النص المفهرس

صفحات 81-100

ربع المنجيات
كتاب التوبة
الفروج .. رآهُ كاذباً ؛ فإنَّهُ لمْ يختمْ بهِ قطّ، وإنْ نظرَ إلى معناهُ .. وجدَهُ
صادقاً ؛ إذْ قدْ صدرَ منهُ روحُ الختمٍ ومعناهُ، وهوَ المنعُ الذي يرادُ الختمُّ لهُ .
وليسَ للأنبياءِ أنْ يتكلَّموا معَ الخلْقِ إلا بضربِ الأمثالِ ؛ لأنَّهُمْ كُلِّفوا أنْ
يكلِّموا الناسَ على قدْرِ عقولِهِمْ، وقدْرُ عقولِهِمْ أنَّهُمْ في النومِ ، والنائمُ
لا يُكشفُ لهُ عنْ شيءٍ إلا بمثالٍ، فإذا ماتوا .. انتبهوا وعرفوا أنَّ المثلَ
صادقٌ .
ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((قلبُ المؤمنِ بينَ إصبعينٍ
مِنْ أصابع الرحمنِ)) (١) ، وهوَ مِنَ المثالِ الذي لا يعقلُهُ إلا العالمونَ، فأمَّا
الجاهلُ .. فلا يجاوزُ قدْرُهُ ظاهرَ المثالِ ؛ لجهلِهِ بالتفسيرِ الذي يُسمَّى
تأويلاً ؛ كما يُسمَّى تفسيرُ ما يُرى مِنَ الأمثلةِ في النومِ تعبيراً ، فيثبتُ له
تعالى يداً وإصبعاً ، تعالى اللهُ عنْ قولِهِ علوّاً كبيراً .
وكذلكَ في قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ خلقَ آدَمَ على
صورتِهِ))(٢)، فإنَّه لا يفهمُ مِنَ الصورةِ إلا اللونَ والشكلَ والهيئةَ ، فيثبتُ لهِ
تعالى مثلَ ذلكَ ، تعالى اللهُ عنْ قولِهِ علوّاً كبيراً .
ومِنْ ههنا زلَّ مَنْ زلَّ في صفاتِ الإلهيّةِ ، حتَّى في الكلام ، وجعلوهُ
صوتاً وحرفاً ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الصفاتِ ، والقولُ فيهِ يطولُ .
(١) رواه مسلم (٢٦٥٤) .
(٢) رواه مسلم (١١٥/٢٦١٢)، وبيَّن بعض سرُّه في ((مشكاة الأنوار)) (ص٥٩)،
وسيأتي قريباً الحديث عنه .
٨
2
:

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ـجو
وكذلكَ قدْ يردُ في أمرِ الآخرةِ ضربُ أمثلةٍ يكذِّبُ بها الملحدُ ؛ لجمودِ
نظرِهِ على ظاهرِ المثالِ، وتناقضِهِ عندَهُ؛ كقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( يُؤتى بالموتِ يومَ القيامةِ في صورةٍ كبشٍ أملحَ فيذبحُ))(١)، فيثورُ الملحدُ
الأحمقُ ويكذِّبُ بهِ ، ويستدلُ بهِ على كذبِ الأنبياءِ ، ويقولُ :
يا سبحانَ اللهِ! الموتُ عرضٌ، والكبشُ جسمٌ، فكيفَ ينقلبُ العرضُ
جسماً؟ وهل هذا إلا محالٌ ؟!
ولكنَّ اللهَ تعالى عزلَ هؤلاءِ الحمقىُ عنْ معرفةِ أسرارِهِ فقالَ: ﴿ وَمَا
يَعْقِلُهَآَ إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾ ولا يدري المسكينُ أنَّ مَنْ قالَ: رأيتُ في منامي أنَّهُ
جِيءَ بكبشٍ، وقيلَ : هذا هوَ الوباءُ الذي في البلدِ ، وذبحَ ، فقالَ
المعبِّرُ: صدقتَ ، والأمرُ كما رأيتَ ، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الوباءَ ينقطعُ
ولا يعودُ قطُّ ؛ لأنَّ المذبوحَ وقعَ اليأسُ عنهُ .
فإذاً ؛ المعبِّرُ صادقٌ في تعبيرِهٍ(٢)، وهوَ صادقٌ في رؤيتِهِ ، وترجعُ
حقيقتُهُ إلى أنَّ الملكَ الموكَّلَ بالرؤيا - وهوَ الذي يُطْلِعُ الأرواحَ عندَ النومِ
على ما في اللوحِ المحفوظِ - عرَّفَهُ ما في اللوح المحفوظِ بمثالٍ ضربَهُ لهُ ؛
لأنَّ النائمَ إنَّما يحتملُ المثالَ ، فكانَ مثالُهُ صادقاً ، وكانَ معناهُ صحيحاً .
حن
فالرسلُ أيضاً إنَّما يكلُّمونَ الناسَ في الدنيا ، وهيَ بالإضافةِ إلى الآخرةِ
(١) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩).
(٢) في غير (د، س): (في تصديقه ) بدل (في تعبيره ).
٨٢

ربع المنجيات
كتاب التوبة
نومٌ، فيوصلونَ المعانيَ إلى أفهامِهِمْ بالأمثلةِ ؛ حكمةً مِنَ اللهِ ، ولطفاً
بعبادِهِ ، وتيسيراً لإدراكِ ما يعجزونَ عنْ إدراكِهِ دونَ ضربِ المثلِ ، فقولُهُ :
((يُؤْتِى بالموتِ في صورةِ كبشٍ أملحَ)) مثالٌ ضربَهُ ليوصلَ إلى الأفهام
حصولَ اليأسِ مِنَ الموتِ ، وقدْ جُبلَتِ القلوبُ على التأثُّرِ بالأمثلةِ ، وثبوتُ
المعاني فيها بواسطتِها ، ولذلكَ عبَّرَ القرآنُ بقولِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ عنْ نهايةِ
القدرةِ، وعبَّرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقولِهِ: (( قلبُ المؤمنِ بين إصبعينٍ مِنْ
أصابع الرحمانِ ))(١) عنْ سرعةِ التقليبِ ، وقدْ أشرنا إلى حكمةِ ذلكَ في
كتابٍ قواعدِ العقائدِ مِنْ ربعِ العباداتِ ، فلنرجعِ الآنَ إلى الغرضِ .
فالمقصودُ : أنَّ تعريفَ توزّع الدرجاتِ والدركاتِ على الحسناتِ
والسيئاتٍ لا يمكنُ أنْ يفهمَ إلا بضربِ الأمثالِ ، فليُفهمْ مِنَ المثالِ الذي
نضربُهُ معناهُ لا صورتُهُ ، فنقولُ :
الناسُ في الآخرةِ ينقسمونَ أصنافاً ، وتتفاوتُ درجاتُهُمْ ودركاتُهُمْ في
السعادة والشقاوةِ تفاوتاً لا يدخلُ تحتَ الحصرِ ، كما تفاوتوا في سعادةِ
الدنيا وشقاوتِها ، ولا تفارقُ الآخرةُ الدنيا في هذا المعنى أصلاً ألبتةَ ؛ فإنَّ
مدبِّرَ الملكِ والملكوتِ واحدٌ لا شريكَ لهُ، وسنَّتُهُ الصادرةُ عنْ إرادتِهِ
الأزليّةِ مطردةٌ لا تبديلَ لها ، إلا أنَّا إنْ عجزنا عنْ إحصاءِ آحادِ الدرجاتِ ..
فلا نعجزُ عنْ إحصاءِ الأجناسِ ، فنقولُ :
(١) تقدم قريباً .
٨٣

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الناسُ في الآخرةِ ينقسمونَ بالضرورةِ إلى أربعة أقسام : هالكينَ ،
ومعذّبينَ ، وناجينَ ، وفائزينَ(١).
ومثالُهُ في الدنيا : أنْ يستوليَ مَلكٌ مِنَ الملوكِ على إقليمٍ ، فيقتلَ بعضَهُمْ
فَهُمُ الهالكونَ ، ويعذِّبَ بعضَهُمْ مدَّةً ولا يقتلَهُمْ فهُمُ المعذّبونَ ، ويخليَ
بعضَهُمْ فهُمُ الناجونَ ، ويخلعَ على بعضِهِمْ فَهُمُ الفائزونَ .
فإنْ كانَ الملكُ عادلاً .. لمْ يقسمْهُمْ كذلكَ إلا باستحقاقٍ ، فلا يقتلُ إلا
جاحداً لاستحقاقِهِ الملكَ ، معانداً لهُ في أصلِ الدولةِ ، ولا يعذِّبُ إلا مَنْ
قصَّرَ في خدمتِهِ معَ الاعترافِ بملكِهِ وعلوِّ درجتِهِ ، ولا يخلي إلا معترفاً لهُ
برتبةِ الملكِ لكنَّهُ لمْ يقصِّرْ ليعذِّبَ ولمْ يخدمْ ليخلعَ عليهِ ، ولا يخلعُ إلا على
مَنْ أبلىُ عذْرَهُ في الخدمةِ والنصرةِ (٢).
ثمَّ ينبغي أنْ تكونَ خِلَعُ الفائزينَ متفاوتةَ الدرجاتِ بحسَبِ درجاتٍ
خدمتِهِمْ ، وإهلاكُ الهالكينَ إِمَّا تخفيفاً بحزِّ الرقبةِ ، أوْ تنكيلاً بالمُثْلِةِ بحسَبِ
(١) لأنهم لا يخلون عن سعادة أو شقاوة، والشقاوة إن كانت بالشرك والكفر وجحود
صفات الربوبية .. فهم الهالكون ، فإن كان مع وجود الإقرار بالربوبية نوع عصيان
ومخالفة .. فهم المعذبون ، والسعادة إن كانت بالإيمان بالله وبما جاء به الرسل .. فهم
الناجون ، فإن كان مع ذلك نبذ الدنيا وإقبال على الله بالكلية .. فهم الفائزون ، فهذا
وجه الحصر في الأقسام المذكورة. ((إتحاف)) (٨/ ٥٥١).
(٢) أبلى في قوله: ( أبلى عذره ) بمعنى أظهر ؛ كما يقال : فلان أبلى في الحرب ؛ أي :
أظهر بأسه ، وقال المطرُّزي في ((المغرب)) (ب ل ي): (وقوله: أبلى عذره إلا أنه
مجارف ؛ أي : اجتهد في العمل إلا أنه مجدود غير مرزوق ) .
٨٤

ربع المنجيات
كتاب التوبة
درجاتِ معانداتِهِمْ ، وتعذيبُ المعذَّبينَ في الخفَّةِ والشدّةِ ، وطولِ المدَّةِ
وقصرِها ، واتحادِ أنواعِها واختلافِها .. بحسبِ درجاتِ تقصيرِهِمْ، فتنقسمُ
كلُّ رتبةٍ مِنْ هذهِ الرتبِ إلى درجاتٍ لا تحصى ولا تنحصرُ ، فكذلكَ فافهمْ
أنَّ الناسَ في الآخرةِ هكذا يتفاوتونَ ؛ فمِنْ هالكِ، ومِنْ معذَّبٍ مدَّةٌ ، ومِنْ
ناجِ يحلُّ في دارِ السلامةِ ، ومِنْ فائزٍ .
والفائزونَ ينقسمونَ إلى مَنْ يحلونَ في جنات عدنٍ ، أوْ جناتِ المأوى ،
أوْ جناتِ الفردوسِ، والمعذَّبونَ ينقسمونَ إلى مَنْ يُعذّبُ قليلاً ، وإلىْ مَنْ
يُعذَّبَ ألفَ سنةٍ إلى سبعةِ آلافِ سنةٍ ، وذلكَ آخرُ مَنْ يخرجُ مِنَ النارِ كما وردَ
في الخبر(١) ، وكذلكَ الهالكونَ الآيسونَ مِنْ رحمةِ اللهِ تتفاوتُ دركاتَهُمْ،
وهذهِ الدرجاتُ والدركاتُ بحسَبِ اختلافِ الطاعاتِ والمعاصي ، فلنذكرْ
كيفيَّةَ توزُّعِها عليها .
(١) هذا المعنى عند صاحب ((القوت)) (١٥٠/٢) ولفظه: (وقد جاء في الخبر:
((آخر من يخرج من النار وهو أيضاً آخر من يدخل الجنة))، فلعله - والله أعلم - بعد
سبعة آلاف سنة ) ، وكان قد روى قبله خبراً عن أبي سعيد الخدري أو غيره من الصحابة
كما ذكر : ( والله ؛ لا يخرج عبد من النار بعد أن دخلها حتى يقيم فيها سبعة آلاف
سنة ) .
وحديث ((آخر من يدخل الجنة)) دون ذكر المدة عند مسلم (١٨٧)، وجاء عند
الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص١٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
مرفوعاً: ((وأطولهم مكثاً فيها مثل الدنيا من يوم خلقت إلى يوم أقتت ، وذلك سبعة
آلاف سنة)).
ـنويه
G
٨٥

كتاب التوبة
ربع المنجيات
أمَّا الرتبةُ الأولى: وهيَ الهُلاَّكُ:
ونعني بالهُلَكِ : الآيسينَ مِنْ رحمةِ اللهِ تعالى ؛ إذِ الذي قتلَهُ الملكُ في
المثالِ الذي ضربناهُ أيسَ مِنْ رضا الملكِ وإكرامِهِ ، فلا تغفُلْ عنْ معاني
المثالِ .
وهذهِ الدرجةُ لا تكونُ إلا للجاحدينَ والمعرضينَ ، المتجرِّدينَ للدنيا ،
المكذُّبينَ باللهِ ورسِلِهِ وكتبهِ ؛ فإنَّ السعادةَ الأخرويَّةَ في القرْبِ مِنَ اللهِ والنظرِ
إلى وجهِهِ ، وذلكَ لا يُنالُ أصلاً إلا بالمعرفةِ التي يعبّرُ عنها بالإيمانِ
والتصديقِ ، والجاحدونَ همُ المنكرونَ ، والمكذِّبونَ همُ الآيسونَ مِنْ
رحمةِ اللهِ تعالىُ أبدَ الآبادِ ، وهمُ الذينَ يكذُّبونَ بربِّ العالمينَ وبأنبیائِهِ
المرسلينَ ، وهمْ عنْ ربِّهِمْ يومئذٍ محجوبونَ لا محالةً ، وكلُّ محجوبٍ عنْ
محبوبِهِ فمحولٌ بينَهُ وبينَ ما يشتهيهِ ، فهوَ - لا محالةَ - يكونُ محترقاً معَ
جهنَّمَ بنارِ الفراقِ .
ولذلكَ قالَ العارفونَ: ( ليسَ خوفُنا مِنْ نارِ جهنَّمَ ، ولا رجاؤنا للحورِ
العينِ، وإنَّما مطلبٌنا اللقاءُ، ومهربًا مِنَ الحجابِ فقطْ)(١).
ـحة
وقالوا: مَنْ يعبدُ اللهَ لعوضٍٍ .. فهوَ لئيمٌ؛ كأنْ يعبدَهُ لطلبٍ جنَّتِهِ أوْ
٩٠
حن
(١) وهذا كقول علي بن الموفق الذي رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤٢٧): (اللهمَّ؛ إن
كنت تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك ، فعذبني بها ، وإن كنت تعلم أني أعبدك حبّاً مني
لجنتك وشوقاً إليها .. فاحرمنيها، وإن كنت تعلم أني إنما أعبدك حبّاً مني لك وشوقاً
إلى وجهك الكريم .. فأبحنيه مرَّة واصنع ما شئت ) .
٨٦

ربع المنجيات
كتاب التوبة
لخوفِ نارِهِ ، بلِ العارفُ يعبدُهُ لذاتِهِ ، فلا يطلبُ إلا ذاتَهُ فقطْ، فأمَّا الحورُ
العينُ والفواكهُ .. فقدْ لا يشتهيها، وأمَّا النارُ .. فقدْ لا يتََّيها؛ إذْ نارُ الفراقِ
إذا استولَتْ .. ربّما غلبَتِ النارَ المحرقةَ للأجسام ، فإنَّ نارَ الفراقِ هيَ
نارُ اللهِ الموقدةُ ، التي تطلعُ على الأفئدةِ ، ونارُ جهَّمَ لا شغلَ لها إلا معَ
الأجسام، وألمُ الأجسامِ يستحقرُ معَ ألمِ الفؤادِ، ولذلكَ قيلَ(١): [من المسرح]
ـمحن.
فَفِي فُؤادِ الْمُحِبُّ نارُ جَوىّ أَحَرُ نَارِ الْجَحِيمِ أَبْرَدُها
ولا ينبغي أنْ تنكرَ هذا في عالم الآخرةِ ؛ إذْ لهُ نظيرٌ مشاهدٌ في عالمٍ
الدنيا ، فقدْ رُئِيَ مَنْ غلبَ عليهِ الوجدُ فعدا على النارِ ، وعلى أصولِ القصبِ
الجارحةِ للقدم ، وهوَ لا يحسُّ بهِ لفرطِ غلبةِ ما في قلبهِ (٢)، وترى الغضبانَ
يستولي عليهِ الغضبُ في القتالِ ، فتصيبُهُ جراحاتٌ وهوَ لا يشعرُ بها في
الحالِ ؛ لأنَّ الغضبَ نارٌ في القلبِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(الغضبُ قطعةٌ مِنَ النّارِ))(٣).
واحتراقُ الفؤادِ أشدُّ منِ احتراقِ الأجسادِ ، والأشدُّ يبطلُ الإحساسَ
بالأضعفِ كما تراهُ ، فليس التألُّمُ مِنَ النّارِ والسيفِ إلا مِنْ حيثُ إنَّهُ يفرِّقُ بينَ
(١) البيت للمتنبي، في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٢٩٦/١).
و.
(٢) وهو أبو الحسين النوري، وقد روى قصته الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٤٢/٥)،
والقشيري في (( الرسالة)) (ص ٥٠٤)، وأوردها الطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٦٣).
(٣) رواه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: ((ألا وإن
الغضب جمرة في قلب ابن آدم ... )) .
٨٧
حر
ےے.

كتاب التوبة
ربع المنجيات
جزأينٍ يرتبطُ أحدُهُما بالآخرِ برابطةِ التأليفِ الممكنِ في الأجسامِ ، فالذي
يفرِّقُ بينَ القلبِ وبينَ محبوبِهِ المرتبطِ بهِ برابطةِ تأليفٍ أشدَّ إحكاماً مِنْ
تأليفِ الأجسام .. فهوَ أشدُّ إيلاماً إنْ كنتَ مِنْ أربابِ البصائرِ وأربابِ
القلوب .
ولا يبعدُ ألا يدركَ مَنْ لا قلبَ لهُ شدَّةَ هذا الألم ، ويستحقرَهُ بالإضافةِ
إلى ألمِ الجسمِ ، فالصبيُّ لَوْ خِيِّرَ بينَ ألمِ الحرمانِ عنِ الكرةِ والصولجانِ
وبينَ ألمِ الحرمانِ عنْ رتبةِ السلطانِ .. لمْ يحسَّ بألمِ الحرمانِ عنْ رتبةٍ
السلطانِ أصلاً ، ولمْ يعدَّ ذاكَ ألماً ، بلْ قالَ : العدْوُ في الميدانِ معَ
الصولجانِ أحبُّ إليَّ مِنْ سريرِ ألفِ سلطانٍ معَ الجلوسِ عليهِ ، بلْ مَنْ تغلبُهُ
شهوةُ البطنِ لوْ خيِّرَ بينَ الهريسةِ والحلواءِ وبينَ فعلٍ جميلٍ يقهرُ بهِ الأعداءَ
ويفرِحُ بهِ الأصدقاءَ .. لَآثرَ الهريسةَ والحلواءَ .
وهذا كلُّهُ لفقدِ المعنى الذي بوجودِهِ يصيرُ الجاهُ محبوباً ، ووجودِ
المعنى الذي بوجودِهِ يصيرُ الطعامُ لذيذاً ، وذلكَ لمَنِ استرقَّتْهُ صفاتُ البهائمِ
والسباع ، ولمْ تظهرْ فيهِ صفاتُ الملائكةِ التي لا يناسبُها ولا يلذُّ لها إلا
القربُ مِنْ ربِّ العالمينَ ، ولا يؤلمُها إلا البعدُ والحجابُ .
وكما لا يكونُ الذوقُ إلا في اللسانِ والسمعُ إلا في الآذانِ .. فلا تكونُ
هذهِ الصفةُ إلا في القلبِ ، فمَنْ لا قلبَ لهُ ليسَ لهُ هذا الحسُّ ، كمَنْ
لا سمعَ لهُ ولا بصرَ ليسَ لهُ لذَّهُ الألحانِ ، وحسنُ الصورِ والألوانِ .
٨٨

ربع المنجيات
كتاب التوبة
وليسَ لكلِّ إنسانٍ قلبٌ، ولوْ كانَ .. لما صحَّ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾، فجعلَ مَنْ لمْ يتذكَّرْ بالقرآنِ مفلساً مِنَ القلبِ ،
ولستُ أعني بالقلبِ هذا الذي تكتنفُهُ عظامُ الصدرِ مِنْ عالمِ الخلقِ ، بلْ
أعني بهِ السرَّ الذي هوَ مِنْ عالمِ الأمرِ، وهذا اللحمُ الذي هوَ مِنْ عالمٍ
الخلقِ عرشُهُ، والصدرُ كرسيُهُ(١) ، وسائرُ الأعضاءِ عالمُهُ ومملكتُهُ ، وللهِ
الخلْقُ والأمرُ جميعاً ، ولكنَّ ذلكَ السرَّ الذي قالَ اللهُ تعالى فيهِ: ﴿قُلِ الزُّوحُ
مِنْ أَمْرٍ رَبِىِ﴾ هوَ الملكُ والأميرُ ؛ لأنَّ بينَ عالمِ الأمرِ وبينَ عالمِ الخلقِ
ترتيباً، وعالمُ الأمرِ أميرٌ على عالمِ الخلقِ، وهيَ اللطيفةُ التي إذا
صلحَتْ .. صلحَ لها سائرُ الجسدِ، مَنْ عرفَها .. فقدْ عرفَ نفسَهُ، ومَنْ
عرفَ نفسَهُ .. فقدْ عرفَ ربَّهُ، وعندَ ذلكَ يشَمُّ العبدُ مباديَ روائحِ المعنى
المطويِّ تحتَ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدَمَ على
صورتِهِ)»(٢)، ونظرَ بعينِ الرحمةِ إلى الجامدينَ على ظاهرِ لفظِهِ، وإلى
المتعسِّفينَ في طرقِ تأويلِهِ ، وإنْ كانَتْ رحمتُهُ على الجامدِ على اللفظِ أكثرَ
مِنْ رحمتِهِ على المتعسِّفِ في التأويلِ ؛ لأنَّ الرحمةَ على قدْرِ المصيبةِ ،
ومصيبةُ أولئكَ أكثرُ وإنِ اشتركوا في مصيبةِ الحرمانِ عنْ حقيقةِ الأمرِ ،
فالحقيقةُ فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ ، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ ، وهيَ حكمتُهُ
يختصُّ بها مَنْ يريدُ ، ومَنْ يؤتَ الحكمةَ فقدْ أوتي خيراً كثيراً .
ـدة
جرة
(١) تقدم هذا من قول سهل بن عبد الله، وانظر ((قوت القلوب)) (٢٣١/١).
(٢) رواه مسلم ( ١١٥/٢٦١٢).
٨٩

قه
كتاب التوبة
ربع المنجيات
ولنعدْ إلى الغرضِ، فقدْ أرخينا الطُّوَلَ(١) ، وطوَّلْنَا النَّفَسَ في أمرٍ هوَ
أعلىُ مِنْ علوم المعاملةِ التي نقصدُها في هذا الكتابِ ، فقدْ ظهرَ أنَّ رتبةً
الهُلَّكِ ليسَتْ إلا للجهَّالِ المكذِّبينَ ، وشهادةُ ذلكَ مِنْ كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسولِهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا تدخلُ تحتَ الحصرِ ، فلذلكَ لمْ نوردها .
eG
الرتبةُ الثانيةُ : رتبةُ المعذَّبِينَ :
وهذهِ رتبةُ مَنْ تحلَّى بأصلِ الإيمانِ ، ولكنْ قصَّرَ في الوفاءِ بمقتضاهُ ،
فإنَّ رأسَ الإيمانِ هوَ التوحيدُ ، وهوَ ألا يعبدَ إلا اللهَ، ومَنِ اتبعَ هواهُ .. فقدٍ
اتخذَ إلهَهُ هواهُ، فهوَ موحِّدٌ بلسانِهِ لا بالحقيقةِ ، بلْ معنى قولِكَ : ( لا إلهَ
إلا اللهُ) معنى قولِهِ تعالى: ﴿ قُلِ اَللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، وهوَ أنْ تذرَ
بالكليّةِ غيرَ اللهِ ، ومعنىُ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اُسْتَقَامُواْ﴾، ولمَّا كانَ الصراط المستقيمُ الذي لا يكملُ التوحيدُ إلا
بالاستقامةِ عليهِ أدقَّ مِنَ الشعرِ، وأحدَّ مِنَ السيفِ ، مثلَ الصراطِ الموصوفِ
في الآخرةِ ، فلا ينفكُّ بشرٌ عنْ ميلِ عنِ الاستقامةِ ولوْ في أمرٍ يسيرٍ ،
ولا يخلو عنِ اتباع الهوى ولوْ في فعلٍ قليلٍ ، وذلكَ قادحٌ في كمالِ التوحيدِ
بقدْرِ ميلِهِ عنِ الصراطِ المستقيمِ .. فذلكَ يقتضي - لا محالةَ - نقصاناً في
درجةِ القربِ ، ومعَ كلِّ نقصانٍ نارانِ ؛ نارُ الفراقِ لذلكَ الكمالِ الفائتِ
ـجن
حن
(١) الطُّوَل : الحبل يطوّل للدابة توسيعاً لمجال رعيها، وهو مجاز عن تطويل الكلام هنا.
٩٠

ربع المنجيات
كتاب التوبة
بالنقصانِ ، ونارُ جهَّمَ كما وصفَها القرآنُ ، فيكونُ كلُّ مائلِ عنِ الصراطِ
المستقيمٍ معذَّباً مرَّتينٍ مِنْ وجهينٍ ، ولكنَّ شدَّةَ ذلكَ العذابِ وخفَّتَهُ وتفاوتَةً
بحسَبِ طولِ المدَّةِ إِنَّما يكونُ بسببٍ أمرينِ :
أحدُهُما : قوَّةُ الإيمانِ وضعفُهُ .
والثاني : كثرةُ اتباعِ الهوى وقلَُّ .
وإذْ لا يخلو بشرٌ في غالبِ الأمرِ عنْ واحدٍ مِنَ الأمرينِ .. قالَ اللهُ
تعالى: ﴿وَإِن ◌ِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِكَ حَتْهَا مَّقْضِيًّا في: ثُمَّ نَُتِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ
وَنَذَرُ الَّالِمِينَ فِيَهَا جِئِيًّا﴾، ولذلك قالَ الخائفونَ مِنَ السلفِ: (إنَّما خوفُنا
لأنَّ تيقّنَّا أنَّا على النارِ واردونَ، وشكَّكنا في النجاةِ)(١) .
13
ولمَّا روى الحسنُ الخبرَ الورادَ فيمَنْ يخرجُ مِنَ النارِ بعدَ ألفِ عام، وأنَّهُ
ينادي: يا حنَّانُ، يا منَّانُ .. قالَ الحسنُ: ( يا ليتني كنتُ ذلكَ الرجلَ)(٢).
(١) فقد روى ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٠٩) عن بكر بن عبد الله المزني قال : لما نزلت
هذه الآية: ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ .. ذهب عبد الله بن رواحة إلى بيته فبكى، فجاءت
امرأته فبكت ، فجاءت الخادم فبكت ، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون ، فلما انقطعت
عبرته .. قال : يا أهلاه ؛ ما الذي أبكاكم؟ قالوا : لا ندري ، ولكن رأيناك بكيت
فبكينا ، قال : إنه أنزلت على رسول الله آية ينبئني فيها ربي عز وجل أني وارد النار ،
ولم ينبئني أني صادر عنها ، فذلك الذي أبكاني .
(٢) كذا في ((القوت)) (١٥٠/٢)، وقد رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٠/٣) من حديث
أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، ولم يذكر قول الحسن ، وساق قول الحسن من رواية
أبي بكر الآجري ابنُ حجر في (( القول المسدد في الذب عن مسند أحمد)) (ص ٣٥).
ـهر.
٩١
جر

كتاب التوبة
ربع المنجيات
واعلمْ : أنَّ في الأخبارِ ما يدلُّ على أنَّ آخرَ مَنْ يخرجُ مِنَ النارِ بعدَ سبعةٍ
آلافِ سنةٍ(١) ، وأنَّ الاختلافَ في المدَّةِ بينَ اللحظةِ وبينَ سبعةِ آلافِ سنةٍ ،
حتَّى قَدْ يجوزُ بعضُهُمْ على النارِ كبرقٍ خاطفٍ ، ولا يكونُ لهُ فيها لبثٌ (٢)،
وبينَ اللحظةِ وسبعة آلافِ سنةٍ درجاتٌ متفاوتةٌ ، مِنَ اليوم ، والأسبوعِ ،
والشهرِ، وسائرِ المُدَدِ ، وإنَّ الاختلافَ بالشدَّةِ لا نهايةَ لأعلاهُ، وأدناهُ
التعذيبُ بالمناقشةِ في الحسابِ ؛ كما أنَّ الملكَ قدْ يعذِّبُ بعضَ المقصِّرينَ
في الأعمالِ بالمناقشةِ في الحسابِ ، ثمَّ يعفو ، وقدْ يضربُ بالسياطِ ، وقدْ
يعذِّبُ بأنواعٍ أخرَ مِنَ العذابِ .
AG
ويتطرّقُ إلى العذابِ اختلافٌ ثالثٌ في غيرِ المدَّةِ والشدَّةِ ، وهوَ اختلافُ
الأنواع ؛ إذْ ليسَ مَنْ يعذَّبُ بمصادرةِ المالِ فقطْ كمَنْ يُعذَّبُ بأخذِ المالِ ،
وقتلِ الولدِ ، واستباحةِ الحريمِ ، وتعذيبِ الأقاربِ ، والضربِ ، وقطعِ
اللسانِ واليدِ والأنفِ والأذنِ وغيرِهِ ، فهذهِ الاختلافاتُ ثابتةٌ في عذابِ
الآخرةِ ، دلَّ عليها قواطعُ الشرع ، وهيَ بحسَبِ اختلافِ قوَّةِ الإيمانِ
ـدن
(١) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ١٣٩).
حن
ـة
(٢) روى أبو يعلى في ((مسنده)) (١٢٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
مرفوعاً: « یمر الناس على جسر جهنم و عليه حسك وكلاليب وخطاطيف تخطف الناس
يميناً وشمالاً ، وعلى جنبتيه ملائكة يقولون : اللهم ؛ سلِّمْ سلِّمْ، فمن الناس من يمر
ـدن
ـكن
مثل البرق ، ومنهم من يمر مثل الريح ، ومنهم من يمر مثل الفرس ، ومنهم من يسعى
سعياً ، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم من يزحف زحفاً ... ))
الحديث .
٩٢

ربع المنجيات
كتاب التوبة
وضعفِهِ ، وكثرةِ الطاعاتِ وقلَّتِها ، وكثرةِ السيئاتِ وقلَّتِها .
أمَّا شدَّةُ العذابِ .. فبشدَّةِ قَبْح السيئاتِ وكبرِها، وأمَّا كثرتُهُ ..
فبكثرتِها ، وأمَّا اختلافُ أنواعِهِ .. فباختلافِ أنواع السيئاتِ ، وقدِ انكشفَ
هذا لأربابِ القلوبِ معَ شواهدِ القرآنِ بنورِ الإيمانِ ، وهوَ المعنيُّ بقولِهِ
تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾، وبقولِهِ تعالى: ﴿ اَلْيَوْمَ تُخْزَى كُلَّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ أَلْيَوْمَ﴾، وبقولِهِ سبحانَهُ: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا
سَعَى﴾، وبقولِهِ تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (﴾ وَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ﴾ إلى غيرِ ذلكَ ممَّا وردَ في الكتابِ والسنةِ ؛
مِنْ كونِ العقابِ والثوابِ جزاءً على الأعمالِ .
وكلُّ ذلكَ بعدْلٍ لا ظلمَ فيهِ ، وجانبُ العفوِ والرحمةِ أرجحُ ؛ إذْ قالَ
تعالى فيما حكى عنهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((سبقَتْ رحمتي
غضبي ))(١) .
وقال تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًّاً عَظِيمًا﴾.
فإذاً ؛ هذهِ الأمورُ الكليَّةُ مِنِ ارتباطِ الدرجاتِ والدركاتِ بالحسناتِ
والسيئاتِ معلومةٌ بقواطع الشرع ونورِ المعرفةِ ، فأمَّا التفصيلُ .. فلا يُعرِفُ
إلا ظنّاً، ومستندُهُ ظواهرُ الأخبارِ ونوعُ حدسٍ يُستمدُّ مِنْ أنوارِ الاستبصارِ
بعينِ الاعتبارِ .
(١) رواه مسلم (٢٧٥١) بلفظه هنا، وأصله عند البخاري كذلك (٣١٩٤).
٩٣
جن

كتاب التوبة
ربع المنجيات
فنقولُ : كلُّ مَنْ أحكمَ أصلَ الإيمانِ ، واجتنبَ جميعَ الكبائرِ ، وأحسنَ
جميعَ الفرائضِ ؛ أعني : الأركانَ الخمسةَ ، ولمْ يكنْ منهُ إلا صغائرُ متفرقةٌ
لمْ يصرَّ عليها .. فيشبهُ أنْ يكونَ عذابُهُ بالمناقشةِ في الحسابِ فقطْ ، فإنَّهُ إذا
حُوسبَ .. رجحَتْ حسناتُهُ على سيئاتِهِ؛ إذْ وردَ في الأخبارِ: أنَّ الصلواتِ
الخمسَ، والجمعةَ، وصومَ رمضانَ .. كفارةٌ لما بينَهنَّ (١) ، وكذلكَ
اجتنابُ الكبائرِ بحكمٍ نصُّ القرآنِ مكفِّرٌ للصغائرِ(٢) ، وأقلُّ درجاتِ التكفيرِ
أنْ يُدفعَ العذابُ إنْ لمْ يُدفع الحسابُ ، وكلُّ مَنْ هذا حالُهُ فقدْ ثقلَتْ
موازينُهُ ، فينبغي أنْ يكونَ بعدَ ظهورِ الرجحانِ في الميزانِ ، وبعدَ الفراغِ مِنَ
الحسابِ .. في عيشةٍ راضيةٍ .
نعم ، التحاقُهُ بأصحابِ اليمينِ أوْ بالمقربينَ ، ونزولُهُ في جناتٍ عدْنٍ أوْ
في الفردوسِ الأعلى .. فذلكَ يتبعُ أصنافَ الإيمانِ؛ لأنَّ الإيمانَ إيمانانِ :
إيمانٌ تقليديٌّ كإيمانِ العوامُّ ؛ يصدِّقونَ بما يسمعونَ ويستمرُّونَ عليهِ .
جـ
حن
وإيمانٌ كشفيٌّ يحصلُ بانشراحِ الصدْرِ بنورِ اللهِ ، حتَّى ينكشفَ فيهِ
الوجودُ كلُّهُ على ما هوَ عليهِ ، فيتضحَ أنَّ الكلَّ إلى اللهِ مرجعُهُ ومصيرُهُ ؛ إذْ
(١) رواه مسلم (١٦/٢٣٣).
(٢) وهو قوله عز من قائل: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ
وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَرَ أَلْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا
الََّّ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ .
ـكن
٩٤
ـدن

ربع المنجيات
كتاب التوبة
ليسَ في الوجودِ إلا اللهُ تعالى وصفاتُهُ وأفعالُهُ(١) .
فهذا الصنفُ همُ المقرَّبونَ النازلونَ في الفردوسِ الأعلىُ ، وهمْ على
غايةِ القرْبِ مِنَ الملأ الأعلى ، وهمْ أيضاً على أصنافٍ ؛ فمنهُمُ السابقونَ ،
ومنهُمْ مَنْ دونَهُمْ ، وتفاوتُهُمْ بحسَبِ تفاوتِ معرفتِهِمْ باللهِ تعالى ، ودرجاتُ
العارفينَ في المعرفةِ باللهِ تعالى لا تنحصرُ ؛ إذِ الإحاطةُ بكنْهِ جلالِ اللهِ غيرُ
ممكنةٍ ، وبحرُ المعرفةِ ليسَ لهُ ساحلٌ وعمقٌ ، وإنَّما يغوصُ فيهِ الغوَّاصونَ
بقدْرِ قواهُمْ ، وبقدرِ ما سبقَ لهُمْ مِنَ اللهِ تعالى في الأزلِ ، فالطريقُ إلى اللهِ
تعالى لا نهايةَ لمنازلِهِ، فالسالكونَ لسبيلِ اللهِ لا نهايةَ لدرجاتِهِمْ .
وأمَّا المؤمنُ إيماناً تقليدياً .. فهوَ مِنْ أصحابِ اليمينِ ، ودرجتُهُ دونَ
درجةِ المقرَّبينَ ، وهمْ أيضاً على درجاتٍ ، فالأعلىُ مِنْ درجاتِ أصحابِ
اليمينِ تقاربُ رتبتُهُ رتبةَ الأدنىُ مِنْ درجاتِ المقرَّبينَ .
هذا حالُ مَنِ اجتنبَ كلَّ الكبائرِ ، وأدَّى الفرائضَ كلَّها ؛ أعني :
الأركانَ الخمسةَ التي هيَ النطقُ بكلمةِ الشهادةِ باللسانِ ، والصلاةُ ،
والزكاةُ ، والصومُ ، والحجُ .
(١) وأن كل شيء هالك إلا وجهه ، لا أنه يصير هالكاً من الأوقات ، بل هو هالك أزلاً وأبداً
لا يتصور إلا كذلك، فإن كل شيء سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته .. فهو عدم
محض ، وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأزل .. فيكون الموجود
وجه الله فقط ، ولكل شيء وجهان ؛ وجه إلى نفسه ، ووجه إلى ربه ، فهو باعتبار وجه
نفسه عدم، وباعتبار وجه الله موجود؛ إذ لا موجود إلا الله ووجهه). ((إتحاف))
(٥٥٦/٨)، وهو من كلام المصنف في ((مشكاة الأنوار)) (ص ٤٠).
٩٥
حں
حں

كتاب التوبة
ربع المنجيات
فأمَّا مَنِ ارتكبَ كبيرةً أوْ كبائرَ ، أَوْ أهملَ بعضَ أركانِ الإسلامِ ؛ فإنْ
تابَ توبةً نصوحاً قبلَ قَرْبِ الأجلِ .. التحقَ بمَنْ لمْ يرتكبْ ؛ لأنَّ التائبَ مِنَ
الذنبِ كمَنْ لا ذنبَ لهُ ، والثوبُ المغسولُ كالذي لمْ يتوسَّخْ أصلاً .
وإنْ ماتَ قبلَ التوبةِ .. فهذا أمرٌ مخطرٌ عندَ الموتِ ؛ إذْ ربَّما يكونُ موتُهُ
على الإصرارِ سبباً لتزلزلِ إيمانِهِ ، فيُختمُ لهُ بسوءِ الخاتمةِ ، لا سيما إذا كانَ
إيمانُهُ تقليدياً .
فإنَّ التقليدَ وإنْ كانَ جزماً فهوَ قابلٌ للانحلالِ بأدنى شكِّ وخيالٍ ،
والعارفُ البصيرُ أبعدُ مِنْ أنْ يُخافَ عليهِ سوءُ الخاتمةِ ، وكلاهما إنْ ماتا على
الإيمانِ يعذَّبانِ - إلا أنْ يعفوَ اللهُ - عذاباً يزيدُ على عذابِ المناقشةِ في
الحسابِ ، وتكونُ كثرةُ العقابِ مِنْ حيثُ المدَّةُ بحسَبٍ كثرةٍ مدَّةِ الإصرارِ ،
ومِنْ حيثُ الشِدَّةُ بحسَبِ قبح الكبائرِ ، ومِنْ حيثُ اختلافُ النوع بحسَبٍ
اختلافِ أصنافِ السيئاتِ .
وعندَ انقضاءِ مدَّةِ العقابِ ينزلُ البُلْهُ المقلِّدونَ في درجاتِ أصحابِ
اليمينِ ، والعارفونَ المستبصرونَ في أعلى عليِّينَ، ففي الخبرِ: (( آخرُ مَنْ
يخرجُ مِنَ النارِ يُعطى مثلَ الدنيا كلِّها عشرةَ أضعافٍ))(١) .
ولا تظنَّنَّ أنَّ المرادَ بهِ تقديرُهُ بالمساحةِ لأطرافِ الأجسامِ ، بأنْ
يُقابلَ فرسخٌ بفرسخينٍ أوْ عشرةٍ ، فإنَّ هذا جهلٌ بطريقِ ضْربِ الأمثالِ ،
(١) رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم ( ١٨٦) .
٩٦

ربع المنجيات
كتاب التوبة
بلْ هذا كقولِ القائلِ : ( أخذَ منهُ جملاً وأعطاهُ عشرةَ أمثالِهِ ) ، وكانَ
الجملُ يساوي عشرةَ دنانيرَ ، فأعطاهُ مئةَ دينارٍ ، فإنْ لمْ يفهمْ مِنَ المثلِ إلا
المثلَ في الوزنِ والثقلِ .. فلا تكونُ مئةُ دينارٍ لوْ وُضعَتْ في كفَّةِ الميزانِ
والجملُ في الكفَّةِ الأخرى عشرَ عَشِيرِهِ ، بلْ هوَ موازنةُ معاني الأجسامِ
وأرواحِها ، دونَ أشخاصِها وهياكلِها ، فإنَّ الجملَ لا يُقصدُ لثقلِهِ وطولِهِ
وعرضِهِ ومساحتِهِ ، بلْ لماليَّتِهِ ، فروحُهُ الماليَّةُ، وجسمُهُ اللحمُ والدمُ ،
ومنةُ دينارِ عشرةُ أمثالِهِ بالموازنةِ الروحانيَّةِ ، لا بالموازنةِ الجسمانيّةِ ، وهذا
صادقٌ عندَ مَنْ يعرفُ روحَ الماليّةِ مِنَ الذهبِ والإبلِ ، بلْ لوْ أعطاهُ جوهرةً
وزنُها مثقالٌ، وقيمتُها مئةُ دينارٍ ، وقالَ : ( أعطيتُهُ عشرةَ أمثالِهِ) .. كانَ
صادقاً ، ولكنْ لا يدركُ صدقَهُ إلا الجوهريُّ ؛ فإنَّ روحَ الجوهريَّةِ
لا تُدركُ بمجرَّدِ البصرِ ، بلْ بفطنةٍ أخرى وراءَ البصرِ ، فلذلكَ يكذِّبُ بهِ
الصبيُّ بلِ القرويُّ والبدويُّ، ويقولُ: ( ما هذهِ الجوهرةُ إلا حجرٌ وزنُهُ
مثقالٌ ، ووزنُ الجملِ ألفُ ألفِ مثقالٍ ، فقدْ كذبَ في قولِهِ : إِنِّي
أعطيتُهُ عشرةَ أمثالِهِ ) ، والكاذبُ بالتحقيقِ هوَ الصبيُّ ، ولكنْ لا سبيل إلى
تحقيقِ ذلكَ عندَهُ إلا بأنْ يُنتظرَ بهِ البلوغُ والكمالُ ، وأنْ يحصلَ في قلبِهِ النورُ
الذي بهِ يدركُ أرواحَ الجواهرِ وسائرِ الأموالِ ، فعندَ ذلكَ ينكشفُ لهُ
الصدقُ .
ہے
حن
1%
حن
قسـ
والعارفُ عاجزٌ عنْ تفهيمِ المقلِّدِ القاصرِ صدقَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ في هذهِ الموازنةِ؛ إذْ يقولُ: ((الجنةُ في السماواتِ)) ، كما وردَ في
٩٧

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الأخبارِ(١) ، والسماواتُ مِنَ الدنيا ، فكيفَ يكونُ عشرةُ أمثالِ الدنيا في
الدنيا ؟ وهذا كما يعجزُ البالغُ عنْ تفهيمِ الصبيِّ تلكَ الموازنةَ ، وكذلكَ
تفهيم البدويِّ .
وكما أنَّ الجوهريَّ مرحومٌ إذا بُلِيَ بالبدويِّ والقرويِّ في تفهيمِ تلكَ
الموازنةِ .. فالعارفُ أيضاً مرحومٌ إذا بُلِيَ بالبليدِ الأبلهِ في تفهيمِ هذهِ
الموازنة، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ارحموا ثلاثةً : عالماً بينَ
الجهَّالِ، وغنيَّ قومٍ افتقرَ، وعزيزَ قومٍ ذلَّ))(٢).
والأنبياءُ مرحومونَ بينَ الأمَّةِ بهذا السببِ ، ومقاساتَهُمْ لقصورِ عقولِ
الأمم فتنةٌ لهُمْ، وامتحانٌ وابتلاءٌ مِنَ اللهِ تعالى، وبلاءٌ موكلٌ بِهِمْ سبقَ
بتوكيلِهِ القضاءُ الأزليُّ، وهوَ المعنيُّ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((البلاءُ
موكلٌ بالأنبياءِ ، ثمَّ الأولياءِ، ثمَّ الأمثلِ فالأمثلِ)) (٣).
(١) وليس المراد اللفظ بعينه، وقد روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٧/ ١٠٣) عن عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه قال: ( الجنة في السماء السابعة العليا )، ثم قرأ: ﴿كَلَّ إِنَّ كِنَبَ
اُلْأَبْرَارِ لَفِى عِلَِّينَ﴾ .
ـكن
(٢) رواه ابن حبان في ((المجروحين)) (٩٨/٢) بتقديم وتأخير ، من طريق عيسى بن
طهمان عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، وقد ضعَّف فيه عيسى ، قال الحافظ الزبيدي في
((إتحافه)) (٥٥٩/٨): ( لكن وجد بخط الحافظ ابن حجر ما نصه : عيسى ثقة ، لم
يتكلم فيه غير ابن حبان ، وقد احتج به البخاري والنسائي والأمة ممن دونه ) ، وانظر
((تهذيب التهذيب)) (٣٥٩/٣).
ـدة
(٣) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٤٣٩)، وابن ماجه
( ٤٠٢٣ ).
٩٨

ربع المنجيات
كتاب التوبة
فلا تظنَّنَّ أنَّ البلاءَ بلاءُ أيوبَ عليهِ السلامُ ، وهوَ الذي ينزلُ بالبدنِ ، فإنَّ
بلاءَ نوحِ عليهِ السلامُ أيضاً مِنَ البلاءِ العظيمِ ؛ إذْ بُلِيَ بجماعةٍ كانَ لا يزيدُهُمْ
دعاؤُهُ إلى اللهِ إلا فراراً، ولذلكَ لمَّا تأذَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
بكلامِ بعضِ الناسِ قالَ : (( رحمَ اللهُ أخي موسى ؛ لقدْ أُوذيَ بأكثرَ مِنْ هذا
فصبرَ ))(١) .
فإذاً؛ كما لا يخلو الأنبياءُ عنِ الابتلاءِ بالجاحدينَ .. فلا يخلو الأولياءُ
والعلماءُ عنِ الابتلاءِ بالجاهلينَ ، ولذلكَ قلَّما انفكَّ الأولياءُ عنْ ضروبٍ مِنَ
الإيذاءِ وأنواع البلاءِ ؛ بالإخراجِ مِنَ البلادِ ، والسعايةِ بهِمْ إلى السلاطينِ ،
والشهادةِ عليهِمْ بالكفرِ والخروجِ عنِ الدينِ .
وواجبٌ أنْ يكونَ أهلُ المعرفةِ عندَ أهلِ الجهلِ مِنَ الكافرينَ ؛ كما يجبُ
أنْ يكونَ المعتاضُ عنِ الجملِ الكبيرِ جوهرةٌ صغيرةً عندَ الجاهلينَ مِنَ
المبذِّرينَ المضيِّعينَ .
فإذا عرفتَ هذهِ الدقائقَ .. فَآَمِنْ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّهُ يُعطى
آخرُ مَنْ يخرجُ مِنَ النارِ مثلَ الدنيا عشرَ مرَّاتٍ ، وإيّاكَ أنْ يقتصرَ تصديقُكَ
على ما يدركُهُ البصرُ والحواسُ فقطْ، فتكونَ حماراً برِجْلينِ ؛ لأنَّ الحمارَ
يشاركُكَ في الحواسِّ الخمسِ ، وإنَّما أنتَ مفارقٌ للحمارِ بسرٍّ إلهيٍّ عُرِضَ
على السماواتِ والأرض والجبالِ فأبينَ أنْ يحملْنَهُ وأشفقنَ منهُ ، فإدراكُ
(١) رواه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم ( ١٠٦٢) .
٩٩

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ما يخرجُ عنْ عالمِ الحواسِّ الخمسِ لا يُصادفُ إلا في عالمٍ ذلكَ السرِّ الذي
بهِ فارقتَ الحمارَ وسائرَ البهائمٍ، فمَنْ ذهلَ عنْ ذلكَ، وعطَّلَهُ وأهملَهُ ،
وقنعَ بدرجةِ البهائمٍ ، ولمْ يجاوزِ المحسوساتِ .. فهوَ الذي أهلكَ نفسَهُ
بتعطيلِها ، ونسيَها بالإعراضِ عنها، ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَنُهُمْ
أَنْفُسَهُمْ﴾، فكلُّ مَنْ لمْ يعرف إلا المدرَكَ بالحواسِّ .. فقدْ نسيَ اللهَ؛ إذْ
ليسَ ذاتُ اللهِ مدركاً في هذا العالمِ بالحواسِّ الخمسِ(١) ، وكلُّ مَنْ
نسيَ اللهَ .. أنساهُ اللهُ - لا محالةَ - نفسَهُ، ونزلَ إلى رتبةِ البهائمِ، وتركَ
الترقيّ إلى أفقِ الملأ الأعلى، وخانَ في الأمانةِ التي أودعَهُ اللهُ تعالى إيّاها
وأنعمَ بها عليهِ ، كافراً لنعمتِهِ ومتعرضاً لنقمتِهِ ، إلا أنَّهُ أسوأ حالاً مِنَ
البهيمةِ؛ فإنَّ البهيمةَ تتخلَّصُ بالموتِ، وأمَّا هذا .. فعندَهُ أمانةٌ سترجعُ -
لا محالةَ - إلى مودِعِها ، فإليهِ مرجعُ الأمانةِ ومصيرُها .
وتلكَ الأمانةُ كالشمسِ الزاهرةِ ، وإنَّما هبطَتْ إلى هذا القالبِ
الفاني وغربَتْ فيهِ ، وستطلعُ هذهِ الشمسُ عندَ خرابِ القالبِ مِنْ مغرِبِها ،
وتعودُ إلى بارئها وخالقِها ؛ إمَّا مظلمةً منكسفةً ، وإمَّا زاهرةً مشرقةً ،
والزاهرةُ المشرقةُ غيرُ محجوبةٍ عنِ حضرةِ الربوبيَّةِ ، والمظلمةُ أيضاً
راجعةٌ إلى الحضرةِ ؛ إذِ المرجعُ والمصيرُ للكلِّ إليهِ ، إلا أنَّها ناكسةٌ
رؤوسَها عنْ جهةِ أعلى عليينَ إلى جهةِ أسفلِ السافلينَ ، ولذلكَ قالَ تعالى :
حن
حق حن
(١) في (أ): ( في هذا العالم المحبوس بالحواس الخمس ) .
١٠٠
ثن