النص المفهرس

صفحات 61-80

ربع المنجبات
كتاب التوبة
وهذا ضعيفٌ(١)؛ إذْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ
تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ .
حن
حن
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَذِبُونَ كَبَيْرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّ اللََّمَ﴾.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ
تكفِّرُ ما بينَهُنَّ إنِ اجتنبَتِ الكبائرُ))(٢).
وفي لفظٍ آخرَ : (( كفاراتٌ لما بينَهُنَّ إلا الكبائرَ))(٣).
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ :
(( الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالدينِ، وقثْلُ النفسِ ، واليمينُ
الغموسُ))(٤).
لأمر الله ، ولكن بعضها أكبر من بعض ، ولا شيء أعظم من الشرك ) ، ونقل أبو حيان
=
في (( البحر المحيط)) (٢٣٣/٣) هذا إذ قال: ( وقد اختلفوا في ذلك ، فذهب
الجمهور إلى انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر ... ، وذهب جماعة من الأصوليين
منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وأبو المعالي وأبو نصر عبد الرحيم القشيري إلى أن
الذنوب كلها كبائر ، وإنما يقال لبعضها : صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها ؛ كما
يقال : الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر ) .
(١) انظر ((المستصفى)) (٢١٣/٢)، و((الإتحاف)) (٥٣٠/٨).
(٢) رواه مسلم ( ٢٣٣).
(٣) كذا في ((القوت)) (١٤٧/٢)، ورواه أحمد في ((مسنده)) (٣٥٩/٢): ((كفارات
لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)).
(٤) رواه البخاري ( ٦٦٧٥ ) .
١
حن .

كتاب التوبة
ربع المنجيات
واختلفَ الصحابةُ والتابعونَ في عددِ الكبائرِ مِنْ أربعٍ ، إلى سبعٍ ، إلى
تسعٍ ، إلى إحدى عشرةَ ، فما فوقَ ذلكَ .
فقالَ ابنُ مسعودٍ : (هُنَّ أربعٌ)(١) .
وقالَ ابنُ عمرَ : ( هُنَّ سبعٌ)(٢) .
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: ( مُنَّ تسعٌ)(٣).
وكانَ ابنُ عباسٍ إذا بلغَهُ قولُ ابنِ عمرَ : ( الكبائرُ سبعٌ) .. يقولُ :
( هُنَّ إلى سبعينَ أقربُ منها إلى سبعٍ) (٤) .
وقالَ مرَّةً : ( كلُّ ما نهى اللهُ عنهُ فهوَ كبيرةٌ )(٥) .
(١) روى الطبراني في «الكبير)) (١٥٦/٩) عنه قال: ( أكبر الكبائر : الإشراك بالله ،
والأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله ) ، وسياق المصنف
هنا تبع لصاحب ((القوت)) (١٤٨/٢)، وجمع غالبها الطبري في ((تفسيره))
( ٥٢/٥/٤ ) .
(٢) روى الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٢٤٨) عنه قال: ( الكبائر : الإشراك بالله ،
وقذف المحصنة - قال الراوي : أقبلَ الدم ؟ قال : نعم ، ورغماً - وقتل النفس ،
والفرار يوم الزحف ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وعقوق الوالدين ) .
(٣) روى البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨) عن ابن عمر لا ابن عمرو رضي الله عنهم
جميعاً : ( هن تسع : الإشراك بالله ، وقتل نسمة ، والفرار من الزحف ، وقذف
المحصنة ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وإلحاد في المسجد ، والذي يستسحر ،
وبكاء الوالدين من العقوق ... ) الحديث.
كن
(٤) رواه اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) ( ١٩١٧).
(٥) رواه اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) (١٩١٦).
٦١

ربع المنجبات
كتاب التوبة
وقالَ غيرُهُ: ( كلُّ ما أوعدَ اللهُ عليهِ بالنارِ فهوَ مِنَ الكبائرِ)(١).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( كلُّ ما أوجبَ الحدَّ في الدنيا فهوَ كبيرةٌ )(٢).
وقيلَ : ( إنَّها مبهمةٌ لا يُعرفُ عددُها ، كليلةِ القدْرِ ، وساعةِ يومٍ
الجمعةِ)(٣).
وقالَ ابنُ مسعودٍ لمَّا سُئِلَ عنها: (اقرأْ مِنْ أوَّلِ ((سورةِ النساءِ)» إلى
رأسٍ ثلاثينَ آيَةً منها عندَ قولِهِ: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾، فكلُّ
ما نهى اللهُ عنهُ في هذهِ السورةِ إلى ههنا فهوَ كبيرةٌ ) (٤) .
وقالَ أبو طالبٍ المكيُّ : ( الكبائرُ سبعَ عشرةَ ، جمعتُها مِنْ جملةٍ
(١) كذا في ((القوت)) (١٤٨/٢)، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن سعيد بن
جبير كذلك عند الطبري في ((تفسيره )) (٥٩/٥/٤) .
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره )) (٤ /٥٩/٥) عن الضحاك ومجاهد والحسن .
G
(٣) كذا في ((القوت)) (١٤٨/٢)، وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في (( الزواجر))
(١٥/١): (واعتمده الواحدي من أصحابنا في ((بسيطه))، فقال: الصحيح: أن
الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به ، وإلا .. لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ،
ولكن الله عز وجل أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن
تجتنب الكبائر ، ونظائره إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة ونحو
ذلك ) ، ولم يرتضه ، والمصنف رحمه الله تعالى أورد هذا ولم يستبعده ، بشرط أن
يكون قسماً من الأقسام ، لا على إطلاقه، وكتاب ابن حجر الهيتمي (( الزواجر عن
اقتراف الكبائر)) أجمع كتاب في هذا الباب كما ذكر الحافظ الزبيدي في (( إتحافه )
(٥٣٥/٨ ) .
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٥٢/٥/٤) .
٦٣

كتاب التوبة
٥٠٠٠
ربع المنجيات
الأخبار، وجملةُ ما اجتمعَ مِنْ قولِ ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهِمْ:
أربعةٌ في القلبِ : وهيَ الشركُ باللهِ ، والإصرارُ على معصيتِهِ ، والقنوطُ
مِنْ رحمتِهِ ، والأمنُ مِنْ مَكْرِهِ .
وأربعةٌ في اللسانِ : وهي شهادةُ الزورِ ، وقذفُ المحصنِ ، واليمينُ
الغموسُ ؛ وهيَ التي يحقُّ بها باطلاً أوْ يبطلُ بها حقّاً ، وقيلَ : هي التي
يقتطعُ بها مالَ امرىءٍ مسلمٍ باطلاً ولوْ سواكاً مِنْ أراكٍ ، وسمِّيتْ غموساً لأنَّها
تغمسُ صاحبَها في النارِ ، والسحرُ ؛ وهوَ كلُّ كلامِ يغيِّرُ الإنسانَ وسائرَ
الأجسامِ عنْ موضوعاتِ الخلْقةِ .
وثلاثٌ في البطنِ : وهيَ شربُ الخمرِ والمسكرِ مِنْ كلِّ شرابٍ ، وأكلُ
مالِ اليتيمٍ ظلماً ، وأكلُ الربا وهوَ يعلمُ .
واثنتانِ في الفرجِ : وهما الزنا ، واللواطُ .
واثنتانِ في اليدينِ ؛ وهما القتلُ ، والسرقةُ .
وواحدةٌ في الرجلينِ : وهيَ الفرارُ مِنَ الزحفِ ، الواحدُ مِن اثنينِ ،
والعشرةُ مِنْ عشرينَ .
وواحدةٌ في جميع الجسدِ : وهيَ عقوقُ الوالدينِ ، قالَ : وجملةٌ
عقوقِهما أنْ يُقسما عليهِ في حقٍّ فلا يبرَّ قسمَهُما ، وأنْ يسألاهُ حاجةً فلا
يعطيَهُما، وأن يسبَّاهُ فيضربَهُما، ويجوعانِ فلا يطعمُهما)(١).
(١) ((قوت القلوب)) (١٤٨/٢).
٦٤

ربع المنجيات
كتاب التوبة
هذا ما قالَهُ، وهوَ قريبٌ، ولكنْ ليسَ يحصلُ بهِ تمامُّ الشفاءِ ؛ إذْ يمكنُ
الزيادةُ عليهِ والنقصانُ منهُ ، فإنَّهُ جعلَ أكلَ الربا ومالِ اليتيمِ مِنَ الكبائرِ ،
وهيَ جنايةٌ على الأموالِ ، ولمْ يذكرْ في كبائرِ النفوسِ إلا القتلَ ، فأمَّا فقءُ
العينينِ وقطعُ اليدينِ وغيرُ ذلكَ مِنْ تعذيبِ المسلمينَ بالضربِ وأنواعِ
العذابِ .. فلمْ يتعرَّضْ لهُ ، وضربُ اليتيمِ وتعذيبُهُ وقطعُ أطرافِهِ لا شكَّ في
أنَّهُ أكبرُ مِنْ أكلِ مالِهِ .
كيفَ وفي الخبرِ : ( مِنَ الكبائرِ السبََّانِ بالسَّبَّةِ، ومِنَ الكبائرِ استطالةٌ
الرجلِ في عرضٍ أخيهِ المسلم »(١) ، وهذا زائدٌ على قذْفِ المحصنِ ؟!
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ وغيرُهُ مِنَ الصحابةِ : ( إنَّكُمْ لتعملونَ أعمالاً
هيَ أدقُ في أعينِكُمْ مِنَ الشعرِ ، كنَّا نعدُّها على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ مِنَ الكبائرِ )(٢).
وقالَتْ طائفةٌ: ( كلُّ عمدٍ كبيرةٌ)(٣)، (وكلُّ ما نهى اللهُ عنهُ فهوَ
كبيرةٌ ) (٤) .
(١) رواه أبو داوود ( ٤٨٧٧).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/٣) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ،
وفيه : ( من الموبقات ) بدل ( من الكبائر)، وعنده (٢٨٥/٣) بلفظه من حديث أنس
رضي الله عنه .
(٣) قوت القلوب (١٤٨/٢).
(٤) رواه اللالكائى فى ((اعتقاد أهل السنة)) (١٩١٦).
٦٥

كتاب التوبة
ربع المنجيات
وكشفُ الغطاءِ عنْ هذا : أنَّ نظرَ الناظرِ في السرقةِ أهيَ كبيرةٌ أمْ لا ..
لا يصحُّ ما لمْ يفهمْ معنى الكبيرةِ والمرادَ بها ؛ كقولِ القائلِ : ( السرقةُ حرامٌ
أمْ لا ) لا مطمعَ في معرفتِهِ إلا بعدَ تقريرِ معنى الحرامِ أولاً ، ثمَّ البحثِ عنْ
وجودِهِ في السرقةِ .
فالكبيرةُ مِنْ حيثُ اللفظُ مبهمٌ ، ليسَ لهُ موضوعٌ خاصٌّ في اللغةِ ولا في
الشرع ، وذلكَ لأَنَّ الكبيرَ والصغيرَ مِنَ المضافاتِ ، وما مِنْ ذنبٍ إلا وهوَ
كبيرٌ بالإضافةِ إلى ما دونَهُ ، وصغيرٌ بالإضافةِ إلى ما فوقَهُ ؛ فالمضاجعةُ معَ
الأجنبيةِ كبيرةٌ بالإضافةِ إلى النظرِ ، صغيرةٌ بالإضافةِ إلى الزنا ، وقطعُ يدِ
المسلمِ كبيرةٌ بالإضافةِ إلى ضربِهِ ، صغيرةٌ بالإضافةِ إلى قتلِهِ .
نعمْ، للإنسانِ أنْ يطلقَ على ما تُوعِّدَ بالنارِ على فعلِهِ خاصَّةً اسمَ
الكبيرةِ ، ونعني بوصفِهِ بالكبيرةِ : أنَّ العقوبةَ بالنارِ عظيمةٌ ، ولهُ أنْ يطلقَ
على ما أُوجبَ الحدُّ عليهِ مصيراً إلى أنَّ ما عُجِّلَ عليهِ في الدنيا عقوبةٌ
واجبٌ .. عظيمٌ، ولهُ أنْ يطلقَ على ما وردَ في نصُّ الكتابِ النهيُ عنهُ ،
فيقولُ : تخصيصُهُ بالذكرِ في القرآنِ يدلُّ على عظمِهِ، ثمَّ يكونُ
عظيماً وكبيراً - لا محالةَ - بالإضافةِ ؛ إذْ منصوصاتُ القرآنِ أيضاً تتفاوتُ
درجاتُها .
ـحن
حن
فهذهِ الإطلاقاتُ لا حرجَ فيها ، وما نقلَ مِنْ ألفاظِ الصحابةِ يتردّدُ بينَ
هذهِ الجهاتِ ، ولا يبعدُ تنزيلُها على شيءٍ مِنْ هذهِ الاحتمالاتِ .
ق
٦٦

ربع المنجيات
كتاب التوبة
نعمْ، مِنَ المهمَّاتِ أنْ تعلمَ معنى قولِ اللهِ تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ
مَا نُنْهَوَنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وقولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((الصلواتُ الخمسُ كفَّاراتٌ لما بينَهُنَّ إلا الكبائرَ)) (١)؛ فإنَّ هذا
إثباتُ حكمٍ للكبائرِ .
والحقُّ في ذلكَ : أنَّ الذنوبَ منقسمةٌ في نظرِ الشرع إلى ما يعلمُ
استعظامُهُ إِيَّاها ، وإلى ما يعلم أنَّها معدودةٌ في الصغائرِ ، وإلى ما يشكُّ فيهِ
فلا يُدری حکمُهُ .
فالطمعُ في معرفةِ حدٍّ حاصرٍ أوْ عددٍ جامع مانع طلبٌ لما لا يمكنُ ؛ فإنَّ
ذلكَ لا يمكنُ إلا بالسماعِ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنْ يقولَ :
إنّي أردتُ بالكبائرِ عشراً ، أوْ خمساً ، ويفصِّلُها ، فإنْ لمْ يرد هذا ، بلْ وردَ
في بعضِ الألفاظِ: (( ثلاثٌ مِنَ الكبائرِ))(٢)، وفي بعضِها: ((سبعٌ مِنَ
الكبائرِ))(٣)، ثمَّ وردَ أنَّ السَّبتينِ بالسَّبَّةِ الواحدةِ مِنَ الكبائرِ(٤)، وهوَ خارجٌ
عنِ السبعِ والثلاثِ .. علمَ أنَّهُ لمْ يقصدْ بهِ العددَ والحصرَ ، فكيفَ يطمعُ في
عددِ ما لمْ يعدِّدْهُ الشرعُ ؟! وربَّما قصدَ الشرعُ إبهامَهُ ؛ ليكونَ العبادُ منهُ على
وَجَلٍ ، كما أبهمَ ليلةَ القَدْرِ ليعظمَ جدُّ الناسِ في طلبِها .
(١) رواه مسلم ( ٢٣٣) .
(٢) رواه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم ( ٨٧).
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٧٠٥).
(٤) رواه أبو داوود ( ٤٨٧٧).
٦٧

كتاب التوبة
ربع المنجيات
نعمْ، لنا سبيلٌ كلِّيٌّ يمكنُنا أنْ نعرفَ بهِ أجناسَ الكبائرِ وأنواعَها
بالتحقيقِ ، وأمَّا أعيانُها .. فنعرفُها بالظنِّ والتقريبِ، ونعرفُ أيضاً أكبرَ
الكبائرِ ، فأمَّا أصغرُ الصغائرِ .. فلا سبيلَ إلى معرفتِهِ .
وبيانُهُ : أَنَّا نعلمُ بشواهدِ الشرع وأنوارِ البصائرِ جميعاً أنَّ مقصودَ الشرائع
كلُّها سياقةُ الخلْقِ إلى جوارِ اللهِ تعالى وسعادةٍ لقائِهِ ، وأنَّهُ لا وصولَ لَهُمْ إلى
ذلكَ إلا بمعرفةِ اللهِ ومعرفةِ صفاتِهِ وكتبهِ ورسلِهِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ
تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ: ليكونوا عبيداً لي ،
ولا يكونُ العبدُ عبداً ما لمْ يعرفْ ربَّهُ بالربوبيَّةِ ونفسَهُ بالعبوديَّةِ ، فلا بدَّ أنْ
يعرفَ نفسَهُ وربَّهُ ، فهذا هوَ المقصودُ الأقصىُ ببعثةِ الأنبياءِ .
ولكنْ لا يتمُّ هذا إلا في الحياةِ الدنيا ، وهوَ المعنيُّ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: ((الدنيا مزرعةُ الآخرةِ)) (١)، فصارَ حفظُ الدنيا أيضاً مقصوداً تابعاً
للدينِ ؛ لأنَّهُ وسيلةٌ إليهِ .
والمتعلِّقُ مِنَ الدنيا بالآخرةِ شيئانِ ؛ النفوسُ والأموالُ ، فكلُّ ما يسدُّ
بابَ معرفةِ اللهِ تعالى فهوَ أكبرُ الكبائرِ ، ويليهِ ما يسدُّ بابَ حياةِ النفوسِ ،
حن
ـحة
دة
(١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده بهذا اللفظ مرفوعاً، ورواه العقيلي في ((الضعفاء))
[٨٤٣/٣]، وأبو بكر بن لال في (( مكارم الأخلاق)) من حديث طارق بن أشيم:
((نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لاخرته)) الحديث، وإسناده ضعيف). ((إتحاف))
(٥٣٩/٨ ) .
٦٨

ربع المنجيات
كتاب التوبة
ويلي ذلكَ ما يسدُّ بابَ المعايشِ التي بها حياةُ النفوسِ، فهذهِ ثلاثُ مراتبَ.
فحفظُ المعرفةِ على القلوبِ ، والحياةِ على الأبدانِ ، والأموالِ على
الأشخاصِ .. ضروريٌّ في مقصودِ الشرائع كلِّها، وهذهِ ثلاثةُ أمورٍ
لا يُتصوَّرُ أنْ يختلفَ فيها المللُ ، فلا يجوزُ أن يبعثَ اللهُ نبيّاً يريدُ ببعثتِهِ
إصلاحَ الخلْقِ في دينِهِمْ ودنياهم ثُمَّ يأمرُهُمْ بما يمنعُهُمْ عنْ معرفتِهِ ومعرفةٍ
رسِلِهِ ، أَوْ يأمرُهُمْ بإهلاكِ النفوسِ وإهلاكِ الأموالِ .
فحصلَ مِنْ هذا أنَّ الكبائرَ على ثلاثِ مراتبَ :
المرتبةُ الأولى : ما يمنعُ مِنْ معرفةِ اللهِ تعالى ومعرفةِ رسلِهِ : وهوَ
الكفرُ، فلا كبيرةَ فوقَ الكفرِ ؛ إذِ الحجابُ بينَ العبدِ وبين اللهِ هوَ الجهلُ ،
والوسيلةُ المقرِّبةُ لهُ إليهِ هيَ العلمُ والمعرفةُ، وقربُهُ بقدْرٍ معرفتِهِ ، وبعدُهُ
بقدْرِ جهلهِ .
ويتلو الجهلَ الذي يسمَّى كفراً الأمنُ مِنْ مكرِ اللهِ ، والقنوطُ مِنْ رحمتِهِ ،
فإنَّ هذا أيضاً عينُ الجهلِ، فمَنْ عرفَ اللهَ .. لَمْ يُتصوَّرْ أنْ يكونَ آمناً،
ولا أنْ يكونَ آيساً .
ويتلو هذهِ الرتبةَ البدعُ كلُّها المتعلِّقةُ بذاتِ اللهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ،
وبعضُها أشدُّ مِنْ بعضٍ ، وتفاوتُها على حسَبِ تفاوتِ الجهلِ بها ، وعلى
حسَبِ تعلُّقِها بذاتِ اللهِ سبحانَهُ وصفاتِهِ ، وبأفعالِهِ وشرائعِهِ ، وبأوامرِهِ
٦٩
حن

كتاب التوبة
ربع المنجيات
2+
ونواهيهِ ، ومراتبُ ذلكَ لا تنحصرُ ، وهيَ تنقسمُ إلى ما يعلمُ أنَّها داخلةٌ
تحتَ ذكرِ الكبائرِ المذكورةِ في القرآنِ ، وإلى ما يُعلمُ أَنَّهُ لا يدخلُ ، وإلى
ما يُشْكُ فيهِ ، وطلبُ رفع الشكُّ في القسمِ المتوسطِ طمعٌ في غيرِ مطمعٍ .
المرتبةُ الثانيةُ : النفوسُ: إِذْ ببقائِها وحفظِها تدومُ الحياةُ ، وتحصلُ
المعرفةُ باللهِ ، فقتلُ النفسِ - لا محالةَ - مِنَ الكبائرِ ، وإنْ كانَ دونَ الكفرِ ؛
لأنَّ ذلكَ يصدمُ عينَ المقصودِ ، وهذا يصدمُ وسيلةَ المقصودِ ؛ إذِ الحياةُ
الدنيا لا تُرادُ إلا للآخرةِ، والتوصلُ إليها بمعرفةِ اللهِ تعالى .
®G
ويتلو هذهِ الكبيرةَ قطعُ الأطرافِ ، وكلُّ ما يفضي إلى الهلاكِ ، حتَّى
الضربُ ، وبعضُها أكبرُ مِنْ بعضٍ .
حن
ـورة
حن
ويقعُ في هذهِ الرتبةِ تحريمُ الزنا واللواطِ ؛ لأنَّهُ لوِ اجتمعَ الناسُ على
الاكتفاءِ بالذكورِ في قضاءِ الشهواتِ .. انقطعَ النسلُ، ورفعُ الوجودِ (١) قريبٌ
مِنْ قطع الوجودِ ، وأمَّا الزنا .. فإنَّهُ لا يفوّتُ أصلَ الوجودِ ، ولكنْ يشوِّشُ
الأنسابَ ، ويبطلُ التوارثَ والتناصرَ ، وجملةٌ مِنَ الأمورِ التي لا ينتظمُ
العيشُ إلا بها ، بلْ كيفَ يتمُّ النظامُ معَ إباحةِ الزنا ولا ينتظمُ أمورُ البهائمِ
ما لمْ يتميَّزِ الفحلُ منها بإناثٍ يختصُّ بها عنْ سائرِ الفحولِ ؟! ولذلكَ
لا يتصوَّرُ أنْ يكونَ الزنا مباحاً في شرع قُصِدَ بهِ الإصلاحُ .
(١) في غير (أ، س): (ودفع الوجود) بدل ( ورفع الوجود) .
٧٠

ربع المنجيات
حن
كتاب التوبة
وينبغي أنْ يكونَ الزنا في الرتبةِ دونَ القتلِ ؛ لأنَّهُ ليسَ يفوّتُ دوامَ
الوجودِ ، ولا يمنعُ أصلَهُ ، ولكنْ يفوّتُ تمييزَ الأنسابِ ، ويحرِّكُ مِنَ
الأسبابِ ما يكادُ يفضي إلى التقاتلِ ، وينبغي أنْ يكونَ أشدَّ مِنَ اللواطِ ؛ لأنَّ
الشهوةَ داعيةٌ إليهِ مِنَ الجانبينِ ، فيكثرُ وقوعُهُ ، ويعظمُ أثرُ الضررِ بكثرتِهِ .
ن
.. .. ..
المرتبةُ الثالثةُ: الأموالُ : فإنَّها معايشُ الخلْقِ ، فلا يجوزُ تسليطُ الناسِ
على تناولِها كيفَ شاؤوا حثَّى بالاستيلاءِ والسرقةِ وغيرِهِما ، بلْ ينبغي أنْ
تحفظَ لتبقى ببقائِها النفوسُ، إلا أنَّ الأموالَ إذا أُخذَتْ .. أمكنَ
استردادُها ، وإنْ أُكلَتْ .. أمكنَ تغريمُها ، فليسَ يعظمُ الأمرُ فيها .
نعمْ، إذا جرى تناولُها بطريقٍ يعسرُ التداركُ لهُ .. فينبغي أنْ يكونَ ذلكَ
مِنَ الكبائرِ ، وذلكَ بأربعٍ طرقٍ :
أحدُها : الخفيةُ، وهيَ السرقةُ، فإنَّهُ إذا لمْ يطلعْ عليهِ غالباً .. فكيفَ
يتداركُ ؟
الثاني : أكلُ مالِ اليتيمٍ ، وهذا أيضاً مِنَ الخفيةِ ، وأعني بهِ في حقِّ
الوليِّ والقيِّمٍ ، فإنَّهُ مؤتمنٌ فيهِ ، وليسَ لهُ خصمٌ سوى اليتيمٍ ، وهوَ صغيرٌ
لا يعرفُهُ ، فتعظيمُ الأمرِ فيهِ واجبٌ ، بخلافِ الغصْبِ ؛ فإنَّهُ ظاهرٌ يعرفُ ،
وبخلافِ الخيانةِ في الوديعةِ ؛ فإنَّ المودِعَ خصمٌ فيهِ ينتصفُ لنفسِهِ .
الثالثُ : تفويتُها بشهادةِ الزورِ .
٧١
1t

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الرابعُ : أخذُ الوديعةِ وغيرِها باليمينِ الغموسِ .
فإنَّ هذهِ طرقٌ لا يمكنُ فيها التداركُ، ولا يجوزُ أنْ تختلفَ الشرائعُ في
تحريمِها أصلاً ، وبعضُها أشدُ مِنْ بعضٍ ، وكلُّها دونَ الرتبةِ الثانيةِ المتعلّقةِ
بالنفوس .
وهذهِ الأربعةُ جديرةٌ بأنْ تكونَ مرادةً بالكبائرِ ، وإنْ لمْ يُوجبِ الشرعُ
الحدَّ في بعضِها، ولكنْ كثَّرَ الوعيدَ عليها، وعظّمَ في مصالح الدنيا
تأثيرها .
وأمَّا أكلُ الربا . . فليسَ فيهِ إلا أكلُ مالِ الغيرِ بالتراضي ، معَ الإخلالِ
بشرطٍ وضعَهُ الشرعُ ، ولا يبعدُ أنْ تختلفَ الشرائعُ في مثلِهِ ، وإذا لمْ يُجعلِ
الغصبُ الذي هوَ أكلُ مالِ الغيرِ بغيرِ رضاهُ وبغيرِ رضا الشرعِ مِنَ الكبائرِ ..
فأكلُ الربا أكلٌ برضا المالكِ ، ولكنْ دونَ رضا الشرعِ، وإنْ عظَّمَ الشرعُ
الربا بالزجرِ عنهُ .. فقدْ عظّمَ أيضاً الظلمَ بالغصبِ وغيرِهِ وعظّمَ الخيانةَ ،
والمصيرُ إلى أنَّ أكلَ دائقٍ بالخيانةِ أوِ الغصبِ مِنَ الكبائرِ فيهِ نظرٌ ، وذلكَ
واقعٌ في مظِنّةِ الشكِّ ، وأكثرُ ميلِ الظنِّ إلى أنَّهُ غيرُ داخلٍ تحتَ الكبائرِ ، بلْ
ينبغي أنْ تختصَّ الكبيرةُ بما لا يجوزُ اختلافُ الشرائع فيهِ ؛ ليكونَ ضرورياً
في الدينِ .
فيبقى ممَّا ذكرَهُ أبو طالبِ المكيُّ : القذفُ ، والشربُ ، والسحرُ ،
٧٢

ربع المنجيات
كتاب التوبة
والفرارُ مِنَ الزحفِ ، وعقوقُ الوالدينِ :
أمَّا الشربُ لما يزيلُ العقلَ : فهوَ جديرٌ بأنْ يكونَ مِنَ الكبائرِ ، وقدْ دلَّ
عليهِ تشديداتُ الشرع وطريقُ النظرِ أيضاً ؛ لأنَّ العقلَ محفوظٌ كما أنَّ النفسَ
محفوظةٌ ، بلْ لا خيرَ في النفسِ دونَ العقلِ ، فإزالةُ العقلِ مِنَ الكبائرِ ،
ولكنْ هذا لا يجري في قطرةٍ مِنَ الخمرِ ، ولا شكّ في أنَّهُ لَوْ شربَ ماءَ فيهِ
قطرةٌ مِنَ الخمرِ .. لمْ يكنْ ذلكَ كبيرةً ، وإنَّما هوَ شربُ ماءٍ نجسٍ ، فالقطرةُ
وحدَها في محلِّ الشكِّ، وإيجابُ الشرع الحدَّ بهِ يدلُّ على تعظيمٍ أمرِهِ ،
فيُعدُّ ذلكَ مِنَ الكبائرِ بالشرع ، وليسَ في القوَّةِ البشريّةِ الوقوفُ على جميع
أسرارِ الشرعِ، فإنْ ثبتَ إجماعٌ في أنَّهُ كبيرةٌ .. وجبَ الاتباعُ، وإلا ..
فللتوقفِ فيهِ مجالٌ(١) .
وأمَّا القذفُ : فليسَ فيهِ إلا تناولُ الأعراضِ ، والأعراضُ دونَ الأموالِ
في الرتبةِ ولتناولِها مراتبُ، وأعظمُها التناولُ بالقذفِ بالإضافةِ إلى فاحشةِ
الزنا ، وقدْ عظّمَ الشرعُ أمرَهُ ، وأظُّ ظنّاً غالباً أنَّ الصحابةَ كانوا يعدُّونَ كلَّ
ما يجبُ الحدُّ به كبيرةً، فهوَ بهذا الاعتبارِ لا تكفِّرُهُ الصلواتُ الخمسُ ،
وهوَ الذي نريدُهُ بالكبيرةِ الآنِ ، ولكنْ مِنْ حيثُ إنَّهُ يجوزُ أنْ تختلفَ فيهِ
(١) وقال ابن حجر الهيتمي في ((الزواجر)) (٣١١/٢): ( أما شرب الخمر ولو قطرة
منها .. فكبيرة إجماعاً ) .
٧٣

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الشرائعُ فالقياسُ بمجرَّدِهِ لا يدلُّ على كبرِهِ وعظمِهِ ، بلْ كانَ يجوزُ أنْ يردَ
الشرعُ بأنَّ العدلَ الواحدَ إذا رأى إنساناً يزني .. فلهُ أنْ يشهدَ عليهِ ، ويُجلدُ
المشهودُ عليهِ بمجرَّدٍ شهادتِهِ ، فإنْ لمْ تُقُبلْ شهادتهُ .. فحدُّهُ ليسَ ضرورياً
في مصالح الدنيا ، وإنّ كانَ على الجملةِ مِنَ المصالح الظاهرةِ الواقعةِ في
رتبةِ الحاجاتِ .
ق
فإذاً ؛ هذا أيضاً يلتحقُ بالكبائرِ في حقِّ مَنْ عرفَ حكْمَ الشرع ، فأمَّا مَنْ
ظنَّ أنَّ لهُ أنْ يشهدَ وحدَهُ ، أوْ ظنَّ أنَّهُ يساعدُهُ على الشهادةِ غيرُهُ .. فلا ينبغي
أنْ يُجعلَ في حقِّهِ مِنَ الكبائرِ .
وأمَّا السحرُ : فإنْ كانَ فيهِ كفرٌ . . فكبيرةٌ، وإلا .. فعظمُهُ بحسَبٍ
الضررِ الذي يتولَّدُ منهُ ؛ مِنْ هلاكِ نفسٍ ، أوْ مرضٍ ، أَوْ غيرِهِ .
وأمَّا الفرارُ مِنَ الزحفِ وعقوقُ الوالدينِ : فهذا أيضاً ينبغي أنْ يكونَ مِنْ
حيثُ القياسُ في محلِّ التوقُّفِ ، وإذا قُطِعَ بأنَّ سبَّ الناسِ بكلِّ شيءٍ سوى
الزنا وضرْبَهُمْ والظلمَ لهُمْ بغصْبِ أموالِهِمْ وإخراجِهِمْ مِنْ مساكنِهِمْ وبلادِهِمْ
وإجلائِهِمْ مِنْ أوطانِهِمْ ليسَ مِنَ الكبائرِ ؛ إذْ لمْ يُنْقِلْ ذلكَ في السبعَ عشرةَ
كبيرةً، وهوَ أكثرُ ما قيلَ فيهِ .. فالتوقُّفُ في هذا أيضاً غيرُ بعيدٍ ، ولكنَّ
الحديثَ يدلُّ على تسميتِهِما كبيرةً ، فلتُلحقْ بالكبائرِ .
٧٤

ربع المنجيات
كتاب التوبة
فإذاً ؛ رجعَ حاصلُ الأمرِ إلى أنَّا نعني بالكبيرةِ : ما لا تكفِّرُهُ الصلواتُ
الخمسُ بحكمِ الشرع ، وذلكَ ممَّا انقسمَ إلى ما عُلِمَ أنَّهُ لا تكفّرُهُ قطعاً ،
وإلى ما ينبغي أنْ تكفِّرَهُ ، وإلى ما يُتوقَّفُ فيهِ، والمتوقَّهُ فيهِ بعضُهُ مظنونٌ
بالنفي والإثباتِ، وبعضُهُ مشكوكٌ فيهِ ، وهوَ شكّ لا يزيلُهُ إلا نصُ كتابٍ أو
سنَّةٍ ، وإذْ لا مطمعَ فيهما .. فطلبُ رفع الشكِّ فيهما محالٌ .
عــ
فإنْ قلتَ : فهذا إقامةُ برهانٍ على استحالةِ معرفةِ حدِّها ، فكيفَ يَرِدُ
الشرعُ بما يستحيلُ معرفةُ حدِّهِ ؟
فاعلمْ : أنَّ كلَّ ما لا يتعلَّقُ بهِ حكْمٌ في الدنيا فيجوزُ أنْ يتطرّقَ إليهِ
الإبهامُ ؛ لأنَّ دارَ التكليفِ هيَ دارُ الدنيا، والكبيرةُ على الخصوصِ لا حكمَ
لها في الدنيا مِنْ حيثُ إنَّها كبيرةٌ ، بلْ كلُّ موجباتِ الحدودِ معلومةٌ
بأسمائِها ؛ كالسرقةِ والزنا وغيرِهِما ، وإنَّما حكمُ الكبيرةِ أنَّ الصلواتِ
الخمسَ لا تكفِّرُها ، وهذا أمرٌ يتعلَّقُ بالآخرةِ ، والإبهامُ أليقُ بهِ ؛ حتَّى
يكونَ الناسُ علىَ وَجَلٍ وحذرٍ ، فلا يتجرؤونَ على الصغائرِ اعتماداً على
الصلواتِ الخمسِ ، وكذلكَ اجتنابُ الكبائرِ يكفِّرُ الصغائرَ بموجبٍ قولِهِ
تعالى: ﴿إِن تَحْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ﴾ .
ولكنَّ اجتنابَ الكبيرةِ إنَّما يكفِّرُ الصغيرةَ إذا اجتنبَها معَ القدرةِ والإرادةِ ،
كمَنْ يتمكَّنُ مِنِ امرأةٍ ومِنْ مواقعتِها ، فيكفُّ نفسَهُ عنِ الوقاعِ ويقتصرُ على
٧٥
ـحر

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ـجو
ـو
نظرٍ أو لمسٍ ؛ فإنَّ مجاهدةَ نفسِهِ في الكفِّ عنِ الوقاعِ أشدُّ تأثيراً في تنويرِ
قلبهِ مِنْ إقدامِهِ على النظرِ في إظلامِهِ ، فهذا معنى تكفيرِهِ ، فإنْ كانَ عنِّيناً ،
أو لمْ يكنِ امتناعُهُ إلا بالضرورةِ للعجزِ ، أوْ كانَ قادراً ولكنِ امتنعَ لخوفِ أمرٍ
آخرَ .. فهذا لا يصلحُ للتكفيرِ أصلاً .
وكلُّ مَنْ لا يشتهي الخمرَ بطبعِهِ ، ولَوْ أَبِيحَ لهُ .. لما شربَهُ ؛ فاجتنابُهُ
لا يكفِّرُ عنهُ الصغائرَ التي هيَ مِنْ مقدِّماتِهِ ؛ كسماع الملاهي والأوتارِ .
نعمْ ، مَنْ يشتهي الخمرَ وسماعَ الأوتارِ ، فيمسكُ نفسَهُ بالمجاهدةِ عنِ
الخمرِ ، ويطلقُها في السماع .. فمجاهدةُ النفسِ بالكفِّ ربَّما تمحو عنْ قلبهِ
الظلمةَ التي ارتفعَتْ إليهِ مِنْ معصيةِ السماعِ .
وكلُّ هذهِ أحكامٌ أخرويَّةٌ يجوزُ أنْ يبقىُ بعضُها في محلِّ الشكِّ ، وتكونَ
مِنَ المتشابهاتِ ، ولا يُعرفُ تفصيلُها إلا بالنصِّ، ولمْ يردِ النصُّ بعددٍ
ولا حدِّ جامع ، بلْ وردَ بألفاظِ متفرّقةٍ مختلفةٍ ، فقدْ روى أبو هريرةَ
رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: (( الصلاةُ إلى الصلاةِ كفارةٌ ،
ورمضانُ إلى رمضانَ كفارةٌ ، إلا مِنْ ثلاثٍ : إشراكٍ باللهِ ، وتركِ السنَّةِ ،
ونكثِ الصفقةِ ))، قيلَ: وما تركُ السنَّةِ؟ قالَ: (( الخروجُ مِنَ الجماعةِ ،
ونكثُ الصفقةِ أنْ يبايعَ رجلاً ثمَّ يخرجَ عليهِ بالسيفِ يقاتلُهُ)) (١)، فهذا
ـون:
كن
Q
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٩/٢)، والحاكم في (( المستدرك)) (٢٥٩/٤).
٧٦

ربع المنجيات
كتاب التوبة
وأمثالُهُ مِنَ الألفاظِ لا يحيطُ بالعددِ كلِّهِ ، ولا يدلُّ على حدٍّ جامع ، فيبقى -
لا محالةَ - مبهماً .
فإِنْ قلتَ : الشهادةُ لا تُقَبلُ إلا ممَّنْ يجتنبُ الكبائرَ ، والورعُ عنِ
الصغائرِ ليسَ شرطاً في قبولِ الشهادةِ ، وهذا مِنْ أحكام الدنيا .
جر
فاعلمْ : أنَّا لا نخصِّصُ ردَّ الشهادةِ بالكبائرِ ، فلا خلافَ في أَنَّ مَنْ يسمعُ
الملاهيَ ، ويلبسُ الديباجَ ، ويتختَّمُ بخاتمِ الذهبِ ، ويشربُ مِنْ أواني
الذهب والفضةِ .. لا تقبلُ شهادتُهُ، ولمْ يذهبْ أحدٌ إلى أنَّ هذهِ الأمورَ مِنَ
الكبائرِ .
وقالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا شربَ الحنفيُّ النبيذَ .. حددتُهُ ولمْ
أردّ شهادتَةُ)، فقدْ جعلَهُ كبيرةً بإيجابِ الحدِّ عليهِ، ولمْ يردَّ بهِ الشهادةَ ،
فدلَّ على أنَّ الشهادةَ نفياً وإثباتاً لا تدورُ على الصغائرِ والكبائرِ .
بلْ كلُّ الذنوبِ تقدحُ في العدالةِ ، إلا ما لا يخلو الإنسانُ عنهُ غالباً
بضرورةِ مجاري العاداتِ ؛ كالغيبةِ ، والتجُّسِ ، وسوءِ الظنِّ ، والكذبِ
في بعضِ الأقوالِ ، وسماع الغيبةِ ، وتركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ
المنكرِ ، وأكلِ الشبهاتِ ، وسبِّ الولدِ والغلام ، وضربِهِما بحكمِ الغضبِ
زائداً على حدِّ المصلحةِ ، وإكرامِ السلاطينِ الظلمةِ ، ومصادقةِ الفجَّارِ ،
والتكاسلِ عنْ تعليمِ الأهلِ والولدِ جميعَ ما يحتاجونَ إليهِ مِنْ أمرِ الدينِ ؛
٧٧

كتاب التوبة
ربع المنجيات
فهذهِ ذنوبٌ لا يُصوَّرُ أنْ ينفكَ الشاهدُ عنْ قليلِها أوْ كثيرِها إلا بأنْ يعتزلَ
الناسَ ، ويتجرَّدَ لأمرِ الآخرةِ، ويجاهدَ نفسَهُ مَّةً ، بحيثُ يبقى على
سجيتِهِ(١) معَ المخالطةِ بعدَ ذلكَ ، ولوْ لمْ يُقبلْ إلا قولُ مثلِهِ .. لعزَّ وجودُهُ ،
وبطلَتِ الأحكامُ والشهاداتُ ، وليسَ لبسُ الحريرِ ، وسماعُ الملاهي ،
واللعبُ بالنردِ ، ومجالسةُ أهلِ الشَّرْبِ في وقتِ الشربِ ، والخلوةُ
بالأجنبياتِ ، وأمثالُ هذهِ الصغائرِ .. مِنْ هذا القبيلِ ، فإلىُ مثلِ هذا
المنهاجِ ينبغي أنْ يُنظرَ في قبولِ الشهادةِ وردِّها ، لا إلى الكبيرةِ والصغيرةِ .
قاد
ثمَّ آحادُ هذهِ الصغائرِ التي لا تُرُدُّ الشهادةُ بها .. لَوْ واظبَ عليها لأنَّرَتْ
في ردِّ الشهادةِ ؛ كمنِ اتخذَ الغيبةَ وثلْبَ الناسِ عادةً ، وكذلكَ مجالسةٌ
الفجَّارِ ومصادقتُهُمْ .
والصغيرةُ تكبرُ بالمواظبةِ ؛ كما أنَّ المباحَ يصيرُ صغيرةً بالمواظبةِ ،
كاللعبِ بالشطرنج ، والترلُّمِ بالغناءِ على الدوامِ ، وغيرِهِ .
فههذا بيانُ حكمِ الصغائرِ والكبائرِ .
(١) في غير (أ): (سمته) بدل (سجيته ) .
٧٨

ربع المنجيات
كتاب التوبة
بيان كيفية توزيع الدرجات والذّركات في الآخرة
على الحسنات والسيئات في الدّنيا
اعلمْ : أنَّ الدنيا مِنْ عالمِ الملكِ والشهادةِ ، والآخرةَ مِنْ عالمِ الغيبِ
والملكوتِ، وأعني بالدنيا : حالتَكَ قبلَ الموتِ ، وبالآخرةِ : حالتَكَ بعدَ
الموتِ ، فدنياك وآخرتُكَ صفاتُكَ وأحوالُكَ، يسمَّى القريبُ الداني منها
دنيا ، والمتأخِّرُ آخرةً .
ے
ونحنُ الآنَ نتكلّمُ مِنَ الدنيا في الآخرةِ ، فإنَّا الآنَ في الدنيا وهيَ عالمُ
الملكِ، وغرضُنا شرحُ الآخرةِ وهيَ عالمُ الملكوتِ ، ولا يُصوَّرُ شرحُ عالمٍ
الملكوتِ في عالمِ الملكِ إلا بضربِ الأمثالِ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَتِلْكَ
الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾، وهذا لأنَّ عالمَ الملكِ
نومٌ بالإضافةِ إلى عالم الملكوتِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((الناسُ نيامٌ، فإذا ماتوا .. انتبهوا))(١) ، وما سيكونُ في اليقظةِ لا يتبيَّنُ لكَ
في النومٍ إلا بضربِ الأمثالِ المحوِجةِ إلى التعبيرِ ، فكذلكَ ما سيكونُ في
(١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده مرفوعاً، وإنما يعزى إلى علي بن أبي طالب ) ، قال
الحافظ الزبيدي : ( وهكذا أورده الشريف الموسوي في (( نهج البلاغة )) من كلام أمير
المؤمنين، وذكره أبو نعيم في « الحلية)) [٥٢/٧] في ترجمة سفيان الثوري ).
((إتحاف )) ( ٥٤٨/٨).
٧٩

كتاب التوبة
ربع المنجيات
يقظةِ الآخرةِ لا يتبيَّنُ في نوم الدنيا إلا في كسوةِ الأمثالِ ، وأعني بكسوةِ
الأمثالِ : ما تعرفُهُ مِنْ علمِ التعبيرِ(١).
ويكفيكَ منهُ إنْ كنتَ فطناً ثلاثةُ أمثلةٍ :
فقدْ جاءَ رجلٌ إلى ابنِ سيرينَ(٢) فقالَ: رأيتُ كأنَّ في يدي خاتماً أختمُ
بهِ أفواهَ الرجالِ وفروجَ النساءِ ، فقالَ : إنَّكَ مؤذِّنٌ تؤذِّنُ في رمضانَ قبلَ
طلوعِ الفجرِ ، قالَ : صدقتَ .
وجاءَ رجلٌ آخرُ فقالَ : رأيتُ كأنِّي أصبُّ الزيتَ في الزيتونِ ، فقالَ : إنْ
كانَ تحتَكَ جاريةٌ اشتريتَها .. ففتِّشْ عنْ حالِها؛ فإنَّها أمُّكَ سُبَيَتْ في
صغرِكَ ؛ لأنَّ الزيتونَ أصلُ الزيتِ ، فهوَ ردُّ إلى الأصلِ، فنظرَ، فإذا جاريتُهُ
كانَتْ أمَّهُ وقَدْ سبيَتْ في صغرهِ .
وقالَ لهُ آخرُ : رأيتُ كأنِّي أقلِّدُ الدرَّ في أعناقِ الخنازيرِ ، فقالَ : إنَّكَ
تعلُّمُ الحكمةَ غيرَ أهلِها ، فكانَ كما قالَ .
والتعبيرُ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ مثالٌ يعرِّفُكَ طريقَ ضربِ الأمثالِ ، وإنَّما نعني
بالمثالِ أداءَ المعنى في صورةٍ إِنْ نُظِرَ إلى معناهُ .. وُجِدَ صادقاً، وإن نُظِرَ
إلى صورتِهِ .. وُجِدَ كاذباً، فالمؤذِّنُ إنْ نظرَ إلى صورةِ الخاتمِ والختْمِ بهِ على
ـوة
(١) انظر للمصنف ((مشكاة الأنوار)) (ص ٥٢).
(٢) التابعي البصري الثقة ، رأس المعبرين رحمه الله تعالى ، وكان يضاهي الحسن في علمه
وورعه ، وفيه القول المشهور الذي يستدل به على ( أو ) للتخيير : جالس الحسن أو ابن
سيرين. ((إتحاف)) ( ٥٤٨/٨) .
٨٠