النص المفهرس
صفحات 41-60
ربع المنجيات كتاب التوبة صدرهٍ(١) ، عرَّفَهُ ذلكَ السُّ أنَّ فتوى العامَّةِ حديثٌ آخرُ، وأنَّ خطرَ طريقٍ الآخرةِ لا يعرفُهُ إلا الصدِّيقونَ ؟ فتأمَّلْ أحوالَ هؤلاءِ الذينَ همْ أعرفُ خلْقِ اللهِ باللهِ ، وبطريقِ اللهِ ، وبمكْرِ اللهِ ، وبمكامنِ الغرورِ باللهِ ، وإِيَّاكَ مرَّةً واحدةً أنْ تغرَّكَ الحياةُ الدنيا ، وإِيَّاكَ ثمَّ إِيَّاكَ ألفَ مرَّةٍ أنْ يغرَّكَ باللهِ الغَرورُ . فهذهِ أسرارٌ مَنِ استنشقَ مباديَ روائحِها .. علمَ أنَّ لزومَ التوبةِ النصوحِ ملازمٌ للعبدِ السالكِ في طريقِ اللهِ تعالىُ في كلِّ نَفَسٍ مِنْ أنفاسِهِ ، ولوْ عُمِّرَ عمرَ نوحٍ ، وأنَّ ذلكَ واجبٌ على الفورِ مِنْ غيرِ مهلةٍ . مـ ولقدْ صدقَ أبو سليمانَ الدارانيُّ حيثُ قالَ : ( لوْ لمْ يبكِ العاقلُ فيما بقيَ مِنْ عمرِهِ إلا على فؤْتِ ما مضى منهُ في غيرِ الطاعةِ .. لكانَ خَليقاً أنْ يحزنَهُ ذلكَ إلى المماتِ ، فكيفَ مَنْ يستقبلُ ما بقيَ مِنْ عمرِهِ بمثلِ ما مضى مِنْ جهلِهِ؟! )(٢). وإنَّما قالَ هذا لأنَّ العاقلَ إذا ملكَ جوهرةً نفيسةً فضاعَتْ منهُ بغيرِ فائدةٍ .. بكى عليها لا محالةَ، وإنْ ضاعَتْ منهُ وصارَ ضياعُها سببَ هلاكِهِ .. كانَ بكاؤُهُ منها أشدَّ ، وكلُّ ساعةٍ مِنَ العمرِ بلْ كلُّ نَفَسٍ جوهرةٌ (١) رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١١٨)، وأبو داوود في ((الزهد)) (٣٧)، والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ٣١)، و((ختم الأولياء)) (ص٤٤٢) موقوفاً على بكر بن عبد الله المزني . (٢) قوت القلوب (١٧٩/١). حن ٤١ كتاب التوبة ربع المنجيات حر نفيسةٌ، لا خَلَفَ لها ، ولا بدلَ منها ؛ فإنَّها صالحةٌ لأَنْ توصلَكَ إلى سعادةِ الأبدِ ، وتنقذَكَ مِنْ شقاوةِ الأبدِ ، وأيُّ جوهرٍ أنفسُ مِنْ هذا ؟ فإذا ضيَّعتَها في الغفلةِ .. فقدْ خسرتَ خُسراناً مبيناً ، وإنْ صرفتَها إلى معصيةٍ .. فقدْ هلكتَ هلاكاً فاحشاً . فإنْ كنتَ لا تبكي على هذهِ المصيبةِ .. فذلكَ لجهلِكَ، ومصيبتُكَ بجهلِكَ أعظمُ مِنْ كلِّ مصيبةٍ ، لكنَّ الجهلَ مصيبةٌ لا يعرفُ المصابُ بها أنَّهُ صاحبُ مصيبةٍ ، فإنَّ نومَ الغفلةِ يحولُ بينَهُ وبينَ معرفتِهِ ، والناسُ نيامٌ ، فإذا ماتوا .. انتبهوا ، فعندَ ذلكَ ينكشفُ لكلِّ مفلسٍ إفلاسُهُ ، ولكلِّ مصابٍ مصيبتُهُ ، وقدْ وقعَ اليأسُ عنِ التداركِ . قالَ بعضُ العارفينَ : إنَّ ملكَ الموتِ عليهِ السلامُ إذا ظهرَ للعبدِ .. أعلمَهُ أنَّهُ قدْ بقيَ مِنْ عمرِكَ ساعةٌ ، وإنَّكَ لا تستأخرُ عنها طرفةَ عينٍ ، فيبدو للعبدِ مِنَ الأسفِ والحسرةِ ما لوْ كانَتْ لهُ الدنيا بحذافيرِها .. لخرجَ منها علىُ أنْ يضمَّ إلى تلكَ الساعةِ ساعةً أُخرى ، ليستعتبَ فيها ويتداركَ تفريطَهُ ، فلا يجدُ إليهِ سبيلاً(١) . وهوَ أوَّلُ ما يظهرُ مِنْ معاني قولهِ تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. وإليهِ الإشارةُ بقولهِ تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاً (١) قوت القلوب (١٨٠/١). ٤٢ ربع المنجيات كتاب التوبة أَخَرتَنِىِّ إِلَ أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَِّحِينَ ﴾ وَلَن يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾، فقيلَ : الأجلُ القريبُ الذي يطلبُهُ العبدُ معناهُ: أنَّهُ يقولُ عندَ كشْفِ الغطاءِ : يا ملكَ الموتِ ؛ أخِّرْني يوماً أعتذرُ فيهِ إلى ربِّي وأتوبُ وأتزوَّدُ صالحاً لنفسي ، فيقولُ : فنيَتِ الأيامُ فلا يومَ ، فيقولُ: فأخِّرْني ساعةً ، فيقولُ : فنيَتِ الساعاتُ فلا ساعةَ ، فيغلقُ عليهِ بابَ التوبةِ ، فيغرغرُ بروحِهِ ، وتتردّدُ أنفاسُهُ في شراسيفِهِ (١) ، ويتجرَّعُ غصَّةَ اليأسِ عنِ التداركِ ، وحسرةَ الندامةِ على تضييع العمرِ ، فيضطربُ أصلُ إيمانِهِ في صدماتِ تلكَ الأهوالِ ، فإذا زهقَتْ نفسُهُ؛ فإنْ كانَ قدْ سبقَتْ لهُ مِنَ اللهِ الحسنى .. خرجَتْ روحُهُ على التوحيدِ ، فذلكَ حسنُ الخاتمةِ ، وإنْ سبقَ لهُ القضاءُ بالشقوةِ والعياذُ باللهِ .. خرجَتْ روحُهُ على الشكِّ والاضطرابِ ، وذلكَ سوءُ الخاتمةِ، ولمثلِ هذا يُقالُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْكَنَ﴾، بَلِ ﴿التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾، ومعناهُ : عنْ قربِ عهدٍ بالخطيئةِ ؛ بأنْ يتندَّمَ عليها ، ويمحوَ أثرَها بحسنةٍ يردفُها بها قبلَ أنْ يتراكمَ الرينُ على القلبِ فلا يقبلَ المحوَ(٢). ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها)) (٣) (١) الشراسيف : أطراف الأضلاع مما يلي البطن . (٢) قوت القلوب (١٨٠/٢). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٦/٥)، والطبراني في ((الكبير)) (١٤٥/٢٠). ٤٣ كتاب التوبة ربع المنجيات ولذلكَ قالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ لا تؤخرِ التوبةَ ؛ فإنَّ الموتَ يأتي بغتةً)(١) . ومَنْ تركَ المبادرةَ إلى التوبةِ بالتسويفِ .. كانَ بينِ خطرينٍ عظيمينِ : أحدُهُما : أنْ تتراكمَ الظلمةُ على قلبِهِ مِنَ المعاصي حتَّى يصيرَ ريناً وطبْعاً ، فلا يقبلُ المحوَ . والثاني : أنْ يعاجلَهُ المرضُ أوِ الموتُ ، فلا يجدُ مهلةً للاشتغالِ بالمحوِ . ولذلكَ وردَ في الخبرِ : ( إنَّ أكثرَ صياحِ أهلِ النارِ مِنَ التسويفِ)(٢). فما هلكَ مَنْ هلكَ إلا بالتسويفِ ، فيكونُ تسويدُهُ للقلبِ نقداً ، وجلاؤُهُ بالطاعةِ نسيئةً ، إلى أنْ يختطفَهُ الأجلُ ، فيأتي اللهَ بقلبٍ غيرِ سليمٍ ، ولا ينجو إلا مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ ، فالقلبُ أمانةُ اللهِ تعالىُ عندَ عبدِهِ ، والعمرُ أمانةُ اللهِ عندَهُ، وكذا سائرُ أسبابِ الطاعةِ ، فمَنْ خانَ في الأمانةِ ولمْ يتدارك خيانتَهُ .. فأمرُهُ مخطرٌ . قالَ بعضُ العارفينَ : إنَّ اللهِ تعالى إلى عبدِهِ سرَّينِ يسرُّهُما إليهِ على سبيلِ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (٢٩)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٥٩٠) عن عثمان بن زائدة يذكر الوصية . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢١٧) عن عبد الله بن المبارك بلفظ: ( بلغني أن أكثر تلاقع أهل النار : أفِّ لسوفَ ، أف لسوف ) . حر ٤٤ ربع المنجيات كتاب التوبة الإلهام ؛ أحدُهُما : إذا خرجَ مِنْ بطنِ أمِّهِ يقولُ لهُ : عبدي ؛ قدْ أخرجتُكَ إلى الدنيا طاهراً نظيفاً ، واستودعتُكَ عمرَكَ وأُتمنتُكَ عليهِ ، فانظر كيفَ تحفظُ الأمانةَ ، وانظرْ كيفَ تلقاني ، والثاني : عندَ خروج روحِهِ يقولُ : عبدي ؛ ماذا صنعتَ في أمانتي عندَكَ ؟ هلْ حفظتَها حتَّى تلقاني على العهدِ فألقاكَ على الوفاءِ ؟ أوْ أضعتَها فألقاكَ بالمطالبةِ والعقابِ ؟(١). وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ يِعَهْدِكُمْ﴾ ، وبقولِهِ تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾ . 2 (١) قوت القلوب (١٨١/١)، والسياق عنده . حن ٤٥ كتاب التوبة ربع المنجيات بيان أن التوبة إذا استجمعت شرائطها في مقبولاً لا محالةٍ(١) اعلمْ : أنَّكَ إذا فهمتَ معنى القبولِ .. لمْ تشكَّ في أنَّ كلَّ توبةٍ صحيحةٍ فهيَ مقبولةٌ . فالناظرونَ بنورِ البصائرِ المستمدُّونَ مِنْ أنوارِ القرآنِ علموا أنَّ كلَّ قلبٍ سليمٍ مقبولٌ عندَ اللهِ ، ومتنعِّمٌ في الآخرةِ في جوارِ اللهِ تعالى ، ومستعدٌ لأنْ ينظرَ بعينِهِ الباقيةِ إلى وجهِ اللهِ تعالى، وعلموا أنَّ القلبَ خُلِقَ سليماً في الأصلِ ، فكلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ ، وإنَّما تفوتُهُ السلامةُ بكدورةٍ ترهقُ وجهَهُ مِنْ غَبَرَةِ الذنوبِ وظلمتِها، وعلموا أنَّ نارَ الندم تحرقُ تلكَ الغبرةَ، وأنَّ نورَ الحسنةِ يمحو عنْ وجهِ القلبِ ظلمةَ السيئةِ ، وأنَّهُ لا طاقةَ لظلام المعاصي معَ نورِ الحسناتِ ؛ كما لا طاقةَ لظلامِ الليلِ معَ نورِ النهارِ ، بلْ كما لا طاقةَ لكدورةِ الوسخِ معَ بياض الصابونِ ، وكما أنَّ الثوبَ الوسخَ لا يقبلُهُ الملكُ لأنْ يكونَ لباسَهُ .. فالقلبُ المظلم لا يقبلُهُ اللهُ تعالى لأنْ يكونَ في جوارِهِ ، وكما أنَّ استعمالَ الثوبِ في الأعمالِ الخسيسةِ يوسُّخُ الثوبَ، وغسلُهُ بالصابونِ والماءِ الحارِّ ينظَفُهُ لا محالةَ .. فاستعمالُ القلب (١) بفضل الله تعالى، لا بطريق الوجوب؛ إذ لا يجب شيء على الخالق ؛ لأنه لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾، هذا حاصل ما ذكره المصنف في هذا الفصل ، وقد أخر تلك الشرائط وكان الأولى تقديمها حتى يكون ما في هذا الفصل كالمتمم له ، والإيمان بههذا واجب ؛ لأنه من عقود الإيمان بالله تعالى. ((إتحاف)) (٥٢٢/٨). ٤٦ ـهـ ربع المنجيات كتاب التوبة في الشهواتِ يوسُّخُ القلبَ ، وغسلُهُ بماءِ الدموع وحرقةِ الندمِ ينظّفُهُ ويطهِّرُهُ ويزكِيهِ ، وكلُّ قلبٍ زكيٍّ طاهرٍ فهوَ مقبولٌ؛ كما أنَّ كلَّ ثوبٍ نظيفٍ فهوَ مقبولٌ ، فإنَّما عليكَ التزكيةُ والتطهيرُ ، فأمَّا القبولُ .. فمبذولٌ قدْ سبقَ بهِ القضاءُ الأزليُّ الذي لا مردَّ لهُ، وهوَ المسمَّى فلاحاً في قولِهِ: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ اُلْمُؤْمِنُونَ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّتِهَا﴾ . ـدة ومَنْ لمْ يعرفْ على سبيلِ التحقيقِ معرفةً أقوى وأجلىْ مِنَ المشاهدةِ بالبصرِ أنَّ القلبَ يتأثَّرُ بالمعاصي والطاعاتِ تأثّراً متضادّاً ؛ يُستعار لأحدِهِما لفظُ الظلمةِ كما يُستعارُ للجهلِ، ويُستعارُ للآخرِ لفظُ النورِ كما يُستعارُ للعلمِ ، وأنَّ بينَ النورِ والظلمةِ تضادّاً ضرورياً لا يُتصوَّرُ الجمعُ بِينُهُما .. فكأنَّهُ لمْ يعرفْ مِنَ الدينِ إلا قشورَهُ ، ولمْ يعلقْ بهِ إلا أسماؤُهُ ، وقلبُهُ في غطاءٍ كثيفٍ عنْ حقيقةِ الدينِ ، بلْ عنْ حقيقةِ نفسِهِ وصفاتِ نفسِهِ ، ومنَ جهلَ نفسَهُ .. فهوَ بغيرِهِ أجهلُ ، وأعني بهِ قلبَهُ ؛ إذْ بقلبِهِ يعرفُ غيرَ قلبِهِ ، فكيفَ يعرفُ غيرَهُ وهوَ لا يعرفُ قلبَهُ ؟! فمَنْ يتوهّمُ أنَّ التوبةَ تصحُ ولا تُقَبلُ كمَنْ يتوهّمُ أنَّ الشمسَ تطلعُ والظلامُ لا يزولُ، والثوبَ يغسلُ بالصابونِ والوسخُ لا يزولُ ، إلا أنْ يغوصَ الوسخُ لطولِ تراكمِهِ في تجاويفِ الثوبِ وخَلِلِهِ ، فلا يقوى الصابونُ على قلعِهِ ، فمثالُ ذلكَ أنْ تتراكمَ الذنوبُ حتَّى تصيرَ طبعاً وريناً على القلبِ ، فمثلُ هذا القلبِ لا يرجعُ ولا يتوبُ . ٤٧ كتاب التوبة ربع المنجيات نعمْ ، قدْ يقولُ باللسانِ : ( تبتُ ) ، فيكونُ ذلكَ كقولِ القصارِ بلسانِهِ : ( قدْ غسلتُ الثوبَ )، وذلك لا ينظُّفُ الثوبَ أصلاً، ما لمْ يغيِّرْ صفةً الثوبِ باستعمالِ ما يضادُّ الوصفَ المتمكِّنَ منهُ . فههذا حالُ امتناع أصلِ التوبةِ ، وهوَ غيرُ بعيدٍ ، بلْ هوَ الغالبُ على كافَّةٍ الخلقِ المقبلينَ على الدنيا ، المعرضينَ عنِ اللهِ بالكليّةِ . فهذا البيانُ كافٍ عندَ ذوي البصائرِ في قبولِ التوبةِ ، ولكنَّا نعضدُ جناحَهُ بنقلِ الآياتِ والأخبارِ والآثارِ ، فكلُّ استبصارٍ لا يشهدُ لهُ الكتابُ والسنَّةُ لا یوثقُ بهِ . وقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾. وقال تعالى: ﴿ غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الآياتِ. وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِهِ المؤمنِ)) الحديثَ(١)، والفرحُ وراءَ القبولِ ، فهوَ دليلٌ على القبولِ وزيادةٍ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبسطُ يدَهُ بالتوبةِ لمسيءٍ الليلِ إلى النهارِ ، ولمسيء النهارِ إلى الليلِ ، حتَّى تطلعَ الشمسُ مِنْ مغربِها ))(٢)، وبسطَ اليدِ كنايةٌ عنْ طلبِ التوبةِ (٣)، والطالبُ وراءَ القابلِ، (١) رواه البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤). (٢) رواه مسلم ( ٢٧٥٩) بنحوه . (٣) وقبولها ، وهو في حقه تعالى عبارة عن التوسع في الجود ، والتنزيه عن المنع عند اقتضاء الحكمة. ((إتحاف)) (٨/ ٥٢٤). فء. ٤٨ ربع المنجيات كتاب التوبة فرَّ قابلٍ ليسَ بطالبٍ ، ولا طالبَ إلا وهوَ قابلٌ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ عملتُمُ الخطايا حتَّى تبلغَ السماءَ ، ثمَّ ندمتُمْ .. لتابَ اللهُ عليكُمْ))(١). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أيضاً: ((إنَّ العبدَ ليذنبُ الذنبَ فيدخلُ بهِ الجنَّةَ))، قيلَ: كيفَ ذلكَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: « يكونُ نصبَ عينِهِ تائباً منهُ فارّاً حتَّى يدخلَ الجنَّةَ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كفارةُ الذنبِ الندامةُ))(٣). % حـ وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((التائبُ مِنَ الذنبِ كمَنْ لا ذنبَ لهُ)) (٤). ويُروى أنَّ حبشيّاً قالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنِّي كنتُ أعملُ الفواحشَ ، فهلْ لي مِنْ توبةٍ؟ قالَ: ((نعمْ))، فولَّى ثمَّ رجعَ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ؛ أكانَ (١) رواه ابن ماجه (٤٢٤٨) ولفظه: ((لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم .. لتاب عليكم))، وسيأتي شاهده الذي رواه الترمذي (٣٥٤٠)، وفيه: (( يا بن آدم ؛ لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني .. غفرت لك ولا أبالي ... )) الحديث . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٦٢) عن الحسن مرسلاً، وبنحوه رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢١٦٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٦/٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ، ولفظه: (( إن العبد ليذنب ذنباً، فإذا ذكره .. أحزنه ما صنع ، فإذا نظر الله إليه قد أحزنه ما صنع .. غفر له))، وعند ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (١٩٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: ((إن الله لينفع العبد بالذنب یذنبه » . (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٨٩/١)، والطبراني في ((الكبير)) (١٧٢/١٢). (٤) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠ ). ٤٩ حن حة حنحن جن حنحن کتاب التوبة ربع المنجيات يراني وأنا أعملُها؟ قالَ: ((نعمْ))، فصاحَ الحبشيُّ صيحةً خرجَتْ فيها نفسُهُ(١) . ويُروى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لمَّا لعنَ إبليسَ .. سألَهُ النَّظِرَةَ، فأنظرَهُ إلى يومٍ القيامةِ ، فقالَ : وعزَّتِكَ ؛ لا خرجتُ مِنْ قلبِ ابنِ آدمَ ما دامَ فيهِ الروحُ ، فقالَ اللهُ تعالى: وعزَّتي وجلالي ؛ لا حجبتُ عنهُ التوبةَ ما دام فيه الروحُ (٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الحسناتِ يذهبنَ السيئاتِ كما يذهبُ الماءُ الوسخَ))(٣). والأخبارُ في هذا لا تُحصى . (١) رواه أبو طاهر بن العلاف في ((زهر الرياض)) كما ذكر ذلك ابن الجوزي في (( تنوير الغبش في فضل السودان والحبش)) ( ص١٤٧). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٠٤٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٤/٢) عن أبي قلابة بلفظ المصنف هنا، وروى أحمد فى ((المسند)) (٢٩/٣)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١٣٩٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: ((إن الشيطان قال : وعزتك يا رب ؛ لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، قال الرب : وعزتي وجلالي ؛ لا أزال أغفر لهم ما استغفروني )). (٣) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده بهذا اللفظ ، وهو صحيح المعنى ، وهو بمعنى : (( أتبع السيئة الحسنة تمحها)) رواه الترمذي وتقدم قريباً)، وعلق عليه الحافظ الزبيدي بقوله: ( بل روى أبو نعيم في ((الحلية)) [١/ ٢٧٠] من حديث شداد بن أوس: ((إن التوبة تغسل الحوبة، وإن الحسنات يذهبن السيئات)) الحديث ، فلعل المصنف أشار إلى هذا). ((إتحاف)) (٥٢٥/٨). ٥٠ ربع المنجيات كتاب التوبة وأمَّا الآثارُ : فقدْ قالَ سعيدُ بنُ المسيَّب : ( أُنزِلَ قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَّبِينَ غَفُورًا﴾ في الرجلِ يذنبُ ثمَّ يتوبُ، ثمَّ يذنبُ ثمَّ يتوبُ)(١) . وقالَ الفضيلُ: ( قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: بشِّرِ المذنبينَ بأنَّهُمْ إنْ تابوا .. قبلتُ منهُمْ، وحذِّرِ الصديقينَ أنٌّي إنْ وضعتُ عليهِمْ عدلي .. عَذَّبْتُهُمْ)(٢) . وقالَ طلْقُ بنُ حبيبٍ : ( إنَّ حقوقَ اللهِ أعظمُ مِنْ أنْ يقومَ بها العبدُ ، ولكنْ أصبحوا تائبينَ وأمسوا تائبينَ )(٣). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( مَنْ ذكرَ خطيئةً ألمَّ بها ، فوجلَ منها قلبُهُ .. محيَتْ عنهُ في أمِّ الكتابِ )(٤) . ويُروى أنَّ نبيّاً مِنْ أنبياءِ بني إسرائيلَ أذنبَ ذنباً، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : وعزَّتي وجلالي ؛ لئنْ عدتَ .. لأعذُبَنَّكَ، فقالَ: يا ربِّ؛ أنتَ أنتَ، وأنا أنا ، وعزَّتِكَ لئنْ لمْ تعصمْني .. لأعودَنَّ، فعصمَهُ اللهُ تعالى(٥). (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٠٩٤). (٢) روى نحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٥/٨) عن عبد العزيز بن أبي رواد . ـجو (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٠٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦٥/٣). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (١١٧) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بنحوه . (٥) الخبر بنحوه في ((القوت)) (٢/ ٦٥) عن آصف ابن خالة سيدنا موسى عليه السلام ، وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٩٣٦) عن جابر رضي الله عنه قال : رأى = ٥١ كتاب التوبة ربع المنجيات وقالَ بعضُهُمْ: (إنَّ العبدَ ليذنبُ الذنبَ ، فلا يزالُ نادماً حتَّى يدخلَ الجنَّةَ ، فيقولُ إبليسُ : ليتَي لمْ أوقعْهُ في الذنبِ ) . وقالَ حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ : ( تُعرضُ على الرجلِ ذنوبُهُ يومَ القيامةِ ، فيمرُّ بالذنبِ فيقولُ : أما إنّي قدْ كنتُ مشفقاً منكَ، فيُغفرُ لهُ)(١). CG ويُروى أنَّ رجلاً سألَ ابنَ مسعودٍ عنْ ذنبٍ ألمَّ بهِ : هلْ لهُ مِنْ توبةٍ ؟ فأعرض عنهُ ابنُ مسعودٍ ، ثمَّ التفتَ إليهِ ، فرأى عينيهِ تذرفانِ ، فقالَ لهُ : إنَّ للجنةِ ثمانيةَ أبوابٍ ، كلُّها تفتحُ وتغلقُ إلا بابَ التوبةِ، فإنَّ عليهِ ملكاً موكلاً بهِ لا يغلقُ ، فاعملْ ولا تيسرْ(٢). وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي القاسمِ : تذاكرنا معَ عبدِ الرحيمِ توبةَ الكافرِ وقولَ اللهِ تعالى: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، فقالَ : إنِّي لأرجو أنْ يكونَ المسلمُ أحسنَ حالاً عندَ اللهِ، ولقدْ بلغَني أنَّ توبةَ المسلمٍ كإسلامٍ بعدَ إسلامِ(٣). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ سلام : ( لا أحدٌّئُكُمْ إلا عنْ نبيِّ مرسلٍ أوْ كتابٍ ـدر رجل جمجمة ، فحدث نفسه بشيء ، قال : فخرّ ساجداً تائباً مكانه ، قال : فقيل له : = ارفع رأسك ، فإنك أنت أنت ، وأنا أنا . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (٢٠٥) عن عروة بن عامر . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٠٤٢). ون (٣) وعبد الرحيم هو ابن يحيى المعروف بالأسود، كذا نص عليه في ((الإتحاف)) (٥٢٦/٨)، وفي (ب): (وقد بلغني أن العبد إذا عمل عملاً من أعمال البرِّ .. دخل به الجنة ، ولقد بلغني ... ) . O ـحر ٥٢ ربع المنجيات كتاب التوبة منزلٍ ، إنَّ العبدَ إذا عملَ ذنباً ثمَّ ندمَ عليهِ طرفةَ عينٍ .. سقطَ عنهُ أُسرِعَ مِنْ طرفة عينٍ )(١) . وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( اجلسوا إلى التوَّابينَ ؛ فإنَّهُمْ أرقُ أفئدةٌ)(٢). وقالَ بعضُهُمْ : أنا أعلمُ متَّى يغفرُ اللهُ لي ، قيلَ : ومتى ؟ قالَ : إذا تابَ عليّ (٣). حن. حن وقالَ آخرُ : ( أنا مِنْ أنْ أُحرمَ التوبةَ أخوفُ مِنْ أَنْ أُحرمَ المغفرةَ)(٤) أي : المغفرةُ مِنْ لوازمِ التوبةِ وتوابعها لا محالةً . ويُروى أنَّهُ كانَ في بني إسرائيلَ شاتٌ عبدَ اللهَ تعالى عشرينَ سنةً، ثمَّ عصاهُ عشرينَ سنةً ، ثمَّ نظرَ في المرآةِ فرأى الشيبَ في لحيتِهِ ، فساءَهُ ذلكَ ، فقالَ : إلاهي ؛ أطعتُكَ عشرينَ سنةً، ثمَّ عصيتُكَ عشرينَ سنةً ، فإنْ رجعتُ إليكَ أتقبلُني ؟ فسمعَ قائلاً يقولُ ولا يرى شخصاً : أحببتنَا فأحببناكَ ، وتركتَنَا فتركناكَ، وعصيتَنَا فأمهلناكَ، وإنْ رجعتَ إلينا .. قبلناكَ(٥). (١) رواه بنحوه الطبراني كما نص عليه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٠١/١٠). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٦٠٦)، وأحمد في ((الزهد)) (٦٣١). (٣) قوت القلوب (١/ ١٨١). (٤) قوت القلوب (١/ ١٨١). (٥) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٧٢٣) عن إبراهيم بن شيبان ، يحكي هذا عن شاب كان عندهم بنحوه . ٥٣ كتاب التوبة ربع المنجيات وقالَ ذو النونِ المصريُّ رحمهُ اللهُ تعالى: ( إنَّ للهِ عباداً نصبوا أشجارَ الخطايا نصْبَ روامقِ القلوبِ ، وسقوها بماءٍ التوبةِ ، فأثمرَتْ ندماً وحزناً ، فجُنُّوا مِنْ غيرِ جنونٍ ، وتبلَّدُوا مِنْ غيرِ عِيٍّ ولا بَكَمٍ ، وإِنَّهُمْ لُهُمُ البلغاءُ الفصحاءُ ، العارفونَ باللهِ ورسولِهِ ، ثمَّ شربوا بكأسِ الصفاءِ ، فورثوا الصبرَ على طولِ البلاءِ، ثمَّ تولَّهَتْ قلوبُهُمْ في الملكوتِ ، وجالَ فكرُهُمْ بينَ سرايا حُجبِ الجبروتِ ، واستظلُّوا تحتَ رِواقٍ الندم ، وقرؤوا صحيفةَ الخطايا ، فأورثوا أنفسَهُمُ الجزعَ ، حتَّى وصلوا إلىْ عُلْوِ الزهدِ بسلَّمِ الورع ، فاستعذبوا مرارةَ الترْكِ للدنيا ، واستلانوا خشونةَ المضجع ، حتَّى ظفروا بحبلِ النجاةِ وعروةِ السلامةِ ، فسرحَتْ أرواحُهُمْ في العلا ، حتَّى أناخوا في رياضِ النعيمِ ، وخاضوا في بحرِ الحياةِ ، وردموا خنادقَ الجزع ، وعبروا جسورَ الهوى ، حتَّى نزلوا بفناءِ العلمِ ، واستقوا مِنْ غديرِ الحكمةِ ، وركبوا سفينةَ الفطنةِ ، وأقلعوا بريحِ النجاةِ في بحرِ السلامةِ ، حتَّىُ وصلوا إلى رياضِ الراحةِ ، ومعدنِ العزِّ والكرامةِ )(١) . فهذا القدْرُ كافٍ في بيانِ أنَّ كلَّ توبةٍ صحيحةٍ فمقبولةٌ لا محالةَ . (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٥٤) واللفظ له ، وبنحوه عند أبي نعيم في (( الحلية)) (٣٣٢/٩). ٥٤ ربع المنجيات كتاب التوبة فإنْ قلتَ : أفتقولُ ما قالَهُ المعتزلةُ مِنْ أنَّ قبولَ التوبةِ واجبٌ على اللهِ ؟(١). فأقولُ : لا أعني بما ذكرتُهُ مِنْ وجوبِ قبولِ التوبةِ على اللهِ إلا ما يريدُهُ القائلُ بقولِهِ : ( إنَّ الثوبَ إذا غُسِلَ بالصابونِ .. وجبَ زوالُ الوسخ ، وإنَّ العطشانَ إذا شربَ الماءَ .. وجبَ زوالُ العطشِ، وإنَّهُ إذا مُنِعَ الماءَ مَّةً .. وجبَ العطشُ، وإنَّهُ إِذا دامَ العطشُ .. وجبَ الموتُ ) ، وليسَ في شيءٍ مِنْ ذلكَ ما يريدُهُ المعتزلةُ بالإيجابِ على اللهِ تعالى . بلْ أقولُ : خلقَ اللهُ تعالى الطاعةَ مكفُّرةً للمعصيةِ والحسنةَ ماحيةً للسيئةِ كما خلقَ الماءَ مزيلاً للعطشِ ، والقدرةُ متسعةٌ بخلافِهِ لوْ سبقَتْ بهِ المشيئةُ ، فلا واجبَ على اللهِ تعالى، ولكنْ ما سبقتْ بهِ إرادتهُ الأزليَّةُ فواجبٌ كونُهُ لا محالةَ . فإنْ قلتَ : فما مِنْ تائبٍ إلا وهوَ شاكٌّ في قبولِ توبتِهِ ، والشاربُ للماءِ لا يشكُّ في زوالِ عطشِهِ ، فِلِمَ يشكُّ في قبولِ التوبةِ ؟ فأقولُ : شكُّهُ في القبولِ كشكِّهِ في وجودِ شرائطِ الصحَّةِ ، فإنَّ للتوبةِ أركاناً وشروطاً دقيقةً كما سيأتي ، وليسَ يتحقَّقُ وجودُ جميع شروطِها ، كالذي يشكُّ في دواءٍ شربَهُ للإسهالِ في أنَّهُ هلْ يسهلُ ، وذلكَ لشكِّهِ في (١) انظر ((الإرشاد)) (ص ٤٠٣). ٥٥ كتاب التوبة ربع المنجيات حصولِ شروطِ الإسهالِ في الدواءِ ؛ باعتبارِ الحالِ والوقتِ ، وكيفيةٍ خلْطِ الدواءِ وطبخِهِ ، وجودةِ عقاقيرِهِ وأدویتِهِ . فهذا وأمثالُهُ موجبٌ للخوفِ بعدَ التوبةِ ، وموجبٌ للشكِّ في قبولِها لا محالةَ ، على ما سيأتي في شروطِها إنْ شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ . ـكن : حن ـكن ٥٦ ربع المنجيات كتاب التوبة ـحر الرُّكِنُ الثَّاني فيما عند الثّوبة، وفي الذنوب صغائرها وكبائرها اعلمْ : أنَّ التوبةَ ترْكُ الذنبِ ، ولا يمكنُ ترْكُ الشيءٍ إلا بعدَ معرفتِهِ ، وإذا كانَتِ التوبةُ واجبةً .. كانَ ما لا يتوصَّلُ إليها إلا بهِ واجباً، فمعرفةُ الذنوبِ إِذاً واجبةٌ . 26. % والذنبُ : عبارةٌ عنْ كلِّ ما هوَ مخالفٌ لأمرِ اللهِ مِنْ تركٍ أوْ فعلٍ ، وتفصيلُ ذلكَ يستدعي شرحَ التكليفاتِ مِنْ أوَّلِها إلى آخرِها ، وليسَ ذلكَ مِنْ غرضِنا ، ولكنَّا نشيرُ إلى مجامعِها وروابطِ أقسامِها ، واللهُ الموفقُ للصوابِ برحمتِهِ . بيان أقسام الذَّنوب بالإضافة إلى صفات العبد اعلمْ : أنَّ للإنسانِ أخلاقاً وأوصافاً كثيرةً ، على ما عُرفَ شرحُهُ في كتابِ عجائبِ القلبِ وعوالمِهِ (١) ، ولكنْ تنحصرُ مثاراتُ الذنوبِ في أربعِ صفاتٍ : صفاتٍ ربوبيَّةٍ ، وصفاتٍ شيطانيَّةٍ ، وصفاتٍ بهيميةٍ ، وصفاتٍ سبعيةٍ ، وذلكَ لأنَّ طينةَ الإنسانِ عُجنَتْ مِنْ أخلاطٍ مختلفةٍ ، فاقتضىُ كلُّ واحدٍ مِنَ الأخلاطِ في المعجونِ منهُ أثراً مِنَ الآثارِ ، كما يقتضي السكّرُ (١) في (ن): (وغوائله) بدل ( وعوالمه). ٥٧ كتاب التوبة ربع المنجيات والخلُّ والزعفرانُ في السكنجبينِ آثاراً مختلفةً(١). فأمَّا ما يقتضيهِ النزوعُ إلى الصفاتِ الربوبيةِ : فمثلُ الكبرِ ، والفخرِ ، والجبروتِ(٢)، وحبِّ المدح والثناءِ والعزِّ والغنى، وحبِّ دوام البقاءِ، وطلبِ الاستعلاءِ على الكافَّةِ ، حتَّى كأنَّهُ يريدُ أنْ يقولَ: ( أنا ربُّكُمُ الأعلى). وهذا يتشغَبُ منهُ جملةٌ مِنْ كبائرِ الذنوبِ ، غفل عنها الخلْقُ ولمْ يعدُّوها ذنوباً ، وهيَ المهلكاتُ العظيمةُ التي هيَ كالأمَّهاتِ لأكثرِ المعاصي ، كما استقصيناهُ في ربعِ المهلكاتِ . G الثانيةُ : هيَ الصفةُ الشيطانيَّةُ : التي منها يتشعَّبُ الحسدُ ، والبغيُ ، والحيلةُ ، والخداعُ ، والأمرُ بالفسادِ والمنكرِ ، وفيهِ يدخلُ الغشُّ ، والنفاقُ، والدعوةُ إلى البدع والضلالِ . الثالثةُ : الصفةُ البهيميَّةُ: ومنها يتشعَّبُ الشرهُ، والكَلَبُ ، والحرْصُ على قضاءِ شهوةِ البطنِ والفرج ، ومنهُ يتشغَبُ الزنا ، واللواطُ ، والسرقةُ ، وأكلُ مالِ الأيتامِ ، وجمعُ الحطامِ لأجلِ الشهواتِ . ـحن الرابعةُ : الصفةُ السبعيَّةُ : ومنها يتشعَّبُ الغضبُ ، والحقدُ ، والتهجُمُ على الناسِ بالضربِ والشتمِ والقتلِ واستهلاكِ الأموالِ ، ويتفرَّعُ عنها جملٌ مِنَ الذنوبِ . (١) السكنجبين : هو مخلوط العسل والخل والسكر لدفع الصفراء ، كلمة فارسية معربة ، أصلها سِگنگُبین . (٢) في غير (أ): (والجبرية) بدل (والجبروت)، وهما بمعنىّ . ٥٨ ربع المنجيات كتاب التوبة وهذهِ الصفاتُ لها تدريجٌ في الفطرةِ ، فالصفةُ البهيميَّةُ هيَ التي تغلبُ أوَّلاً، ثمَّ تتلوها الصفةُ السبعيَّةُ ثانياً، ثمَّ إذا اجتمعَتا .. استعملَتا العقلَ في الخداع والمكرِ والحيلةِ ، وهيَ الصفةُ الشيطانيَّةُ ، ثمَّ بالآخرةِ تغلبُ الصفاتُ الربوبيَّةُ ، وهيَ الفخرُ والعزُّ والعلُؤُّ، وطلبُ الكبرياءِ ، وقصدُ الاستيلاءِ على جميعِ الخلقِ . فهذهِ أمَّهاتُ الذنوبِ ومنابعُها ، ثمَّ تتفجَّرُ الذنوبُ مِنْ هذهِ المنابع على الجوارحِ ؛ فبعضُها على القلبِ خاصَّةً ؛ كالكفرِ والبدعةِ والنفاقِ وإضمارِ السوءِ للناسِ ، وبعضُها على العينِ والسمع ، وبعضُها على اللسانِ ، وبعضُها على البطنِ والفرجِ ، وبعضُها على اليدينِ والرجلينِ ، وبعضُها على جميع البدنِ ، ولا حاجةَ إلى بيانِ تفصيلِ ذلكَ ، فإنَّهُ واضحٌ . قسمةٌ ثانيةٌ : اعلمْ : أنَّ الذنوبَ تنقسمُ إلى ما بينَ العبدِ وبينَ اللهِ تعالى ، وإلى ما يتعلَّقُ بحقوقِ العبادِ . فما يتعلَّقُ بالعبدِ خاصَّةً كتركِ الصلاةِ ، والصوم ، والواجباتِ الخاصَّةِ بهِ . وما يتعلَّقُ بحقوقِ العبادِ كتركِهِ الزكاةَ ، وقتلِهِ النفسَ ، وغصبهِ الأموالَ ، وشتمِهِ الأعراضَ . ٥٩ ـدن حن حن ـنء كتاب التوبة ربع المنجيات وكلُّ متناوَلٍ مِنْ حقِّ الغيرِ فإمَّا نفسٌ، أوْ طرفٌ، أوْ مالٌ ، أَوْ عرضٌ ، أوْ دِينٌ ، أوْ جاهٌ . ـيو وتناولُ الدِّينِ بالإغواءِ ، والدعاءِ إلى البدعةِ ، والترغيبِ في المعاصي ، وتهييجِ أسبابِ الجراءةِ على اللهِ تعالى، كما يفعلُهُ بعضُ الوَّاظِ بتغليبٍ جانبِ الرجاءِ على جانبِ الخوفِ . وما يتعلَّق بالعبادِ فالأمرُ فيهِ أغلظُ ، وما بينَ العبدِ وبينَ اللهِ تعالى إذا لمْ يكنْ شركاً .. فالعفوُ فيهِ أرجى وأقربُ، وقدْ جاءَ في الخبرِ: (( الدواوينُ ثلاثةٌ : ديوانٌ يُغفرُ، وديوانٌ لا يُغفرُ، وديوانٌ لا يتركُ ، فالديوانُ الذي يُغفرُ ذنوبُ العبادِ بينَهُمْ وبينَ اللهِ تعالىُ، وأمَّا الديوانُ الذي لا يُغفرُ .. فالشركُ باللهِ تعالى، وأمَّا الديوانُ الذي لا يُتركُ .. فمظالمُ العبادِ)) (١) أيْ: لا بدَّ أنْ يطالبَ بها حتَّى يتفصَّى عنها . قسمةٌ ثالثةٌ : اعلمْ : أنَّ الذنوبَ تنقسمُ إلى صغائرَ وكبائرَ ، وقدْ كثرَ اختلافُ الناسِ فيها ، فقالَ قائلونَ : ( لا صغيرةً، بلْ كلُّ مخالفةٍ للهِ فهيَ كبيرةٌ )(٢)، (١) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٤٠/٦)، والحاكم في (( المستدرك)) (٥٧٥/٤) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً . حن (٢) وسيأتي قريباً قول ابن عباس رضي الله عنهما: ( كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة ) ، وقال القشيري في ((لطائف الإشارات)) ( ٤٨٧/٣): ( الذنوب كلها كبائر ؛ لأنها مخالفة =. ٦٠