النص المفهرس

صفحات 661-680

ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
نعمْ ، إنْ ظنَّ بنفسِهِ أنَّهُ موصوفٌ بهذهِ الصفاتِ المحمودةِ يمكنُ أنْ يُدلَّ
على طريقِ الامتحانِ والتجربةِ، وذلكَ أنَّهُ إنْ كانَ يدَّعي مثلاً حبَّ اللهِ(١) ..
فما الذي تركَهُ مِنْ محابِّ الدنيا لأجلِهِ ؟ وإنْ كانَ يدَّعي الخوفَ .. فما الذي
امتنعَ منهُ بالخوفِ ، وإنْ كانَ يدَّعي الزهدَ .. فما الذي تركَهُ معَ القدرةِ عليهِ
لوجهِ اللهِ تعالى؟ وإنْ كانَ يدَّعي الأنسَ باللهِ .. فمتى طابَتْ لهُ الخلوةُ ؟
ومتى استوحشَ مِنْ مشاهدةِ الخلقِ ؟ لا بلْ يرى قلبَهُ يمتلئُ بالحلاوةِ إذا
أحدقَ بهِ المريدونَ ، وتراهُ يستوحشُ إذا خلا باللهِ تعالى ، فهلْ رأيتَ محبّاً
آنساً يستوحشُ مِنْ محبوبِهِ ، ويستروحُ منهُ إلى غيرِهِ ؟!
فالأكياسُ يمتحنونَ أنفسَهُمْ في هذهِ الصفاتِ ، ويطالبونَها بالحقيقةِ ،
ولا يقنعونَ منها بالتزويقِ ، بلْ بموثقٍ مِنَ اللهِ غليظٍ ، والمغتُّونَ يحسنونَ
بأنفسِهِمُ الظنونَ، فإذا كُشفَ الغطاءُ عنهُمْ في الآخرةِ .. يفتضحونَ ، بلْ
يُطرحونَ في النارِ فتندلقُ أقتابُهُمْ، فيدورُ بها أحدُهُمْ كما يدورُ الحمارُ
بالرحى ، كما وردَ بهِ الخبرُ(٢)؛ لأنَّهُمْ يأمرونَ بالخيرِ ولا يأتونَهُ، وينهونَ
عنِ الشرِّ ويأتونَهُ.
وإنَّما وقعَ الغرورُ لهؤلاءِ مِنْ حيثُ إِنَّهُمْ يصادفونَ في قلوبِهِمْ شيئاً ضعيفاً
مِنْ أصولِ هذهِ المعاني ، وهوَ حبُّ اللهِ ، والخوفُ منهُ ، والرضا بفعلِهِ ،
(١) كذا في (ب)، وفي بقية النسخ: ( وهو أنه يدَّعي مثلاً حب الله عز وجل ) .
(٢) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩)، والأقتاب : الأمعاء .
٦٦١

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
ثُمَّ قدروا معَ ذلكَ على وصفِ المنازلِ العاليةِ في هذهِ المعاني ، فظنُّوا أَنَّهُمْ
ما قدروا على وصفِ ذلكَ، وما رزقَهُمُ اللهُ علمَهُ ، وما نُفِعَ الناسُ بكلامِهِمْ
فيها إلا لاتصافِهِمْ بها ، وذهبَ عليهِمْ أنَّ القبولَ للكلام ، والكلامَ للمعرفةِ
وجريانِ اللسانِ ، والمعرفةَ للتعلم ، وأنَّ كلَّ ذلكَ غيرُ الاتصافِ بالصفةِ ،
فلمْ يفارقْ آحادَ المسلمينَ في الاتصافِ بصفةِ الحبِّ والخوفِ ، بلْ في
القدرةِ على الوصفِ ، بلْ ربَّما زادَ أمنُهُ وقلَّ خوفُهُ ، وظهرَ إلى الخلقِ ميلُهُ ،
وضَعُفَ في قلبِهِ حبُّ الله تعالى .
وإنَّما مثالُهُ مثالُ مريضٍ يصفُ المرضَ ، ويصفُ دواءَهُ بفصاحتِهِ ،
ويصفُ الصحةَ والشفاءَ ، وغيرُهُ مِنَ المرضى لا يقدرُ على وصفِ الصحةِ
والشفاءِ وأسبابِهِ ودرجاتِهِ وأصنافِهِ ؛ فهوَ لا يفارقُهُمْ في صفةِ المرضِ
والاتصافِ بهِ ، وإنَّما يفارقُهُمْ في الوصفِ والعلمِ بالطبِّ، فظنُّهُ عندَ علمِهِ
بحقيقةِ الصحةِ أنَّهُ صحيحٌ . . غايةُ الجهلِ ، فكذلكَ العلمُ بالخوفِ والحبِّ
والتوكلِ والزهدِ وسائرِ هذهِ الصفاتِ .. غيرُ الاتصافِ بحقائِقها ، ومَنِ
التبسَ عليهِ وصفُ الحقائقِ بالاتصافِ بالحقائقِ .. فهوَ مغرورٌ، فهذهِ حالةُ
الوعّاظِ الذينَ لا عيبَ في كلامِهِمْ، بلْ منهاجُ وعظِهِمْ منهاجُ وعظِ القرآنِ
والأخبارِ ، ووعظِ الحسنِ البصريِّ وأمثالِهِ رحمهُ اللهِ عليهِمْ.
----
وفرقةٌ أخرى منهُمْ عدلوا عنِ المنهاجِ الواجبِ في الوعظِ ، وهمْ وغَّاظُ
٦٦٢
جـ
ـحة

ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
حن
كن
أهلِ هذا الزمانِ كافةً إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ على الندورِ في بعضٍ
أطرافِ البلادِ إنْ كانَ ولسنا نعرفُهُ ، فاشتغلوا بالطامَّاتِ والشطحِ ، وتلفيقِ
كلماتٍ خارجةٍ عنْ قانونِ الشرع والعقلِ ؛ طلباً للإِغرابِ .
وطائفةٌ شُغفوا بطيّاراتِ النُّكَتِ (١) ، وتسجيع الألفاظِ وتلفيقِها، فأكثرُ
همَّتِهِمْ في الإِسجاع ، والاستشهادِ بأشعارِ الوصالِ والفراقِ ، وغرضُهُمْ أنْ
تكثرَ في مجالسِهِمْ الزعقاتُ والتواجدُ ، ولوْ على أغراضٍٍ فاسدةٍ ، فهؤلاءِ
شياطينُ الإِنسِ ضلُّوا وأضلُّوا عنْ سواء السبيلِ ، فإنَّ الأوَّلِينَ وإنْ لمْ يصلِحوا
أَنفسَهُمْ فقْد أصلحوا غيرَهُمْ، وصحَّحوا كلامَهُمْ ووعظَهُمْ، وأمَّا هؤلاءٍ ..
فإنَّهُمْ يصدونَ عنْ سبيلِ اللهِ ويجرُّونَ الخلقَ إِلى الغرورِ باللهِ بلفظِ الرجاءِ ،
فيزيدُهُمْ كلامُهُمْ جراءةً على المعاصي ، ورغبةً في الدنيا ، لا سيما إذا كانَ
الواعظُ متزيَّناً بالثيابِ والخيلِ والمراكبِ ، فإنَّهُ يشهدُ مِنْ فَرْقِهِ إلى قدمِهِ بشدّةِ
حرصِهِ على الدنيا ، فما يفسدُهُ هذا المغرورُ أكثرُ ممَّا يصلحُهُ ، بلْ لا يصلحُ
أصلاً ، ويضلُّ خلقاً كثيراً ، فلا يخفى وجهُ كونِهِ مغروراً .
قه
وفرقةٌ أخرىُ منهُمْ قنعوا بحفظِ كلامِ الزهَّادِ وأحاديثِهِمْ في ذمِّ الدنيا ، فهمْ
يحفظونَ الكلماتِ على وجهِها ، ويؤذُّونَها مِنْ غيرِ إحاطةٍ بمعانيها ،
فبعضُهُمْ يفعلُ ذلكَ على المنابرِ ، وبعضُهُمْ في المحاريبِ ، وبعضُهُمْ في
(١) وهي المسائل الدقيقة التي تتعب الخواطر في استنباطها من مكانها. ((إتحاف)) (٤٦٠/٨).
٦٦٣

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
الأسواقِ معَ الجلساءِ ، وكلٌّ منهُمْ يظنُّ أنَّهُ إذا تميَّزَ بهذا القدْرِ عنِ السوقةِ
والجنديَّةِ ؛ إذْ حفظَ كلامَ الزَّادِ وأهلِ الدينِ دونَهُمْ .. فقدْ أفلحَ ونالَ
الغرضَ، وصارَ مغفوراً لهُ ، وأمنَ مِنْ عقابِ اللهِ مِنْ غيرِ أنْ يحفظَ ظاهرَهُ
وباطنَهُ عنِ الآثام ، ولكنَّهُ يظرُّ أنَّ حفظَهُ لكلام الزهادِ أهلِ الدينِ يكفيهِ ،
وغرورُ هؤلاءِ أظهرُ مِنْ غرورِ مَنْ قبلَهُمْ .
وفرقةٌ أخرى استغرقوا أوقاتَهُمْ في علمِ الحديثِ ؛ أعني في سماعِهِ ،
وجمعِ الرواياتِ الكثيرةِ منهُ ، وطلبِ الأسانيدِ الغريبةِ العاليةِ ، فهمَّةُ أحدِهِمْ
أنْ يدورَ في البلادِ ويرى الشيوخَ ليقولَ : أنا أروي عنْ فلانٍ وفلانٍ ، ولقدْ
لقيتُ فلاناً وفلاناً ، ومعي من الأسانيدِ ما ليسَ معَ غيري .
وغرورُهُمْ مِنْ وجوهٍ :
منها : أنَّهُمْ كحملةِ أسفارٍ ؛ فإنَّهُمْ لا يصرفونَ العنايةَ إلى فهمٍ معاني
السنةِ، فعلمُهُمْ قاصرٌ ، وليسَ معَهُمْ إلا النقلُ ، ويظنُّونَ أنَّ ذلكَ يكفيهِمْ .
ومنها : أنَّهُمْ إذا لمْ يفهموا معانيَها .. لا يعملونَ بها ، وقدْ يفهمونَ
بعضَها أيضاً ولا يعملونَ بهِ .
ومنها : أنَّهُمْ يتركونَ العلمَ الذي هوَ فرضُ عِينِهِمْ - وهوَ معرفةُ معالجةٍ
القلبِ - ويشتغلونَ بتكثيرِ الأسانيدِ وطلبِ العالي منها ، ولا حاجةَ بِهِمْ إلى
شيءٍ مِنْ ذلكَ .
ـكن
ـحن
٦٦٤

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
ومنها - وهوَ الذي أكبَّ عليهِ أهلُ الزمانِ - : أنَّهُمْ أيضاً لا يقومونَ بشرط
السماع ، فإنَّ السماعَ بمجردِهِ وإنْ لمْ يكنْ لهُ فائدةٌ ، ولكنَّهُ مهمٌّ في نفسِهِ
للوصولِ إلى إثباتِ الحديثِ ؛ إذِ التفهُمُ بعدَ الإثباتِ ، والعملُ بعدَ التفهُّمِ ،
فالأوَّلُ السماعُ ، ثمَّ التفهُمُ، ثمَّ الحفظُ، ثمَّ العملُ، ثمَّ النشرُ، وهؤلاءِ
اقتصروا مِنَ الجملةِ على السماعِ ، ثمَّ تركوا حقيقةَ السماعِ ، فترى الصبيّ
يحضرُ في مجلس الشيخ والحديثُ يُقرأ ، والشيخُ ينامُ والصبيُّ يلعبُ ، ثمَّ
يُكتبُ اسمُ الصبيِّ في السماع (١)، فإذا كبِرَ .. تصدَّى ليُسمَعَ منهُ، والبالغُ
الذي يحضرُ ربَّما يغفُلُ ولا يسمعُ ، ولا يصغي ولا يضبطُ ، وربَّما يشتغلُ
بحديثٍ أوْ نسخٍ ، والشيخُ الذي يُقرأُ عليهِ لوْ صُكَّفَ وغيِّرَ ما يُقرأُ عليهِ .. لمْ
يشعرْ بهِ ولمْ يعرفْهُ(٢) ، وكلُّ ذلكَ جهلٌ وغرورٌ ؛ إذِ الأصلُ في الحديثِ أنْ
تسمعَهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فتحفظَه كما سمعتهُ ، وترويَهُ
كما حفظتَهُ ، فتكونُ الروايةُ عنِ الحفظِ ، والحفظُ عنِ السماعِ ، فإنْ عجزتَ
عنْ سماعِهِ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. سمعتَهُ مِنَ الصحابةِ أوِ
التابعينَ ، وصارَ سماعُكَ عنِ الراوي كسماعٍ مَنْ سمعَ مِنْ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهوَ أنْ تصغيَ لتسمعَ فتحفظُ وترويَ كما حفظتَ ،
وتحفظَ كما سمعتَ ؛ بحيثُ لا تغيِّرُ منهُ حرفاً ، ولوْ غيَّرَ غيرُكَ منهُ حرفاً
وأخطأَ .. علمتَ خطأَةً .
(١) أي : يكتبه المستملي أو كاتب السماع في الطباق .
(٢) إما لثقل في سمعه، أو لكثرة ازدحام، أو لأمر آخر شغله. ((إتحاف)) (٨/ ٤٦١).
٦٦٥

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
ولحفظِكَ طريقانِ :
أحدُهُما : أنْ تحفظَ بالقلبِ ، وتستديمَهُ بالذكرِ والتكرار ؛ كما تحفظُ
ما جرى على سمعِكَ في مجاري الأحوالِ .
قم
Gء.
والثاني : أنْ تكتبَ كما تسمعُ ، وتصححَ المكتوبَ وتحفظَهُ حتَّى
لا تصلَ إليهِ يدُ مَنْ يغيِّرُهُ، ويكونَ حفظُكَ للكتابِ معَكَ وفي خزانتِكَ ، فإِنَّهُ
لوِ امتدَّتْ إليهِ يدُ غيرِكَ .. ربَّما غيَّرَهُ، فإذا لمْ تحفظُهُ .. لمْ تشعُرْ بتغييرِهِ ،
فيكونُ محفوظاً بقلبكَ أوْ بكتابِكَ ، فيكونُ كتابُكَ مذكِّراً لما سمعْتَهُ ، وتأمنُ
فيهِ مِنَ التغييرِ والتحريفِ .
فإذا لمْ تحفظ لا بالقلبٍ ولا بالكتابِ وجرى على سمعِكَ صوتٌ غُفْلٌ
وفارقتَ المجلسَ ، ثمَّ رأيتَ نسخةً لذلكَ الشيخ ، وجوَّزتَ أنْ يكونَ ما فيهِ
مغيّراً ، أوْ يفارقَ حرفٌ منهُ النسخةَ التي سمعتَها .. لمْ يجزْ لكَ أنْ تقولَ :
سمعتُ هذا الكتابَ ؛ فإنَّكَ لا تدري لعلَّكَ لمْ تسمعْ ما فيهِ ، بلْ سمعتَ
شيئاً يخالفُ ما فيهِ ولوْ في كلمةٍ .
حن
فإذا لمْ يكنْ معَكَ حفظٌ بقلبكَ ولا نسخةٌ صحيحةٌ استوثقتَ عليها لتقابلَ
بها .. فمِنْ أينَ تعلمُ أنَّكَ سمعتَ ذلكَ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ﴾؟! وقولُ الشيوخ كلُّهِمْ في هذا الزمانِ : إنا سمعنا ما في
هذا الكتابِ إذا لمْ يُوجدِ الشرطُ الذي ذكرناهُ .. فهوَ كذبٌ صريحٌ .
وأقلُّ شروطِ السماع : أنْ يجريَ الجميعُ على السمع معَ نوعٍ مِنَ الحفظِ
٦٦٦

ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
يشعرُ معَهُ بالتغييرِ ، ولَوْ جازَ أنْ يُكتبَ سماعُ الصبيِّ والغافلِ والنائمِ والذي
ينسخُ .. لجازَ أنْ يُكتبَ سماعُ الصبيِّ في المهدِ وسماعُ المجنونِ، ثمَّ إذا بلغَ
الصبيُّ وأفاقَ المجنونُ .. سمعَ عليهِ ، ولا خلافَ في عدم جوازِهِ ، ولوْ جازَ
ذلكَ .. لجازَ أنْ يُكتبَ سماعُ الجنينِ في البطنِ ، فإنْ كانَ لا يُكتبُ سماعُ
ء
الصبيِّ في المهدِ لأنَّهُ لا يفهمُ ولا يحفظَ .. فالصبيُّ الذي يلعبُ والغافلُ
والمشغولُ بالنسخِ عنِ السماع ليسَ يفهمُ ولا يحفظَ ، فإنِ استجرأَ جاهلٌ
فقالَ : يُكتبُ سماعُ الصبيِّ في المهدِ .. فليُكتبْ سماعُ الجنينِ في البطنِ ،
فإِنْ فرَّقَ بينَهُما بأنَّ الجنينَ لا يسمعُ الصوتَ وهذا يسمعُ الصوتَ .. فماذا
ينفعُ هذا وهوَ إنَّما ينقلُ الحديثَ دونَ الصوتِ ؟!
فليقتصرْ إذْ صارَ شيخاً على أنْ يقولَ : سمعتُ بعدَ بلوغي أنِّي في صبايَ
حضرتُ مجلساً يُروى فيهِ حديثٌ كانَ يقرعُ سمعي صوتَهُ ، ولا أدري
ما هوَ ، ولا خلافَ في أنَّ الروايةَ كذلكَ لا تصحُّ ، وما زادَ عليهِ فهوَ كذبٌ
صريحٌ ، ولوْ جازَ إثباتُ سماع التركيِّ الذي لا يفهمُ العربيةَ ؛ لأنَّهُ سمعَ
صوتاً غُفْلاً .. لجازَ إثباتُ سماع صبيٍّ في المهدِ ، وذلكَ غايةُ الجهلِ ، ومِنْ
أينَ يُؤخذُ هذا؟ وهلْ للسماع مستندٌ إلا قولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((نضَّرَ اللهُ امرأً سمعَ مقالتي فوعاها فأذَّها كما سمعَها))(١)، وكيفَ
يؤدِّي كما سمعَ مَنْ لا يدري ما سمعَهُ ؟!
جن
جو ..
(١) رواه أبو داوود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٢٣٠).
٦٦٧

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
فهذا أفحشُ أنواع الغرورِ ، وقدْ بُليَ بهذا أهلُ الزمانِ ، ولوِ احتاطَ أهلُ
الزمانِ .. لمْ يجدوا شيوخاً إلا الذي سمعوهُ في الصِّبا على هذا الوجهِ معَ
الغفلةِ، إلا أنَّ للمحدثينَ في ذلكَ جاهاً وقبولاً ، فخافَ المساكينُ أنْ
يشترطوا ذلكَ ، فيقلَّ مَنْ يجتمعُ لذلكَ في حِلَقِهِمْ، فينقصَ جاهُهُمْ ، وتقلّ
أيضاً أحاديثُهُمْ التي قدْ سمعوها بهذا الشرطِ ، بلْ ربَّما عدموا ذلكَ
وافتضحوا ، فاصطلحوا على أنَّهُ ليسَ يُشترطُ إلا أنْ يقرعَ سمعَهُ دمدمةٌ وإنْ
كانَ لا يدري ما يجري .
وصحةُ السماع لا تُعْرفُ مِنْ قولِ المحدثينَ ؛ لأنَّهُ ليسَ مِنْ علمِهِمْ ، بلْ
مِنْ علمٍ علماءِ أصولِ الفقهِ ، وما ذكرناهُ مقطوعٌ بهِ في قوانينِ أصولِ
الفقهِ(١) .
فههذا غرورُ هؤلاءِ، ولَوْ سمعوا على الشرِط .. لكانوا أيضاً مغرورينَ في
اقتصارِهِمْ على النقلِ ، وفي إفناءِ أعمارِهِمْ في جمع الرواياتِ والأسانيدِ ،
وإعراضِهِمْ عنْ مهمَّاتِ الدينِ ، ومعرفةِ معاني الأخبارِ ، بلِ الذي يقصِدُ مِنَ
الحديثِ سلوكَ طريقِ الآخرةِ ربَّما يكفيهِ الحديثُ الواحدُ عمراً ؛ كما رُويَ
عنْ بعضٍ الشيوخ أنَّهُ حضرَ مجلسَ السماع ، فكانَ أوَّلَ حديثٍ رُويَ قولُهُ
عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مِنْ حُسنِ إسلام المرءِ تركُهُ ما لا يعنيهِ))(٢) ، فقامَ
كن
حن
حن
ـئة
ون
(١) إلا أن المحدثين شاركوهم في الكلام على هذه المسألة استطراداً؛ لشدة احتياجهم إلى
معرفتها. ((إتحاف)) ( ٤٦٥/٨).
٩٠
(٢) رواه الترمذي ( ٢٣١٧)، وابن ماجه ( ٣٩٧٦).
٦٦٨

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
وقالَ : يكفيني هذا حتَّى أَفرِغَ منهُ، ثمَّ أسمعُ غيرَهُ(١).
فهكذا يكونُ سماعُ الأكياسِ الذينَ يحذَرونَ الغرورَ .
وفرقةٌ أخرىُ اشتغلوا بعلمِ النحوِ واللغةِ ، والشعرِ وغريبِ اللغةِ ،
واغترُوا بهِ ، وزعموا أنَّهُمْ قَدْ غُفرَ لهُمْ، وأنَّهُمْ مِنْ علماءِ الأمَّةِ ؛ إذْ
قوامُ الدينِ بالكتابِ والسنةِ ، وقوامُ الكتابِ والسنةِ بعلمِ اللغةِ والنحوِ ،
فأفنى هؤلاءِ أعمارَهُمْ في دقائقِ النحوِ ، وفي صناعةِ الشعرِ ، وفي غرائبٍ
اللغةِ .
عبـ
حن جرة
حر
ومثالُهُمْ كمَنْ يفني جميعَ العمرِ في تعلُّمِ الخطِّ وتصحيحِ الحروفِ
وتحسينها، ويزعمُ أنَّ العلومَ لا يمكنُ حفظُها إلا بالكتابةِ ، فلا بدَّ مِنْ
تعلُّمِها وتصحيحِها ، ولوْ عقلَ .. لعلمَ أنَّهُ يكفيهِ أنْ يتعلَّمَ أصلَ الخطِّ ؛
بحيثُ يمكنُ أنْ يُقرأ كيفما كانَ ، والباقي زيادةٌ على الكفايةِ ، وكذلكَ
الأديبُ لوْ عقلَ .. لعرفَ أنَّ لغةَ العربِ كلغةِ التركِ ، والمضيِّعُ عمرَهُ في لغةٍ
العربِ كالمضيِّع عمرَهُ في لغةِ التركِ والهندِ ، وإنَّما فارقَتْها لغةُ العربِ لأجلِ
ورودِ الشريعةِ بها ، فيكفي مِنَ اللغةِ علمُ الغريبينِ في الأحاديثِ والكتابِ ،
ومِنَ النحوِ ما يتعلَّقُ بالحديثِ والكتابِ ، فأمَّا التعمُّقُ فيهِ إلى درجاتٍ
(١) وهو شيخ شيخ المصنف ، أبو القاسم الكركاني رحمه الله تعالى، وسيأتي ذكره ،
وخبره رواه ابن الصلاح في ((طبقات الشافعية)) (٣٩٩/١).
٦٦٩
حن
جر

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
لا تتناهى .. فهوَ فضولٌ مستغنى عنهُ، ثمَّ لوٍ اقتصرَ عليهِ وأَعرضَ عنْ معرفةِ
المعاني الشرعية والعملِ بها .. فهذا أيضاً مغرورٌ .
بلْ مثالُهُ مثالُ مَنْ ضيّعَ عمرَهُ في تصحيحِ مخارج الحروفِ في القرآنِ
واقتصرَ عليهِ ، وهوَ غرورٌ ؛ إذِ المقصودُ مِنَ الحروفِ المعاني ، وإنَّما
الحروفُ ظروفٌ وأدواتٌ ، ومَنِ احتاجَ إلى أنْ يشربَ السكنجبينَ لیزولَ ما بهِ
مِن الصفراءِ ، فضيَّعَ أوقاتَهُ في تحسينِ القدحِ الذي يشربُ فيهِ السكنجبينَ ..
فهوَ مِنَ الجهَّالِ المغرورينَ ؛ فكذلكَ غرورُ أهلِ النحوِ واللغةِ والأدبِ
والقراءاتِ والتدقيقِ في مخارج الحروفِ مهما تعمَّقوا فيها ، وتجرّدوا لها
وعرَّجوا عليها أكثرَ ممَّا يُحتاجُ إليهِ في تعلُّمِ العلومِ التي هيَ فرضُ عينٍ ،
فاللُّبُّ الأقصىُ هوَ العملُ ، والذي فوقَهُ هوَ معرفةُ العملِ ، وهوَ كالقشرِ
للعملِ ، وكاللُّبِّ بالإضافةِ إلى ما فوقَهُ، وما فوقَهُ هوَ سماعُ الألفاظِ
وحفظها بطريقِ الروايةِ ، وهوَ قشرٌ بالإضافةِ إلى المعرفةِ ، ولبٌّ بالإضافةِ
إلى ما فوقَهُ، وما فوقَهُ هوَ العلمُ باللغةِ والنحوِ ، وفوقَ ذلكَ وهوَ القشرُ
الأعلى العلمُ بمخارج الحروفِ ، والقانعونَ بهذهِ الدرجاتِ كلُّهُمْ مغْتُونَ ،
إلا مَنِ اتخذَ هذهِ الدرجاتِ منازلَ ، فلمْ يعرِّجْ عليها إلا بقدْرِ حاجتِهِ ،
فتجاوزَ إلى ما وراءَهُ حتَّى وصلَ إلى لبابِ العملِ ، وطالبَ بحقيقةِ العملِ
قلبَهُ وجوارحَهُ ، وزجَّى عمرَهُ في حملِ النفسِ عليهِ ، وتصحيحِ الأعمالِ
وتصفيتها عنِ الشوائبِ والآفاتِ ، فهذا هوَ المقصودُ المخدومُ مِنْ جملةِ
علومِ الشرع، وسائرُ العلوم خدمٌ لهُ ووسائلُ إليه وقشورٌ لهُ ومنازلُ بالإضافةِ
حن
حن:
٦٧٠

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
إليهِ ، وكلُّ مَنْ لمْ يبلغ المقصدَ .. فقدْ خابَ ، سواءٌ كانَ في المنزلِ القريبِ
أوْ في المنزلِ البعيدِ .
كن
وهذهِ العلومُ لمَّا كانَتْ متعلّقةً بعلوم الشرع .. اغترَّ بها أربابها، فأمَّا
علمُ الطبِّ والحسابِ والصناعاتِ وما يُعلمُ أنَّهُ ليسَ مِنْ علومِ الشرع .. فلا
يعتقدُ أصحابُها أنَّهُمْ ينالونَ المغفرةَ بها مِنْ حيثُ إنَّها علومٌ ؛ فكانَ الغرورُ بها
أقلَّ مِنَ الغرورِ بعلومِ الشرع ؛ لأنَّ العلومَ الشرعيَّةَ مشتركةٌ في أنَّها
محمودةٌ ؛ كما يشاركُ القشرُ اللُّبَّ في كونِهِ محموداً ، ولكنَّ المحمودَ منهُ
لعينِهِ هوَ المنتهى ، والثاني محمودٌ للوصولِ بهِ إلى المقصودِ الأقصى ، فمَنِ
اتخذَ القشرَ مقصوداً وعرَّجَ عليهِ . . فقدِ اغترَّ بهِ .
مـ
ہے
%
وفرقةٌ أخرىْ عَظُمَ غرورُهُمْ في فنِّ الفقهِ، فظنُّوا أنَّ حكمَ العبدِ بينَهُ
وبينَ اللهِ تعالى يتبعُ حكمَهُ في مجلسِ القضاءِ ، فوضعوا الحيلَ في دفع
الحقوقِ ، وأساؤوا تأويلَ الألفاظِ المبهمةِ ، واغترُّوا بالظواهرِ وأخطؤوا
فيها ، وهذا مِنْ قبيلِ الخطأِ في الفتوى والغرورِ فيهِ ، والخطأ في الفتاوى
ممَّا يكثرُ ، ولكنْ هذا نوعٌ عمَّ الكافةَ إلا الأكياسَ منهُمْ ، فنشيرُ إلى أمثلةٍ
لهُ :
فمِنْ ذلكَ : فتواهُمْ بأنَّ المرأةَ مهما أبرأَتِ الزوجَ مِنَ الصداقِ .. برىءَ
الزوجُ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالىُ ، وذلكَ خطأٌ، بلِ الزوجُ قدْ يسيءُ إلى الزوجةِ
٦٧١
حر

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
بحيثُ يضيّقُ عليها الأمورَ بسوءِ الخُلُقِ ، فتُضطُّ إلى طلبِ الخلاصِ ،
فتبرىءُ الزوجَ لتتخلَّصَ منهُ، فهوَ إبراءٌ لا عنْ طيبةِ نفسٍ ، وقدْ قالَ تعالى :
﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَيْئًا فَرِّنًا﴾ وطيبةُ النفسِ غيرُ طيبةِ القلبِ ،
فالقلبُ قدْ يريدُ ما لا تطيبُ بهِ النفسُ ؛ فالإنسانُ يريدُ الحجامةَ بقلبهِ ، ولكنْ
تكرهُها نفسُهُ ، وإنَّما طيبةُ النفسِ أنْ تسمحَ نفسُها بالإبراءِ لا عنْ ضرورةٍ
تقابلُهُ ، حتَّى إذا رُدِّدَتْ بِينَ ضررينٍ .. اختارَتْ أهونَهُما ، فهذهِ مصادرةٌ
على التحقيقِ بإكراهِ الباطنِ .
نعم ، القاضي في الدنيا لا يطلعُ على القلوبِ والأغراضِ ، فينظرُ إلى
الإبراءِ الظاهرِ ، وأنَّها لمْ تَكرَهْ بسببٍ ظاهرٍ ، والإِكراهُ الباطنُ ليسَ يطَّلعُ
الخلقُ عليهِ ، ولكنْ مهما تصدَّى القاضي الأكبرُ في صعيدِ القيامةِ للقضاءِ ..
لمْ يكنْ هذا محسوباً ولا مفيداً في تحصيلِ الإبراءِ .
حر
ـتن
٤٠
3
وكذلكَ : لا يحلُّ أنْ يُؤخذَ مالُ الإنسانِ إلا بطيبةِ نفسٍ منهُ ، فلوْ طلبَ
مِنْ إنسانٍ مالاً على ملأٍ مِنَ الناسِ ، فاستحيا مِنَ الناسِ ألاَّ يعطيَهُ ، وكانَ يوذٌ
أنْ يكونَ سؤالُهُ في خلوةٍ حتَّى لا يعطيَهُ ، ولكنْ خافَ ألمَ مذمَّةِ الناسِ ،
وخافَ ألمَ تسليمِ المالِ ، وردّدَ نفسَهُ بينَهُما ، فاختارَ أهونَ الألمينِ وهوَ ألمُ
التسليمٍ فسلَّمَهُ . . فلا فرقَ بينَ هذا وبينَ المصادرةِ ؛ إذْ معنى المصادرةِ
إيلامُ البدنِ بالسوطِ ، حتَّى يصيرَ ذلكَ أقوىُ مِنْ ألمِ القلبِ ببذلِ المالِ ،
فيختارُ أهونَ الألمينِ ، والسؤالُ في مَظِنَّةِ الحياءِ والرياءِ ضربٌ للقلبِ
بالسوطِ ، ولا فرقَ بينَ ضربِ الباطنِ وضربِ الظاهرِ عندَ اللهِ ، فإنَّ الباطنَ
٦٧٢

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
عندَ اللهِ ظاهرٌ ، وإنَّما حاكمُ الدنيا هوَ الذي يحكمُ بالملكِ بظاهرِ قولِهِ :
وهبتُ ؛ لأنَّهُ لا يمكنُهُ الوقوفُ على ما في القلبِ .
وكذلكَ: مَنْ يُعطى اتقاءً لشرِّ لسانِهِ ، أَوْ لشرِّ سعايتِهِ؛ فهوَ حرامٌ عليهِ .
وكذلكَ كلُّ مالٍ يُؤخَذُ على هذا الوجهِ فهوَ حرامٌ ، ألا ترى إلى ما جاءَ
في قصةٍ داوودَ عليهِ السلامُ حيثُ قالَ بعدَ أنْ غُفِرَ لهُ : يا ربِّ ؛ كيف لي
بخصمي فأُمِرَ بالاستحلالِ منهُ وكانَ خصمُهُ ميتاً ، فَأَمِرَ بندائِهِ في صخرةٍ بیتِ
المقدسِ ، فنادى يا أوريا ؛ فأجابَهُ : لبيكَ يا نبيَّ اللهِ ، أخرجتَي مِنَ الجنةِ
فماذا تريدُ ؟ قالَ : إِنِّي أسأتُ إليكَ في أمرٍ فهبْهُ لي ، قالَ : قدْ فعلتُ ذلكَ
يا نبيَّ اللهِ ، فانصرفَ وقدْ ركنَ إلى ذلكَ، فقالَ لهُ جبريلُ عليهِ السلامُ : هلْ
ذكرتَ لهُ ما فعلتَ : قالَ : لا ، قالَ: فارجعْ إليهِ فبيِّنْ لهُ ، فرجعَ فناداهُ ،
فقالَ لهُ : لبيكَ يا نبيَّ اللهِ ، فقالَ : إِنِّي أذنبتُ إليكَ ذنباً ، فقالَ: ألمْ أهبْهُ
لكَ ؟ قالَ أوَلا تسألُني ما ذلكَ الذنبُ ؟ قالَ: ما هوَ يا نبيَّ اللهِ ؟ قالَ : كذا
وكذا ، وذكرَ شأنَ المرأةِ ، فانقطعَ الجوابُ ، فقالَ: يا أوريا ؛ ألا
تجيبُي ؟ قالَ: يا نبيَّ اللهِ؛ ما هكذا يفعلُ الأنبياءُ، حتَّى أقفَ معَكَ بينَ
يدي اللهِ تعالى، فاستقبلَ داوودُ البكاءَ والصراخَ مِنَ الرأسِ حتَّى وعدَهُ اللهُ أنْ
يستوهبَهُ منهُ في القيامةِ (١).
ـحـ
(١) الخبر بنحوه رواه الطبري في ((تفسيره)) (١٧٩/٢٣/١٢)، وفيه: فأوحى الله إليه :
إذا كان ذلك .. دعوت أهريا ، فأستوهبك منه ، فيهبك لي ، فأثيبه بذلك الجنة .
٦٧٣

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
فهذا ينبِّهُكَ أنَّ الهبةَ مِنْ غيرِ طيبةِ قلبٍ لا تفيدُ ، وأنَّ طيبةَ القلبِ
لا تحصلُ إلا بالمعرفةِ ، فكذلكَ طيبةُ القلبِ لا تكونُ في الإبراءِ والهبةِ
وغيرِهِ ، إلا إذا خُلِّيَ الإِنسانُ واختيارَهُ حتَّى تنبعثَ الدواعي مِنْ ذاتِ نفسِهِ ،
لا أنْ تُضطرّ دواعيهِ إلى الحركةِ بالحيلِ والإلزامِ .
ومِنْ ذلكَ : هبةُ الرجلِ مالَ الزكاةِ في آخرِ الحولِ مِنْ زوجتِهِ واتَّهَابُهُ
مالَها ؛ لإسقاطِ الزكاةِ ، فالفقيهُ يقولُ : سقطَتِ الزكاةُ ، فإنْ أرادَ بهِ أنَّ
مطالبةَ السلطانِ والساعي قدْ سقطَتْ عنهُ .. فقدْ صدقَ ، فإن مطمحَ نظرِهِمْ
إلى ظاهرِ المُلْكِ وقدْ زالَ ، وإنْ ظنَّ أنَّهُ يسلمُ في القيامةِ ويكونُ كمَنْ لمْ
يملكِ المالَ ، أَوْ كمَنْ باعَ لحاجتِهِ إلى البيع لا على هذا القصدِ .. فما أعظمَ
جهلَهُ بفقهِ الدينِ وسرِّ الزكاةِ ، فإنَّ سرَّ الزكاةِ تطهيرُ القلبِ عنْ رذيلةِ البخلِ ،
فإنَّ البخلَ مهلكٌ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ثلاثٌ مهلكاتٌ شخٌّ مُطاعٌ ،
وهوىّ متَبعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِهِ))(١)، وإنَّما صارَ شحُهُ مُطاعاً بما
فعلَهُ ، وقبْلَهُ لمْ يكنْ مُطاعاً ، فقدْ تمَّ هلاكُهُ بما يظنُّ أنَّ فيهِ خلاصَهُ ، فإنَّ اللهَ
مطلعٌ على قلبِهِ وحبِّهِ للمالِ وحرصِهِ عليهِ ، وأنَّهُ قَدْ بلغَ مِنْ حرصِهِ على
المالِ أنِ استنبطَ الحيلَ حتَّى يسدَّ على نفسِهِ طريقَ الخلاصِ مِنَ البخلِ
بالجهلِ والغرورِ .
حن
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٤٤٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٣/٢)،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ٧٣١).
٦٧٤

ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
جن
ومِنْ ذلكَ : إباحةُ اللهِ مالَ المصالح للفقيهِ وغيرِهِ بقدْرِ الحاجةِ ،
والفقهاءُ المغرورونَ لا يميِّزُونَ بينَ الأمانيِّ والفضولِ والشهواتِ وبينَ
الحاجاتِ ، بلْ كلُّ ما لا تتمُّ رعونتُهُمْ إلا بهِ يرونَهُ حاجةً ، وهوَ محضُ
الغرورِ ، بلِ الدنيا خُلقَتْ لحاجةِ العبادِ إليها في العبادةِ ، وسلوكِ طريقِ اللهِ
تعالى ، فكلُّ ما تناولَهُ العبدُ للاستعانةِ بهِ على الدينِ والعبادةِ فهوَ حاجتُهُ ،
وما عدا ذلكَ فهوَ فضولُهُ وشهوتُهُ ، ولوْ ذهبنا نَصِفُ غرورَ الفقهاءِ في أمثالِ
هذا .. لملأنا فيهِ مجلداتٍ ، والغرضُ التنبيهُ على أمثلةٍ تعرِّفُ الأجناسَ
دونَ الاستيعابِ ؛ فإِنَّ ذلكَ يطولُ .
٦٧٥

كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
الصنف الثاني: أرباب العبادة والحمل
والمغرورونَ منهمْ فرقٌ كثيرةٌ : فمنهُمْ مَنْ غرورُهُ في الصلاةِ ، ومنهُمْ مَنْ
غرورُهُ في تلاوةِ القرآنِ ، ومنهُمْ في الحجِّ ، ومنهُمْ في الغزوِ ، ومنهُمْ في
الزهدِ .
وكذلكَ كلُّ مشغولٍ بمنهجٍ مِنْ مناهجِ العملِ فليسَ خالياً عنْ غرورٍ إلا
الأكياسَ وقليلٌ ما همْ .
فمنهُمْ فرقةٌ أهملوا الفرائضَ ، واشتغلوا بالفضائلِ والنوافلِ ، وربَّما
تعمَّقوا في الفضائلِ ، حتَّى خرجوا إلى العدوانِ والسرفِ ؛ كالذي تغلِبُ عليهِ
الوسوسةُ في الوضوءِ ، فيبالغُ فيهِ ، ولا يرتضي الماءَ المحكومَ بطهارتِهِ في
فتوى الشرع ، ويقدِّرُ الاحتمالاتِ البعيدةَ قريبةً في النجاسةِ ، وإذا آلَ الأمرُ إلى
أكلِ الحلالِ .. قدَّرَ الاحتمالاتِ القريبةَ بعيدةً ، وربَّما أكل الحرامَ المحضَ ،
ولوٍ انقلبَ هذا الاحتياطُ مِنَ الماءِ إلى الطعام ... لكانَ أشبه بسيرةِ الصحابةِ ؛
إِذْ توضَّأَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ بماءٍ في جرَّةِ نصرانيةٍ معَ ظهورِ احتمالِ النجاسةِ(١)،
وكان مَعَ هذا يدعُ أبواباً مِنَ الحلالِ خوفاً مِنَ الوقوع في الحرامِ .
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٢/١)، وعلقه البخاري قبل الحديث (١٩٣)
إذ قال : ( باب وضوء الرجل مع امرأته وفضلٍ وضوء المرأة ، وتوضأ عمر بالحميم من
بيت نصرانية ) .
٦٧٦

ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
۔
ثمَّ في هؤلاءِ مَنْ يخرجُ إلى الإِسرافِ في صبِّ الماءِ ، وذلكَ منهيٌّ عنهُ ،
وقدْ يطولُ الأمرُ حتَّى يضيِّعَ الصلاةَ ويخرجَها عنْ وقتِها ، وإنْ لمْ يخرجُها
أيضاً عنْ وقتِها .. فهوَ مغرورٌ؛ لما فاتَهُ مِنْ فضيلةِ أوَّلِ الوقتِ ، وإنْ لمْ
يفتْهُ .. فهوَ مغرورٌ لإِسرافِهِ في الماءِ ، وإنْ لمْ يسرفْ .. فهوَ مغرورٌ لتضييعِهِ
العمرَ الذي هوَ أعزُّ الأشياءِ فيما لهُ مندوحةٌ عنهُ ، إلا أنَّ الشيطانَ يصدُّ الخلقَ
عنِ اللهِ تعالى بطرقٍ شتَّىُ، ولا يقدرُ على صدِّ العبَّادِ إلا بما يخيِّلُ إليهِمْ أنَّهُ
عبادةٌ ، فيبعدُهُمْ عنِ اللهِ بمثلِ ذلكَ .
وفرقةٌ أخرى غلبَتْ عليها الوسوسةُ في نيّةِ الصلاةِ ، فلا يدعُهُ الشيطانُ
حتَّى يعتقدَ نِيَّةً صحيحةً ، بلْ يشوِّشُ عليهِ حتَّى تفوتَهُ الجماعةُ وتخرجَ الصلاةُ
عنِ الوقتِ ، وإنْ تمَّ تكبيرُهُ فيكونُ في قلبهِ بعدُ تردُّدٌ في صحةِ نِيَّتِهِ ، وقدْ
يوسوسونَ في التكبيرِ حتَّى يغيِّرُوا صيغةَ التكبيرِ لشدةِ الاحتياطِ فيهِ ، يفعلونَ
ذلكَ في أوَّلِ الصلاةِ ، ثمَّ يغفُلونَ في جميع الصلاةِ ، ولا يحضرونَ قلوبَهُمْ
ويغتُونَ بذلكَ، ويظنُّونَ أنَّهُمْ إذا أتعبوا أنفسَهُمْ في تصحيح النية في أوَّلِ
الصلاةِ ، وتميَّزوا عنِ العامَّةِ بهذا الجهدِ والاحتياطِ .. فهُمْ على خيرٍ عندَ
ربِّهِمْ !
جو.
نجم
وفرقةٌ أخرى تغلبُ عليها الوسوسةُ في إخراج حروفِ الفاتحةِ وسائرٍ
٦٧٧

كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
الأذكارِ مِنْ مخارجِها ، فلا يزالُ أحدُهُمْ يحتاطُ في التشديداتِ ، والفرقِ بينَ
الضادِ والظاءِ ، وتصحيحِ مخارجِ الحروفِ في جميعٍ صلاتِهِ ، لا يهمُّهُ
غيرُهُ ، ولا يتفكَّرُ فيما سواهُ ، ذاهلاً عنْ معنى القرآنِ والاتعاظِ بهِ ، وصرفِ
الفهمِ إلى أسرارِهِ .
وهذا مِنْ أقبحِ أنواعِ الغرورِ؛ فإِنَّهُ لمْ يُكلَّفِ الخلقُ في تلاوةِ القرآنِ مِنْ
تحقيقِ مخارج الحروفِ إلا بما جرتْ بهِ عادتُهُمْ في الكلامِ .
ومثالُ هؤلاءِ مثالُ مَنْ حملَ رسالةً إلى مجلسٍ سلطانٍ ، وأمرَ أنْ يؤدِّيَها
على وجهِها ، فأخذَ يؤدي الرسالةَ ويتأنَّقُ في مخارج الحروفِ ، ويكرِّرُها
ويعيدُها مرّةً بعدَ أخرى ، وهوَ في ذلكَ غافلٌ عنْ مقصودِ الرسالةِ ، ومراعاةٍ
حرمةِ المجلسِ ، فما أحراهُ بأنْ تُقَامَ عليهِ السياسةُ، ويُردَّ إلى دارِ
المجانينِ ، ويُحكمَ عليهِ بفقدِ العقلِ .
وفرقةٌ أخرى اغترُّوا بقراءةِ القرآنِ ، فيهذُّونَهُ هذّاً ، وربَّما يختمونَهُ في
اليوم والليلةِ مرّةً ، وربَّما يزيدُ أحدُهُمْ على ذلكَ ، ولسانُ أحدِهِمْ يجري
بهِ ، وقلبُهُ يتردّدُ في أوديةِ الأمانيِّ؛ إذْ لا يتفكّرُ في معاني القرآنِ لينزجرَ
بزواجرِهِ ، ويتعظَ بمواعظِهِ ، ويقفَ عندَ أوامرِهِ ونواهيهِ ، ويعتبرَ بمواضع
الاعتبارِ فيهِ ، إلى غيرِ ذلكَ ممَّا ذكرناهُ في كتابِ آدابِ تلاوةِ القرآنِ مِنْ
مقاصدِ التلاوةِ ، فهوَ مغرورٌ يظنُّ أنَّ المقصودَ مِنْ إنزالِ القرآنِ الهمهمةُ بهِ معَ
الغفلةِ عنهُ .
٦٧٨

ربع المهلكات
حر
کتاب ذم الغرور
ومثالُهُ مثالُ عبدٍ كتبَ إليهِ مولاهُ ومالكُهُ كتاباً ، وأشارَ عليهِ فيهِ بالأوامرِ
والنواهي ، فلمْ يصرِفْ عنايتَهُ إلى فهمِهِ والعملِ بهِ ، ولكنِ اقتصرّ على
حفظِهِ ، فهوَ مستمرٌّ على خلافِ ما أمرَهُ بهِ مولاهُ، إلا أنَّهُ مكرِّرٌ للكتابِ
بنغمتِهِ وصوتِهِ كلَّ يومٍ مئةَ مرَّةٍ ، فهوَ مستحقٌّ للعقوبةِ ، ومهما ظنَّ أنَّ ذلكَ
هوَ المرادُ منهُ .. فهوَ مغرورٌ .
نعمْ، تلاوتُهُ إِنَّمَا تُرادُ لكيلا يُنسى، بلْ لحفظِهِ ، وحفظُهُ يُرادُ لمعناهُ ،
ومعناه يُرادُ للعملِ بهِ والانتفاع بمعانيهِ ، وقدْ يكونُ لهُ صوتٌ طيِّبٌ ، فهوَ
يقرؤُهُ ويلتذُّ بهِ ، ويغترُ باستلذاذِهِ ، ويظنُّ أنَّ ذلكَ لذَّهُ مناجاةِ اللهِ تعالى
وسماعٍ كلامِهِ ، وإنَّما هيَ لذَّتُهُ بحُسْنِ صوتِهِ ونغمَتِهِ ، ولوْ ردَّدَ ألحانَهُ بشعرٍ
أوْ كلامٍ آخرَ .. لالتذَّ بهِ ذلكَ الالتذاذَ، فهوَ مغرورٌ إذا لمْ يتفقَّدْ قلبَهُ ليعرفَ
أنَّ لذَّتَهُ بكلام اللهِ تعالىُ مِنْ حيثُ حسنُ نظمِهِ ومعانيهِ أُوْ بصوتِهِ .
وفرقةٌ أخرىُ منهُمُ اغترُّوا بالصومِ ، وربَّما صاموا الدهرَ ، أَوْ صاموا
الأيامَ الشريفةَ ، وهمْ فيها لا يحفظونَ ألسنتَهُمْ عنِ الغيبةِ ، وخواطرَهُمْ عنِ
الرياءِ ، وبطونَهُمْ عنِ الحرامِ عندَ الإفطارِ ، وألسنتَهُمْ عن الهذيانِ بأنواع
الفضولِ طولَ النهارِ ، وهوَ معَ ذلكَ يظنُّ بنفسِهِ الخيرَ ، فيهملُ الفرائضَ
ويطلبُ النفلَ ، ثمَّ لا يقومُ بحقِّهِ ، وذلكَ غايةُ الغرورِ .
٦٧٩

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
وفرقةٌ أخرى اغتروا بالحجِّ ، فيخرجونَ إلى الحجِّ مِنْ غيرِ خروجٍ عنِ
المظالمِ ، وقضاءِ الديونِ ، واسترضاءِ الوالدينِ ، وطلبِ الزادِ الحلالِ ،
وقدْ يفعلونَ ذلكَ بعدَ سقوطٍ حجَّةِ الإسلامِ ، ويضيِّعونَ في الطريقِ الصلاةَ
والفرائضَ ، ويعجزونَ عنْ طهارةِ الثوبِ والبدنِ ، ويتعرَّضونَ لمكسِ الظلمةِ
حتَّى يُؤْخِذَ منهُمْ(١) ، ولا يحذرونَ في الطريق مِنَ الرفثِ والخصامِ ، وربَّما
جمعَ بعضُهُمُ الحرامَ وأنفقَهُ على الرفقاءِ في الطريقِ ، وهوَ يطلبُ بهِ السمعةَ
والرياءَ ، فيعصي اللهَ تعالى في كسبِ الحرام أوَّلاً ، وفي إنفاقِهِ بالرياءِ ثانياً ،
فلا هوَ أخذَهُ مِنْ حِلِّهِ ، ولا هوَ وضعَهُ في حقِّهِ ، ثمَّ يحضرُ البيتَ بقلبٍ
ملوَّثٍ برذائلِ الأخلاقِ وذميمِ الصفاتِ ، لمْ يقدِّمْ تطهيرَهُ على حضورِهِ ،
وهوَ معَ ذلكَ يظنُّ أَنَّهُ على خيرٍ مِنْ ربِّهِ ، فهوَ مغرورٌ .
وفرقةٌ أخرى أخذَتْ في طريقِ الحسْبةِ والأمرِ بالمعروفِ والنهي عنٍ
المنكرِ، ينكرُ على الناسِ ويأمرُهُمْ بالخيرِ وينسىُ نفسَهُ ، فإذا أمرَهُمْ
بالخيرِ .. عَنَّفَ، وطلبَ الرئاسةَ والعزَّةَ، وإِذا باشرَ مُنكراً فرُدَّ عليهِ ..
غضبَ وقالَ : أنا المحتسبُ ، فكيف يُنكرُّ عليَّ؟! وقدْ يجمعُ الناسَ إلى
مسجدِهِ، ومَنْ تأخّرَ عنهُ .. أغلظَ القولَ عليهِ، وإِنَّما غرضُهُ الرياءُ
(١) ولا يرجعون عن الطريق، والمراد بالظلمة أمراء البلاد الذين يمرون عليهم ، وفي
معناهم الأعراب الصادُّون عن الطريق إلا بدفع شيء من المال على كل إنسان ، فحكمه
حكم المكس. («إتحاف)) ( ٨/ ٤٧٥) .
٦٨٠