النص المفهرس
صفحات 681-700
ربع المهلكات كتاب ذم الغرور والرئاسةُ ، ولوْ قامَ بتعهُّدِ المسجدِ غيرُهُ .. لحردَ عليهِ، بلْ منُمْ مَنْ يؤذِّنُ ويظرُّ أنَّهُ يؤذِّنُ للهِ، ولوْ جاءَ غيرُهُ وأَذَّنَ في وقتٍ غيبتِهِ .. قامَتْ عليهِ القيامةُ ، وقالَ : لمْ آخذْ حقِّي ، وزُوحمتُ على مرتبتي ، وكذلكَ قدْ يتقلَّدُ إمامةَ مسجدٍ ويظنُّ أنَّهُ على خيرٍ ، وإِنَّما غرضُهُ أنْ يُقالَ: إِنَّهُ إمامُ المسجدِ ، فلوْ تقدَّمَ غيرُهُ وإنْ كانَ أورعَ وأعلمَ منهُ .. ثقُلَ عليهِ . وفرقةٌ أخرى جاوروا بمكةً أوِ المدينةِ واغترُوا بذلكَ ، ولمْ يراقبوا قلوبَهُمْ، ولمْ يطهِّروا ظاهرَهُمْ وباطنَهُمْ ، فقلوبُهُمْ معلَّقَةٌ ببلادِهِمْ، ملتفتةٌ إلى قولِ الناسِ : إنَّ فلاناً مجاورٌ بمكةً! وتراهُ يتحدَّى ويقولُ : قدْ جاورتُ بمكةَ كذا وكذا سنةً ، وإذا سمعَ أنَّ ذلكَ قبيحٌ .. تركَ صريحَ التحدِّي وأحبَّ أنْ يعرفَهُ الناسُ بذلكَ . ثمّ إنَّهُ قَدْ يجاورُ ويمدُّ عينَ الطمع إلى أوساخ أموالِ الناسِ ، فإذا جمعَ منْ ذلكَ شيئاً .. شحَّ بهِ وأمسكَهُ ، ولمْ تسمحْ نفسُهُ بلقمةٍ يتصدَّقُ بها على فقيرٍ ، فيظهرُ فيهِ الرياءُ والبخلُ والطمعُ ، وجملةٌ مِنَ المهلكاتِ كانَ عنها بمعزلٍ لَوْ تركَ المجاورةَ، ولكنَّ حبَّ المحمدةِ ، وأنْ يُقالَ: إنَّهُ مِنَ المجاورينَ .. ألزمَهُ المجاورةَ معَ التضمُّخِ بهذِهِ الرذائلِ ، فهوَ أيضاً مغرورٌ . وما مِنْ عملٍ مِنَ الأعمالِ أو عبادةٍ مِنَ العباداتِ إلا وفيها آفاتٌ، فَمَنْ لمْ يعرفْ مداخلَ آفاتِها واعتمدَ عليها .. فهوَ مغرورٌ، ولا يُعرفُ شرحُ ذلكَ إلا مِنْ جملةِ كتبِ ((إحياء علومِ الدينِ))؛ فيعرفُ مداخلَ الغرورِ في الصلاةِ ٦٨١ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات مِنْ كتابِ الصلاةِ ، وفي الحجِّ منْ كتابِ الحجِّ، والزكاةِ والتلاوةِ وسائرِ القرباتِ مِنَ الكتبِ التي رتَبناها فيها ، وإنَّما الغرضُ الآنَ الإِشارةُ إلى مجامع ما سبقَ في الكتبِ . وفرقةٌ أخرى زهدَتْ في المالِ ، وقنعَتْ مِنَ اللباسِ والطعامِ بالدونِ ، ومِنَ المسكنِ بالمساجدِ ، وظنَّتْ أنَّها أدركَتْ رتبةَ الزهَّادِ ، وهوَ معَ ذلكَ راغبٌّ في الرئاسةِ والجاهِ ؛ إمَّا بالعلمِ أوْ بالوعظِ أوْ بمجرَّدِ الزهدِ ، فقدْ تركَ أهونَ الأمرينِ ، وباءَ بأعظمِ المهلكينِ ؛ فإنَّ الجاهَ أطمُّ مِنَ المالِ ، ولوْ تركَ الجاهَ وأخذَ المالَ .. كانَ إلى السلامةِ أقربَ . فهذا مغرورٌ؛ إذْ ظِنَّ أنَّهُ مِنَ الزهَّادِ في الدنيا وهوَ لمْ يفهمْ معنى الدنيا ، ولمْ يدرك أنَّ منتهى لذَّاتِها الرئاسةُ ، وأنَّ الراغبَ فيها لا بدَّ وأنْ يكونَ منافقاً ، وحسوداً ، ومتكبِراً ، ومرائياً ، ومتَّصفاً بجميع خبائثِ الأخلاقِ . نعمْ، وقدْ يتركُ الرئاسةَ ، ويؤثرُ الخلوةَ والعزلَةَ، وهوَ معَ ذلكَ مغرورٌ ؛ إذْ يتطاولُ بذلكَ على الأغنياءِ ، ويخشنُ معَهُمُ الكلامَ ، وينظرُ إليهِمْ بعينِ الاستحقارِ ، ويرجو لنفسِهِ أكثرَ مما يرجو لهُمْ ، ويعجبُ بعملِهِ ، ويتَّصفُ بجملةٍ مِنْ خبائثِ القلوبِ وهوَ لا يدري ، وربَّما يُعطى المالَ فلا يأخذُهُ ، خيفةً مِنْ أنْ يُقالَ : بطلَ زهدُهُ ، ولوْ قيلَ لهُ : إنَّهُ حلالٌ فخذْهُ في الظاهرِ وردُّهُ في الخفيةِ .. لمْ تسمحْ بهِ نفسُهُ ؛ خوفاً مِنْ ذمِّ الناسِ ، فهوَ ٦٨٢ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور راغبٌ في حمدِ الناسِ ، وهوَ مِنْ ألذُّ أبوابِ الدنيا ، ويرىُ نفسَهُ أنَّهُ زاهدٌ في الدنيا ، وهوَ مغرورٌ، ومعَ ذلكَ فربما لا يخلو عنْ توقيرِ الأغنياءِ وتقديمِهِمْ على الفقراءِ ، والميلِ إلى المريدينَ لهُ والمثنينَ عليهِ ، والنفرةِ عنِ المائلينَ إلى غيرِهِ مِنَ الزهَّادِ ، وكلُّ ذلكَ خدعةٌ وغرورٌ مِنَ الشيطانِ ، نعوذُ باللهِ منهُ . وفي العبَّادِ مَنْ يشدِّدُ على نفسِهِ في أعمالِ الجوارحِ ، حتَّى ربَّما يصلِّي في اليوم والليلةِ مثلاً ألفَ ركعةٍ ، ويختمُ القرآنَ ، وهوَ في جميعِ ذلكَ لا يخطرُ لهُ مراعاةُ القلبِ وتفقُّدُهُ وتطهيرُهُ مِنَ الرياءِ والكبرِ والعجبِ وسائرٍ المهلكاتِ ، فلا يدري أنَّ ذلكَ مهلكٌ، وإنْ علمَ ذلكَ . . فلا يظنُّ بنفسِهِ ذلكَ ، وإنْ ظنَّ بنفسِهِ ذلكَ .. توهَّمَ أنَّهُ مغفورٌ لهُ لعملِهِ الظاهرِ، وأنَّهُ غيرُ مؤاخذٍ بأحوالِ القلبِ ، وإِنْ توهَّمَ ذلكَ فيظنُّ أنَّ العباداتِ الظاهرةَ تترجَّحُ بها كِفَّةُ حسناتِهِ ، وهيهاتَ ! وذرةٌ مِنْ ذي تقوى ، وخُلُقٌ واحدٌ مِنْ أخلاقِ الأكياسِ .. أفضلُ مِنْ أمثالِ الجبالِ عملاً بالجوارحِ . ثمَّ لا يخلو هذا المغرورُ معَ سوءِ خُلُقِهِ معَ الناسِ وخشونتِهِ وتلُّثِ باطِنِهِ عنِ الرياءِ وحبِّ الثناءِ ، فإذا قيلَ لهُ : أنتَ مِنْ أوتادِ الأرضِ ، وأولياءِ اللهِ وأحبابِهِ .. فرحَ المغرورُ بذلكَ، وصدَّقَ بهِ ، وزادَهُ ذلكَ غروراً ، وظنَّ أنَّ تزكيةَ الناسِ لهُ دليلٌ على كونِهِ مرضيّاً عندَ الله تعالى ، ولا يدري أنَّ ذلكَ لجهلِ الناسِ بخبائثِ باطنِهِ . ٦٨٣ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات وفرقةٌ أخرى حرصَتْ على النوافلِ ولمْ يعظمِ اعتدادُها بالفرائضِ ، ترى أحدَهُمْ يفرحُ بصلاةِ الضحى وصلاةِ الليلِ وأمثالِ هذهِ النوافلِ ولا يجدُ للفريضةِ لذّةً ، ولا يشتدُّ حرصُهُ على المبادرةِ بها في أوَّلِ الوقتِ ، وينسى قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما يرويهِ عنْ ربِّهِ: (( ما تقرَّبَ المتقربونَ إليَّ بمثلِ أداءِ ما افترضتُ عليهِمْ))(١). وتركُ الترتيبِ بينَ الخيراتِ مِنْ جملةِ الغرورِ ، بلْ قدْ يتعيَّنُ على الإنسانِ فرضانِ : أحدُهُما يفوتُ ، والآخرُ لا يفوتُ ، أوْ فضلانِ أحدُهُما يضيقُ وقتُهُ، والآخرُ بتَّعُ وقتُهُ، فإنْ لمْ يحفظِ الترتيبَ فيهِ .. كانَ مغروراً . ونظائرُ ذلكَ أكثرُ مِنْ أَنْ تُحصى ؛ فإنَّ المعصيةَ ظاهرةٌ والطاعةَ ظاهرةٌ ، وإنَّما الغامضُ تقديمُ بعضِ الطاعاتِ على بعضٍ ؛ كتقديمِ الفرائضِ كلِّها على النوافلِ ، وتقديمٍ فروضِ الأعيانِ على فروضِ الكفاياتِ ، وتقديمٍ فرضٍ كفايةٍ لا قائمَ بهِ على ما قامَ بهِ غيرُهُ ، وتقديمِ الأهمِّ مِنَ فروضِ الأعيانِ على ما دونَهُ ، وتقديم ما يفوتُ على ما لا يفوتُ ، وهذا كما يجبُ أنْ يقدِّمَ حاجةَ الوالدةِ على حاجةِ الوالدِ ؛ إذْ سُئلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقيلَ لهُ: مَنْ أَبُّ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((أمَّكَ))، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ((أمَّكَ))، قالَ: ثمَّ مَنْ: قال: ((أمَّكَ))، قالَ: ثمَّ منْ؟ قالَ : - (١) رواه البخاري (٦٥٠٢) بلفظ: (( ... وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضت عليه )) . ٦٨٤ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور ((أباكَ))، قالَ: ثمَّ مَنْ؟ قالَ: ((أدناكَ فأدناكَ))(١)، فينبغي أنْ يبدأَ في الصلةِ بالأقربِ ؛ فإن استويا .. فبالأحوج، فإن استويا .. فبالأتقى والأورع . وكذلكَ مَنْ لا يفي مالُهُ بنفقةِ الوالدينِ والحجِّ فربَّما يحجُّ وهوَ مغرورٌ ، بلْ ينبغي أنْ يقدِّمَ حقَّهُما على الحجِّ ، وهذا مِنْ تقديمٍ فرضٍ أهمَّ على فرضٍ هوَ دونَهُ . وكذلكَ إذا كانَ على العبدِ ميعادٌ ودخلَ وقتُ الجمعةِ .. فالجمعةُ تفوتُ، والاشتغالُ بالوفاءِ بالوعدِ معصيةٌ وإنْ كانَ هوَ طاعةً في نفسِهِ . وكذلكَ قدْ تصيبُ ثوبَهُ النجاسةُ ، فيغلظُ القولَ على أبويهِ وأهلِهِ بسببٍ ذلكَ، فالنجاسةُ محذورةٌ، وإيذاؤهُما محذورٌ ، والحذرُ مِنَ الإيذاءِ أهمُّ مِنَ الحذرِ مِنَ النجاسةِ (٢). وأمثلةُ تقابلِ المحذوراتِ والطاعاتِ لاتنحصرُ، ومَنْ تَرَكَ الترتيبَ في جميع ذلكَ .. فهوَ مغرورٌ، وهذا غرورٌ في غايةِ الغموضِ ؛ لأنَّ المغرورَ فيهِ في طاعةٍ ، إلا أنَّهُ لا يفطنُ لصيرورةِ الطاعةِ معصيةً ، حيثُ تركَ بها طاعةً واجبةً هيَ أهمُّ منها . (١) رواه الترمذي (١٨٩٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٥٠/٤). (٢) لأن زوال الأذى عن قلوبهم عسرٌ، بخلاف إزالة النجاسة من الثوب. ((إتحاف)) (٤٧٨/٨ ) . ٦٨٥ کتاب ذم الغرور حر ربع المهلكات ـو ومِنْ جملتِهِ : الاشتغالُ بالمذهبِ والخلافِ مِنَ الفقهِ في حقٌّ مَنْ بقيَ عليهِ شغلٌ مِنَ الطاعاتِ والمعاصي الظاهرةِ والباطنةِ المتعلقةِ بالجوارحِ والمتعلقةِ بالقلبِ ؛ لأنَّ مقصودَ الفقهِ معرفةُ ما يحتاجُ إليهِ غيرُهُ في جوارحِهِمْ ، فمعرفةُ ما يحتاجُ هوَ إليهِ في قلبِهِ أولى بهِ ، إلا أنَّ حبَّ الرئاسةِ والجاهِ ، ولذةَ المباهاةِ وقهرِ الأقرانِ والتقدُّم عليهِمْ يعمِي عليهِ ، حتَّى يغترَّ بهِ معَ نفسِهِ ، ويظنَّ أنَّهُ مشغولٌ بمهمِّ دینِهِ . ٦٨٦ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور الصنف الثالث: المتصوفة وما أغلبَ الغرورَ عليهِمْ! والمغترُّونَ منهُمْ فرقٌ كثيرةٌ : ففرقةٌ منهُمْ - وهُمْ متصوفةُ أهلِ الزمانِ إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ - اغترُوا بالزِّيِّ والمنطقِ والهيئةِ ، فساعدوا الصادقينَ مِنَ الصوفيةِ في زِيِّهِمْ وهيئتِهِمْ ، وفي ألفاظِهِمْ وفي آدابِهِمْ، ومراسمِهِمْ واصطلاحاتِهِمْ، وفي أحوالِهِمْ الظاهرةِ في السماع والرقصِ ، والطهارةِ والصلاةِ ، والجلوسِ على السجاداتِ معَ إطراقِ الرأسِ ، وإدخالِهِ في الجيبِ كالمتفكِّرِ ، وفي تنفسِ الصعداءِ ، وفي خفضِ الصوتِ في الحديثِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الشمائلِ والهيئاتِ . جن % فلمَّا تكلَّفوا هذهِ الأمورَ ، وتشبَّهوا بِهِمْ فيها .. ظنُّوا أنَّهُمْ أيضاً صوفيةٌ ، ولمْ يتعِبوا أنفسَهُمْ قطُّ في المجاهدةِ والرياضةِ ومراقبةِ القلبِ ، وتطهيرِ الباطنِ والظاهرِ مِنَ الآثام الخفيّةِ والجليَّةِ ، وكلُّ ذلكَ مِنْ أوائلِ منازلِ التصوُّفِ، ولوْ فرغوا مِنْ جميعِها .. لما جازَ لهُمْ أنْ يعدوا أنفسَهُمْ مِنَ الصوفية . كيفَ ولمْ يحوموا قطَّ حولها ، ولمْ يسوموا أنفسَهُمْ شيئاً منها ؟! بلْ يتكالبونَ على الحرامِ والشبهاتِ وأموالِ السلاطينِ ، ويتنافسونَ في الرغيفِ والفَلْسِ والحبّةِ ، ويتحاسدونَ على النقيرِ والقطميرِ ، ويمزِّقُ بعضُهُمْ أعراضَ بعضٍ مهما خالفَهُ في شيءٍ مِنْ غرضِهِ ! ٦٨٧ کتاب ذم الغرور ربع المهلكات وهؤلاءِ غرورُهُمْ ظاهرٌ ، ومثالُهُمْ مثالُ امرأةٍ عجوزٍ ، سمعَتْ أنَّ الشجعانَ والأبطالَ مِنَ المقاتلينَ ثبتَتْ أسماؤُهُمْ في الديوانِ، ويُقطَعُ لكلِّ واحدٍ منهُمْ قطرٌ مِنْ أقطارِ المملكةِ (١). فتاقَتْ نفسُها إلى أنْ تُقْطَعَ لها مملكةٌ ، فلبسَتْ درعاً ، ووضعَتْ على رأسِها مِغْفراً، وتعلَّمَتْ مِنْ رَجْزِ الأبطالِ أبياتاً، وتعوَّدَتْ إيرادَ تلكَ الأبياتِ بنغماتِهِمْ حتَّى تيسَّرَتْ عليها، وتعلَّمَتْ كيفيةَ تبخترِهِمْ في الميدانِ ، وكيفَ تحريكُهُمْ الأيديَ ، وتلقَّفَتْ جميعَ شمائِلِهِمْ في الزِّيِّ والمنطقِ والحركاتِ والسكناتِ . ثمَّ توجَّهَتْ إلى المعسكرِ ليثبتَ اسمُها في ديوانِ الشجعانِ ، فلمَّا وصلَتْ إلى المعسكرِ .. أُنفذَتْ إلى ديوانِ العرضِ، وأُمرَ بأنْ تُجرَّدَ عنِ المغفرِ والدرع ويُنظرَ ما تحتَهُ ، وتُمتحنَ بالمبارزةِ معَ بعضِ الشجعانِ ؛ ليُعرفَ قَدْرُ عنائِها في الشجاعةِ ، فلمَّا جُرِّدَتْ عنِ المِغْفَرِ والدرعِ .. فإذا هيَ عجوزةٌ ضعيفةٌ زمنةٌ ، لا تطيقُ حملَ الدرع والمِغْفَرِ . فقيلَ لها : أجئتِ للاستهزاءِ بالملكِ وللاستخفافِ بأهلِ حضرتِهِ والتلبيسِ عليهِمْ؟! خذوها فألقوها قدَّامَ الفيلِ ليثخنَها(٢) ، فألقيَتْ إلى الفيل . (١) أي: يكتب له إقطاعات في البلاد تحت شجاعته. ((إتحاف)) (٤٧٩/٨). (٢) أي: يهلكها وطئاً بأقدامه. ((إتحاف)) (٤٧٩/٨). ٦٨٨ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور وهكذا يكونُ حالُ المذَّعينَ للتصوُّفِ في القيامةِ إذا كُشِفَ عنهُمُ الغطاءُ ، وعُرضوا على القاضي الأكبرِ الذي لا ينظرُ إلى الزِّيِّ والمرقّع، بلْ إلى سرِّ القلبِ . وفرقةٌ أخرى : زادَتْ على هؤلاءِ في الغرورِ ، إذْ شقَّ عليها الاقتداءُ بهمْ في بذاذةِ الثيابِ والرضا بالدونِ ، وأرادَتْ أنْ تتظاهرَ بالتصؤُّفِ ولمْ تجدْ بُدّاً مِنَ التزيّنِ بِزِيِّهِمْ، فتركوا الخزَّ والإبريسمَ وطلبوا المرقَّعاتِ النفيسةَ والفوطَ الرفيعةَ والسجاداتِ المصبوغةَ ، ولبسوا مِنَ الثيابِ ما هوَ أرفعُ قيمةً مِنَ الخزِّ والإبريسمِ . وظنَّ أحدُهُمْ معَ ذلكَ أنَّهُ متصوِّفٌ بمجرَّدِ لونِ الثوبِ وكونِهِ مرقَّعاً ، ونسيَ أنَّهُمْ إنَّما لوَّنوا الثيابَ لئلا يطولَ عليهِمْ غسلُها كلَّ ساعةٍ ؛ لإزالةِ الوسخِ ، وإنَّما لبسوا المرقَّعاتِ إذْ كانَتْ ثيابُهُمْ مخرَّقةً ، فكانوا يرقِّعونَها ولا يلبسونَ الجديدَ ، فأمَّا تقطيعُ الفوطِ الرفيعةِ قطعةً قطعةً وخياطةُ المرقعاتِ منها .. فمنْ أينَ يشبهُ ما اعتادَهُ أولئكَ ؟! فهؤلاءِ أظهرُ حماقةً مِنْ كافَّةِ المغرورينَ ؛ فإنَّهُمْ يتنغَمونَ بنفيسِ الثيابِ ولذيذِ الأطعمةِ ، ويطلبونَ رغدَ العيشِ ، ويأكلونَ أموالَ السلاطينِ ، ولا يجتنبونَ المعاصيَ الظاهرةَ فضلاً عنِ الباطنةِ ، وهمْ معَ ذلكَ يظنُّونَ بأنفسِهِمُ الخيرَ ، وشُّ هؤلاءِ ممّا يتعدَّى إلى الخلقِ ، إذْ يهلكُ مَنْ يقتدي بِهِمْ، ومَنْ لا يقتدي بهِمْ تفسدُ عقيدتُهُ في أهلِ التصوُّفِ كافَّةً ، ويظنُ أنَّ ٦٨٩ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات جميعَهُمْ كانوا مِنْ جنسِهِ ، فيطوِّلُ اللسانَ في الصادقينَ منهُمْ، وكلُّ ذلكَ مِنْ شؤم المتشبهينَ وشرِّهِمْ . وفرقةٌ أخرىُ ادَّعتْ علمَ المعرفةِ ، ومشاهدةَ الحقِّ ، ومجاوزةَ المقاماتِ والأحوالِ ، والملازمةَ في عينِ الشهودِ ، والوصولَ إلى القربِ ، ولا يعرفُ هذهِ الأمورَ إلا بالأسامي والألفاظِ ، إلاَّ أنَّهُ تلقَّفَ مِنْ ألفاظِ الطَّامَّاتِ كلماتٍ فهوَ يردِّدُها ، ويظنُّ أنَّ ذلكَ أعلى مِنْ علمِ الأوَّلِينَ والآخرينَ ، فهوَ ينظرُ إلى الفقهاءِ والمفسِّرِينَ والمحدِّثينَ وأصنافِ العلماءِ بعينِ الإزراءِ فضلاً عنِ العوامُّ، حتَّى إنَّ الفلاحَ ليتركُ فلاحتَهُ، والحائكَ يتركُ حياكتَهُ ويلازمُهُمْ أياماً معدودةً ، ويتلقَّفُ منهُمْ تلكَ الكلماتِ المزيّفةَ ، فيردِّدُها كأنَّهُ يتكلّمُ عنِ الوحىٍ ، ويخبرُ عنْ سرِّ الإسرارِ، ويستحقرُ بذلكَ جميعَ العبَّادِ والعلماءِ. ٠٥٧ فيقولُ في العِبَّادِ : إنَّهُمْ أجراءُ متعبونَ . ويقولُ في العلماءِ : إنَّهُمْ بالحديثِ عنِ اللهِ محجوبونَ . ويدَّعي لنفسِهِ أنَّهُ الواصلُ إلى الحقِّ ، وأنَّهُ مِنَ المقرَّبِينَ ، وهوَ عندَ اللهِ مِنَ الفجَّارِ المنافقينَ ، وعندَ أربابِ القلوبِ مِنَ الحمقى الجاهلينَ ، لَمْ يُحْكِمْ قطُّ عِلماً، ولمْ يهذِّبْ خُلُقاً ، ولمْ يرتِّبْ عملاً ، ولمْ يراقبْ قلباً ، سوى اتباع الهوى ، وتلقُّفِ الهذيانِ وحفظِهِ . ٦٩٠ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور وفرقةٌ أخرى وقعَتْ في الإباحةِ ، فطوَوا بساطَ الشرع ، ورفضوا الأحكامَ ، وسوَّوا بينَ الحلالِ والحرامِ . فبعضُهُمْ يزعمُ أنَّ اللهَ مستغنٍ عنْ عملي ، فِلِمَ أُتْعِبُ نفسي ؟ وبعضُهُمْ يقولُ : قدْ كُلِّفَ الناسُ تطهيرَ القلبِ عنِ الشهواتِ وعنْ حبٍّ الدنيا ، وذلكَ محالٌ ؛ فقدْ كُلِّفوا ما لا يمكنُ، وإنَّما يغترُّ بِهِ مَنْ لمْ يجرِّبْ، وأمَّا نحنُ .. فقدْ جرَّبنا وأدركنا أنَّ ذلكَ محالٌ، ولا يعلمُ الأحمقُ أنَّ الناسَ لمْ يُكلَّفوا قلعَ الشهوةِ والغضبِ مِنْ أصلِهِما ، بلْ إنَّما كُلِّفوا قلعَ ماذَّتِهِما ، بحيثُ ينقادُ كلُّ واحدٍ منهُما لحكمِ العقلِ والشرعِ . وبعضُهُمْ يقولُ : الأعمالُ بالجوارحِ لا وزنَ لها ، وإنَّما النظرُ إلى القلوبِ ، وقلوبُنا والهةٌ بحبِّ اللهِ ، وواصلةٌ إلى معرفةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وإنَّما نخوضُ في الدنيا بأبدانِنا وقلوبُنا عاكفةٌ في الحضرةِ الربوبيَّةِ ، فنحنُ معَ الشهواتِ بالظواهرِ لا بالقلوبِ . ويزعمونَ أنَّهُمْ قدْ ترقَّوا عَنْ رتبةِ العوامّ ، واستغنَوا عن تهذيبِ النفسِ بالأعمالِ البدنيّةِ ، وأنَّ الشهواتِ لا تصدُّهُمْ عنْ طريقِ اللهِ تعالى لقوتِهِمْ فيها . ويرفعونَ درجةَ أنفسِهِمْ عنْ درجةِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهِمْ ؛ إذْ كانَتْ تصلُّهُمْ عنْ طريقِ اللهِ خطيئةٌ واحدةٌ ، حتَّى كانوا ييكونَ عليها ، وينوحونَ سنينَ متواليةٌ . ٦٩١ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات وأصنافُ غرورِ أهلِ الإباحةِ مِنَ المتشبِّهينَ بالصوفيةِ لا تُحصى ، وكلُّ ذلكَ بناءً على أغاليطَ ووساوسَ خدعَهُمُ الشيطانُ بها ؛ لاشتغالِهِمْ بالمجاهدةِ قبلَ إحكامِ العلمِ ، ومِنْ غيرِ اقتداءٍ بشيخٍ متقنٍ في الدينِ والعلمِ ، صالحٍ للاقتداءِ بهِ ، وإحصاءُ أصنافِهِمْ يطولُ . وفرقةٌ أخرى جاوزَتْ حدَّ هؤلاءِ ، وأحسنَتِ الأعمالَ(١)، وطلبتِ الحلالَ ، واشتغلَتْ بتفقُّدِ القلبِ ، وصارَتْ تدَّعي المقاماتِ مِنَ الزهدِ والتوُّلِ والرضا والحبِّ مِنْ غيرِ وقوفِ على حقيقةِ هذهِ المقاماتِ ، وشروطِها وعلاماتِها وآفاتِها . فمنهُمْ مَنْ يدَّعي الوجدَ والحبَّ اللهِ تعالى ، ويزعمُ أنَّهُ والهُ باللهِ ، ولعلَّهُ قدْ تخيَّلَ في اللهِ خيالاتٍ هيَ بدعةٌ أَوْ كفرٌ ، فيدَّعي حبَّ اللهِ قبلَ معرفتِهِ ، ثمَّ إنَّهُ لا يخلو مِنْ مقارفةِ ما يكرهُ اللهُ تعالى ، وعنْ إيثارِ هوى نفسِهِ على أمرِ اللهِ، وعنْ تركِ بعضِ الأمورِ حياءً مِنَ الخلقِ ، ولوْ خلا .. لما تركَهُ حياءً مِنَ اللهِ تعالى ، وليسَ يدري أنَّ كلَّ ذلكَ يناقضُ الحبَّ . وبعضُهُمْ ربَّما يميلُ إلى القناعةِ والتوكُّلِ ، فيخوضُ البواديَ مِنْ غيرِ زادٍ ؛ ليصحِّحَ دعوى التوُّلِ، وليسَ يدري أنَّ ذلكَ بدعةٌ لمْ تُنقلْ عنِ السلفِ والصحابةِ ، وقدْ كانوا أعرفَ بالتوكُّلِ منهُ، فما فهموا أنَّ التوُّلَ (١) في (ق): (واجتنبت الأعمال) بدل (وأحسنت الأعمال ). ٦٩٢ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور المخاطرةُ بالروح وتركِ الزادِ ، بلْ كانوا يأخذونَ الزادَ وهمْ متوكِّلونَ على اللهِ تعالى لا على الزادِ ، وهذا ربَما يتركُ الزادَ وهوَ متوكِّلٌ على سببٍ مِنَ الأسبابِ واثقٌ بهِ . وما مِنْ مقامٍ مِنَ المقاماتِ المنجياتِ إلا وفيهِ غرورٌ وقدِ اغترَّ بهِ قومٌ ، وقدْ ذكرنا مداخلَ الآفاتِ في ربع المنجياتِ مِنَ الكتابِ ؛ فلا يمكنُ إعادتُها . وفرقةٌ أخرى ضيَّقَتْ على نفسِها في أمرِ القوتِ ، حتَّى طلبَتْ منهُ الحلالَ الخالصَ وأهملَتْ تفقَّدَ القلبِ والجوارحِ في غيرِ هذهِ الخصلةِ الواحدةِ . ومنهُمْ مَنْ أهملَ الحلالَ في مطعمِهِ وملبسِهِ ومسكنِهِ وأخذَ يتعمَّقُ في غيرِ ذلكَ ، وليسَ يدري المسكينُ أنَّ اللهَ تعالى لمْ يرضَ مِنْ عبدِهِ بطلبِ الحلالِ فقطْ، ولا يرضى بسائرِ الأعمالِ دونَ طلب الحلالِ ، بلْ لا يرضيهِ إلا تفقُّدُ جميع الطاعاتِ والمعاصي ، فمَنْ ظنَّ أنَّ بعضَ هذهِ الأمورِ يكفيهِ وينجيهِ .. فهوَ مغرورٌ . وفرقةٌ أخرى منهُمْ ادعوا حُسنَ الخُلقِ والتواضعَ والسماحةَ ، فتصدّوا لخدمةِ الصوفيّةِ ، فجمعوا قوماً وتكلَّفوا بخدمتِهِمْ، واتخذوا ذلكَ شبكةً للرئاسةِ وجمع المالِ ، وإنَّما غرضُهُمُ التكبِّرُ وهُمْ يظهرونَ الخدمةَ والتواضعَ ، ٦٩٣ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات وغرضُهُمُ الارتفاقُ وهمْ يظهرونَ أنَّ غرضَهُمُ الإرفاقُ ، وغرضُهُمُ الاستتباعُ وهمْ يظهرونَ أنَّ غرضَهُمُ الخدمةُ والتبعيَّةُ . ثم إنَّهُمْ يجمعونَ مِنَ الحرامِ والشبهاتِ وينفقونَ عليهِمْ لتكثرَ أتباعُهُمْ، وينتشرَ بالخدمةِ اسمُهُمْ . وبعضُهُمْ يأخذُ أموالَ السلاطينِ وينفقُ علیهِمْ . وبعضُهُمْ يأخذُها لينفقَ في طريقِ الحجِّ على الصوفيّةِ ويزعمُ أنَّ غرضَهُ البرُ والإرفاقُ ، وباعثُ جميعِهِمُ الرياءُ والسمعةُ ، وآيةُ ذلكَ إهمالُهُمْ لجميع أوامرِ اللهِ تعالى عليهِمْ ظاهراً وباطناً ، ورضاهُمْ بأخذِ الحرامِ والإنفاقِ منهُ . ومثالُ مَنْ ينفقُ الحرامَ في طريقِ الحجِّ لإرادةِ الخيرِ كمَنْ يعمُرُ مساجدَ اللهِ فيطيُِّها بالعذِرَةِ ، ويزعمُ أنَّ قصدَهُ العمارةُ ! وفرقةٌ أخرىُ منهُمُ اشتغلوا بالمجاهدةِ ، وتهذيبِ الأخلاقِ ، وتطهيرِ النفسِ مِنْ عيوبِها ، وصاروا يتعمَّقونَ فيها ، فاتخذوا البحثَ عنْ عيوبِ النفسِ ومعرفةِ خدعِها علماً وحرفةً ؛ فهمْ في جميع أحوالِهِمْ مشغولونَ بالفحصِ عنْ عيوبِ النفسِ ، وباستنباطِ دقيقِ الكلام في آفاتِها ، فيقولونَ : هذا في النفسِ عيبٌ ، والغفلةُ عنْ كونِهِ عيباً عيبٌ ، والالتفاتُ إلى كونِهِ عيباً عيبٌ ، ويشغفونَ فيهِ بكلماتٍ مسلسلةٍ تضيعُ الأوقاتُ في تلفيقِها ، ومَنْ جعلَ طولَ عمرِهِ في التفتيشِ عنِ العيوبِ وتحريرٍ علمٍ علاجِها .. كانَ كمَنِ اشتغلَ بالتفتيشِ عنْ عوائقِ الحجِّ وآفاتِهِ ولمْ يسلكْ طريقَ الحجِّ ، فذلكَ لا يغنيهِ . ـحر ٦٩٤ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور وفرقةٌ أخرىُ جاوزوا هذهِ الرتبةَ ، وابتدؤوا سلوكَ الطريقِ ، وانفتحَ لَهُمْ أبوابُ المعرفةِ ، فكلَّما تشمَّموا مِنَ مبادي المعرفةِ رائحةً .. تعجّبوا منها ، وفرحوا بها ، وأعجبتهُمْ غرائبُها ، فتقيَّدَتْ قلوبُهُمْ بالالتفاتِ إليها والتفكّرِ فيها ، وفي كيفيةِ انفتاحٍ بابِها عليهِمْ ، وانسدادِها على غيرهِمْ. وكلُّ ذلكَ غرورٌ ؛ لأنَّ عجائبَ طريقِ اللهِ ليسَ لها نهايةٌ ، فلوْ وقفَ السالكُ معَ كلِّ أعجوبةٍ وتقيَّدَ بها .. قصرَتْ خُطاهُ، وحُرِمَ الوصولَ إلى المقصدِ ، وكانَ مثالُهُ مثالَ مَنْ قصدَ ملكاً ، فرأى على بابِ میدانِهِ روضةً فيها أزهارٌ وأنوارٌ لمْ يكنْ قَدْ رأى قبلَ ذلكَ مثلَها ، فوقفَ ينظرُ إليها ويتعجّبُ حتَّى فاتَهُ الوقتُ الذي يمكنُ فيهِ لقاءُ الملكِ . وفرقةٌ أخرى جاوزوا هؤلاءِ ، ولم يلتفتوا إلى ما يفيضُ عليهِمْ مِنَ الأنوارِ في الطريقِ ، ولا إلى ما تيسّرَ لَهُمْ مِنَ العطايا الجزيلةِ ، ولمْ يعرِّجوا على الفرحِ بها والالتفاتِ إليها، جادِّينَ في السيرِ حتَّى قاربوا، فوصلوا إلى حدِّ القربةِ إلى اللهِ تعالى ، فظنُّوا أنَّهُمْ قَدْ وصلوا إلى اللهِ، فوقفوا وغلطوا ؛ فإنَّ للهِ تعالىُ سبعينَ حجاباً مِنْ نورٍ ، ولا يصلُ السالكُ إلى حجابٍ مِنْ تلكَ الحجبِ في الطريقِ إلا ويظنُّ أنَّهُ قَدْ وصلَ . وإليهِ الإشارةُ بقولِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ ؛ إذْ قالَ اللهُ تعالى إخباراً عنهُ : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أَلَّيْلُ رَءَا كَوَّكَبَّا قَالَ هَذَا رَبِ﴾، وليسَ المعنيُّ بهِ هذهِ الأجسامَ المضيئةَ ، فإنَّهُ كانَ يراها في الصِّغرِ ويعلمُ أنَّها ليسَتْ آلهةً، وهيَ كثيرةٌ وليسَتْ ٦٩٥ کتاب ذم الغرور ربع المهلكات واحدةً ، والجهَّالُ يعلمونَ أنَّ الكوكبَ ليسَ بإللهٍ . فمثلُ إبراهيمَ عليهِ السلامُ لا يغرُّهُ الكوكبُ الذي لا يغرُّ السواديَّةَ ، ولكنَّ المرادَ بهِ أنَّهُ نورٌ مِنَ الأنوارِ التي هيَ مِنْ حُجُبِ اللهِ تعالى ، وهيَ على طريقٍ السالكينَ ، ولا يُتصوَّرُ الوصولُ إلى اللهِ تعالى إلاَّ بالوصولِ إلى هذهِ الحجبِ ، وهيَ حجبٌ مِنَ النورِ، بعضُها أعظمُ مِنْ بعضٍ، وأصغرُ النَّيِّراتِ الكوكبُ ، فاستُغيرَ لهُ لفظُهُ، وأعظمُها الشمسُ ، وبينَهُما رتبةُ القمرِ . فلمْ يزلْ إبراهيمُ عليهِ السلامُ لمَّا أُريَ ملكوتَ السماواتِ حيثُ قال تعالى : وَكَذَلِكَ نُرِىّ ◌ِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ يصلُ إلى نورٍ بعدَ نورٍ ، ويُتخيّلُ إليهِ في أوَّلِ ما كانَ يلقاهُ أنَّهُ قَدْ وصلَ، ثمَّ كانَ يُكشَفُ لهُ أنَّ وراءَهُ أمراً ، فيترقّى إليهِ ويقولُ: قدْ وصلتُ ، فيُكشفُ لهُ ما وراءَهُ، حتَّى وصلَ إلى الحجابِ الأقربِ الذي لا وصولَ إلا بعدَهُ، فقالَ: هذا أكبرُ، فلمَّا ظهرَ لهُ أنَّهُ معَ عِظَمِهِ غيرُ خالِ عنِ الهُوِيِّ في حضيضِ النقصِ والانحطاطِ عنْ ذروةِ الكمالِ .. قالَ : لا أحبُّ الآفلينَ ؛ إنِّي وجَّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماواتِ والأرضَ(١) . وسالكُ هذهِ الطريقِ قدْ يغترُّ في الوقوفِ على بعضِ هذهِ الحجبِ ، وقدْ يغتُّ بالحجابِ الأَوَّلِ ، وأوَّلُ الحجبِ بينَ اللهِ وبينَ العبدِ هوَ نفسُهُ ؛ فإنَّهُ أيضاً أمرٌ ربّانيٌّ، وهوَ نورٌ مِنْ أنوارِ اللهِ تعالى ؛ أعني : سرَّ القلبِ الذي (١) مشكاة الأنوار (ص ٥٥). ٦٩٦ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور تتجلَّى فيهِ حقيقةُ الحقِّ كلِّهِ، حتَّى إِنَّهُ ليتسعُ لجملةِ العالمِ ويحيطُ بهِ ، ويتجلى فيه صورةُ الكلِّ . وعندَ ذلكَ يشرقُ نورُهُ إشراقاً عظيماً ؛ إذ يظهرُ فيهِ الوجودُ كلُّهُ على ما هوَ عليهِ ، وهوَ في أوَّلِ الأمرِ محجوبٌ بمشكاةٍ هيَ كالساترِ لهُ، فإذا تجلَّى نورُهُ، وانكشفَ جمالُ القلبِ بعدَ إشراقِ نورِ اللهِ عليهِ .. ربّما التفتَ صاحبُ القلبِ إلى القلبِ ، فيرى مِنْ جمالِهِ الفائقِ ما يدهشُهُ، فربَّما يسبقُ لسانُهُ في هذهِ الدهشةِ فيقولُ: أنا الحقُّ، فإنْ لمْ يتضحْ لهُ ما وراءَ ذلكَ .. اغترَّ بهِ ، ووقفَ عليهِ وهلكَ، وكانَ قدِ اغترَّ بكوكبٍ صغيرٍ مِنْ أنوارِ الحضرةِ الإلهيّةِ ، ولمْ يصلْ بعدُ إلى القمرِ فضلاً عنِ الشمسِ ؛ فهوَ مغروز . وهذا محلُّ الالتباسِ ؛ إذِ المتجلِّي يلتبسُ بالمتجلَّى فيهِ كما يلتبسُ لونُ ما يتراءى في المرآةِ بالمرآةِ ، فيظنُّ أنَّهُ لونُ المرآةِ ، وكما يلتبسُ ما في الزجاجِ بالزجاجِ ؛ كما قيلَ(١) : [من الكامل] رَقَّ الزّجاجُ وَرَقَّتِ الْخَمْرُ فَتَشابَها فَتَشْاكَلَ الأَمْرُ وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ فَكَأنَّمَا خَمْرٌ وَلا قَدَحٌ وبهذهِ العينِ نظرَ النصارى إلى المسيحِ عليهِ السلامُ ، فرأوا إشراقَ نورِ اللهِ قدْ تلألأَ فيهِ ، فغلطوا فيهِ ؛ كمَنْ يرى كوكباً في مرآةٍ أَوْ في ماءٍ فيظنُّ (١) البيتان للصاحب بن عباد في ((ديوانه)) (ص ١٧٦). ٦٩٧ کتاب ذم الغرور ربع المهلكات أنَّ الكوكبَ في المرآةِ أوْ في الماءِ ، فيمدُّ يدَهُ إليهِ ليأخذَهُ وهوَ مغرورٌ . وأنواعُ الغرورِ في طريقِ السلوكِ إلى اللهِ تعالى لا تُحصى في مجلداتٍ ، ولا تُستقصى إلا بعدَ شرحٍ جميع علومِ المكاشفةِ ، وذلكَ ممّا لا رخصةً فى ذكره . ولعلَّ القدرَ الذي ذكرناهُ أيضاً كانَ الأولى بنا تركَهُ ؛ إذِ السالكُ لهذا الطريقِ لا يحتاجُ إلى أنْ يسمعَهُ مِنْ غيرِهِ ، والذي لمْ يسلكْهُ لا ينتفعُ بسماعِهِ ، بلْ ربَّما يستضُّ بهِ ؛ إذْ يورثُهُ ذلكَ دهشةً مِنْ حيثُ يسمعُ ما لا يفهمُ . ولكنْ فيهِ فائدةٌ ؛ وهوَ إخراجُهُ مِنَ الغرورِ الذي هوَ فيهِ ؛ إذْ ربَّما يصدِّقُ بأنَّ الأمرَ أعظمُ ممَّا يظنُّهُ، وممَّا يتخيَّلُهُ بذهنِهِ المختصرِ وخيالِهِ القاصرِ وجدلِهِ المزخرفِ ، ويصدِّقُ أيضاً بما يُحكى مِنَ المكاشفاتِ التي أُخبرَ عنها أولياءُ اللهِ، ومِنْ عِظَم غرورِهِ ربّما أصرَّ مكذُّباً بما يسمعُهُ الآنَ كما يكذِّبُ بما سمعَهُ مِنْ قبلُ ! ٦٩٨ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور الصنف الرابع: أرباب الأموال والمغتُرُّونَ منهُمْ فرقٌ : - ففرقةٌ منهُمْ يحرصونَ على بناءِ المساجدِ والمدارسِ والرباطاتِ والقناطرِ وما يظهرُ للناسِ كافَّةً، ويكتبونَ أساميَهُمْ عليها بالآجرُ(١)؛ ليتخلَّدَ ذكرُهُمْ، ويبقىُ بعدَ الموتِ أثرُهُمُ، وهمْ يظنُّونَ أنَّهُمْ قِدِ استحقُّوا المغفرةَ بذلكَ . وقدِ اغتُّوا فیهِ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : أنَّهُمْ يبنونَها مِنْ أموالِ اكتسبوها مِنَ الظلمِ والنهبِ والرِّشا والجهاتِ المحظورةِ ، فهمْ قدْ تعرَّضوا لسخطِ اللهِ في كسبها ، وتعرَّضوا لسخطِهِ في إنفاقِها ، وكانَ الواجبُ عليهِمُ الامتناعَ عنْ كسبِها . فإذا قدْ عصَوا اللهَ بكسبها .. كانَ الواجبُ عليهِمُ التوبةَ والرجوعَ إلى اللهِ تعالى، وردّها إلى مُلاَّكِها ؛ إمَّا بأعيانِها أوْ بردِّ بدلِها عندَ العجزِ. فإنْ عجزوا عنِ المُلَّكِ .. كانَ الواجبُ ردَّها إلى الورثةِ ، فإنْ لمْ يبقَ للمظلوم وارثٌ .. فالواجبُ صرفُها إلى أهمِّ المصالحِ . (١) وتارة على الرخام حفراً، مع ذكر تاريخ عمارتها، وتارة يكتبون ما صرف عليها من الأموال. ((إتحاف)) ( ٤٨٥/٨). ٦٩٩ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات وربّما يكونُ الأهمُّ التفرقةَ على المساكينِ ، وهمْ لا يفعلونَ ذلكَ ؛ خيفةً مِنْ ألا يظهرَ ذلكَ للناسِ ، فيبنونَ الأبنيةَ بالآجرِّ وغرضُهُمْ مِنْ بنائِها الرياءُ وجلبُ الثناءِ ، وحرصُهُمْ على بقائِها لبقاءِ أسمائِهِمُ المكتوبةِ فيها ، لا لبقاءِ الخير . والوجهُ الثاني : أنَّهُمْ يظنُّونَ بأنفسِهِمُ الإخلاصَ وقصدَ الخيرِ في الإنفاقِ على الأبنيةِ ولوْ كُلِّفَ واحدٌ منهُمْ أنْ ينفقَ ديناراً ولا يُكتبَ اسمُهُ على الموضع الذي أنفقَ عليهِ .. لشقَّ ذلكَ عليهِ ولمْ تسمحْ بهِ نفسُهُ . واللّهُ مُطلعٌ عليهِ ، كتبَ اسمَهُ أوْ لمْ يكتبْ ، فلولا أنَّهُ يريدُ بهِ وجهَ الناسِ لا وجهَ اللهِ .. لما افتقرَ إلى ذلكَ . /٠٩م وفرقةٌ أخرى ربَّما اكتسبَتِ المالَ مِنَ الحلالِ ، وأنفقَتْ على المساجدِ ، وهيَ أيضاً مغرورةٌ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : الرياءُ وطلبُ الثناءِ ؛ فإنَّهُ ربَّما يكونُ في جوارِهِ أَوْ في بلدِهِ فقراءُ وصرفُ المالِ إليهِمْ أهمُّ وأفضلُ وأولىُ مِنَ الصرفِ إلى بناءِ المساجدِ وزينتِها ، وإنَّما يخفُّ عليهِمُ الصرفُ إلى المساجدِ ليَظهرَ ذلكَ بينَ الناسِ . والثاني : أنَّهُ يُصرفُ إلى زخرفةِ المسجدِ وتزيينِهِ بالنقوشِ التي هيَ منهيٌّ عنها (١) ، وشاغلةٌ قلوبَ المصلينَ ، ومختطفةٌ أبصارَهُمْ، والمقصودُ مِنَ (١) فقد روى البخاري معلقاً (كتاب الصلاة/ باب بنيان المسجد)، قبل (٤٤٦): (وأمر =! ٧٠٠