ بسببِ البخلِ كالزكاةِ ، ومنها ما يُكرهُ
بسببهِما جميعاً كالحجِّ والجهادِ ، فالصبرُ على الطاعةِ صبرٌ على الشدائدِ ،
ويحتاجُ المطيعُ إلى الصبرِ على طاعتِهِ في ثلاثِ أحوالٍ :
حق:
- الحالةُ الأولىُ : قبلَ الطاعةِ : وذلكَ في تصحيحِ النِيَّةِ ، والإخلاصِ ،
والصبرِ عنْ شوائبِ الرياءِ ودواعي الآفاتِ ، وعقدِ العزم على الإخلاصِ
والوفاءِ ، وذلكَ مِنَ الصبرِ الشديدِ عندَ مَنْ يعرفُ حقيقةَ النيّةِ والإخلاصِ
وآفاتِ الرياءِ ومكايدِ النفسِ، وقدْ نِبَّهَ عليهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِذْ قالَ :
٢٤٠