النص المفهرس
صفحات 201-220
ربع المنجيات كتاب التوبة الذَّاتِ الآخرةِ أشدُّ وأعظمُ ، فإنَّها لا آخرَ لها ، ولا كدورةَ فيها ، ولذَّاتُ الدنيا سريعةُ الدثورِ (١) ، وهيَ مشوبةٌ بالمكدِّراتِ ، فما فيها لذَّةٌ صافيةٌ عنْ كدرٍ ، وكيفَ وفي التوبةِ عنِ المعاصي والإقبالِ على الطاعةِ تلذُّذٌ بمناجاةِ اللهِ تعالى ، واستراحةٌ بمعرفتِهِ وطاعتِهِ وطولِ الأنسِ بهِ ؟! ولوْ لمْ يكنْ للمطيعِ جزاءٌ على عملِهِ إلا ما يجدُهُ مِنْ حلاوةِ الطاعةِ ، وروحِ الأنسِ بمناجاةِ اللهِ تعالى .. لكانَ ذلكَ كافياً ، فكيفَ بما ينضافُ إليهِ مِنْ نعيم الآخرةِ ؟! نعمْ ، هذهِ اللذَّهُ لا تكونُ في ابتداءِ التوبةِ ، ولكنَّها بعدَما يصبرُ عليها مدةٌ مديدةٌ(٢) ، وقدْ صارَ الخيرُ ديدناً كما كانَ الشرُّ ديدناً، فالنفسُ قابلةٌ ما عزَّدتَها تتعوَّدُ ، والخيرُ عادةٌ، والشرُّ لجاجةٌ . فإذاً ؛ هذهِ الأفكارُ هيَ المهيِّجةُ للخوفِ المهيِّجِ لقوَّةِ الصبرِ عنِ الذَّاتِ ، ومهيِّجُ هذهِ الأفكارِ وعظُ الوَّاظِ ، وتنبيهاتٌ تقعُ للقلبِ بأسبابٍ تتفقُ لا تدخلُ في الحصرِ ، فيصيرُ الفكرُ موافقاً للطبع ، فيميلُ القلبُ إليهِ ، ويعبَّرُ عنِ السببِ الذي أوقعَ الموافقةَ بينَ الطبع وبينَ الفكرِ الذي هوَ سببُ الخيرِ بالتوفيقِ ؛ إذِ التوفيقُ هوَ التأليفُ بينَ الإرادةِ وبينَ المعنى الذي هوَ طاعةٌ نافعةٌ في الآخرةِ . وقدْ رُوِيّ في حديثٍ طويلٍ أَنَّهُ قامَ عمَّارُ بنُ ياسرِ فقالَ لعليٍّ بنِ (١) أي: الذهاب والانطماس. («إتحاف)) (٦٢٩/٨). (٢) في النسخ: ( ولكنه يصبر عليه مديدة)، والمثبت من (ق) . ٢٠١ كتاب التوبة ربع المنجيات أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ أخبرنا عنِ الكفرِ على ماذا يُنِيَ ؟ فقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : على أربع دعائمَ : على الجفاءِ ، والعمى ، والغفلةِ، والشكِّ، فمَنْ جفا .. احتقرَ الحقَّ، وجهرَ بالباطلِ ، ومقتَ العلماءَ، ومَنْ عميَ .. نسيَ الذكرَ، ومَنْ غفلَ .. حادَ عنِ الرشدِ، وغرَّتُهُ الأمانيُّ، فأخذَتْهُ الحسرةُ والندامةُ، وبدا لهُ مِنَ اللهِ ما لمْ يكنْ يحتسبُ(١). فما ذكرناهُ بيانٌ لبعضٍ آفاتِ الغفلةِ عنِ التفكّرِ ، وهذا القدْرُ في التوبةِ كافٍ ، وإذا كانَ الصبرُ ركناً مِنْ أركانِ دوامِ التوبةِ .. فلا بدَّ مِنْ بيانِ الصبرِ ، فنذكرُهُ في كتابٍ مفردٍ إنْ شاءَ اللهُ تعالى . تم كتاب الثّؤية وهو الكتاب الأول من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الذين والحمد شد حق حمده، وصلاة على النبيّ محمّدٍ وآل أجمعين وسلا من يتلوه كتاب الصبر والشكر (١) كذا في ((القوت)) (١٨٨/١)، وزاد: (ومن شكَّ .. تاه في الضلالة). ٢٠٢ كِتَابُ الصَِّ وَالسَّعْ ... وهو الكتاب الثاني من بيع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين ٢٠٣ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر كتاب الصبر والشكر بِسِْلهِ الرَّمنِ الرَّحَّمِ الحمدُ للهِ أهلِ الحمدِ والثناءِ ، المتفرِّدِ برداءِ الكبرياءِ ، المتوحِّدِ بصفاتٍ المجدٍ والعلاءِ ، المؤيِّدِ صفوةَ الأولياءِ ، بقوَّةِ الصبرِ على السرَّاءِ والضَرَّاءِ ، والشكرِ على البلاءِ والنعماءِ . والصلاةُ على محمدٍ سيِّدِ الأنبياءِ ، وعلى أصحابِهِ سادةِ الأصفياءِ ، وعلى آلِهِ قادةِ البررةِ الأتقياءِ ، صلاةً محروسةً بالدوام عنِ الفناءِ ، ومصونةً بالتعاقبِ عنِ التصرُّمِ والانقضاءِ ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً . أما بعد: فإنَّ الإيمانَ نصفانِ ، نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ ؛ كما وردَتْ بهِ الآثارُ ، وشهدَتْ لهُ الأخبارُ(١)، وهما أيضاً وصفانٍ مِنْ أوصافِ اللهِ تعالى ، واسمانِ مِنْ أسمائِهِ الحسنى ؛ إذْ سمَّى نفسَهُ صبوراً وشكوراً ، فالجهلُ بحقيقةِ الصبرِ والشكرِ جهلٌ بكلا شطريٍ الإيمانِ ، ثمَّ هوَ غفلةٌ عنْ وصفينٍ مِنْ أوصافٍ (١) فقد روى البيهقي في (( الشعب)) (٩٢٦٤) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً : ((الإيمان نصفان، نصف في الصبر ونصف في الشكر))، وروى الطبراني في (( الكبير )) (١٠٤/٩) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( الصبر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان ) . ٢٠٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الرحمنِ ، ولا سبيلَ إلى الوصولِ إلى القربِ مِنَ اللهِ تعالى إلا بالإيمانِ ، وكيفَ يُتصوَّرُ سلوكُ سبيلِ الإيمانِ دونَ معرفةِ ما بهِ الإيمانُ ومَنْ بهِ الإيمانُ ؟! والتقاعدُ عنْ معرفةِ الصبرِ والشكرِ تقاعدٌ عنْ معرفةٍ مَنْ بهِ الإيمانُ ، وعنْ إدراكِ ما بهِ الإيمانُ ، فما أحوجَ كلا الشطرينِ إلى الإيضاحِ والبيانِ ، ونحنُ نوضحُ كلا الشطرينِ في كتابٍ واحدٍ لارتباطِ أحدِهِما بالآخرِ إنْ شاءَ اللهُ . ٧٠٠٧ ٢٠٦ 1 ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الشَّطِرُ الْأَوَلُ سيخ القبر وفيهِ بيانُ فضيلةِ الصبرِ ، وبيانُ حدِّهِ وحقيقتِهِ ، وبيانُ كونِهِ نصفَ الإيمانِ ، وبيانُ اختلافِ أساميهِ باختلافِ متعلَّقَاتِهِ ، وبيانُ أقسامِهِ ، بحسَبٍ اختلافِ القوَّةِ والضعفِ ، وبيانُ مظانِّ الحاجةِ إلى الصبرِ ، وبيانُ دواءِ الصبرِ وما يُستعانُ بهِ عليهِ . فهيَ سبعةُ فصولٍ تشتملُ على جميع مقاصدِهِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى . بيان فضيلة الصبر قدْ وصفَ اللهُ تعالى الصابرينَ بأوصافٍ ، وذكرَ الصبرَ في القرآنِ في نيٍّ وسبعينَ موضعاً ، وأضافَ أكثرَ الخيراتِ والدرجاتِ إلى الصبرِ ، وجعلَها ثمرةً لهُ . فقالَ عَّ مِنْ قائلٍ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَّوْنَ أَجْرَهُمْ مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾. ٢٠٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وقال تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّْبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فما مِنْ قربةٍ إلا وأجرُها بتقديرٍ وحسابٍ إلا الصبرَ . ولأجلٍ كونِ الصومِ مِنَ الصبرِ - فإنَّهُ نصفُ الصبرِ (١) - قالَ اللهُ تعالى: (( الصومُ لي وأنا أجزي بهِ ))(٢)، فأضافَهُ إلى نفسِهِ مِنْ بينِ سائرِ العباداتِ . ووعدَ الصابرينَ بأنَّهُ معَهُمْ فقال تعالى: ﴿ وَأَصْبِرُوّاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾. وعلَّقَ النصرَ على الصبرِ فقال تعالى: ﴿بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم ◌ِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِ ذَكُمْ رَبُّكُمْ يَخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. وجمعَ للصابرينَ بينَ أمورٍ لمْ يجمعْها لغيرِهِمْ فقالَ تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، فالهدى والصلواتُ والرحمةُ مجموعةٌ للصابرينَ . واستقصاءُ جميع الآياتِ في مقام الصبرِ يطولُ . وأمَّا الأخبارُ : فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الصبرُ نصفُ الإيمانِ))(٣)، على ما سيأتي وجهُ كونِهِ نصفاً . (١) هو جزء من حديث مرفوع رواه الترمذي (٣٥١٩)، وابن ماجه (١٧٤٥). (٢) رواه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم ( ١١٥١) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤/٥)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٢٧/١٣)، وأوقفه الطبراني في «الكبير» (١٠٤/٩) على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ٢٠٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مِنْ أقلِّ ما أُوتِيتُمُ اليقينُ وعزيمةُ الصبرِ ، ومَنْ أُعطيَ حظّهُ منهُما . . لمْ يبالِ بما فاتَهُ مِنْ قيامِ الليلِ وصيامٍ النهار ، ولأَنْ تصبروا على مثلِ ما أنتُمْ عليهِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ يوافيَتي كلُّ امرىءٍ منكُمْ بمثلِ عملٍ جميعِكُمْ، ولكنِّي أخافُ أنْ تُفْتحَ عليكُمْ الدنيا بعدي ، فينكرَ بعضُكُمْ بعضاً ، وينكرَكُمْ أهلُ السماءِ عندَ ذلكَ ، فَمَنْ صبرَ واحتسبَ .. ظفرَ بكمالِ ثوابِهِ))، ثمَّ قرأَ قولَهُ تعالى: ﴿ مَا ◌ِندَكُمْ يَنْفَذِّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(١). وروى جابرٌ أَنَّهُ سُئِلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الإيمانِ، فقالَ: ((الصبرُ والسماحةٌ))(٢) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أيضاً : (( الصبرُ كنزٌ مِنْ كنوزِ الجنَّةِ))(٣) (١) كذا أورده الإمام أبو طالب في ((القوت)) (١٩٤/١) من حديث شهر بن حوشب الأشعري عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه مرفوعاً . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٦١)، وأبو يعلى في ((مسنده )) (١٨٥٤)، ورواه أحمد في ((المسند)) (٣٨٥/٤) من حديث عمرو بن عنبسة رضي الله عنه . (٣) قال الحافظ العراقي: ( غريب لم أجده )، وروى الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص١٩٣)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١١٧/٧) من حديث أنس مرفوعاً : ((ثلاث من كنوز البر: إخفاء الصدقة، وكتمان الشكوى، وكتمان المصيبة ... )) الحديث . ١٫٩٠ ٢٠٩ حـ حر كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وسُئِلَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ مرَّةً: ما الإيمانُ؟ فقالَ: ((الصبرُ))(١)، وهذا يشبهُ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحجُّ عرفةُ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أيضاً: ((أفضلُ الأعمالِ ما أُكرهَتْ عليهِ النفوسُ))(٣). وقيلَ : أوحى اللهُ تعالىُ إلى داوودَ عليهِ السلامُ : تخلَّقْ بأخلاقي، وإنَّ مِنْ أخلاقي أنِّي أنا الصبورُ(٤) . وفي حديثِ عطاءٍ عنِ ابنِ عباسٍ : لمَّا دخلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الأنصارِ فقالَ: ((أمؤمنونَ أنْتُمْ؟)) فسكتوا ، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: نعمْ يا رسولَ اللهِ؛ فقالَ: (( وما علامةُ إيمانِكُمْ؟)) فقالوا : نشكرُ على الرخاءِ ، ونصبرُ على البلاءِ ، ونرضىُ بالقضاءِ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مؤمنونَ ورِّ الكعبةِ ))(٥). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((في الصبرِ على ما تكرهُ خيرٌ كثيرٌ))(٦) (١) روى الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٨٤٠) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً : ((الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد» . (٢) رواه أبو داوود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٢٥٦/٥). (٣) كذا في «القوت)) (١٩٥/١)، وقد رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)» (١١٣). (٤) الرسالة القشيرية (ص ٣٢٧) . (٥) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٩٤٢٣) بنحوه، ولفظ المصنف عند صاحب ((القوت)) (١/ ١٩٤ ) . (٦) رواه الضياء في ((المختارة)) (١٤)، وأحمد في ((المسند)) (٣٠٧/١). ٢١٠ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر وقالَ المسيحُ عليهِ السلامُ : ( إِنَّكُمْ لا تدركونَ ما تحبُّونَ إلا بصبرِكُمْ على ما تكرهونَ )(١) . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ كانَ الصبرُ رجلاً .. لكانَ كريماً، واللهُ يحبُّ الصابرينَ))(٢). والأخبارُ في هذا ممَّا لا يُحصى . وأمَّا الآثارُ : فقدْ وُجِدَ في رسالةِ عمرَ بنِ الخطابِ إلى أبي موسى الأشعريِّ رضيَ اللهُ عنهُما : ( عليكَ بالصبرِ ، واعلمْ أنَّ الصبرَ صبرانٍ ، أحدُهُما أفضلُ مِنَ الآخرِ ، الصبرُ في المصيباتِ حسنٌ ، وأفضلُ منهُ الصبرُ عمَّا حرَّمَ اللهُ تعالى ، واعلمْ أنَّ الصبرَ مِلاكُ الإيمانِ ، وذلكَ بأنَّ التقوى أفضلُ البرِّ ، والتقوى بالصبرِ)(٣). وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( يُنِيَ الإيمانُ على أربع دعائمَ : (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٢٨٦). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ٢٩٠) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً . (٣) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٦/٩): (رواه إبراهيم بن بشار الرمادي عن سفيان عن والد إدريس بن عبد الله عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه ، وكان أبو موسى قد أوصى إلى ابنه أبي بردة رسائل عمر التي كان يكتبها إليه ) ، ورواه مختصراً ابن أبي حاتم في (( تفسيره )) ( ٨٨٢٧). ٢١١ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات اليقينُ، والصبرُ، والجهادُ، والعدْلُ)(١) . وقال أيضاً : ( الصبرُ مِنَ الإيمانِ بمنزلةِ الرأسِ مِنَ الجسدِ ، ولا جسدَ لمَنْ لا رأسَ لهُ، ولا إيمانَ لمَنْ لا صبرَ لهُ)(٢). وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( نعمَ العِدْلانِ ونعمتِ العِلاوةُ الصابرينَ ) ؛ يعني بالعدلينِ : الصلاةَ والرحمةَ ، وبالعلاوةِ : الهدى ، والعِلاوةُ ما يُحملُ فوقَ العدلينِ على البعيرِ ، وأشارَ بهِ إلى قولِهِ تعالى : أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن ◌َزَّيِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾(٣). وكانَ حبيبُ بنُ أبي حبيبٍ إذا قرأَ هذهِ الآيةَ: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِأَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّابٌ﴾ .. بكى وقالَ: (واعجباهُ! أعطى وأثنى) أيْ : هوَ المعطي للصبرِ وهوَ المثنى عليهِ (٤) . وقالَ أبو الدرداءِ : ( ذروةُ الإيمانِ الصبرُ للحكمِ ، والرضا بالقدَرِ )(٥). (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٣٨)، وهو في ((القوت)) (١٩٤/١). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣١٠٧٩)، وهو في ((القوت)) (١٩٤/١). (٣) كذا في ((القوت)) (١٩٤/١)، وقد رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٧٠/٢). (٤) أورده الطرطوشي في ((سراج الملوك)) (٣٩٧/١)، والرب إذا أثنى على أعمال عباده .. فقد أثنى على فعل نفسه؛ لأن أعمالهم من خلقه. ((إتحاف)) (٧/٩)، وسيؤكد هذا المعنى المصنف ، والمثنى بالمقصورة، لا بالياء ، كما سيُوضَّح في بيان طريق كشف الغطاء عن الشكر في حق الله تعالى . (٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٦/١)، وزاد: ( والإخلاص في التوكل ، والاستسلام للرب عز وجل ) . ٢١٢ ------ 11-1 ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر هذا بيانُ فضيلةِ الصبرِ مِنْ حيثُ النقلُ . وأمَّا مِنْ حيثُ النظرُ بعينِ الاعتبارِ .. فلا تفهمُهُ إلا بعدَ فهم حقيقةِ الصبرِ ومعناهُ ؛ إذْ معرفةُ الفضيلةِ والرتبةِ معرفةُ صفةٍ ، فلا تحصلُ قبلَ معرفةٍ الموصوفِ ، فلنذكرْ حقيقتَهُ ومعناهُ ، وبالله التوفيقُ . ٢١٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات بيان حقيقة الصّبر ومعناه اعلمْ : أنَّ الصبرَ مقامٌ مِنْ مقاماتِ الدينِ ، ومنزلٌ مِنْ منازلِ السالكينَ ، وجميعُ مقاماتِ الدينِ إنَّما تنتظمُ مِنْ ثلاثةِ أمورٍ: معارفُ، وأحوالٌ، وأعمالٌ. فالمعارفُ هيَ الأصولُ ، وهيَ التي تورثُ الأحوالَ ، والأحوالُ تثمرُ الأعمالَ، فالمعارفُ كالأشجارِ ، والأحوالُ كالأغصانِ ، والأعمالُ كالثمار ، وهذا مطردٌ في جميع منازلِ السالكينَ إلى اللهِ تعالى . واسمُ الإيمانِ تارةً يختصُّ بالمعارفِ ، وتارةً يُطلقُ على الكلِّ ؛ كما ذكرناهُ في اختلافِ اسمِ الإيمانِ والإسلامِ في كتابِ قواعدِ العقائدِ ، وكذلكَ الصبرُ لا يتمُّ إلا بمعرفةٍ سابقةٍ، وبحالةٍ قائمةٍ ، فالصبرُ على التحقيقِ عبارةٌ عنها ، والعملُ هوَ كالثمرةِ يصدرُ عنها ، ولا يُعرفُ هذا إلا بمعرفةِ كيفيَّةِ الترتيبٍ بينَ الملائكةِ والإنسِ والبهائمِ ؛ فإنَّ الصبرَ خاصِّيَّةُ الإنسِ ، ولا يُتصوَّرُ ذلكَ في البهائمِ والملائكةِ ؛ أمَّا في البهائم .. فلنقصانِها ، وأمَّا في الملائكةِ .. فلكمالِها . وبيانُهُ : أنَّ البهائمَ سُلِّطَّتْ عليها الشهواتُ ، وصارَتْ مسخَّرةً لها ، فلا باعثَ لها على الحركةِ والسكونِ إلا الشهوةُ ، وليسَ فيها قوَّةٌ تصادمُ الشهوةَ وتردُّها عنْ مقتضاها حتَّى يُسمَّى ثباتُ تلكَ القوَّةِ في مقابلةِ مقتضى الشهوةِ صبراً . ٢١٤ CG ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر حر وأمَّا الملائكةُ عليهمُ السلامُ .. فإنَّهُمْ جُرِّدوا للشوقِ إلى الحضرةِ الربوبية ، والابتهاج بدرجةِ القرْبِ منها ، ولمْ تُسلَّطْ عليهِمْ شهوةٌ صارفةٌ صادَّةٌ عنها حتَّى تحتاجَ إلى مصادمةِ ما يصرفُها عنْ حضرةِ الجلالِ بجندٍ آخرَ يغلبُ الصوارفَ . وأمَّا الإنسانُ .. فإنَّهُ خُلِقَ في ابتداءِ الصبا ناقصاً مثلَ البهيمةِ ، لمْ يُخلقْ فيهِ إلا شهوةُ الغذاءِ الذي هوَ محتاجٌ إليهِ ، ثمَّ تظهرُ فيهِ شهوةُ اللعب والزينةِ، ثمَّ شهوةُ النكاح على الترتيبِ(١)، وليسَ لهُ قوَّةُ الصبرِ ألبتةً؛ إذ الصبرُ عبارةٌ عنْ ثباتِ جندٍ في مقابلةِ جندٍ آخرَ قامَ القتالُ بينَهُما لتضادٌّ مقتضياتِهما ومطالبهما ، وليسَ في الصبيِّ إلا جندُ الهوى كما في البهائمِ . ولكنَّ اللهَ تعالى بفضلِهِ وسعةٍ جودِهِ أكرمَ بني آدمَ ، ورفعَ درجتَهُمْ عنْ درجةِ البهائمٍ ، فوكلَ بهِ عندَ كمالِ شخصِهِ بمقاربةِ البلوغِ ملكينٍ؛ أحدُهُما يهديهِ ، والآخرُ يقوِّيهِ ، فتميَّزَ بمعونةِ الملكينِ عنِ البهائمِ ، واختُصَّ بصفتينِ ؛ إحداهما معرفةُ اللهِ تعالى ومعرفةُ رسولِهِ ، ومعرفةُ المصالحِ المتعلّقةِ بالعواقبِ ، وكلُّ ذلكَ حاصلٌ مِنَ الملكِ الذي إليهِ الهدايةُ والتعريفُ، فالبهيمةُ لا معرفةً لها ولا هدايةً إلى مصلحةِ العواقبِ ، بلْ إلى مقتضى شهوتِها في الحالِ فقطْ ، فلذلكَ لا تطلبُ إلا اللذيذَ، فأمَّا الدواءُ النافعُ معَ كونِهِ مضرّاً في الحالِ .. فلا تطلبُهُ ولا تعرفُهُ . جير. ـر (١) إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال، والنظر للعاقبة، وعصيان مقتضى تلك الشهوات. ((إتحاف)) (٩/٩). ٢١٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات فصارَ الإنسانُ بنورِ الهدايةِ يعرفُ أنَّ اتباعَ الشهواتِ لهُ مغبَّاتٌ مكروهةٌ في العاقبةِ، ولكنْ لمْ تكنْ هذهِ الهدايةُ كافيةً ما لمْ تكنْ لهُ قدرةٌ على ترْكِ ما هوَ مضرٌّ، فكمْ مِنْ مضرّ يعرفُهُ الإنسانُ ـ كالمرضِ النازلِ بهِ مثلاً - ولكنْ لا قدرةَ لهُ على دفعِهِ ، فافتقرَ إلى قدرةٍ وقوَّةٍ يدفعُ بها في نحرِ الشهواتِ فيجاهدُها بتلكَ القوَّةِ حتَّى يقطعَ عداوتها عنْ نفسِهِ ، فوكلَ اللهُ تعالى بهِ ملكاً آخرَ يسدِّدُهُ ويؤيِّدُهُ ويقوِّيهِ بجنودٍ لمْ ترَوها ، وأمرَ هذا الجندَ بقتالِ جندِ الشهوةِ ، فتارةٌ يضعفُ هذا الجندُ ، وتارةً يقوى ، وذلكَ بحسَبِ إمدادِ اللهِ تعالى عبدَهُ بالتأييدِ ؛ كما أنَّ نورَ الهدايةِ أيضاً يختلفُ في الخلقِ اختلافاً لا ينحصرُ ، فلنسمِّ هذهِ الصفةَ التي بها فارقَ الإنسانُ البهائمَ في قمع الشهواتِ وقهرِها : باعثاً دينيّاً ، ولنسمِّ مطالبةَ الشهواتِ بمقتضياتِها : باعثَ الهوى . وليُفهِمْ أَنَّ القتالَ قائمٌ بينَ باعثِ الدينِ وباعثِ الهوى ، والحربُ بينَهُما سجالٌ ، ومعركةُ هذا القتالِ قلبُ العبدِ ، ومددُ باعثِ الدينِ مِنَ الملائكةِ الناصرينَ لحزبِ اللهِ تعالى ، ومددُ باعثِ الشهوةِ مِنَ الشياطينِ الناصرِينَ لأعداءِ اللهِ تعالى(١) ، فالصبرُ : عبارةٌ عنْ ثباتِ باعثِ الدينِ في مقابلةِ باعثٍ الشهوة ، فإنْ ثبتَ حتَّى قهرَهُ واستمرّ على مخالفةِ الشهوةِ .. فقدْ نصرَ (١) ومعرفة هذا من الإيمان بالله تعالى ، وهو تصديق الله تعالى فيما أخبر به من عداوة النفس والشيطان والشهوات للعقل والمعرفة والملك الملهم للخير ، وأن الشهوات والنفس من حزب الشيطان ، والمعرفة والعقل والملائكة من جند الله وحزبه ، وهذا الإيمان واجب لا يستغني عنه سالك لطريق الله تعالى. («إتحاف)) (٩/٩). ٢١٦ ربع المنجيات ـدور كتاب الصبر والشكر حزبَ اللهِ والتحقَ بالصابرينَ ، وإنْ تخاذلَ وضعفَ حتَّى غلبَتِ الشهوةُ ولمْ يصبرْ في دفعِها .. التحقَ بأتباع الشياطينِ. فإذاً ؛ تركُ الأفعالِ المشتهاةِ عملٌ يثمرُهُ حالٌ يُسمَّى الصبرَ ، وهوَ ثباتُ باعثِ الدينِ الذي هوَ في مقابلةِ باعثِ الشهوةِ ، وثباتُ باعثِ الدينِ حالٌ تثمرُها المعرفةُ بعداوةِ الشهواتِ ومضادَّتِها لأسبابِ السعاداتِ في الدنيا والآخرةِ ، فإذا قويَ يقينُهُ - أعني المعرفةَ التي تُسمَّى إيماناً - وهوَ اليقينُ بكونِ الشهوةِ عدوّاً قاطعاً لطريقِ اللهِ تعالى .. قويَ ثباتُ باعثِ الدينِ ، وإذا قويَ ثباتُهُ .. تمَّتِ الأفعالُ على خلافِ ما تتقاضاهُ الشهوةُ ، فلا يتمُّ تركُ الشهوةِ إلا بقوَّةِ باعثِ الدينِ المضادِّ لباعثِ الشهوةِ ، وقوَّةُ المعرفةِ والإيمانِ تقبِّحُ مغبّةَ الشهواتِ وسوءَ عاقبتِها ، وهذان الملكانِ هما المتكفِّلانِ بهذينٍ الجندينِ بإذنِ اللهِ تعالى وتسخيرِهِ إيَّهُما، وهما مِنَ الكرامِ الكاتبينَ ، وهما الملكانِ الموكلانِ بكلِّ شخصٍ مِنَ الآدميينَ . وإذا عرفتَ أنَّ رتبةَ الملكِ الهادي أعلى مِنْ رتبةِ الملكِ المقوِّي .. لمْ يخفَ عليكَ أنَّ جانبَ اليمينِ الذي هوَ أشرفُ الجانبينِ مِنْ جنبتي الدَّسْتِ ينبغي أنْ يكونَ مسلماً لهُ(١) ، فهوَ إذاً صاحبُ اليمينِ، والآخرُ صاحبُ الشمالِ . (١) الدَّسْت: لفظة فارسية، لها معان عديدة، أشهرها اليد، ويطلق على المجلس الذي يتصدره الكبراء . ٢١٧ جن كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وللعبدِ طورانِ في الغفلةِ والفكرِ ، وفي الاسترسالِ والمجاهدةِ ، فهوَ بالغفلةِ معرضٌ عنْ صاحبِ اليمينِ ومسيءٌ إليهِ، فيكتبُ إعراضَهُ سيئةً ، وبالفكرِ مقبلٌ عليهِ ليستفيدَ منهُ الهدايةَ، فهوَ بهِ محسنٌ ، فيكتبُ إقبالَهُ لهُ حسنةً ، وكذا بالاسترسالِ هوَ معرضٌ عنْ صاحبِ الشمالِ تاركٌ للاستمدادِ منهُ، فهوَ بهِ مسيءٌ إليهِ، فيثبتُ عليهِ سيئةً، وبالمجاهدةِ مستمدٌ مِنْ جنودِهِ ، فیثبتُ لهُ بهِ حسنةً . وإنَّما ثبتَتْ هذهِ الحسناتُ والسيئاتُ بإثباتِهِما، فلذلكَ سُمِّيا كراماً كاتبينَ ، أَمَّا ( الكرامَ) .. فلانتفاع العبدِ بكرمِهِما، ولأنَّ الملائكةَ كلَّهُمْ كرامٌ بررةٌ، وأمَّا ( الكاتبينَ) .. فلإثباتِهِما الحسناتِ والسيئاتِ، وإنَّما يكتبانِ في صحائفَ مطويَّةٍ في سرِّ القلبِ ومطويةٍ عنْ سرِّ القلبِ ؛ حتَّى لا يُطلعَ عليهِ في هذا العالمِ ، فإنَّهُما وكتبَتَّهُما وخطَّهُما وصحائفَهُما وجملةً ما يتعلَّقُ بهِما مِنْ جملةِ عالمِ الغيبِ والملكوتِ ، لا مِنْ عالمِ الشهادةِ ، وكلُّ شيءٍ مِنْ عالمِ الملكوتِ لا تدركُهُ الأبصارُ في هذا العالمِ (١). C ثُمَّ تُنشرُ هذهِ الصحائفُ المطويَّةُ عنهُ مرَّتينِ ؛ مرَّةً في القيامةِ الصغرىُّ ، ومرَّةً في القيامةِ الكبرى ، وأعني بالقيامةِ الصغرى : حالةً الموتِ ؛ إِذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ ماتَ .. فقدْ قامَتْ قيامتُهُ))(٢)، وفي هذهِ ٢٠ (١) والعبارة في (ج): (وسرّ عالم الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذكر الموت)) والديلمي في ((مسند الفردوس)) (١١١٧) من حديث أنس رضي الله عنه . ٢١٨ بجن حن حن ثن عن حج ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر القيامةِ يكونُ العبدُ وحدَهُ، وعندَها يُقالُ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وفيها يُقال: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، أمَّا في القيامةِ الكبرى الجامعةِ لكافةِ الخلقِ .. فلا يكونُ وحدَهُ ، بلْ ربَّما يُحاسبُ على ملأٍ مِنَ الخلقِ ، وفيها يُساقُ المتقونَ إلى الجنَّةِ والمجرمونَ إلى النارِ زمراً لا آحاداً . والهولُ الأوَّلُ هوَ هولُ القيامةِ الصغرى ، ولجميع أهوالِ القيامةِ الكبرى نظيرٌ في القيامةِ الصغرى ؛ مثلُ زلزلةِ الأرضِ مثلاً، فإنَّ أرضَكَ الخاصَّةً بكَ تزلزلُ في الموتِ ؛ فإنَّكَ تعلمُ أنَّ الزلزلةَ إذا نزلَتْ ببلدةٍ .. صدقَ أنْ يُقالَ: ( قدْ زُلزِلَتْ أرضُهُمْ) وإنْ لمْ تُزلزلِ البلادُ المحيطةُ بها ، بلْ لوْ زُلزلَ مسكنُ الإنسانِ ودارُهُ .. فقد حصلَتِ الزلزلةُ في حقِّهِ ؛ لأنَّهُ إنَّما يتضرَّرُ عندَ زلزلةٍ جميع الأرضِ بزلزلةِ مسكنِهِ لا بزلزلةِ مسكنٍ غيرِهِ ، فحصَّتُهُ مِنَ الزلزلةِ قَدْ توفّرَتْ مِنْ غيرِ نقصانٍ . واعلمْ : أنَّكَ أرضيّ مخلوقٌ مِنَ الترابِ ، وحظُّكَ الخاصُّ مِنَ الترابِ = وروى أبو نعيم في (( الحلية)) (٣٢٥/٥) عن ابن بشار السلمي قال : خطب عمر الناس فقال : أيها الناس ؛ لا يبعدن عليكم ولا يطولن يوم القيامة ؛ فإنه من وافته منيته .. فقد قامت عليه قيامته . وروى الدولابي في ((الكنى)) (٨٩/٢) عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان قال: صلى علقمة على جنازة فقال: ( أما هذا .. فقد قامت قيامته )، ومن حديثه عن زياد بن علاقة قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول : ( يقولون : القيامة القيامة ، وإنما قيامة أحدكم موته ) . ٢١٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات بدنُكَ فقطْ، فأمَّا بدنُ غيرِكَ .. فليسَ بحظُّكَ، والأرضُ التي أنْتَ جالسٌ عليها بالإضافةِ إلى بدنِكَ ظرفٌ ومكانٌ ، وإنَّما تخافُ مِنْ تزلزلِهِ أنْ يتزلزلَ بدنُكَ بسببهٍ ، وإلا .. فالهواءُ أبداً متزلزلٌ وأنتَ لا تخشاهُ ؛ إِذْ ليسَ يتزلزلُ بهِ بدنُكَ، فحظُّكَ مِنْ زلزلةِ الأرضِ كلِّها زلزلةُ بدنِكَ فقطْ ، فهوَ أرضُكَ وترابُكَ الخاصُّ بكَ، وعظامُكَ جبالُ أرضِكَ ، ورأسُكَ سماءُ أرضِكَ ، وقلبُكَ شمسُ أرضِكَ ، وسمعُكَ وبصرُكَ وسائرُ حواسِّكَ نجومُ سمائِكَ ، ومفيضُ العرقِ مِنْ بدِنِكَ بحرُ أرضِكَ ، وشعورُكَ نباتُ أرضِكَ ، وأطرافُكَ أشجارُ أرضِكَ ، وهكذا إلى جميع أجزائِكَ ، فإذا انهدمَ بالموتِ أركانُ بدِنِكَ .. فقدْ زُلزلتِ الأرضُ زلزالَها، فإذا انفصلَتِ العظامُ مِنَ اللحومِ .. فقدْ حُملَتِ الأرضُ والجبالُ فدكتا دَّةٌ واحدةً ، فإذا رَمَّتِ العظامُ .. فقدْ نُسفَتِ الجبالُ نسفاً، فإذا أظلمَ قلبُكَ عندَ الموتِ .. فقدْ كُورَتِ الشمسُ تكويراً ، فإذا بطلَ سمعُكَ وبصرُّكَ وسائرُ حواسِّكَ .. فقدِ انكدرتِ النجومُ انكداراً، فإذا انشقَّ دماغُكَ .. فقدِ انشقَّتِ السماءُ انشقاقاً ، فإذا انفجرَ مِنْ هولِ الموتِ عرقُ جبينِكَ .. فقدْ فُجِّرَتِ البحارُ تفجيراً، فإذا التَفَّتْ إحدى ساقيكَ بالأخرى وهما مطيَّاكَ .. فقدْ عُطُّلَتِ العشارُ تعطيلاً، فإذا فارقَتِ الروحُ الجسدَ .. فقدْ حُملَتِ الأرضُ فمُدَّتْ حتَّى ألقَتْ ما فيها وتخلَّتْ . ولستُ أطوِّلُ بموازنةِ جميع الأحوالِ والأهوالِ ، ولكنِّي أقولُ : بمجرَّدٍ الموتِ تقومُ عليكَ هذهِ القيامَةُ الصغرى ، ولا يفوتُكَ مِنَ القيامةِ الكبرى شيءٌ ممَّا يخصُّكَ، بلْ ما يخصُّ غيرَكَ ، فإنَّ بقاءَ الكواكبِ في حقِّ غيرِكَ حن ٢٢٠ مكن. حـ