النص المفهرس

صفحات 1-20

طبْعٌ خَاصَّة
بمناسَبَةْ مُرُور ◌َشْعِمِئَةِ سَنَةٍ على وَفاة حَّةُ الإِسْلامِ الغَزَالِيّ
١١١١ - ٢٠١١ م
◌َاء ◌َكُمُ الذِين
حن
وحن
-

الْجَاء عَلَوْ مُ الدّْ
تن
3
ےے
جم
تأليف
الإِمَامِ الْجُدِّدِ، حُجَّةِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ
زَيْرِالدِّيْنِ، أَِ حَتَامِدِ
مُحَدِ بْنٍ مُحَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَحْمَدَ الغَزَالِيّ
الطُّوْسِيّ الْطَّابَرَاتِي الشَّافِعِيّ
رَضِىَ اللهُعَنْهُ
(٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) - (١٠٥٨ - ١١١١ م )
رُبُعُ المُنْحِيَاتِ/ الْقِسْمُ الأوّل
ڪِتَابُ
التَّوَّبَةِ - الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ
الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ
المُجَلّدُ السَّائعُ
دَارُ المُنَفَاتِ

الطّبْعَة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دَارُ المُشَفَانِ للنشر وَالتَّوَيع
المملكة العربية السعودية - جدة
حي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون
هاتف رئيسي 6326666 - الإدارة 6300655
المكتبة 6322471 - فاكس 6320392
ص. ب 22943 - جدة 21416
www.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
ISBN: 978 - 9953 - 541 - 50 - 1

عہ
مــ
حں
2
بِسْبِ اللهِ الرَّمِ الرَّحِيمِ
أَمَّنْ هُوَقَتِثُ ءَانَآءَ الَِّ سَاجِدًا وَقَابِمَا يَخْذَرُلَآَخِرَةَ وَيَرْجُوْرَحْمَةَ رَبِّهِ
◌ُزَهْد ◌َتِ الِبُوَ الْلُكَ
إِنَّمَا يَتَذَّكَّرْ أُوْلُواْأَلْبَبٍ
حق حن من جن

شن
%
كِتَابُ
التَّوْبَّةِ
٠
وهو الكتاب الأوّل من ربع المنجيات
من كتب إحياء علوم الدين
٧
-حن
صرخ ات

ربع المنجيات
كتاب التوبة
كتاب الثّية
بِسِْاللهِالرَّمْنِ الرَّحَيَّةِ
ـدة
الحمدُ للهِ الذي بتحميدِهِ يُستفتحُ كلُّ كتابٍ ، وبذكرِهِ يُصدّرُ كلُّ خطابٍ ،
وبحمدِهِ يتنعَّمُ أهلُ النعيمِ في دارِ الثوابِ، وباسمِهِ يتسلَّى الأشقياءُ وإنْ أرخى
دونَهُمُ الحجابَ ، وضربَ بينَهُمْ وبينَ السعداءِ بسورِ لهُ بابٌ، باطنُهُ فيهِ
الرحمةُ وظاهرُهُ مِنْ قبلِهِ العذابُ .
ونتوبُ إليهِ توبةَ مَنْ يوقنُ أنَّهُ ربُّ الأربابِ ، ومسبِّبُ الأسبابِ ، ونرجوهُ
رجاءَ مَنْ يعلمُ أنَّهُ الملكُ الرحيمُ الغفورُ التوَّابُ ، ونمزجُ برجائِنا الخوفَ
مزْجَ مَنْ لا يرتابُ أنَّهُ معَ كونِهِ غافرَ الذنبِ وقابلَ التوبِ شديدُ العقابِ .
ونصلِّي على نبيِِّ محمدٍ وآلِهِ وصحبهِ الأكرمينَ صلاةً تنقذُنا مِنْ هولٍ
المُطَّلَعِ يومَ العرضِ والحسابِ (١) ، وتمهدُ لنا عندَ اللهِ زلفى وحسنَ مَآبٍ .
أما بعد:
فإنَّ التوبةَ عنِ الذنوبِ بالرجوعِ إلى ستَّرِ العيوبِ وعلام الغيوبِ مبدأُ
طريقِ السالكينَ ، ورأسُ مالِ الفائزينَ ، وأوَّلُ إقدام المريدينَ ، ومفتاحُ
(١) المُطَّلَع: ما يطلع عليه من أهوال الآخرة وشدائدها، ولا يبعد أن تكون المَطْلَع موضع
الطلوع، أو بكسر اللام وقت الطلوع. انظر ((مشارق الأنوار)) (٣١٩/١).
.. "
٩

كتاب التوبة
ربع المنجيات
استقامةِ المائلينَ ، ومَطلِعُ الاصطفاءِ والاجتباءِ للمقرَّبينَ ، ولأبينا آدمَ
صلَّى اللهُ عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ أجمعينَ .
وما أجدرَ بالأولادِ الاقتداءَ بالآباء والأجدادِ ، فلا غروَ إنْ أذنبَ الآدميُّ
واجترمَ ؛ فهيَ شِنْشِنَةٌ يعرفُها مِنْ أخزمَ ، ومَنْ أشبهَ أباهُ فما ظلمَ ، ولكنَّ
الأبَ إذا جبرَ بعدَ أنْ كسرَ ، وعَمَرَ بعدَ أنْ هدمَ . . فليكنِ النزوعُ إليهِ في كلا
طرفي النفي والإثباتِ ، والوجودِ والعدم ، ولقدْ قرعَ آدمُ عليهِ السلامُ سنَّ
الندم ، وتندَّمَ على ما سبقَ منهُ وتقدَّمَ ، فمَنِ اتخذَهُ قدوةً في الذنبِ دونَ
التوبةِ .. فقدْ زلَّتْ بهِ القدمُ .
بلِ التجرُّدُ لمحضِ الخيرِ دأبُ الملائكةِ المقرَّبينَ ، والتجرِّدُ للشرِّ دونَ
التلافي سجيَّةُ الشياطينِ ، والرجوعُ إلى الخيرِ بعدَ الوقوع في الشرِّ ضرورةٌ
الآدميينَ ، فالمتجرِّدُ للخيرِ مَلَكٌ مقرَّبٌ عندَ الملكِ الديَّانِ ، والمتجرِّدُ للشرِّ
شيطانٌ ، والمتلافي للشرِّ بالرجوع إلى الخيرِ بالحقيقةِ إنسانٌ ، فقدِ ازدوجَ
في طينةِ الإنسانِ شائبتانِ ، واصطحبَ فيهِ سجيَّانِ ، وكلُّ عبدٍ مصحِّحٌ
نسبَهُ ؛ إِمَّا إلى المَلَكِ ، أَوْ إلى آدمَ ، أَوْ إلى الشيطانِ :
فالتائبُ قدْ أقامَ البرهانَ على صحّةِ نسبهِ إلى آدَمَ عليهِ السلامُ بملازمةِ حدٍّ
الإنسانِ .
والمصرُّ على الطغيانِ مسجِّلٌ على نفسِهِ بنسبِ الشيطانِ(١) .
(١) في (ب): ( منتحل لنفسه ) بدل ( مسجل على نفسه) .

ربع المنجيات
كتاب التوبة
فأمَّا تصحيحُ النسبِ بالتجرُّدِ لمحضِ الخيرِ إلى الملائكةِ .. فخارجٌ عنْ
خَيِّرِ الإمكانِ ؛ فإنَّ الشرَّ معجونٌ معَ الخيرِ في طينةِ آدَمَ عليهِ السلامُ عجناً
محكماً ، لا يخلِّصُهُ إلا إحدى نارينِ ؛ نارِ الندمِ أوْ نارِ جهنَّمَ ، فالإحراقُ
بالنارِ ضروريٍّ في تخليصِ جوهرِ الإنسانِ عنْ خبائثِ الشيطانِ .
وإليكَ الآنَ اختيارُ أهونِ الشرَّينِ ، والمبادرةُ إلى أخفِّ النارينِ ، قبلَ أنْ
يُطوى بساطُ الاختيارِ ، ويُساقَ إلى دارِ الاضطرارِ ، إمَّا إلى الجنَّةِ وإِمَّا إلى
النارِ .
وإذا كانَتِ التوبةُ موقعُها مِنَ الدينِ هذا الموقعُ .. وجبَ تقديمُها في
صدْرِ ربع المنجياتِ ؛ بشرحِ حقيقتِها ، وشروطِها ، وسببها ، وعلامتِها ،
وثمرتِها ، والآفاتِ المانعةِ منها ، والأدويةِ الميسِّرةِ لها ، ويتضحُ ذلكَ بذکرِ
أربعةِ أركانٍ :
الركنُ الأوَّلُ : في نفسِ التوبةِ ، وبيانِ حدِّها وحقيقتِها، وأنَّها واجبةٌ
على الفورِ ، وعلى جميعِ الأشخاصِ ، وفي جميع الأحوالِ ، وأنَّها إذا
صحَّتْ .. كانَتْ مقبولةً .
الركنُ الثاني : فيما عنهُ التوبةُ؛ وهيَ الذنوبُ ، وبيانِ انقسامِها إلى
صغائرَ وكبائرَ ، وما يتعلَّقُ بالعبادِ وما يتعلَّقُ بحقِّ اللهِ تعالى ، وبيانِ كيفيَّةِ
توزُّعِ الدرجاتِ والدركاتِ على الحسناتِ والسيئاتِ ، وبيانِ الأسبابِ التي
بها تعظمُ الصغائرُ .

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الركنُ الثالثُ : في بيانِ شروطِ التوبةِ ودوامِها ، وكيفيَّةِ تداركِ ما مضى
مِنَ المظالمِ ، وكيفيةِ تكفيرِ الذنوبِ ، وبيانِ أقسام التائبينَ في دوامِ التوبةِ .
الركنُ الرابعُ : في السببِ الباعثِ على التوبةِ ، وكيفيةِ العلاج في حلِّ
عقدةِ الإصرارِ مِنَ المذنبينَ .
ويتمُّ المقصودُ بهذِه الأركانِ الأربعةِ إنْ شاءَ الله تعالى .
١٢

ربع المنجيات
كتاب التوبة
الرُّكَنُ الأَوَّلُ
يف نفس النّبيّة
بيان حقيقة التوبة وحدها
اعلمْ : أنَّ التوبةَ عبارةٌ عنْ معنىٌ ينتظمُ ويلتئمُ مِنْ ثلاثةِ أمورٍ مرتَّبَةٍ :
علمٍ ، وحالٍ ، وفعلٍ ، فالعلمُ أوَّلُ ، والحالُ ثانٍ ، والفعلُ ثالثٌ، والأوَّلُ
موجِبٌ للثاني ، والثاني موجِبٌ للثالثِ إيجاباً اقتضاهُ اطرادُ سنَّةِ اللهِ تعالى في
الملكِ والملكوتِ .
أمَّا العلمُ .. فهوَ معرفةُ عظمٍ ضررِ الذنوبِ ، وكونِها حجاباً بينَ العبدِ
وبينَ كلِّ محبوبٍ .
فإذا عرفَ ذلكَ معرفةً محقَّقَةً بيقينٍ غالبٍ على قلبِهِ .. ثارَ مِنْ هَذِهِ
المعرفةِ تألُّمٌ للقلبِ بسببٍ فواتِ المحبوبِ ؛ فإنَّ القلبَ مهما شعرَ بفواتٍ
محبوبِهِ .. تألَّمَ .
فإنْ كانَ فواتُهُ بفعلِهِ .. تأسَّفَ على الفعلِ المفوِّتِ ، فيُسمَّى تألُمُهُ بسببٍ
فعلِهِ المفوِّتِ لمحبوبِهِ ندماً .
فإذا غلبَ هذا الألمُ على القلبِ واستولىُ .. انبعثَ مِنْ هذا الألم في
١٣

كتاب التوبة
ربع المنجيات
القلبِ حالةٌ أخرى تسمَّى إرادةً وقصداً إلى فعل لهُ تعلُّقٌ بالحالِ ،
وبالماضي ، وبالاستقبالِ :
أمَّا تعلُّقُهُ بالحالِ .. فبالتركِ للذنبِ الذي كانَ ملابساً لهُ .
وأمَّا بالاستقبالِ .. فبالعزم على تركِ الذنبِ المفوِّتِ للمحبوبِ إلى آخرِ
العمرِ .
وأمَّا بالماضي .. فبتلافي ما فاتَ بالجبْرِ والقضاءِ إنْ كانَ قابلاً للجبْرِ .
فالعلمُ هوَ الأوَّلُ ، وهوَ مطلَعُ هذهِ الخيراتِ ، وأعني بههذا العلمِ
الإيمانَ واليقينَ ؛ فإنَّ الإيمانَ عبارةٌ عنِ التصديقِ بأنَّ الذنوبَ سمومٌ
مهلكةٌ، واليقينَ عبارةٌ عنْ تأكَّدِ هذا التصديقِ ، وانتفاءِ الشِّ عنهُ ،
واستيلائِهِ على القلبِ ، فيثمرُ نورُ هذا الإيمانِ مهما أشرقَ على القلبِ نارَ
الندمِ ، فيتألَّمُ بها القلبُ حيثُ يبصرُ بإشراقِ نورِ الإيمانِ أنَّهُ صارَ محجوباً عنْ
محبوبِهِ ؛ كمَنْ يشرقُ عليهِ نورُ الشمسِ وقدْ كانَ في ظلمةٍ ، فسطعَ النورُ عليهِ
بانقشاع سحابٍ أوِ انحسارِ حجابٍ ، فرأى محبوبَهُ قدْ أشرفَ على الهلاكِ ،
فتشتعلُ نيرانُ الحبِّ في قلبهِ ، فتنبعثُ بتلكَ النيرانِ إرادتُهُ للانتهاضِ
للتداركِ .
فالعلمُ ، والندمُ ، والقصدُ المتعلَّقُ بالتركِ في الحالِ والاستقبالِ
والتلافي للماضي .. ثلاثةُ معانٍ مرتبةٍ في الحصولِ ، يُطلقُ اسمُ التوبةِ على
مجموعها .
١٤

ربع المنجيات
كتاب التوبة
وكثيراً ما يُطلقُ اسمُ التوبةِ على معنى الندم وحدَهُ ، ويُجعلُ العلمُ
كالسابقِ والمقدمةِ ، والتركُ كالثمرةِ والتابع المتأخِّرِ ، وبهذا الاعتبارِ قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الندمُ توبةٌ))(١)؛ إذْ لا يخلو الندمُ عنْ علمٍ أوجبَهُ
وأثمرَهُ، وعنْ عزم يتبعُهُ ويتلوهُ ، فيكونُ الندمُ محفوفاً بطرفيهِ ؛ أعني :
ثمرتهُ ومثمرَهُ(٢) .
وبهذا الاعتبارِ قيلَ في حدِّ التوبةِ: إنَّهُ ذوبانُ الحشا لما سبقَ مِنَ
الخطا(٣) ، فإنَّ هذا يعرضُ لمجرَّدِ الألم.
عـ
جن
وكذلكَ قيلَ : هوَ نارٌ في القلبِ تلتهبُ ، وصدعٌ في الكبدِ لا ينشعبُ .
وباعتبارِ معنى التركِ قيلَ في حدِّ التوبةِ : إنَّهُ خلعُ لباسِ الجفاءِ ، ونشرُ
بساطِ الوفاءِ(٤).
وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التستريُّ : ( التوبةُ : تبديلُ الحركاتِ المذمومةِ
بالحركاتِ المحمودةِ ، ولا يتمُّ ذلكَ إلا بالخلوةِ ، والصمتِ ، وأكلٍ
(١) رواه ابن ماجه ( ٤٢٥٢).
(٢) فالمثمر هو العلم ، والثمرة هي العزم.
(٣) والحشا داخل البطن، وذوبانه بتأثير ألم فيه عن الزلات السابقة. ((إتحاف))
(٥٠٣/٨ ).
(٤) والمراد بخلع لباس الجفاء ألا يعود إلى ما يبعده عن حضرة الله ، وينشر لباس الوفاء بأن
يستقيم عليه ، فلا يمر بباله الجفاء حتى ذكره ؛ إذ ذكر الجفاء حال الصفاء جفاء . انظر
((الإتحاف)) ( ٥٠٣/٨ ) .
١٥

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الحلالِ)(١) ، وكأنَّهُ أشارَ إلى المعنى الثالثِ مِنَ التوبةِ .
والأقاويلُ في حدودِ التوبةِ لا تنحصرُ ، وإذا فهمتَ هذهِ المعانيَ الثلاثةَ
وتلازمَها وترتيبَها .. عرفتَ أنَّ جميعَ ما قيلَ في حدودِها قاصرٌ عنِ الإحاطةِ
بجميع معانيها ، وطلبُ العلمِ بحقائقِ الأمورِ أهمُّ مِنْ طلبِ الألفاظِ
المجرّدةِ .
ـحة:
(١) تفسير التستري (ص٧٤)، وأورده له صاحب ((القوت)) (١٨١/١)، والخركوشي
في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٤٧).
جر
١٦

ربع المنجيات
كتاب التوبة
بيان وجوب الثّبة وفضلها
اعلمْ : أنَّ وجوبَ التوبةِ ظاهرٌ بالأخبارِ والآياتِ ، وهوَ واضحٌ بنورِ
البصيرةِ عندَ مَنِ انفتحَتْ بصيرتُهُ ، وشرحَ اللهُ بنورِ الإيمانِ صدرَهُ ، حتَّى
اقتدرَ على أنْ يسعى بنورِهِ الذي بينَ يديهِ في ظلماتِ الجهلِ ، مستغنياً عنْ
قائدٍ يقودُهُ في كلِّ خطوةٍ ، فالسالكُ إمَّا أعمى لا يستغني عنِ القائدِ في
خطوِهِ ، وإمَّا بصيرٌ يُهدى إلى أوَّلِ الطريقِ ثُمَّ يهتدي بنفسِهِ .
وكذلكَ الناسُ في طريقِ الدينِ ينقسمونَ هذا الانقسامَ ؛ فمِنْ قاصرٍ لا
يقدرُ على مجاوزةِ التقليدِ في خطوِهِ ، فيفتقرُ إلى أنْ يسمعَ في كلِّ قدم نصّاً
مِنْ كتابِ اللهِ تعالى أوْ سنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وربَّما يعوزُهُ ذلكَ
فيتحيّرُ، فسيرُ هذا وإنْ طالَ عمرُهُ وعظمَ جَدُّهُ مختصرٌ ، وخطاهُ قاصرةٌ ،
ومِنْ سعيدٍ شرحَ اللهُ صدرَهُ للإسلامِ ، فهوَ على نورٍ مِنْ ربِّهِ ، يتنبَّهُ بأدنى
إشارةٍ لسلوكِ طريقٍ معوصةٍ ، وقطع عقباتٍ متعبةٍ ، فيشرقُ في قلبهِ نورُ
القرآنِ ونورُ الإيمانِ ، وهوَ لشدَّةِ نورِ باطِهِ يجتزىءُ بأدنى بيانٍ(١)، وكأنَّهُ
يكادُ زيتُهُ يضيءُ ولوْ لمْ تمسسْهُ نارٌ ، فإذا مسَّتْهُ نارٌ . . فهوَ نورٌ على نورٍ ،
يهدي اللهُ لنورِهِ مَنْ يشاءُ ، فهذا لا يحتاجُ إلى نصٌّ منقولٍ في كلِّ واقعةٍ .
فمَنْ هذا حالُهُ إذا أرادَ أنْ يعرفَ وجوبَ التوبةِ .. فينظرُ أوَّلاً بنورِ
(١) يجتزىء : يكتفي .
١٧

كتاب التوبة
ربع المنجيات
البصيرةِ إلى التوبةِ ما هيَ ، ثمَّ إلى الوجوبِ ما معناهُ ، ثمَّ يجمعُ بينَ معنى
الوجوبِ والتوبةِ ، فلا يشكُّ في ثبوتِهِ لها ؛ وذلكَ بأنْ يعلمَ أنَّ معنى الواجبِ
ما هوَ واجبٌ في الوصولِ إلى سعادةِ الأبدِ ، والنجاةِ مِنْ هلاك الأبدِ ، وأنَّهُ
لولا تعلُّقُ السعادةِ والشقاوةِ بفعلِ الشيءِ وتركِهِ .. لمْ يكنْ لوصفِهِ بكونِهِ
واجباً معنىَ معقولٌ، وقولُ القائلِ : ( صارَ واجباً بالإيجابِ ) حديثٌ
محضٌ ؛ فإنَّ ما لا غرضَ لنا عاجلاً وآجلاً في فعلِهِ وتركِهِ فلا معنى لاشتغالِنا
بهِ ، أوجبَهُ علينا غيرُنا أوْ لمْ يوجبْهُ .
فإذا عرفَ معنى الوجوبِ ، وأنَّهُ الوسيلةُ إلى سعادةِ الأبدِ ، وعلمَ أنَّهُ
لا سعادةَ في دارِ البقاءِ إلا في لقاءِ اللهِ تعالى ، وأنَّ كلَّ محجوبٍ عنهُ يشقى
لا محالةَ ، مَحولٌ بينَهُ وبينَ ما يشتهيهِ ، محترقٌ بنارِ الفراقِ ونارِ جهنَّمَ ،
وعلمَ أنَّهُ لا مبعِدَ عنْ لقاءِ اللهِ إلا اتباعُ الشهواتِ ، والأنسُ بهذا العالمِ
الفاني ، والإكبابُ على حبِّ ما لا بدَّ مِنْ فراقِهِ قطعاً، وعلمَ أنَّهُ لا مقرِّبَ مِنْ
لقاءِ اللهِ إلا قطعُ علاقةِ القلبِ عنْ زخرفِ هذا العالمِ ، والإقبالُ بالكليّةِ
على اللهِ ؛ طلباً للأنسِ بهِ بدوامٍ ذكرِهِ ، وللمحبةِ لهُ بمعرفةِ جلالِهِ وجمالِهِ
على قدْرِ طاقتِهِ ، وعلمَ أنَّ الذنوبَ التي هيَ إعراضٌ عنِ اللهِ واتباعٌ لمحابٌ
الشياطينِ أعداءِ اللهِ المبعدينَ عنْ حضرتِهِ سببُ كونِهِ محجوباً مبعَداً عنِ اللهِ
عزَّ وجلَّ .. فلا يشكُّ في أنَّ الانصرافَ عنْ طريقِ البعدِ واجبٌ للوصولِ إلى
القربِ، وإنَّما يتمُّ الانصرافُ بالعلمِ والندمِ والعزم ، فإنَّهُ ما لمْ يعلمْ أنَّ
الذنوبَ أسبابٌ للبعدِ عنِ المحبوبِ .. لمْ يتندَّمْ ولمْ يتوجَّعْ بسببِ سلوكِهِ في
ـون
١٨

ربع المنجيات
كتاب التوبة
طريقِ البعدِ، وما لمْ يتوجَّعْ .. فلا يرجعُ ، ومعنى الرجوع : التركُ والعزمُ ،
فلا يشكُّ في أنَّ المعانيَ الثلاثةَ ضروريةٌ في الوصولِ إلى المحبوبِ .
فهكذا يكونُ الإيمانُ الحاصلُ عنْ نورِ البصيرةِ .
وأمَّا مَنْ لمْ يترشَّحْ لمثلِ هذا المقامِ المرتفعِ ذروتُهُ عنْ حدودِ أفهامٍ أكثرِ
الخلقِ .. ففي التقليدِ والاتباع لهُ مجالٌ رحبٌ ، يتوصَّلُ بهِ إلى النجاةِ مِنَ
الهلاكِ ، فليلاحظْ فيهِ قولَ اللهِ تعالى ، وقولَ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
وقولَ السلفِ الصالحينَ :
فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَنُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾، وهذا أمرٌ على العمومِ .
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةٌ نَّصُوحًا ... ) الآيةَ،
ومعنى النصوحِ : الخالصُ للهِ تعالىْ خالياً عنِ الشوائبِ ، مأخوذٌ مِنَ النُّصْحِ.
ويدلُّ على فضْلِ التوبةِ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَّهِرِينَ﴾.
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((التائبُ حبيبُ اللهِ، والتائبُ مِنَ
الذنبِ كمَنْ لا ذنبَ لهُ))(١).
(١) كذا في ((القوت)) (١٧٩/١)، وقوله: (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) رواه ابن
ماجه ( ٤٢٥٠ ) ، وصدر الحديث نصَّت عليه الآية المتقدمة ، وقد روى ابن أبي الدنيا
في ((التوبة)) (١٨٣) عن الشعبي أنه ذكر حديث ابن ماجه وتلا هذه الآية ، وروى
أيضاً (١٨٤) مرفوعاً من حديث أنس رضي الله عنه: (( إن الله يحب الشاب التائب)).
١٩

كتاب التوبة
ربع المنجيات
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِهِ المؤمنِ مِنْ
رجلٍ نزلَ في أرضٍ دَوِيَّةٍ مهلكةٍ ، معَهُ راحلتُهُ عليها طعامُهُ وشرابُهُ ، فوضعَ
رأسَهُ ، فنامَ نومةً ، فاستيقظَ وقدْ ذهبَتْ راحلتُهُ، فطلبَها، حتَّى إذا اشتدَّ
عليهِ الحُّ والعطشُ أوْ ما شاءَ اللهُ .. قالَ : أرجعُ إلى مكاني الذي كنتُ فيهِ
فأنامُ حتَّى أموتَ ، فوضعَ رأسَهُ على ساعدِهِ ليموتَ ، فاستيقظَ ، فإذا
راحلتُهُ عندَهُ عليها زادُهُ وشرابُهُ ، فاللهُ تعالى أشدُّ فرحاً بتوبةِ العبدِ المؤمنِ مِنْ
هذا براحلتِهِ)) (١) ، وفي بعض الألفاظِ قالَ مِنْ شدَّةِ فرحِهِ إذْ أرادَ شكْرَ اللهِ :
«اللهمَّ؛ أنا ربُّكَ وأنتَ عبدي))(٢).
ويروى عنِ الحسنِ قالَ : لمَّا تابَ اللهُ عزَّ وجلَّ على آدمَ عليهِ السلامُ ..
هنََّتْهُ الملائكةُ، وهبطَ عليهِ جبريل وميكائيلُ ودرديائيلُ فقالوا : يا آدمُ ؛
قَرَّتْ عينُكَ بتوبةِ اللهِ عليكَ، فقالَ آَدمُ عليهِ السلامُ : يا جبريلُ ؛ فإنْ كانَ
بعدَ هذهِ التوبةِ سؤالٌ .. فأينَ مقامي ؟ فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : يا آدمُ ؛
ورَّثْتَ ذَرِّيتَكَ التعبَ والنصبَ ، وورَّثْتُهُمُ التوبةَ، فمَنْ دعاني منهُمْ
بدعوتِكَ .. ليَّيتُهُ كما لبَِّتُكَ، ومَنْ سألَني المغفرةَ .. لمْ أبخلْ عليهِ ؛ لأنِّي
قريبٌ مجيبٌ يا آدمُ ، وأحشرُ التائبِينَ مِنَ القبورِ مستبشرينَ ضاحكينَ ،
ودعاؤُهُمْ مستجابٌ(٣) .
ب
ـدة
(١) رواه البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤) واللفظ له .
(٢) رواه مسلم ( ٢٧٤٧ ) بتقديم وتأخير .
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص١٤٩).
٢٠
حر