النص المفهرس

صفحات 181-200

ربع المنجيات
كتاب التوبة
وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( إنِّي لأحسبُ أنَّ العبدَ ينسى العلمَ بالذنبِ
يصيبُهُ)(١)، وهوَ معنى قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ قارفَ ذنباً ..
فارقَهُ عقلٌ لا يعودُ إليهِ أبداً »(٢) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( ليسَتِ اللعنةُ سواداً في الوجهِ ، ونقصاً
في المالِ ، إنَّما اللعنةُ ألا تخرجَ مِنْ ذنبٍ إلا وقعتَ في مثلِهِ أَوْ شرٍّ
منهُ)(٣) .
وهوَ كما قالَ ؛ لأنَّ اللعنةَ هيَ الطردُ والإبعادُ ، فإذا لمْ يُوفَّقْ للخيرِ ،
ويُسِّرَ لهُ الشرُّ .. فقدْ أُبعِدَ ، والحرمانُ مِنْ رزقِ التوفيقِ أعظمُ حرمانٍ ، وكلُّ
ذنبٍ فإنَّهُ يدعو إلى ذنبٍ آخرَ ويتضاعفُ، فيُحرمُ العبدُ بهِ عنْ رزقِهِ النافعِ مِنْ
مجالسةِ العلماءِ المنكرينَ للذنوبِ ، ومِنْ مجالسةِ الصالحينَ ، بلْ يمقتُّهُ اللهُ
تعالى فيمقتُهُ الصالحونَ .
وحُكِيَ عنْ بعض العارفينَ أنَّهُ كانَ يمشي في وسطِ الوحْلِ جامعاً ثيابَهُ
محترزاً ، إذْ زلقَتْ رجلُهُ وسقطَ ، فقامَ فجعلَ يمشي في وسطِ الوحْلِ ويبكي
مفرداً مرفوعاً رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٨٦)، وهو في «القوت)) (١٨٤/١).
=
(١) قوت القلوب (١٨٤/١).
(٢) قال الحافظ العراقي: (لم أر له أصلاً). ((إتحاف)) (٢٣١/٧).
(٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص١٣٢)، وكذا هو عند صاحب
((القوت)) (١٨٥/١) .
١٨١
بحة

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ويقولُ : هذا مثلُ العبدِ ، لا يزالُ يتوقَّى الذنوبَ ويجانبُها حتَّى يقعُ في ذنبٍ
وذنبينٍ ، فعندَها يخوضُ في الذنوبِ خوضاً(١) .
وهوَ إشارةٌ إلى أنَّ الذنبَ تُتُعجَّلُ عقوبتُهُ بالانجرارِ إلى ذنبٍ آخرَ ،
ولذلكَ قالَ الفضيلُ : ( ما أنكرتَ مِنْ تغيُّرِ الزمانِ وجفاءِ الإخوانِ فذنوبُكَ
ورَّثَتْكَ ذلكَ )(٢) .
وقالَ بعضُهُمْ : ( إنِّي لأعرفُ عقوبةَ ذنبي في سوءٍ خلقِ حماري)(٣).
وقالَ آخرُ : ( أعرفُ العقوبةَ حتَّى في فأرِ بيتي)(٤).
وقالَ بعضُ صوفيةِ الشام : نظرتُ إلى غلامِ نصرانيٌّ حسنِ الوجهِ ،
فوقفتُ أنظرُ إليهِ ، فمرَّ بي ابنُ الجلاءِ الدمشقيُّ، فأخذَ بيدي ، فاستحييتُ
منهُ ، فقلتُ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ سبحانَ اللهِ ! تعجبتُ منْ هذهِ الصورةِ الحسنةِ
وهذهِ الصنعةِ المحكمةِ كيفَ خُلقَتْ للنارِ ، فغمزَ يدي وقالَ : لتجدنَّ
عقوبتَها بعدَ حينٍ ، قالَ : فعوقبتُ بها بعد ثلاثينَ سنةً (٥) .
وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : (الاحتلامُ عقوبةٌ)(٦)
(١) قوت القلوب (١٨٧/١).
(٢) قوت القلوب (١٨٥/١).
(٣) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (١٠٩/٨) عن الفضيل بن عياض.
(٤) قوت القلوب (١٨٥/١).
(٥) قوت القلوب (١٨٥/١).
(٦) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٦٦/٩).
ق
١٨٢
ـهـ

ربع المنجيات
كتاب التوبة
وقالَ : ( لا تفوتُ أحداً صلاةُ جماعةٍ إلا بذنبٍ يذنبُهُ)(١).
وفي الخبرِ : ( ما أنكرتُمْ مِنْ زمانِكُمْ فبما غيَّرْتُمْ مِنْ أعمالِكُمْ)(٢).
وفي الخبرِ : ( يقولُ اللهُ تعالى: إنَّ أدنى ما أصنعُ بالعبدِ إذا آثرَ شهوتَهُ
على طاعتي .. أنْ أحرمَهُ لذيذَ مناجاتي)(٣).
وحُكِيَ عنْ أبي عمرو بنِ علوانَ في قصَّةٍ تطولُ قالَ فيها : كنتُ قائماً
أصلِّي ذاتَ يومٍ ، فخامرَ قلبي هوىّ طاولتُهُ بفكرتي ، حتَّى تولَّدَ منهُ شهوةٌ
الرجالِ ، فوقعتُ إلى الأرضِ واسودَّ جسدي كلُّهُ ، فاستترتُ في البيتِ ،
فلمْ أخرجْ ثلاثةَ أيامٍ ، وكنتُ أعالجُ غسلَهُ في الحمام بالصابونِ فلا يزدادُ إلا
سواداً ، حتَّى انكشفَ بعدَ ثلاثٍ ، فلقيتُ الجنيدَ وكانَ قدْ وجَّهَ إليَّ
فأشخصَني مِنَ الرِقَّةِ، فلمَّا أتيتُهُ .. قالَ لي : أما استحييتَ مِنَ اللهِ تعالى
كنتَ قائماً بينَ يديهِ فسامرتَ نفسَكَ بشهوةٍ حتَّى استولَتْ عليكَ (٤) وأخرجَتْكَ
مِنْ بينِ يديِ اللهِ تعالى ؟! فلولا أنِّي دعوتُ اللهَ لكَ وتبتُ إليهِ عنكَ ..
للقيتَ اللهَ تعالى بذلكَ اللونِ ، قالَ : فعجبتُ كيفَ علمَ ذلكَ وهوَ ببغدادَ
وأنا بالرقَّةٍ !(٥) .
جن
Q
(١) قوت القلوب (١٨٥/١).
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٤٩/٥)، والبيهقي في (( الزهد الكبير)) (٧٠٩) من
قول أبي الدرداء رضي الله عنه .
(٣) قوت القلوب (١٨٥/١).
(٤) في (ج، د ، س): ( استولت عليك برقة) .
(٥) قوت القلوب (١٨٦/١)، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٣ / ١٧).
١٨٣
2.

كتاب التوبة
ربع المنجيات
واعلمْ: أنَّهُ لا يذنبُ العبدُ ذنباً إلا ويسودُ وجهُ قلبهِ ، فإنْ كانَ سعيداً ..
ظهرَ السوادُ على ظاهرِهِ لينزجرَ ، وإنْ كانَ شقيّاً .. أُخفي عنهُ حتَّى ينهمكَ
ويستوجبَ النارَ .
'G
والأخبارُ كثيرةٌ في آفاتِ الذنوبِ في الدنيا ؛ مِنَ الفقرِ ، والمرضِ ،
وغيرِهٍ ، بلْ مِنْ شؤمِ الذنبِ في الدنيا على الجملةِ : أنْ يكتسبَ ما بعدَهُ
صفتهٌ، فإنِ ابتليَ بشيءٍ .. كانَ عقوبةً لهُ، ويُحرمُ جميلَ الرزقِ حتَّى
يتضاعفَ شقاؤُهُ، وإنْ أصابتْهُ نعمةٌ .. كانَتِ استدراجاً لهُ، ويُحرمُ جميلٌ
الشكرِ حتَّى يُعاقبَ على كفرانِهِ .
وأمَّا المطيعُ .. فمِنْ بركةٍ طاعتِهِ أنْ تكونَ كلُّ نعمةٍ في حقِّه جزاءً على
طاعتِهِ ، ويُوفَّقُ لشكرِها ، وكلُّ بليّةِ كفارةٌ لذنوبِهِ ، وزيادةً في درجاتِهِ .
.حن
النوعُ الرابعُ : ذكرُ ما وردَ مِنَ العقوباتِ على آحادِ الذنوبِ :
كالخمرِ ، والزنا ، والسرقةِ ، والقتلِ ، والغيبةِ ، والكبرِ ، والحسدِ ،
وذلكَ ممَّا لا يمكنُ حصرُهُ، وذكرُهُ معَ غيرِ أهلِهِ وضعٌ للدواءِ في غيرِ
موضعِهِ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ العالمُ كالطبيبِ الحاذقِ ؛ ليستدلَّ أوَّلاً
بالنبضِ، والسحنةِ ووجوهِ الحركاتِ على العللِ الباطنةِ ، ويشتغلَ بعلاجِها ،
فليستدلَّ بقرائنِ الأحوالِ على خفايا الصفاتِ ، وليتعرَّضْ لما وقفَ عليهِ
اقتداءً برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ حيثُ قالَ له رجلٌ : أوصني
١٨٤

ربع المنجيات
كتاب التوبة
يا رسولَ اللهِ ولا تكثرْ عليَّ، فقالَ: ((لا تغضبْ))(١).
وقالَ لهُ آخرُ : أوصني يا رسولَ اللهِ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ :
((عليكَ باليأسِ ممَّا في أيدي الناسِ ؛ فإنَّ ذلكَ هوَ الغنى، وإِيَّاكَ والطمعَ ؛
فإنَّهُ الفقرُ الحاضرُ، وصلِّ صلاةَ مودِّع، وإِيَّاكَ وما يُعتذرُ منهُ))(٢).
وقالَ رجلٌ لمحمدِ بنِ واسع : أوصني ، فقالَ : أوصيكَ أنْ تكونَ ملكاً
في الدنيا والآخرةِ ، فقالَ : كيفَ لي بذلكَ ؟ قالَ : الزم الزهدَ في
الدنيا(٣).
-
فكأنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ توسّمَ في السائلِ الأوَّلِ مخايلَ الغضبِ فنهاهُ
عنهُ، وفي السائلِ الآخرِ مخايلَ الطمع في الناسِ وطولِ الأملِ ، وتخيّلَ
محمدُ بنُ واسع في السائل مخايلَ الحرصِ على الدنيا .
وقالَ رجلٌ لمعاذٍ : أوصني ، فقالَ : ( كنْ رحيماً أكنْ لكَ بالجنَّةِ
زعيماً) (٤) .
فكأنَّهُ تفرَّسَ فيهِ آثارَ الفظاظةِ والغلظةِ .
وقالَ رجلٌ لإبراهيمَ بنِ أدهمَ : أوصني ، فقالَ : إِيَّاكَ والناسَ ، وعليكَ
بالناسِ ، ولا بدَّ مِنَ الناسِ ، فإنَّ الناسَ همُ الناسُ ، وليسَ كلُّ الناسِ
(١) رواه البخاري ( ٦١١٦ ) .
(٢) رواه ابن ماجه ( ٤١٧١ ) .
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٠/٢).
(٤) عزاه الحافظ الزبيدي إلى صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٦٢٠/٨).
١٨٥

كتاب التوبة
ربع المنجيات
بالناسِ ، ذهبَ الناسُ ، وبقيَ النسناسُ ، وما أراهُمْ بالناسِ ، بلْ غُمسوا في
ماءِ الناسِ(١).
فكأنَّهُ تفرَّسَ فيهِ آفةَ المخالطةِ ، وأخبرَ عمَّا كانَ هوَ الغالبَ على حالِهِ في
وقتِهِ ، وكانَ الغالبُ أذاهُ بالناسِ ، والكلامُ على قدْرِ حالِ السائلِ أولىْ مِنْ أنْ
يكونَ بحسَبِ حالِ القائلِ .
وكتبَ معاويةُ إلى عائشةَ رضيَ اللهُ عنهما أنِ اكتبي لي كتاباً توصيني فيهِ
ولا تكثري ، فكتبَتْ إليهِ : ( مِنْ عائشةَ إلى معاويةً ، سلامٌ عليكَ، أمَّا
بعدُ: فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((مَنِ التمسَ رضا
الناس بسخطِ اللهِ .. وكلَّهُ اللهُ إلى الناسِ ، ومَنِ التمسَ رضا اللهِ بسخطٍ
الناس .. كفاهُ اللهُ مؤونةَ الناسِ ))، والسلامُ عليكَ)(٢).
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣١٤/٦)، وقال: ( قال إبراهيم: أما قولي:
((عليك بالناس)) .. بمجالسة العلماء، وأما قولي: ((وإياك والناس)) .. إياك
ومجالسة السفهاء، وأما قولي: ((لا بد من الناس)) .. لا بد من الصلوات الخمس
والجمعة والحج والجهاد واتباع الجنائز والشراء والبيع ونحوه، وأما قولي: ((الناس
هم الناس)" .. الفقهاء والحكماء، وأما قولي: ((ليس الناس بالناس)) .. أهل الأهواء
والبدع، وأما قولي: ((ذهب الناس)) .. ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،
وأما قولي: ((وبقي النسناس)) .. يعني من يروي عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه، وأما قولي: (( وما أراهم بالناس ، إنما هم غمسوا في ماء الناس)) .. نحن
وأمثالنا ) .
(٢) رواه الترمذي (٢٤١٤) ولفظه: ((من التمس رضا الله بسخط الناس .. كفاه الله مؤنة
الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله .. وكله الله إلى الناس)).
G
١٨٦
.حم حن حن
حرة
ـن

ربع المنجيات
كتاب التوبة
فانظرْ إلىْ فقهِها كيفَ تعرَّضَتْ للآفةِ التي تكونُ الولاةُ بصددِها ، وهيَ
مراعاةُ الناسِ وطلبُ مرضاتِهِمْ .
وكتبَتْ إليهِ مرَّةً أخرى : ( أمَّا بعدُ : فاتقِ اللهَ ؛ فإنَّكَ إذا اتقيتَ اللهَ ..
كفاكَ الناسَ ، وإذا اتقيتَ الناسَ .. لمْ يغنوا عنكَ مِنَ اللهِ شيئاً ،
والسلامُ)(١).
فإذاً ؛ على كلِّ ناصح أنْ تكونَ عنايتُهُ مصروفةً إلى تفرُّسِ الصفاتِ
الخفيّةِ ، وتوسُّمِ الأحوالِ اللائقةِ؛ ليكونَ اشتغالُهُ بالمهمِّ، فإنَّ حكايةً
جميعِ مواعظِ الشرع معَ كلِّ واحدٍ غيرُ ممكنةٍ ، والاشتغالُ بوعظٍ مَنْ هوَ
مستغنٍ عنِ الوعظِ فيهِ تضييعُ زمانٍ .
من
عمـ
حن
فإِنْ قلتَ : فإنْ كانَ الواعظُ يتكلَّمُ في جمع ، أوْ سألَهُ مَنْ لا يدري باطنَ
حالِهِ أَنْ يعظَهُ .. فكيفَ يفعلُ ؟
فاعلمْ : أنَّ طريقَهُ في ذلكَ أنْ يعظَهُ بما يشتركُ كافَّةُ الخلقِ في الحاجةِ
إليهِ ؛ إمَّا على العموم ، وإمَّا على الأكثرِ ، فإنَّ في علومِ الشرعِ أغذيةً
وأدويةٌ ، فالأغذيةُ للكافَّةِ ، والأدويةُ لأربابِ العملِ .
ومثالُهُ: ما رُوِيَ أنَّ رجلاً قالَ لأَبي سعيد الخدريِّ : أوصني ، فقالَ :
( عليكَ بتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإنَّها رأسُ كلِّ خيرٍ ، وعليكَ بالجهادِ ؛ فإنَّهُ
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٩١).
١٨٧
منها

كتاب التوبة
ربع المنجيات
رهبانيةُ الإسلام ، وعليكَ بالقرآنِ ؛ فإنَّهُ نورٌ لكَ في أهلِ الأرضِ وذكرٌ لكَ
في أهلِ السماءِ ، وعليكَ بالصمتِ إلا مِنْ خيرِ ؛ فإنَّكَ بذلكَ تغلبُ
الشيطانَ )(١).
وقالَ رجلٌ للحسنِ : أوصني ، فقالَ: ( أعزَّ أمرَ اللهِ يعزَّكَ اللهُ)(٢).
وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ زاحمِ العلماءَ بركبتيكَ ، ولا تجادلْهُمْ
فيمقتوكَ، وخذْ مِنْ الدنيا بلاغَكَ، وأنفقْ فضولَ كسبكَ لآخرتِكَ ،
ولا ترفضِ الدنيا كلَّ الرفضِ فتكونَ عيالاً ، وعلى أعناقِ الرجالِ كلّ ، وصمْ
صوماً يكسرُ شهوتَكَ ، ولا تصمْ صوماً يضرُّ بصلاتِكَ ؛ فإنَّ الصلاةَ أفضلُ
مِنَ الصومِ ، ولا تجالسِ السفيهَ، ولا تخالطْ ذا الوجهينِ)(٣).
كن
وقالَ أيضاً لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ لا تضحكْ مِنْ غيرِ عجبٍ ، ولا تمشٍ في
غيرِ أربٍ ، ولا تسألْ عمّا لا يعنيكَ، ولا تضيّعْ مالَكَ وتصلحَ مالَ غيرِكَ ؛
فإنَّ مالَكَ ما قدمتَ ، ومالَ غيرِكَ ما تركتَ، يا بنيَّ ؛ إنَّ مَنْ يرحمْ ..
يُرحمْ، ومَنْ يصمتْ .. يسلمْ، ومَنْ يقلِ الخيرَ .. يغنمْ، ومَنْ يقلِ الشرَّ ..
يأثمْ ، ومَنْ لا يملكْ لسانَهُ .. يندمْ ).
وقالَ رجلٌ لأبي حازمٍ: أوصني، فقالَ: (كلُّ ما لوْ جاءَكَ الموتُ عليهِ رأيتَهُ
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٨٤٠)، ورواه أحمد في «المسند» (٨٢/٣) من
حديثه مرفوعاً .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٨).
(٣) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٩١) عن الربيع الخولاني بنحوه .
١٨٨

ربع المنجيات
ے
کتاب التوبة
غنيمةً .. فالزمْهُ، وكلُّ ما لوْ جاءَكَ الموتُ عليهِ رأيتَهُ مصيبةً .. فاجتنبْهُ)(١).
وقالَ موسى للخضرِ عليهما السلامُ : أوصني، فقالَ: (كُنْ بِسَّاماً
ولا تكنْ غضَّاباً ، وكُنْ نفَّاعاً ولا تكنْ ضرَّاراً ، وانزعْ عنِ اللجاجةِ ،
ولا تمشٍ في غيرِ حاجةٍ ، ولا تضحكْ مِنْ غيرِ عجبٍ ، ولا تعيِّرِ الخطائينَ
بخطاياهُمْ ، وابكِ على خطيئِتِكَ يا بنَ عمرانَ)(٢).
وقالَ رجلٌ لمحمدِ بنِ كرَّامٍ : أوصني ، فقالَ : ( اجتهدْ في رضا
خالقِكَ بقدْرِ ما تجتهدُ في رضا نفسِكَ ) .
من
هــ
وقالَ رجلٌ لحامدِ اللفافِ : أوصني ، فقالَ : اجعلْ لدينِكَ غلافاً كغلافٍ
المصحفِ كي لا تدنسَهُ الآفاتُ، فقالَ : وما غلافُ الدين ؟ قالَ : تركُ
طلبِ الدنيا إلا ما لا بدَّ منهُ، وتركُ كثرةِ الكلام إلا فيما لا بدَّ منه ، وتركُ
مخالطةِ الناسِ إلا فيما لا بدَّ منهُ .
وكتبَ الحسنُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمهُما اللهُ تعالى: ( أمَّا بعدُ :
فخفْ ما خوَّفَكَ اللهُ، واحذرْ ما حذَّرَكَ اللهُ، وخذْ ممَّا في يديكَ لما بينَ
يديكَ، فعندَ الموتِ يأتيكَ الخبرُ اليقينُ ، والسلامُ ) .
وكتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى الحسنِ يسألُهُ أنْ يعظَهُ ، فكتبَ إليهِ : ( أمَّا
بعدُ : فإنَّ الهولَ الأعظمَ والأمورَ المفظعاتِ أمامَكَ ، ولا بدَّ لكَ مِنْ مشاهدةِ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٧/٥) بنحوه، والسائل المستوصي هو عمر بن
عبد العزيز .
(٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٣٤٠).
١٨٩
ئن.
مدن.

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ذلكَ؛ إِمَّا بالنجاةِ، وإمَّا بالعطبِ، واعلمْ أنَّ مَنْ حاسبَ نفسَهُ .. ربحَ، ومَنْ
غفلَ عنها .. خسرَ، ومَنْ نظرَ في العواقبِ .. نجا ، ومَنْ أطاعَ هواهُ .. ضلَّ ،
ومَنْ حلمَ .. غنمَ، ومَنْ خافَ .. أمِنَ، ومَنْ أمِنَ .. اعتبرَ ، ومَنِ اعتبرَ ..
أبصرَ ، ومَنْ أبصرَ .. فهمَ، ومَنْ فهمَ .. علمَ، فإذا زللتَ .. فارجعْ، وإذا
ندمتَ .. فأقلعْ ، وإذا جهلتَ .. فاسألْ، وإذا غضبتَ .. فأمسكْ).
وكتبَ مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ: ( أمَّا بعدُ :
فإِنَّ الدنيا دارُ عقوبةٍ ، ولها يجمعُ مَنْ لا عقلَ لهُ، وبها يغترُّ مَنْ لا علمَ
عندَهُ ، فكُنْ فيها يا أميرَ المؤمنينَ كالمداوي جرحَهُ ، يصبرُ على شدَّةِ الدواءِ
لما يخافُ مِنْ عاقبةِ الداءِ)(١).
وكتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رضيَ اللهُ عنهُ إلى عديٍّ بنِ أرطاةَ : ( أمَّا
بعدُ : فإنَّ الدنيا عدوَّةُ أولياءِ اللهِ، وعدوَّةُ أعداءِ اللهِ، أمَّا أولياؤُهُ :
فعمَّتْهُمْ ، وأمَّا أعداؤُهُ : فغرَّتْهُمْ)(٢) .
وكتبَ أيضاً إلى بعضٍ عمَّالِهِ: ( أمَّا بعدُ: فقدْ أمكنتُكَ القدرةُ مِنْ ظلم
العبادِ ، فإذا هممْتَ بظلم أحدٍ .. فاذكرْ قدرةَ اللّهِ عليكَ، واعلمْ أنَّكَ لا تأتي
إلى الناس شيئاً إلا كانَ زائلاً عنهُمْ باقياً عليكَ، واعلمْ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ آخذٌ
للمظلومينَ مِنَ الظالمينِ ، والسلامُ ) .
(١) تقدم صدره مرفوعاً، والخبر هنا عن مطرف أورده المسعودي في ((مروج الذهب))
( ٤ / ٢٠ ) نقلاً عن المدائني.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) ( ٤٤٣).
١٩٠
ـحر

ربع المنجيات
كتاب التوبة
حن
فهكذا ينبغي أنْ يكونَ وعظُ العامَّةِ ، ووعظُ مَنْ لا يدري خصوصَ
واقعتِهِ ، فهذهِ المواعظُ مثلُ الأغذيةِ التي يشتركُ الكافَّةُ في الانتفاع بها ،
ولأجلٍ فقْدِ مثلِ هؤلاءِ الوَّاظِ انحسمَ بابُ الاتعاظِ ، وغلبتِ المعاصي ،
واستشرى الفسادُ، وبُلِيَ الخلقُ بوغَّاظِ يزخرفونَ أسجاعاً ، وينشدونَ
أبياتاً ، ويتكلَّفونَ ذكرَ ما ليسَ في سعةِ علمِهِمْ، ويتشبَّهونَ بحالٍ غيرِهِمْ ،
فسقطَ عنْ قلوبِ العامَّةِ وقارُهُمْ ، ولمْ يكنْ كلامُهُمْ صادراً مِنَ القلبِ ليصلَ
إلى القلبِ ، بلِ القائلُ متصلِّفٌ، والمستمعُ متكلِّفٌ، وكلُّ واحدٍ منْهُما
مدبرٌ ومتخلِّفٌ .
جة
حن
وإذا كانَ طلبُ الطبيبِ أوَّلَ علاج المرضى .. فطلبُ العلماءِ أوَّلُ علاج
العاصينَ ، فهذا أحدُ أركانِ العلاج وأصولِهِ .
الأصلُ الثاني : الصبرُ ، ووجهُ الحاجةِ إليهِ أنَّ المريضَ إنَّما يطولُ مرضُهُ
لتناولِهِ ما يضرُّهُ، وإنَّما يتناولُ ذلكَ إمَّا لغفلتِهِ عنْ مضرَّتِهِ، وإمَّا لشدَّةٍ غلبةٍ
شهوتِهِ ، فلهُ سببانِ ، فما ذكرناهُ هوَ علاجُ الغفلةِ ، فيبقى علاجُ الشهوةِ ،
وطريقُ علاجِها قدْ ذكرناهُ في كتابٍ رياضةِ النفسِ .
وحاصلُهُ : أنَّ المريضَ إذا اشتدَّتْ ضراوتُهُ لمأكولٍ مضرٍّ . . فطريقُهُ أنْ
يستشعرَ عظمَ ضررِهِ ، ثمَّ يُغيِّبُ ذلكَ عنْ عينهِ فلا يُحضرُهُ ، ثمَّ يتسلَّى عنهُ بما
يقربُ منهُ في صورتِهِ ولا يكثرُ ضررُهُ ، ثمَّ يصبرُ بقوَّةِ الخوفِ على الألمِ
الذي ينالُهُ في تركِهِ ، فلا بدَّ على كلِّ حالٍ مِنْ مرارةِ الصبرِ ؛ فكذلكَ يعالجُ
١٩١
حن

كتاب التوبة
25
ربع المنجيات
الشهوةَ في المعاصي ، كالشابِّ مثلاً إذا غلبَتْهُ الشهوةُ ، فصارَ لا يقدرُ على
حفظِ عينِهِ ، أوْ حفظِ قلبهِ ، أوْ حفظِ جوارحِهِ في السعي وراءَ شهوتِهِ ..
فينبغي أنْ يستشعرَ ضررَ ذنبهِ ؛ بأنْ يستقرىءَ المخوفاتِ التي جاءَتْ فيهِ مِنْ
كتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإذا اشتدَّ خوفُهُ .. تباعدَ
مِنَ الأسبابِ المهيِّجةِ لشهوتِهِ ، ومهيِّجُ الشهوةِ مِنْ خارجِ هوَ حضورُ المشتهى
والنظرُ إليهِ ، وعلاجُهُ : الهربُ والعزلةُ، ومِنْ داخلِ تناولُ لذائذِ الأطعمةِ ،
وعلاجُهُ : الجوعُ والصومُ الدائمُ، وكلُّ ذلكَ لا يتمُّ إلا بصبرٍ ، ولا يصبرُ إلا
عنْ خوفٍ ، ولا يخافُ إلا عنْ علمٍ ، ولا يعلمُ إلا عنْ بصيرةٍ وافتكارٍ أوْ عنْ
سماعٍ وتقليدٍ .
فأوَّلُ الأمرِ حضورُ مجالسٍ الذكرِ ، ثمَّ الاستماعُ مِنْ قلبٍ مجرَّدٍ عنْ سائرٍ
الشواغلِ ، مصروفٍ إلى السماع ، ثمَّ التفكّرُ فيهِ لتمامِ الفهمِ ، وينبعثُ مِنْ
تمامِهِ - لا محالةَ - خوفُهُ، وإذا قويَ الخوفُ .. تيسّرَ بمعونِهِ الصبرُ ،
وانبعثَتِ الدواعي لطلبِ العلاج ، وتوفيقُ اللهِ وتيسيرُهُ مِنْ وراءِ ذلكَ .
فمَنْ أعطىُ مِنْ قلبهِ حسنَ الإصغاءِ ، واستشعرَ الخوفَ فاتقى ، وانتظرَ
الثوابَ وصدَّقَ بالحسنى .. فسييسرُهُ اللهُ تعالى لليسرى، وأمَّا مَنْ بخلَ
واستغنىُ وكذَّبَ بالحسنى .. فسييسرُهُ اللهُ للعسرى، ثمَّ لا يغني عنهُ
ما اشتغلَ بهِ مِنْ ملاذٌ الدنيا مهما هلكَ وتردى ، وما على الأنبياءِ إلا شرْحُ
طرقِ الهدى ، وإنَّما للهِ الآخرةُ والأولى .
١٩٢

ربع المنجيات
كتاب التوبة
فإنْ قلتَ : فقدْ رجعَ الأمرُ كلُّهُ إلى الإيمانِ ؛ لأنَّ تركَ الذنبِ لا يمكنُ
إلا بالصبرِ ، والصبرُ لا يمكنُ إلا بمعرفةِ الخوفِ ، والخوفُ لا يحصلُ إلا
بالعلمِ ، والعلمُ لا يحصلُ إلا بالتصديقِ بعظمٍ ضررِ الذنوبِ ، والتصديقُ
بعظمٍ ضررِ الذنوبِ هوَ تصديقُ اللهِ ورسولِهِ ، وهوَ الإيمانُ ، فكأنَّ مَنْ أصرّ
على الذنبِ .. لمْ يصرَّ إلا لأنَّهُ غيرُ مؤمنٍ !
فاعلمْ : أنَّ هذا لا يكونُ لفقدِ الإيمانِ ، بلْ يكونُ لضعفِ الإيمانِ ؛ إذْ
كلُّ مؤمنٍ مصدِّقٌ بأنَّ المعصيةَ سببُ البعدِ مِنَ اللهِ تعالى ، وسببُ العقابِ في
الآخرةِ ، ولكنْ سببُ وقوعِهِ في الذنبِ أمورٌ :
حن
حن
أحدُها : أنَّ العقابَ الموعودَ غيبٌ ليسَ بحاضرٍ ، والنفسُ جبلَتْ متأثرةً
بالحاضرِ ، فتأثرُها بالموعودِ ضعيفٌ بالإضافةِ إلى تأثّرِها بالحاضرِ .
ـسعـ
الثاني : أنَّ الشهواتِ الباعثةَ على الذنوبِ لذَّاتُها ناجزةٌ ، وهيَ في الحالِ
آخذةٌ بالمُخَنَّقِ(١)، وقدْ قويَ ذلكَ واستولىُ بسببِ الاعتيادِ والإلفِ، والعادةُ
طبيعةٌ خامسةٌ ، والنزوعُ عنِ العاجلِ لخوفِ الآجلِ شديدٌ على النفسِ ،
ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿كََّبَلْ تُحِبُّونَ الْعَامِلَةَ: ﴿ وَّذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾، وقالَ عزَّ وجلَّ:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾.
وقدْ عبَّرَ عنْ شدَّةِ الأمرِ قولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حُفَّتِ
(١) المخلَّق : موضع الخنق من العنق .
١٩٣
حن جرة
حن محنحن من
٥

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الجنَّةُ بالمكارِهِ، وحُفَّتِ النارُ بالشهواتِ)) (١) .
وقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ خلقَ النارَ ، فقالَ لجبريلَ عليهِ
السلامُ : اذهبْ فانظرْ إليها ، فذهبَ فنظرَ إليها ، فقالَ: وعزَّتِكَ ؛ لا يسمعُ
بها أحدٌ فيدخلُها ، فحقَّها بالشهواتِ ثمّ قالَ : اذهبْ فانظرْ إليها ، فذهبَ
فنظرَ، فقالَ : وعزَّتِكَ ؛ لقدْ خشيتُ ألا يبقى أحدٌ إلا دخلَها ، وخلقَ
الجنَّةَ ، فقالَ لجبريلَ عليهِ السلامُ : اذهبْ فانظر إليها ، فذهبَ فنظرَ ،
فقالَ : وعزَّتِكَ ؛ لا يسمعُ بها أحدٌ إلا دخلَها، فحفَّها بالمكارهِ ثمَّ قالَ :
اذهبْ فانظرْ إليها ، فذهبَ فنظرَ إليها ، فقالَ: وعزَّتِكَ ؛ لقدْ خشيتُ ألا
يدخلَها أحدٌ))(٢) .
فإذاً ؛ كونُ الشهوةِ مرهقةً في الحالِ وكونُ العقابِ متأخراً إلى المآلِ
سببانٍ ظاهرانٍ في الاسترسالِ معَ حصولِ أصلِ الإيمانِ .
فليسَ كلُّ مَنْ شربَ في مرضِهِ ماءَ الثلجِ لشدَّةِ عطشِهِ مكذّباً بأصلِ
الطبّ، ولا مكذِّباً بأنَّ ذلكَ مضرٍّ في حقِّهِ ، ولكنَّ الشهوةَ تغلبُهُ، وألمُ
الصبرِ عنهُ ناجزٌ ، فيهونُ عليهِ الألمُ المنتظرُ .
الثالثُ : أنَّهُ ما مِنْ مذنبٍ مؤمنٍ إلا وهوَ في الغالبِ عازمٌ على التوبةِ ،
وتكفيرِ السيئاتِ بالحسناتِ ، وقدْ وُعِدَ بأنَّ ذلكَ يجبرُهُ ، إلا أنَّ طولَ الأملِ
والغسـ
(١) رواه مسلم ( ٢٨٢٣)، وبنحوه هو عند البخاري كذلك (٦٤٨٧).
(٢) رواه أبو داوود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٣/٧).
١٩٤

ربع المنجيات
كتاب التوبة
غالبٌ على الطباع ، فلا يزالُ يسوِّفُ التوبةَ والتكفيرَ ، فِمِنْ حيثُ رجاؤُهُ
التوفيقَ للتوبةِ ربَّما يقدمُ عليهِ معَ الإيمانِ .
الرابعُ : أَنَّهُ ما مِنْ مؤمنٍ موقنٍ إلا وهوَ معتقدٌ أَنَّ الذنبَ لا يوجبُ العقوبةَ
إيجاباً لا يمكنُ العفوُ عنها ، فهوَ يذنبُ وينتظرُ العفوَ ؛ اتكالاً على فضْلِ اللهِ
تعالى .
فهذهِ أسبابٌ أربعةٌ موجبةٌ للإصرارِ على الذنبِ معَ بقاءِ أصلِ الإيمانِ .
نعمْ ، قدْ يقدمُ المذنبُ بسببٍ خامسٍ يقدحُ في أصلِ إيمانِهِ ، وهوَ كونُهُ
شاكاً في صدقِ الرسلِ ، وهذا هوَ الكفرُ ؛ كالذي يحذُّرُهُ الطبيبُ عنْ تناولِ
ما يضرُّهُ في المرضِ ، وكانَ المحذَّرُ ممَّنْ لا يَعتقدُ فيهِ أنَّهُ عالمٌ بالطبِّ ،
فيكذِّبُهُ أوْ يشكُّ فيهِ ، فلا يبالي بهِ ، فهذا هوَ الكفرُ .
-
فإنْ قلتَ : فما علاجُ الأسبابِ الخمسةِ ؟
فأقولُ : هوَ الفكرُ ، وذلكَ بأنْ يقرِّرَ على نفسِهِ في السببِ الأوَّلِ - وهوَ
تأخّرُ العقاب - أنَّ كلَّ ما هوَ آتِ آتٍ ، وأنَّ غداً لناظرِهِ قريبٌ ، وأنَّ الموتَ
أقربُ إلى كلِّ أحدٍ مِنْ شراكِ نعلِهِ ، فما يدريهِ لعلَّ الساعةَ قريبٌ ، والمتأخِّرُ
إذا وقعَ .. صارَ ناجزاً ، ويذكِّرَ نفسَهُ أنَّهُ أبداً في دنياهُ يتعبُ في الحالِ لخوفٍ
أمرٍ في الاستقبالِ ؛ إذْ يركبُ البحارَ ويقاسي الأسفارَ لأجلِ الربحِ الذي يظنُّ
أنَّهُ قَدْ يحتاجُ إليهِ في ثاني الحالِ ، بلْ لوْ مرضَ فأخبرَهُ نصرانيٌّ طبيبٌ بأنَّ
١٩٥
بتن

كتاب التوبة
ربع المنجيات
شربَ الماءِ الباردِ يضرُّهُ ويسوقُهُ إلى الموتِ ، وكانَ الماءُ الباردُ ألذَّ الأشياءِ
عندَهُ .. تركَهُ معَ أنَّ الموتَ ألمُهُ لحظةٌ إذا لمْ يخفْ ما بعدَهُ ، ومفارقتُهُ للدنيا
لا بدَّمنها ، فكمْ نسبةُ وجودِهِ في الدنيا إلى عدمِهِ أزلاً وأبداً ؟!
فلينظرْ كيفَ يبادرُ إلى تركِ ملاذِهِ بقولٍ ذمِّيٍّ لمْ تقمْ معجزةٌ على طبِّهِ ،
فيقولُ: كيفَ يليقُ بعقلي أنْ يكونَ قولُ الأنبياءِ المؤيدينَ بالمعجزاتِ عندي
دونَ قولِ نصرانيٍّ يدَّعي الطبَّ لنفسِهِ بلا معجزةٍ على طبِّهِ ، ولا يشهدُ لهُ إلا
عوامُ الخلقِ ؟!
وكيفَ يكونُ عذاب النارِ أخفَّ عندي مِنْ عذابِ المرضِ وكلُّ يومٍ في
الآخرةِ بمقدارِ خمسينَ ألفَ سنةٍ مِنْ أيامِ الدنيا ؟!
وبهذا التفكّرِ بعينِهِ يعالجُ اللذَّةَ الغالبةَ عليهِ، ويكلِّفُ نفسَهُ تركَها ،
ويقولُ : إذا كنتُ لا أقدرُ على تركِ لذَّاتي أيامَ العمرِ وهيَ أيامٌ قلائلُ ..
فكيفَ أقدرُ على ذلكَ أبد الآبادِ ؟!
وإذا كنتُ لا أطيقُ ألمَ الصبرِ . . فكيفَ أطيقُ ألمَ النارِ ؟!
وإذا كنتُ لا أصبرُ عنْ زخارفِ الدنيا معَ كدوراتِها وتنغَّصِها وامتزاج
صفوِها بكدرِها .. فكيفَ أصبرُ عنْ نعيم الآخرةِ ؟!
وأمَّا تسويفُ التوبةِ .. فيعالجُهُ بالفكرِ في أنَّ أكثرَ صياحِ أهلِ النارِ مِنَ
التسويفِ ؛ لأنَّ المسوِّفَ يبني الأمرَ على ما ليسَ إليهِ، وهوَ البقاءُ، فلعلَّهُ
لا يبقى ، وإِنْ بقيَ .. فلا يقدرُ على التركِ غداً كما لا يقدرُ عليهِ اليومَ .
١٩٦

ربع المنجيات
كتاب التوبة
فليتَ شعري ؛ هلْ عجزَ في الحالِ إلا لغلبةِ الشهوةِ ، والشهوةُ ليسَتْ
تفارقُهُ غداً بلْ تتضاعفُ ؛ إذْ تتأكَّدُ بالاعتيادِ ، فليسَتِ الشهوةُ التي أكَّدَها
الإنسانُ بالعادةِ كالتي لمْ يؤكِّدْها ، وعنْ هذا هلكَ المسوّفونَ ؛ لأنَّهُمْ يظنُّونَ
الفرقَ بينَ المتماثلينِ ، ولا يظنُّونَ أنَّ الأيامَ متشابهةٌ في أنَّ تركَ الشهواتِ
فيها أبداً شاقٌ ، وما مثالُ المسؤِّفِ إلا مثالُ مَنِ احتاجَ إلى قلْع شجرةٍ ، فرآها
قويَّةً لا تنقلعُ إلا بمشقَّةٍ شديدةٍ ، فقالَ: ( أوْخِّرُها سنةً ثمَّ أعودُ إليها ) ،
وهوَ يعلمُ أنَّ الشجرةَ كلَّما بقيَتْ ازدادَ رسوخُها ، وهوَ كلَّما طالَ عمرُهُ ..
ازدادَ ضعفُهُ ، فلا حماقةَ في الدنيا أعظمُ مِنْ حماقتِهِ ؛ إذْ عجزَ معَ قوَّتِهِ عنْ
مقاومةِ ضعيفٍ ، فأخذَ ينتظرُ الغلبةَ عليهِ إذا ضعفَ هوَ في نفسِهِ وقويَ
الضعيفُ .
وأمَّا المعنى الرابعُ - وهوَ انتظارُ عفوِ اللهِ تعالى - فعلاجُهُ ما سبقَ ، فمَنْ
ينفقُ جميعَ أموالِهِ ويتركُ نفسَهُ وعيالَهُ فقراءَ ، منتظراً مِنْ فضْلِ اللهِ تعالى أنْ
يرزقَهُ العثورَ على كنزٍ في أرضٍ خربةٍ .. فإنَّ إمكانَ العفوِ عنِ الذنبِ مثلُ
هذا الإمكانِ ، وهوَ مثلُ مَنْ وقعَ النهبُ مِنَ الظلمةِ في بلدِهِ ، وذخائرُ أموالِهِ
في صحنِ دارِهِ وقدرَ على دفنِها وإخفائها ، فلمْ يفعلْ ، وقالَ : أنتظرُ مِنْ
فضْلِ اللهِ تعالىُ أنْ يسلّطَ غفلةً أوْ عقوبةٌ على الظالمِ الناهبِ حتَّى لا يتفرَّعَ إلى
داري ، أوْ إذا انتهى إلى داري .. ماتَ على بابِ الدارِ ، فإنَّ الموتَ ممكنٌ ،
والغفلةَ ممكنةٌ ، وقدْ حُكِيَ في الأسمارِ أنَّ مثلَ ذلكَ وقعَ ، فأنا أنتظرُ مِنْ
فضْلِ اللهِ مثلَهُ !
عيد
١٩٧
ـصحة جن حن
عددمـ
جة

كتاب التوبة
ربع المنجيات
فمنتظرُ هذا منتظرُ أمرٍ ممكنٍ ، ولكنَّهُ في غايةِ الحماقةِ والجهلِ ؛ إذْ قدْ
لا يمكنُ ولا يكونُ .
وأمَّا الخامسُ - وهوَ الشُّ - فهذا كفرٌ، وعلاجُهُ الأسبابُ التي تعرِّفُهُ
صدقَ الرسلِ ، وذلكَ يطولُ ، ولكنْ يمكنُ أنْ يُعالجَ بعلمٍ قريبٍ يليقُ بحدٌ
عقلِهِ، فيُقالُ لهُ: ما قالَهُ الأنبياءُ المؤيَّدونُ بالمعجزاتِ هلْ صدقُهُ ممكنٌ أوْ
تقولُ : أعلمُ أنَّهُ محالٌ كما أعلمُ استحالةَ كونِ شخصٍ واحدٍ في مكانينٍ في
حالةٍ واحدةٍ ؟
فإنْ قالَ : ( أعلمُ استحالتَهُ كذلكَ) .. فهوَ أخرقُ معتوهُ، وكأنَّهُ
لا وجودَ لمثلٍ هذا في العقلاءِ .
وإنْ قالَ : ( أنا شاٌ فيهِ) .. فيُقالُ: لوْ أخبركَ شخصٌ واحدٌ مجهولٌ
عندَ تركِكَ طعامَكَ في البيتِ لحظةً أنَّهُ قَدْ ولَغَتْ فِيهِ حيَّةٌ وألقَتْ سمَّها فيهِ ،
وجوزتَ صدقَهُ .. فهلْ تأكلُهُ أوْ تتركُهُ وإنْ كانَ ألذَّ الأطعمةِ ؟ فيقولُ :
( أتركُهُ لا محالةَ ؛ لأنيِّ أقولُ : إنْ كذبَ . . فلا يفوتني إلا هذا الطعامُ ،
والصبرُ عنهُ وإنْ كانَ شديداً فهوَ قريبٌ ، وإنْ صدقَ .. فتفوتُي الحياةُ ،
والموتُ بالإضافةِ إلى ألمِ الصبرِ عنِ الطعامِ وإضاعتِهِ شديدٌ)، فيُقالُ لهُ :
يا سبحانَ اللهِ! كيفَ تؤخِّرُ صدقَ الأنبياءِ كلِّهِمْ معَ ما ظهرَ لهُمْ مِنَ المعجزاتِ
وصدقِ كافَّةِ العلماءِ والأولياءِ والحكماءِ بلْ جميع أصنافِ العقلاءِ ولستُ
أعني بِهِمْ جهَّالَ العوامِّ ، بلْ ذوي الألبابِ .. عن صدقٍ رجلٍ واحدٍ مجهولٍ
لعلَّ لهُ غرضاً فيما يقولُ ؟!
بدون
ـحن
١٩٨

ربع المنجيات
کتاب التوبة
فليسَ في العقلاءِ إلا مَنْ صدَّقَ باليوم الآخرِ ، وأثبتَ ثواباً وعقاباً ، وإن
اختلفوا في كيفيتِهِ ، فإنْ صدقوا .. فقدْ أشرفتَ على عذابٍ يبقى أبد الآبادِ ،
وإنْ كذبوا .. فلا يفوتُكَ إلا بعضُ شهواتِ هُذهِ الدنيا الفانيةِ المكدرةِ .
جن
ـمحة
فلا يبقى لهُ توقُّفٌ إنْ كانَ عاقلاً معَ هذا الفكرِ ؛ إذْ لا نسبةَ لمدَّةِ العمرِ
إلى أبدِ الآبادِ ، بلْ لوْ قدَّرْنا أنَّ الدنيا مملوءةٌ بالذُّرَةِ ، وقدَّرْنا طائراً يلتقطُ في
كلِّ ألفِ ألفِ سنةٍ حبَّةً واحدةً منها .. لفنيَتِ الذُّرةُ ، ولمْ ينقصْ من أبد الآبادِ
شيءٌ، فكيفَ يفترُ رأيُ العاقلِ في الصبرِ عنِ الشهواتِ مئةَ سنةٍ مثلاً لأجلٍ
سعادةٍ تبقى أبدَ الآبادِ وذلكَ لا منتهى لهُ ؟!
حن
ولذلكَ قالَ أبو العلاءِ المعرِّيُّ(١):
[من الكامل]
قالَ الْمُنَجِّمُ وَالطَّبِيبُ كِلاهُما لا تُبُعَثُ الأَمْواتُ قُلْتُ إِلَيْكُما
أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالْخَسارُ عَلَيْكُما
إِنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ
ولذلكَ قالَ أميرُ المؤمنينَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ لبعضٍ مَنْ قصرَ عقلُهُ عنْ
فهم تحقيقِ الأمورِ وكانَ شاكّاً : (إنْ صحَّ ما قلتُ .. فقدْ تخلصنا جميعاً ،
وإلا .. فقدْ تخلصنا وهلكتَ)(٢) أي: العاقلُ يسلكُ طريقَ الأمنِ في جميعٍ
الأحوالِ .
(١) شرح اللزوميات (٣/ ١٣٣ ).
(٢) أورده الشريف في ((نهج البلاغة)). ((إتحاف)) (٤٣٢/٨).
١٩٩
من حن
-حن
حن

كتاب التوبة
ربع المنجيات
فإنْ قلتَ : هذهِ الأمورُ جليَّةٌ، ولكنَّها ليسَتْ تُنالُ إلا بالفكرِ ، فما بالُ
القلوبِ هجرَتِ الفكرَ فيها واستثقلَتْهُ؟ وما علاجُ القلوبِ لردِّها إلى الفكرِ
لا سيما مَنْ آمَنَ بأصلِ الشرعِ وتفصيلِهِ ؟
فاعلمْ : أنَّ المانعَ مِنَ الفكرِ أمرانِ :
أحدُهُما : أنَّ الفكرَ النافعَ هوَ الفكرُ في عقابِ الآخرةِ ، وأهوالِها
وشدائدِها ، وحسراتِ العاصينَ في الحرمانِ عنِ النعيمِ المقيمِ ، وهذا فكرٌ
الدَّاعٌ مؤلمٌ للقلبِ ، فينفرُ القلبُ عنهُ، ويتلذَّذُ بالفكرِ في أمورِ الدنيا على
سبيلِ التفرّجِ والاستراحةِ .
والثاني : أنَّ الفكرَ شغلٌ في الحالِ مانعٌ مِنْ لذائذِ الدنيا وقضاءِ
الشهواتِ ، وما مِنْ إنسانٍ إلا ولهُ في كلِّ حالةٍ مِنْ أحوالِهِ ونَفَسٍ مِنْ أنفاسِهِ
شهوةٌ قدْ تسلطَتْ عليهِ واسترقَّتْهُ ، فصارَ عقلُهُ مسخّراً لشهوتِهِ ، فهوَ مشغولٌ
بتدبيرِ حيلتِهِ ، وصارَتْ لذَّتُهُ في طلبِ الحيلةِ فيهِ أوْ في مباشرةٍ قضاءٍ
الشهوةِ ، والفكرُ يمنعُهُ مِنْ ذلكَ .
وأمَّا علاجُ هذينِ المانعينِ :
فهو أنْ يقولَ لقلبهِ : ما أشدَّ غباوتَكَ في الاحترازِ مِنَ الفكرِ في الموتِ
وما بعدَهُ تألُّماً بذكرِهِ معَ استحقارِ ألمٍ مواقعتِهِ ! فكيفَ تصبرُ على مقاساتِهِ إذا
وقعَ وأنتَ عاجزٌ عنِ الصبرِ على تقديرِ الموتِ وما بعدَهُ ومتألِّمٌ بهِ ؟!
وأمَّا الثاني وهوَ كونُ الفكرِ مفوّتاً للذَّاتِ الدنيا .. فهوَ أنْ يتحقَّقَ أنَّ فواتَ
٢٠٠