النص المفهرس

صفحات 161-180

ربع المنجيات
كتاب التوبة
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فكانَ بعضُ الصحابةِ يقولُ: ( كانَ لنا
أمانانِ، ذهبَ أحدُهُما وهوَ كونُ الرسولِ فينا، وبقيَ الاستغفارُ معنا ، فإنْ
ذهبَ .. هلكنا)(١).
فنقولُ : الاستغفارُ الذي هوَ توبةُ الكذابينَ : هوَ الاستغفارُ بمجرَّدٍ
اللسانِ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ للقلبِ فيهِ شِرْكٌ؛ كما يقولُ الإنسانُ بحكْمِ العادةِ
وعنْ رأسِ الغفلةِ: ( أستغفرُ اللهَ) ، وكما يقولُ إذا سمعَ صفةَ النارِ :
( نعوذُ باللهِ منها ) مِنْ غيرِ أنْ يتأثَّرَ بهِ قلبُهُ ، وهذا يرجعُ إلى مجرَّدِ حركةٍ
اللسانِ ، ولا جدوى لهُ .
فأمَّا إذا انضافَ إليهِ تضرُّعُ القلبِ إلى اللهِ تعالى، وابتهالُهُ في سؤالٍ
المغفرةِ عنْ صدقِ إرادةٍ وخلوصٍ نيّةٍ ورغبةٍ ، فهذهِ حسنةٌ في نفسِها ،
فتصلحُ لأَنْ تُدُفعَ بها السيئةُ، وعلى هذا تحملُ الأخبارُ الواردةُ في فضلٍ
الاستغفارِ، حتَّى قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما أصرَّ مَنِ استغفرَ ولوْ عادَ
في اليوم سبعينَ مرَّةً ))(٢) ، وهوَ عبارةٌ عنِ الاستغفارِ بالقلبِ .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٩٣/٤) من قول أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، كما
روي أيضاً عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم ، وروى الترمذي ( ٣٠٨٢) من
حديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعاً: (( أنزل الله عليَّ أمانين لأمتي ﴿ وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فإذا مضيت .. تركت فيهم
الاستغفار إلى يوم القيامة )).
(٢) رواه أبو داوود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩) .
١٦١

كتاب التوبة
ربع المنجيات
حن
ويري
وللتوبة والاستغفارِ درجاتٌ، وأوائلُها لا تخلو عن الفائدةِ وإنْ لمْ تنتهِ إلى
أواخرِها، ولذلكَ قالَ سهلٌ: ( لا بدَّ للعبدِ في كلِّ حالٍ مِنْ مولاهُ ، فأحسنُ
أحوالِهِ أنْ يرجعَ إليهِ في كلِّ شيءٍ ، فإنْ عصىُ .. قالَ: يا ربِّ؛ استرْ عليَّ ،
فإذا فرغَ مِنَ المعصيةِ .. قالَ: يا ربِّ؛ تبْ عليَّ، فإذا تابَ .. قالَ:
يا ربّ؛ ارزقني العصمةَ، وإذا عملَ .. قالَ: يا ربِّ؛ تقبلْ منِّي)(١) .
وسُئِلَ أيضاً عنِ الاستغفارِ الذي يكفِّرُ الذنوبَ، فقالَ: (أوَّلُ الاستغفار
الاستجابةُ، ثمَّ الإنابةُ، ثمَّ التوبةُ، فالاستجابةُ أعمالُ الجوارحِ، والإنابةُ
١
أعمالُ القلوب ، والتوبةُ إقبالُهُ على مولاهُ بأنْ يتركَ الخلْقَ ، ثمَّ يستغفرُ اللهَ
مِنْ تقصيرِهِ الذي هوَ فيهِ ، ومِنَ الجهلِ بالنعمةِ وتركِ الشكرِ ، فعندَ ذلكَ يُغفرُ
لهُ، ويكونُ عندَهُ مأواهُ ، ثمَّ التنقُّلُ إلى الانفرادِ ، ثمَّ الثباتُ، ثمَّالبيانُ، ثمَّ
القرْبُ، ثمَّ المعرفةُ، ثمَّ المناجاةُ، ثمَّ المصافاةُ، ثمَّ الموالاةُ، ثمَّ محادثةُ
السرِّ وهوَ الخلَّةُ، ولا يستقرُّ هذا في قلبٍ عبدٍ حتَّى يكونَ العلمُ غذاءَهُ ،
والذكرُ قوامَهُ، والرضا زادَهُ، والتوكُّلُ صاحبَهُ، ثمَّ ينظرُ اللهُ إليهِ، فيرفعُهُ
إلى العرشِ، فيكونُ مقامُهُ مقامَ حملةِ العرشِ)(٢).
وسُئِلَ أيضاً عنْ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( التائبُ حبيبُ اللهِ))(٣)،
حن كن جم
(١) قوت القلوب (١٩٠/١).
(٢) قوت القلوب (١/ ١٩٠)، وقد زاد في المعطوفات: (والتفويض مراده، والتوكل
صاحبه٠٠٠ ) .
(٣) هذا الحديث قد نصَّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِرِينَ﴾
١٦٢
حر

ربع المنجيات
كتاب التوبة
فقالَ : ( إنَّما يكونُ حبيباً إذا كانَ فيهِ جميعُ ما ذُكِرَ في قولهِ تعالى :
﴿التَّهِبُونَ الْعَبِدُونَ ... ) الآيةَ)، وقالَ: ( الحبيبُ هوَ الذي
لا يدخلُ فيما يكرهُهُ حبيبُهُ ) .
والمقصودُ : أَنَّ للتوبةِ ثمرتينٍ :
إحداهما : تكفيرُ السيئاتِ ، حتَّى يصيرَ كمَنْ لا ذنبَ لهُ .
والثانيةُ : نيلُ الدرجاتِ ، حتَّى يصيرَ حبيباً .
تن.
وللتكفيرِ أيضاً درجاتٌ، فبعضُهُ محوٌ لأصلِ الذنبِ بالكليَّةِ ، وبعضُهُ
تخفيفٌ لهُ ، ويتفاوتُ ذلكَ بتفاوتِ درجاتِ التوبةِ ، فالاستغفارُ بالقلبِ
والتداركُ بالحسناتِ وإنْ خلا عنْ حلِّ عقدةِ الإصرارِ مِنْ أوائلِ الدرجاتِ
فليسَ يخلو عنِ الفائدةِ أصلاً ، فلا ينبغي أنْ يُظنَّ أنَّ وجودَها كعدمِها ، بلْ
عرفَ أهلُ المشاهدةِ وأربابُ القلوبِ معرفةً لا ريبَ فيها أنَّ قولَ اللهِ تعالى :
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَا يَرَهُ﴾ صدقٌ، وأنَّهُ لا تخلو ذرَّةٌ مِنَ الخيرِ
عنْ أثرٍ ، كما لا تخلو شعيرةٌ تطرحُ في الميزانِ عنْ أثرٍ ، ولوْ خَلَتِ الشعيرةُ
الأولىْ عنْ أثرٍ .. لكانَتِ الثانيةُ مثلَها، ولكانَ لا يترجَّحُ الميزانُ بأحمالٍ
الذرّاتِ ، وذلكَ بالضرورةِ محالٌ ، بلْ ميزانُ الحسناتِ يترجَّحُ بذراتِ
الخيراتِ إلى أنْ يثقلَ فَتُشِيلَ كفَّةَ السيئاتِ ، فإِيَّاكَ أنْ تستصغرَ ذرَّاتِ الطاعاتِ
= وروى ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (١٨٤) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً :
((إن الله يحب الشاب التائب)).
١٦٣

كتاب التوبة
ربع المنجيات
فلا تأتيَها ، وذراتِ المعاصي فلا تتقيَّها ؛ كالمرأةِ الخرقاءِ ، تكسلُ عن
الغزلِ تعلُّلاً بأنَّها لا تقدرُ في كلِّ ساعةٍ إلا على خيطٍ واحدٍ وتقولُ : ( أيُّ
غنىّ يحصلُ بخيطٍ ؟ وما وقْعُ ذلكَ في الثيابِ ؟! ) ، ولا تدري المعتوهةُ أنَّ
ثيابَ الدنيا اجتمعَتْ خيطاً خيطاً ، وأنَّ أجسامَ العالمِ معَ اتساعِ أقطارِهِ
اجتمعَتْ ذِرَّةً ذرَّةٌ .
فإذاً ؛ التضرّعُ والاستغفارُ بالقلبِ حسنةٌ لا تضيعُ عندَ اللهِ أصلاً ، بلْ
أقولُ : الاستغفارُ باللسانِ أيضاً حسنةٌ ؛ إذْ حركةُ اللسانِ بها عنْ غفلةٍ خيرٌ
منْ حركةِ اللسانِ في تلكَ الساعةِ بغيبةٍ مسلمٍ أوْ فضولِ كلامٍ ، بلْ هوَ خيرٌ مِنَ
السكوتِ عنهُ ، فيظهرُ فضلُهُ بالإضافةِ إلى السكوتِ عنهُ ، وإنَّما يكونُ نقصاناً
بالإضافةِ إلى عملِ القلبِ ، ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ لشيخِهِ أبي عثمانَ المغربيِّ:
إنَّ لساني في بعضِ الأحوالِ (١) يجري بالذكرِ والقرآنِ وقلبي غافلٌ، فقالَ :
اشكرِ اللهَ إذِ استعملَ جارحةً مِنْ جوارحِكَ في الخيرِ ، وعوَّدَهُ الذكرَ ، ولمْ
يستعملْهُ في الشرِّ، ولمْ يعوِّدْهُ الفضولَ .
وما ذكرَهُ حقٌّ ، فإنَّ تعوُّدَ الجوارح للخيراتِ حتَّى يصيرَ لها ذلكَ كالطبع
يدفعُ جملةً مِنَ المعاصي ، فمَنْ تعوَّدَ لسانُهُ الاستغفارَ إذا سمعَ مِنْ غيرِهِ
كذباً .. سبقَ لسانُهُ إلى ما تعوَّدَهُ فقالَ: ( أستغفرُ اللهَ)، ومَنْ تعوَّدَ
الفضولَ .. سبقَ لسانُهُ إلى أنْ يقولَ: ( ما أحمقَكَ، وما أقبحَ كذبَكَ! ) ،
ومَنْ تعوَّدَ الاستعاذةَ إذا حُدِّثَ بظهورِ مبادي الشرِّ مِنْ شريرٍ .. قالَ بحكْمٍ
(١) في (س): ( الأوقات) بدل ( الأحوال ).
شمس
:: CG
جم / جم حن جن جن حنحن من
١٦٤
جن

ربع المنجيات
كتاب التوبة
سبقِ اللسانِ : ( نعوذُ باللهِ)، وإذا تعوَّدَ الفضولَ .. قالَ: ( لعنَهُ اللهُ) ،
فيعصي في إحدى الكلمتينِ ويسلمُ في الأخرى ، وسلامتُهُ أَثرُ اعتيادٍ لسانِهِ
الخيرَ ، وهوَ مِنْ جملةِ معاني قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾،
ومعاني قولِهِ تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَُّنّهُ أَجْرًّا عَظِيمًا﴾ ..
فانظر كيفَ ضاعفَها إذْ جعلَ الاستغفارَ في الغفلةِ عادةً اللسانِ حتَّى دفعَ
بتلكَ العادةِ شرَّ العصيانِ بالغيبةِ واللعنِ والفضولِ ، هذا تضعيفٌ في الدنيا
الأَدنى الطاعاتِ ، وتضعيفُ الآخرةِ أكبرُ ، لوْ كانوا يعلمونَ .
عن
یہےـ
حن
فإِيَّاكَ وأنْ تلمحَ في الطاعاتِ مجرَّدَ الآفاتِ ، فتفترَ رغبتُكَ عنِ
العباداتِ ، فإنَّ هذهِ مكيدةٌ روَّجَها الشيطانُ بلعنتِهِ على المغرورينَ، وخيَّلَ
إليهِمْ : إنَّكُمْ أربابُ البصائرِ، وأهلُ التفطُّنِ للخفايا والسرائرِ ، فأيُّ خيرٍ في
ذكرٍ باللسانِ معَ غفلةِ القلبِ ؟!
فانقسمَ الخلقُ في هذهِ المكيدةِ إلى ثلاثةِ أقسام : ظالمٌ لنفسِهِ ،
ومقتصدٌ ، وسابقٌ بالخيراتِ .
أمّا السابقُ : فقالَ : ( صدقتَ يا ملعونُ ، ولكنْ هيَ كلمةُ حقِّ أردتَ بها
باطلاً ، فلا جرمَ أعذّبُّكَ مرَّتينٍ ، وأرغمُ أنفَكَ مِنْ وجهينِ ، فأضيفُ إلى
حركةِ اللسانِ حركةَ القلبِ ) ، فكانَ كالذي داوى جرْحَ الشيطانِ بنشرِ الملحِ
عليه .
وأمَّا الظالمُ المغرورُ : فاستشعرَ في نفسِهِ خيلاءَ الفطنةِ لههذهِ الدقيقةِ ،
١٦٥

كتاب التوبة
ے
ربع المنجيات
ثمَّ عجزَ عنِ الإخلاصِ بالقلبِ ، فتركَ معَ ذلكَ تعويدَ اللسانِ بالذكرِ ،
فأسعفَ الشيطانَ بمرادِهِ ، وتدلَّى بحبلِ غرورِهِ ، فتمَّتْ بِينَهُما المشاكلةُ
والموافقةُ، كما قيلَ: ( وافقٌ شرٌّ طبقَهْ، وافقَهُ فاعتنقَهُ)(١).
" وأمَّا المقتصدُ : فلمْ يقدرْ على إرغامِهِ بإشراكِ القلبِ في العملِ ، وتفطَّنَ
لنقصانِ حركةِ اللسانِ بالإضافةِ إلى القلبِ ، ولكنِ اهتدى إلى كمالِهِ بالإضافةِ
إلى السكوتِ والفضولِ ، فاستمرَّ عليهِ، وسألَ اللهَ تعالىُ أنْ يشركَ القلبَ معَ
اللسانِ في اعتيادِ الخيرِ .
ES
فكانَ السابقُ كالحائكِ الذي ذُمَّتْ حياكتُهُ فتركَها وأصبحَ كاتباً ، والظالمُ
المتخلِّفُ كالذي تركَ الحياكةَ أصلاً وأصبحَ كنَّاساً ، والمقتصدُ كالذي عجزَ
عنِ الكتابةِ فقالَ : ( لا أنكرُ مذمَّةَ الحياكةِ ، ولكنَّ الحائكَ مذمومٌ بالإضافةِ
إلى الكاتبِ ، لا بالإضافةِ إلى الكنَّاسِ ، فإذا عجزتُ عنِ الكتابةِ .. فلا أتركُ
الحياكةَ ) .
C
ـحن
ولذلكَ قالَتْ رابعةُ العدويَّةُ: ( استغفارُنا يحتاجُ إلى استغفارٍ ) ، فلا
تظنَّ أنَّها تذمُ حركةَ اللسانِ مِنْ حيثُ إنَّهُ ذكرُ اللهِ ، بلْ تذمُّ غفلةَ القلبِ ، فهوَ
(١) مثل مشهور يضرب لاثنين جمعتهما حالة واحدة فاتفقا بها ، ومنهم من يجعله رجزاً
مجزوءاً، وشنٌّ وطبقٌ اسمان لرجلين على الراجح ، أو علمان على قبيلتين ، أو على
رجل وامرأة ، وقيل غير ذلك ، والهاء في ( طبقه ) للسكت لموافقة السجعة في
الأوليين، وانظر ((مجمع الأمثال)) ( ٤٨٨/٣)، وقال فيه الميداني : (وزاد
المتأخرون فيه : وافقه فاعتنقه ) .
١٦٦

ربع المنجيات
كتاب التوبة
يحتاجُ إلى الاستغفارِ مِنْ غفلةِ قلبهِ ، لا مِنْ حركةٍ لسانِهِ ، فإنْ سكتَ عنِ
الاستغفار باللسانِ أيضاً .. احتاجَ إلى استغفارينِ ، لا إلى استغفارٍ واحدٍ .
فهكذا ينبغي أنْ تفهمَ ذَّ ما يُذُ ، وحمدَ ما يُحمدُ ، وإلا .. جهلتَ
معنى ما قالَ القائلُ الصادقُ: ( حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقرَّبِينَ)(١)، فإنَّ
هذهِ أمورٌ تثبتُ بالإضافةِ، فلا ينبغي أنْ تُؤُخذَ مِنْ غيرِ إضافةٍ (٢) ، بلْ ينبغي
ألا تستحقرَ ذَرَّاتِ الطاعاتِ والمعاصي ، ولذلكَ قالَ جعفرٌ الصادقُ
رحمةُ اللهِ عليهِ : ( إنَّ اللهَ تعالى خبّاً ثلاثاً في ثلاثٍ ؛ رضاهُ في طاعتِهِ ، فلا
تحْقِروا منها شيئاً ؛ فلعلَ رضاهُ فيهِ ، وخبّاً غضبَهُ في معاصيهِ ، فلا تحقروا
منها شيئاً ، فلعلَّ غضبَهُ فيهِ ، وخبّاً ولايتَهُ في عبادِهِ ، فلا تحقروا منهُمْ
أحداً، فلعلَّهُ وليُّ اللهِ تعالى)، وزادَ : (وخبَّأَ إجابتَهُ في دعائِهِ ، فلا تتركوا
الدعاءَ ، فربّما كانتِ الإجابةُ فيهِ )(٣) .
مـ
(١) كلمة مشهورة لأبي سعيد الخرّاز، تقدمت للمصنف غير مرة .
(٢) في (ب ) هنا زيادة: ( فلا ينبغي أن توجد وحدها) .
(٣) قوت القلوب (٢٠٧/١)، ورواه البيهقي في ((الزهد)) ( ٧٥٩) من كلام ذي النون
المصري رحمه الله تعالى .
١٦٧
حن كن حن.
حن حن
حن كة

كتاب التوبة
ربع المنجيات
جم
الرُّكنُ الرَّابِعُ
في دواء التوبة وطريق العلاج لكلّ عقدة الإصرار
اعلمْ : أنَّ الناسَ قسمانِ :
- شابٌ لا صبوةَ لهُ، نشأ على الخيرِ واجتنابِ الشرِّ ، وهوَ الذي قالَ فيهِ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يعجبُ ربُّكَ مِنْ شابٌّ ليسَتْ لهُ
صبوةٌ))(١)، وهذا عزيزٌ نادرٌ .
- القسمُ الثاني : هوَ الذي لا يخلو عنْ مقارفةِ الذنوبِ، ثمَّ همُ ينقسمونَ
إلى مصرِّينَ وإلى تائبينَ، وغرضُنا أنْ نبيِّنَ العلاجَ في حلِّ عقدةِ الإصرارِ ،
ونذكرَ الدواءَ فيهِ .
فاعلمْ : أنَّ شفاءَ التوبةِ لا يحصلُ إلا بالدواءِ ، ولا يقفُ على الدواءِ مَنْ
لا يقفُ على الداءِ؛ إذْ لا معنى للدواءِ إلا مناقضةٌ أسبابِ الداءِ ، فكلُّ داءٍ حصلَ
(١) رواه أحمد في «المسند)) (١٥١/٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٠٩/١٧) من
حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعاً ، ورواه موقوفاً عليه ابنُ المبارك في
((الزهد)) ( ٣٤٩)، والعجب: كون الشيء خارجاً عن نظائره من جنسه حتى يكون
نظره في صفة ويكون استعظام الشيء واستكباره لخروجه عن العادة وبعده ، وذلك مما
ينزه عن مثله الباري تعالى ، فيؤول بمعنى يعظم قدره عنده فيحيز له أجره ، وإنما عبر
بذلك تقريباً لأفهام العرب. ((إتحاف)) (٦٠٨/٨).
١٦٨

ربع المنجيات
كتاب التوبة
مِنْ سببٍ فدواؤُهُ حلُّ ذلكَ السبب ورفعُهُ وإبطالُهُ ، ولا يبطلُ الشيءُ إلا بضدِّهِ .
ولا سببَ للإصرارِ إلا الغفلةُ والشهوةُ، ولا يضادُّ الغفلةَ إلا العلمُ ،
ولا يضادُّ الشهوةَ إلا الصبرُ على قطع الأسبابِ المحرِّكةِ للشهوةِ ، والغفلةُ
رأسُ الخطايا، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ﴾ لَ جَرَمَ
أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِهُمُ الْخَسِرُونَ﴾.
فلا دواءَ إذاً للتوبةِ إلا معجونٌ يعجنُ مِنْ حلاوةِ العلمِ ومرارةِ الصبرِ ؛ كما
يجمعُ السَّكَنْجَبِينُ بينَ حلاوةِ السكرِ وحموضةِ الخلِّ ، ويُقصدُ بكلِّ واحدٍ
منهُما غرضٌ آخرُ في العلاجِ بمجموعِهِما ، بقمع الأسبابِ المهيِّجةِ
للصفراءِ ؛ فهكذا ينبغي أنْ تفهمَ علاجَ القلبِ عمَّا بهِ مِنْ مرضِ الإصرارِ .
جر
فإِذاً ؛ لهذا الدواءِ أصلانِ: أحدُهُما : العلمُ، والآخرُ : الصبرُ ، فلا
بدَّ مِنْ بیانِهِما .
فإِنْ قلتَ : أينفعُ كلُّ علمٍ لحلّ الإصرارِ أمْ لا بدَّ مِنْ علمٍ مخصوصٍ ؟
فاعلمْ : أنَّ العلومَ بجملتِها أدويةٌ لأمراضِ القلوبِ ، ولكنْ لكلِّ مرضٍ
علمٌ يخصُّهُ ؛ كما أنَّ علمَ الطبِّ نافعٌ في علاج الأمراضِ بالجملةِ ، ولكنْ
يخصُّ كلَّ عَلَّةٍ علمٌ مخصوصٌ ؛ فكذلكَ داءُ الإصرارِ .
فلنذكرْ خصوصَ ذلكَ العلمِ على موازنةِ مرضٍ الأبدانِ ؛ ليكونَ أقربَ
إلى الفهمِ ، فنقولُ :
١٦٩

كتاب التوبة
ربع المنجيات
يحتاجُ المريضُ إلى التصديقِ بأمورٍ أربعةٍ :
25.0
الأوَّلُ : أَنْ يصدِّقَ على الجملةِ بأنَّ للمرضِ والصحَّةِ أسباباً يتوضَّلُ إليها
بالاختيارِ ، على ما رتَبَّهُ مسبِّبُ الأسبابِ ، وهذا هوَ الإيمانُ بأصلِ الطبِّ ،
فإنَّ مَنْ لا يؤمنُ بهِ .. لا يشتغلُ بالعلاجِ ، ويحثُّ عليهِ الهلاكُ.
وهذا وِزانُهُ ممَّا نحنُ فيهِ الإيمانُ بأصلِ الشرعِ ، وهوَ أنَّ للسعادةِ في
الآخرةِ سبباً هوَ الطاعةُ ، وللشقاوةِ سبباً هوَ المعصيةُ ، وهذا هوَ الإيمانُ
بأصلِ الشرائع ، وهذا لا بدَّ مِنْ حصولِهِ إمَّا عنْ تحقيقٍ أوْ تقليدٍ ، وكلاهما
مِنْ جملةِ الإِيمانِ .
الثاني : أنَّهُ لا بدَّ أنْ يعتقدَ المريضُ في طبيبٍ معيَّنِ أنَّهُ عالمٌ بالطبِّ ،
حاذقٌ فِيهِ ، صادقٌ فيما يعبِّرُ عنهُ، لا يلُِّ ولا يكذبُ، فإنَّ إيمانَهُ بأصلِ
الطبِّ لا ينفعُهُ بمجرَّدِهِ دونَ هذا الإيمانِ .
ووِزانُهُ ممَّا نحنُ فيهِ العلمُ بصدْقِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
والإيمانُ بأنَّ كلَّ ما يقولُهُ حقٌّ وصدْقٌ ، لا كذبَ فيهِ ولا خُلْفَ .
ـحر
الثالثُ : أَنَّهُ لا بدَّ أنْ يصغيَ إلى الطبيبِ فيما يحذُّرُهُ مضرَّتَهُ ؛ مِنْ تناولٍ
الفواكهِ ، والأسبابِ المضرَّةِ على الجملةِ ، حتَّى يغلبَ عليهِ الخوفُ في تركٍ
الاحتماءِ ، فتكونَ شدَّةُ الخوفِ باعثةً لهُ على الاحتماءِ .
ووِزانُهُ مِنَ الدينِ الإصغاءُ إلى الآياتِ والأخبارِ المشتملةِ على الترغيبِ
في التقوى والتحذيرِ مِنِ ارتكابِ الذنوبِ واتباع الهوى ، والتصديقُ بجميع
١٧٠
مكن
ரு

ربع المنجيات
كتاب التوبة
ما يُلقى إلى سمعِهِ مِنْ ذلكَ مِنْ غيرِ شكِّ واسترابةٍ ، حتَّى ينبعثَ بهِ الخوفُ
المقوِّي على الصبرِ ، الذي هوَ الركنُ الآخرُ في العلاجِ .
الرابعُ : أنْ يصغيَ إلى الطبيبِ فيما يخصُّ مرضَهُ ، وفيما يلزمُهُ في نفسِهِ
الاحتماءُ عنهُ؛ ليعرِّفَهُ أَوَّلاً تفصيلَ ما يضرُّهُ مِنْ أفعالِهِ وأحوالِهِ ، ومأكولِهِ
ومشروبِهِ ، فليسَ على كلِّ مريضٍ الاحتماءُ عنْ كلِّ شيءٍ ، ولا ينفعُهُ كلُّ
دواءٍ ، بلْ لكلِّ علَّةٍ خاصَّةٍ علمٌ خاصٌّ ، وعلاجٌ خاصٌّ .
ـه
ووِزانُهُ مِنَ الدينِ أَنَّ كلَّ عبدٍ فليسَ يُبتلى بكلِّ شهوةٍ ، وارتكابٍ كلِّ
ذنبٍ، بلْ لكلِّ مؤمنٍ ذنبٌ مخصوصٌ أوْ ذنوبٌ مخصوصةٌ، وإنَّما حاجتُهُ
في الحالِ مرهقةٌ إلى العلمِ بأنَّها ذنوبٌ ، ثمَّ إلى العلمِ بآفاتِها وقدْرِ ضررِها
في الدينِ ، ثمَّ إلى العلمِ بكيفيةِ التوصُّلِ إلى الصبرِ عنها، ثمَّ إلى العلمِ
بكيفيةِ تكفيرٍ ما سبقَ منها ، فهذهِ علومٌ يختصُّ بها أطباءُ الدينِ ، وهمُ
العلماءُ الذينَ هُمْ ورثةُ الأنبياءِ .
٣
فالعاصي إنْ علمَ عصيانَهُ .. فعليهِ طلبُ العلاجِ مِنَ الطبيبِ ، وهوَ
العالمُ، فإنْ كانَ لا يدري أنَّ ما يرتكبُهُ ذنبٌ .. فعلى العالم أنْ يعرِّفَهُ ذلكَ ،
وذلكَ بأنْ يتكفَّلَ كلُّ عالمٍ بإقليمٍ أوْ بلدةٍ أوْ محلَّةٍ أوْ مسجدٍ أوْ مشهدٍ فيعلُّمَ
أهلَهُ دينَهُمْ، ويميِّزَ ما يضرُّهُمْ عمَّا ينفعُهُمْ، وما يشقيهِمْ عمَّا يسعدُهُمْ،
ولا ينبغي أنْ يصبرَ إلى أنْ يُسألَ عنهُ ، بلْ ينبغي أنْ يتصدَّى لدعوةِ الناسِ إلى
نفسِهِ ، فإنَّهُمْ ورثةُ الأنبياءِ ، والأنبياءُ ما تركوا الناسَ على جهلِهِمْ، بلْ كانوا
١٧١

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ينادونَهُمْ في مجامعِهِمْ، ويدورونَ على أبوابِ دورِهِمْ في الابتداءِ ،
ويطلبونَ واحداً واحداً فيرشدونَهُمْ، فإنَّ مرضى القلوبِ لا يعرفونَ
مرضَهُمْ ؛ كما أنَّ الذي ظهرَ على وجهِهِ برصٌ ولا مرآةَ معَهُ لا يعرفُ برصَهُ
ما لمْ يعرِّفْهُ غيرُهُ ، وهذا فرضُ عينٍ على العلماءِ كافةً .
G
وعلى السلاطينِ كافةً أنْ يرتِبُّوا في كلِّ قريةٍ وكلِّ محلَّةٍ فقيهاً متديّناً ،
يعلُّمُ الناسَ دينَهُمْ، فإنَّ الخلقَ لا يُولدونَ إلا جهَّالاً، فلا بدَّ مِنْ تبليغ
الدعوةِ إليهِمْ في الأصلِ والفرع ، فالدنيا دارُ المرضى ؛ إذ ليسَ في بطنٍ
الأرضِ إلا ميِّتُ ، ولا على ظهرِها إلا سقيمٌ، ومرضُ القلوبِ أكثرُ مِنْ
مرضٍٍ الأبدانِ ، والعلماءُ أطباءُ القلوبِ ، والسلاطينُ قُوَّامُ دارِ المرضى ،
فكلُّ مريضٍ لمْ يقبلِ العلاجَ بمداواةِ العالمِ يُسلَّمُ إلى السلطانِ ليكفَّ شرَّهُ ،
كما يُسلِّمُ الطبيبُ المريضَ الذي لا يحتمي أوِ الذي غلبَ عليهِ الجنونُ إلى
القيِّمِ ليقيِّدَهُ بالسلاسلِ والأغلالِ ويكفَّ شرَّهُ عنْ نفسِهِ وعنْ سائرِ الناسِ .
وإنَّما صارَ مرضُ القلوبِ أكثرَ مِنْ مرضِ الأبدانِ لثلاثٍ عللٍ :
إحداها : أنَّ المريضَ بهِ لا يدري أنَّهُ مريضٌ .
والثانيةُ : أَنَّ عاقبتَهُ غيرُ مشاهدةٍ في هذا العالمِ ، بخلافِ مرضٍ البدنِ ،
فإِنَّ عاقبتَهُ موتٌ مشاهدٌ، تنفرُ الطباعُ منهُ، وما بعدَ الموتِ غيرُ مشاهدٍ ،
وعاقبةُ الذنوبِ موتُ القلبِ، وهوَ غيرُ مشاهدٍ في هذا العالمِ ، فقلَّتِ النفرةُ
عنِ الذنوبِ وإنْ علمَها مرتكبُها ، فلذلكَ تراهُ يتكلُ على فضلِ اللهِ في مرضٍ
ـحر
١٧٢
بحر

ربع المنجيات
كتاب التوبة
القلبِ ويجتهدُ في علاج مرضٍ البدنِ مِنْ غيرِ اتكالٍ .
والثالثةُ - وهيَ الداءُ العضالُ -: فقدُ الطبيبِ، فإنَّ الأطباءَ همُ العلماءُ ،
وقدْ مرضوا في هذهِ الأعصارِ مرضاً شديداً عجزوا عنْ علاجِهِ ، وصارَتْ
لهُمْ سلوةٌ في عمومِ المرضِ حتَّى لا يظهرَ نقصانُهُمْ، فاضطروا إلى إغواءِ
الخلقِ ، والإشارةِ عليهمْ بما يزيدُهُمْ مرضاً ؛ لأنَّ الداءَ المهلكَ هوَ حبُّ
الدنيا ، وقدْ غلبَ هذا الداءُ على الأطباءِ ، فلمْ يقدروا على تحذيرِ الخلقِ
منهُ ؛ استنكافاً مِنْ أَنْ يُقالَ لهُمْ: فما بالْكُمْ تأمرونَ بالعلاج وتنسونَ
أنفسَكُمْ؟! فبهذا السببِ عمَّ على الخلقِ الداءُ، وعظمَ الوباءُ ، وانقطعَ
الدواءُ ، وهلكَ الخلقُ لفقدِ الأطباءِ ، بلِ اشتغلَ الأطباءُ بفنونِ الإغواءِ ،
فليتَهُمْ إذْ لمْ ينصحوا .. لمْ يغثُّوا، وإذْ لمْ يصلحوا .. لمْ يفسدوا ، وليتَهُمْ
سكتوا وما نطقوا ، فإنَّهُمْ إذا تكلموا .. لمْ يهمُّهُمْ في مواعظِهِمْ إلا ما يرغِّبُ
العوامّ(١)، ويستميلُ قلوبَهُمْ، ولا يتوصَّلونَ إلى ذلكَ إلا بالإرجاءِ وتغليبٍ
أسبابِ الرجاءِ ، وذكرٍ دلائلِ الرحمةِ ؛ لأنَّ ذلكَ ألذُّ في الأسماع ، وأخفُ
على الطباع ، فتنصرفُ الخلقُ عنْ مجالسِ الوعظِ وقدِ استفادوا مزيدَ جرأةٍ
على المعاصي ، ومزيدَ ثقةٍ بفضْلِ اللهِ .
ح
2
ومهما كانَ الطبيبُ جاهلاً أوْ خائناً .. أهلكَ بالدواءِ حيثُ يضعُهُ في غيرِ
موضعِهِ ، فالرجاءُ والخوفُ دواءانِ ، ولكنْ لشخصينٍ متضادي العلّةِ؛ أمَّا
(١) في (د): (يذعن العوام)، وفي بقية النسخ: (يزعق العوام) بدل (يرغب العوام)،
والمثبت من (ق) .
١٧٣
حن
ن
حن

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الذي غلبَ عليهِ الخوفُ حتَّى هجرَ الدنيا بالكليَّةِ ، وكلَّفَ نفسَهُ ما لا تطيقُ ،
وضيَقَ العيشَ على نفسِهِ بالكليّةِ .. فتُكسرُ سَوْرةُ إسرافِهِ في الخوفِ بذکرٍ
أسبابِ الرجاءِ ؛ ليعودَ إلى الاعتدالِ .
وكذا المصرُّ على الذنوبِ المشتهي للتوبةِ الممتنعُ عنها بحكْمِ القنوطِ
واليأسِ استعظاماً لذنوبِهِ التي سبقَتْ .. يُعالجُ أيضاً بأسبابِ الرجاءِ ؛ حتَّى
يطمحَ في قبولِ التوبةِ فيتوبَ .
G
NG'.
فأمَّا معالجةُ المغرورِ المسترسلِ في المعاصي بذكرٍ أسبابِ الرجاءِ ..
فيضاهي معالجةَ المحرورِ بالعسلِ طلباً للشفاءِ ، وذلكَ مِنْ دأبِ الجهَّالِ
والأغبياءِ .
فإذاً ؛ فسادُ الأطباءِ هوَ الداءُ المعضلُ الذي لا يقبلُ الدواءَ أصلاً .
فإنْ قلتَ : فاذكرِ الطريقَ الذي ينبغي أنْ يسلكَهُ الواعظَ في وعظِهِ معَ
الخلقِ .
فاعلمْ : أنَّ ذلكَ يطولُ ولا يمكنُ استقصاؤُهُ .
نعمْ ، نشيرُ إلى الأنواع النافعةِ في حلِّ عقدةِ الإصرارِ ، وحملِ الناسِ
على تركِ الذنوبِ ، وهيَ أربعةُ أنواعٍ :
١٧٤
حن

ربع المنجيات
كتاب التوبة
النوعُ الأوَّلُ : أَنْ يذكرَ ما في القرآنِ مِنَ الآياتِ المخوفةِ للمذنبينَ
والعاصينَ ، وكذلكَ ما وردَ مِنَ الأخبارِ والآثارِ :
ب
مثلَ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ يوم طلعَ فجرُهُ ولا ليلةٍ غابَ
شفتُها إلا وملكانِ يتجاوبانِ بأربعةِ أصواتٍ ؛ يقولُ أحدُهُما : يا ليتَ هذا
الخلْقَ لمْ يُخلقوا، ويقولُ الآخرُ : يا ليتَهُمْ إذْ خُلقوا .. علموا لماذا
خُلقوا ، فيقولُ الآخرُ : يا ليتَهُمْ إذْ علموا لماذا خُلقوا .. عملوا بما علموا -
وفي بعضٍ الرواياتِ: تجالسوا فتذاكروا ما علموا - ويقولُ الآخرُ : يا ليتَهُمْ
إذْ لمْ يعملوا بما علموا .. تابوا ممَّا عملوا))(١).
٥
همعمعمصر
وقالَ بعضُ السلفِ : ( إذا أذنبَ العبدُ .. أمرَ صاحبُ اليمينِ صاحبَ
الشمالِ وهوَ أميرٌ عليهِ أنْ يرفعَ القلمَ عنهُ ستَّ ساعاتٍ ، فإنْ تابَ واستغفرَ ..
لمْ يكتبْها عليهِ ، وإنْ لمْ يستغفرْ .. كتبَها)(٢).
(١) كذا في ((القوت)) (١٩٠/١)، ووقع في النسخ: ( إذا لم يعلموا) بدل ( علموا) ،
وصحح من ((القوت))، وقد قال الإمام أبو طالب في هذا : ( وفي أخبار متفرقة
جمعناها )، وقال الحافظ العراقي: ( غريب لم أجده هكذا ، وروى الديلمي في
((مسند الفردوس)) من حديث ابن عمر: ((إن ملكاً ينادي في كل يوم وليلة أبناء
الأربعين زرع قد دنا حصاده)) الحديث، وفيه: (( ليت الخلائق لم يخلقوا ، وليتهم إذ
خلقوا .. علموا لماذا خلقوا، فتجالسوا بينهم فتذاكروا ... )) الحديث). («إتحاف))
(٦١٢/٨)، وانظر ((تفسير الثعلبي)) (٩٢/٨)، و(( المجالسة وجواهر العلم))
(ص٣٣٤)، و((حلية الأولياء)) (١٤٢/٦).
ـمو
ـبيـ
ـمو.
(٢) كذا في ((القوت)) (١٩٠/١)، وقد رواه الطبراني في «الكبير)) (١٩١/٨)،
والبيهقي في ((الشعب)) (٦٦٤٨) من حديث أبي أمامة مرفوعاً .
١٧٥
جن

كتاب التوبة
ربع المنجيات
وقالَ بعضُ السلفِ : ( ما مِنْ عبدٍ يعصي إلا استأذنَ مكانُهُ مِنَ الأرضِ أنْ
يخسفَ بهِ ، واستأذنَ سقفُهُ مِنَ السماءِ أنْ يسقطَ عليهِ كسفاً ، فيقولُ اللهُ
تعالى للأرضِ والسماءِ : كُفَّا عنْ عبدي وأمهلاهُ، فإنَّكُما لمْ تخلقاهُ ، ولوْ
خلقتماهُ .. لرحمتماهُ، ولعلَّهُ يتوبُ إليَّ فأغفرَ لهُ، ولعلَّهُ يستبدلُ صالحاً
فأبدلَهُ لهُ حسناتٍ ، فذلكَ معنىُ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِلُكِ السَّمَوَنِ
وَاُلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاً وَلَيْنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾﴾(١).
وفي حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( الطابعُ معلقٌ بقائمةِ
العرشِ ، فإذا انتهكَتِ الحرماتُ واستحلَّتِ المحارمُ .. أرسلَ اللهُ الطابعَ ،
فيطبعُ على القلوبِ بما فيها)(٢).
وفي حديثٍ مجاهدٍ : ( القلبُ مثلُ الكفّ المفتوحةِ ، كلَّما أذنبَ العبدُ
ذنباً .. انقبضَتْ إصبعٌ حتَّى تنقبضَ الأصابعُ كلُّها، فيُسدُّ على القلبِ ،
فذلكَ هوَ القفلُ )(٣) .
وقالَ الحسنُ : ( إن بينَ العبدِ وبينَ اللهِ حدّاً مِنَ المعاصي معلوماً ، إذا
بلغَهُ العبدُ .. طبعَ اللهُ على قلبهِ، فلمْ يوفِّقْهُ بعدَها لخيرٍ ) (٤) .
(١) كذا في ((القوت)) (١٨٧/١).
(٢) الخبر في جميع النسخ عن عمر الفاروق رضي الله عنه، وهو في ((القوت)) (١٨٥/١)
عن ابن عمر رضي الله عنهما، وكذا رواه عنه ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (٢٣)
مرفوعاً .
ـة
(٣) قوت القلوب (١٨٥/١).
(٤) نسبه الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٦١٣/٨) لصاحب ((القوت)).
١٧٦
حن جن جن بون
1

ربع المنجيات
كتاب التوبة
والأخبارُ والآثارُ في ذمِّ المعاصي ومدحِ التائبينَ لا تحصى ، فينبغي أنْ
يستكثرَ الواعظُ منها إنْ كانَ وارثَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإنَّهُ
ما خلَّفَ ديناراً ولا درهماً، إنَّما خلَّفَ العلمَ والحكمةَ، وورَّثَهُ كلَّ عالمٍ
بقدْرِ ما أصابَهُ .
النوعُ الثاني : حكاياتُ الأنبياءِ والسلفِ الصالحِينَ ، وما جرى عليهِمْ مِنَ
المصائبِ بسببٍ ذنوبِهِمْ :
3
فذلكَ شديدُ الوقعِ ظاهرُ النفعِ في قلوبِ الخلقِ ، مثلَ أحوالِ آدَمَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في عصيانِهِ ، وما لقيَهُ مِنَ الإخراجِ مِنَ الجنةِ ، حتَّى
رُوِيَ أنَّهُ لمَّا أكلَ مِنَ الشجرةِ .. تطايرَتِ الحللُ عنْ جسدِهِ ، وبدَتْ عورتُهُ ،
فاستحيا التاجُ والإكليلُ مِنْ وجهِهِ أنْ يرتفعا عنهُ، فجاءَهُ جبريلُ عليهِ
السلامُ ، فأخذَ التاجَ عنْ رأسِهِ ، وحلَّ الإكليلَ عنْ جبينِهِ ، ونُوديَ مِنْ فوقٍ
العرشِ : اهبطا مِنْ جواري ؛ فإنَّهُ لا يجاورُني مَنْ عصاني ، قالَ: فالتفتَ
آدمُ إلى حوَّاءَ باكياً وقالَ : هذا أوَّلُ شؤم المعصيةِ ، أُخرجنا مِنْ جوارِ
الحبيب(١).
٠
ورُويَ أنَّ سليمانَ بنَ داوودَ عليهما السلامُ لمَّا عُوقبَ على خطيئِهِ لأجلِ
ـمد.
(١) كذا في ((القوت)) (١٨٤/١)، وبنحوه رواه أبو نعيم في «الحلية)) (١١٣/٥)،
وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤٠٩/٧) عن مجاهد .
١٧٧
حن
حن حن حن

كتاب التوبة
ربع المنجيات
التمثالِ الذي عُبدَ في دارِهِ أربعينَ يوماً(١) ، وقيلَ: لأنَّ المرأةَ سألَتْهُ أنْ
يحكمَ لأبيها ، فقالَ : نعمْ، ولمْ يفعلْ، وقيل : بلْ أحبَّ بقلبِهِ أنْ يكونَ
الحكْمُ لأبيها على خصمِهِ لمكانِها منهُ ؛ فسُلبَ ملكُهُ أربعينَ يوماً ، فهربَ
تائهاً على وجههِ ، فكانَ يسألُ بكفُّهِ فلا يطعمُ ، فإذا قالَ : أطعموني فإنَّي
سليمانُ بنُ داوودَ .. شُجَّ وضربَ، وحُكِيَ أنَّهُ استطعمَ مِنْ بيتٍ لامرأةٍ ،
فطردَتْهُ وبزقَتْ في وجهِهِ ، وفي روايةٍ فأخرجَتْ عجوزٌ جرَّةً فيها بولٌ فصبَتْهُ
على رأسِهِ ، إلى أنْ أُخرجَ الخاتمُ مِنْ بطنِ الحوتِ ، فلبسَهُ بعدَ انقضاءِ
الأربعينَ أيام العقوبةِ ، قالَ : فجاءَتِ الطيرُ فعكفَتْ على رأسِهِ، وجاءَتِ
الجنُّ والشياطينُ والوحوشُ فاجتمعَتْ حولَهُ ، واعتذرَ إليهِ بعضُ مَنْ كانَ
جنى عليهِ، فقالَ : لا ألومُكُمْ فيما فعلتُمْ مِنْ قبلُ ، ولا أحمدُكُمْ في
عذرِكُم ؛ لأنَّ هذا أمرٌ كانَ مِنَ السماءِ ولا بدَّ منهُ(٢).
ورُوِيَ في الإسرائيلياتِ أنَّ رجلاً تزوَّجَ امرأةٌ مِنْ بلدةِ أخرى ، وأرسلَ
عبدَهُ ليحملَها إليهِ، فراودَتْهُ نفسُهُ وطالبَتْهُ بها ، فجاهدَها واستعصمَ ، قالَ :
فنَّأَهُ اللهُ تعالى ببركةِ تقواهُ، فكانَ نبياً في بني إسرائيل(٣).
e.
(١) والخبر مبسوط عند الطبري في ((تاريخه)) (٤٩٦/١) من رواية وهب بن منبه ، وكان
ذلك من زوجه جرادة ، ولم يكن اتخاذ التماثيل محرماً في شريعته ، كما أن هذا التمثال
عُبد بغير علمه ، فتسمية ذلك خطيئة لرفيع مقامه عليه الصلاة والسلام .
(٢) كذا برواياته في ((القوت)) (١٨٤/١)، وقد رواه بنحوه النسائي في (( السنن الكبرى))
(١٠٩٢٦) عن ابن عباس رضي الله عنهما .
(٣) قوت القلوب (١٨٧/١).
١٧٨
جن
حن:
حن

ربع المنجيات
كتاب التوبة
حن
وفي قصصٍ موسى عليهِ السلامُ أنَّهُ قَالَ للخضرِ عليهِ السلامُ: بِمَ
أطلعَكَ اللهُ على علم الغيبِ ؟ قالَ : بتركِ المعاصي لأجلِ اللهِ تعالى(١).
ورُوِيَ أنَّ الريحَ كانَتْ تسيرُ بسليمانَ عليهِ السلامُ ، فنظرَ إلى قميصِهِ
نظرةً، وكانَ عليهِ قميصٌ جديدٌ، فكأنَّهُ أعجبَهُ ، قَالَ : فوضعَتْهُ الريحُ ،
فقالَ : لِمَ فعلتِ ولَمْ آمرْكِ؟ قالَتْ: إنَّما نطيعُكَ إذا أطعتَ الله(٢).
ھے
جن
ورُوِيَ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى يعقوبَ عليهِ السلامُ : أتدري لِمَ فرَّقتُ
بينَكَ وبينَ ولِدِكَ يوسفَ؟ قالَ: لا، قالَ: لقولِكَ لإخوتِهِ: ﴿ وَأَخَافُ أَنْ
يَأْكُلَهُ الذِّثْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ﴾، لِمَ خفتَ عليهِ الذئبَ ولمْ ترجُني ؟!
ولِمَ نظرتَ إلى غفلةِ إخوتِهِ ولمْ تنظرُ إلى حفظي لهُ؟! وتدري لِمَ رددتُهُ
عليكَ؟ قالَ: لا، قالَ: لأنكَ رجوتني وقلتَ: ﴿عَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِيَنِ يِهِمْ
جَمِيعًا﴾، وبما قلتَ: ﴿أَذْهَبُواْ فَتَحَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيْئَسُواْ مِن رَّوْجِ
اللَّهِ﴾(٣).
ـيو.
وكذلكَ لمَّا قالَ يوسفُ لصاحبِ الملكِ: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ ..
قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَأَنسَنْهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ
سِنِينَ﴾ (٤).
(١) قوت القلوب (١٨٧/١).
(٢) قوت القلوب (١٨٤/١).
(٣) قوت القلوب (١٩١/١).
(٤) قوت القلوب (١٩١/١).
١٧٩
حن جر جن حن حن حنة

كتاب التوبة
ربع المنجيات
وأمثالُ هذهِ الحكاياتِ لا تنحصرُ ، ولمْ يردْ بها القرآنُ والأخبارُ ورودَ
الأسمارِ ، بلِ الغرضُ بها الاعتبارُ والاستبصارُ ؛ لتعلمَ أنَّ الأنبياءَ عليهِمُ
السلامُ لمْ يُتجاوزْ عنهُمْ في الذنوبِ الصغارِ ، فكيفَ يُتجاوزُ عنْ غيرِهِمْ في
الذنوبِ الكبارِ ؟!
نعمْ ، كانَتْ سعادتُهُمْ في أنْ عُوجلوا بالعقوبةِ ولمْ يُؤْخَّروا إلى الآخرةِ ،
والأشقياءُ يُمهلونَ ليزدادوا إثماً ، ولأنَّ عذابَ الآخرةِ أشدُّ وأكبرُ ، فهذا
أيضاً ممَّا ينبغي أنْ يكثرَ جنسُهُ على أسماعِ المصرِّينَ ؛ فإنَّهُ نافعٌ في تحريكِ
دواعي التوبة .
40
النوعُ الثالثُ : أنْ يقرِّرَ عندَهُمْ أنَّ تعجيلَ العقوبةِ في الدنيا متوقَّعٌ على
الذنبِ ، وأنَّ كلَّ ما يصيبُ العبدَ مِنَ المصائبِ فهوَ بسببٍ جناياتِهِ :
جـ
فربّ عبدٍ يتساهلُ في أمرِ الآخرةِ ، ويخافُ مِنْ عقوبةِ اللهِ في الدنيا
أكثرَ ؛ لفرطِ جهلِهِ، فينبغي أنْ يُخوَّفَ بهِ ؛ فإنَّ الذنوبَ كلَّها يُتعجَّلُ في
الدنيا شؤمُها في غالبِ الأمرِ ، كما حُكِيَ في قصَّةِ داوودَ وسليمانَ عليهما
السلامُ، حتَّى إِنَّهُ قدْ يضيقُ على العبدِ رزقُهُ بسببِ ذنوبِهِ، وقدْ تسقطُ
منزلتُهُ مِنَ القلوبِ ويستولي عليهِ أعداؤُهُ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ
العبدَ ليُحرمُ الرزقَ بالذنبِ يصيبُهُ))(١).
مر -حج حن
(١) رواه ابن ماجه (٤٠٢٢) ضمن خبر مرفوع أوله: ((لا يزيد في العمر إلا البر)»، وهو =.
١٨٠
حن حن حن حن ون جم حن