النص المفهرس
صفحات 621-640
ربع المهلكات
الآخرةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِىَ أَنَفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ
ج
كتاب ذم الغرور
جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبْسَ الْمَصِيرُ﴾، ومرَّةً ينظرونَ إلى المؤمنينَ وهمْ فقراءُ شعثٌ
غبرٌ ؛ فيزدرونَ بِهِمْ ويستحقرونَهُمْ فيقولونَ: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ
بَيْنِنَا﴾، ويقولونَ: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرَاً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾.
وترتيبُ القياسِ الذي نظمَهُ الشيطانُ في قلوبِهِمْ أَنَّهُمْ يقولونَ : قَدْ
أحسنَ اللهُ إلينا بنعيمِ الدنيا ، وكلُّ محسنٍ فهوَ محبّ ، وكلُّ محبٌّ فإنَّهُ
يحسنُ في المستقبلِ أيضاً ؛ كما قال الشاعر(١):
[من المتقارب]
لَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ فِيما مَضَى كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيما بَقِي
وإنَّما يقيسُ المستقبلَ على الماضي بواسطةِ الكرامةِ والحبِّ ؛ إذْ يقولُ :
لولا أنِّي كريمٌ عندَ اللهِ تعالى ومحبوبٌ .. لما أحسنَ إليَّ، والتلبيسُ تحتَ
ظنِّهِ أنَّ كلَّ محسنٍ محبٌّ ، لا بلْ تحتَ ظنِّهِ أنَّ إنعامَهُ عليهِ في الدنيا
إحسانٌ ، فقدٍ اغترَّ باللهِ تعالى ؛ إذْ ظنَّ أنَّهُ كريمٌ عندَهُ بدليلٍ لا يدلُّ على
الكرامةِ ، بلْ عندَ ذوي البصائرِ يدلُّ على الهوانِ .
ومثالُهُ أنْ يكونَ للرجلِ عبدانِ صغيرانِ يبغضُ أحدَهُما ويحبُّ الآخرَ ،
فالذي يحبُّهُ يمنعُهُ مِنَ اللعبِ ويلزمُّهُ المكتبَ ، ويحبسُهُ فيهِ ليعلِّمَهُ الأدبَ ،
ويمنعُهُ مِنَ الفواكهِ وملاذُ الأطعمةِ التي تضرُّهُ ، ويسقيهِ الأدويةَ التي تنفعُهُ ،
(١) البيت مما نسب إلى سيدنا علي في ((ديوانه)) الموسوم بـ((أنوار العقول لوصي الرسول))
(ص ١٨٢)، ولشهاب الدين التلعفري في ((ديوانه)) (ص ٥٨٨)، ولمنصور بن
إسماعيل الفقيه. انظر ((زهر الآداب)) (٢ /٨٢٧).
٦٢١
كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
والذي يبغضُهُ يهملُهُ ليعيشَ كيفَ يريدُ ، فيلعبُ ، ولا يدخلُ المكتبَ ،
ويأكلُ كلَّ ما يشتهي ، فيظنُّ هذا الصبيُّ المهملُ أنَّهُ عندَ سيِّدِهِ محبوبٌ
كريمٌ؛ لأنَّهُ مَكَّنَهُ مِنْ شهواتِهِ ولذاتِهِ ، وساعدَهُ على جميع أغراضِهِ ، فلمْ
يمنعْهُ ولم يحجُرْ عليهِ ، وذلكَ محضُ الغرورِ ، وهكذا نعيمُ الدنيا
ولذاتُها ؛ فإنَّها مهلكاتٌ ومبعداتٌ مِنَ اللهِ ، وإنَّ اللهَ يحمي عبدَهُ الدنيا وهوَ
يحبُّهُ كما يحمي أحدُكُمْ مريضَهُ مِنَ الطعامِ والشرابِ وهوَ يحبُّهُ ، هكذا وردَ
في الخبرِ عنْ سيِّدِ البشرِ (١).
وكانَ أربابُ البصائرِ إذا أقبلَتْ عليهِمُ الدنيا .. حزنوا وقالوا : ذنبٌ
عُجِّلَتْ عقوبتُهُ، ورأَوا ذلكَ أمارةَ المقتِ والإهمالِ ، وإذا أقبلَ عليهِمُ
الفقرُ .. قالوا : مرحباً بشعارِ الصالحينَ (٢).
والمغرورُ إذا أقبلَتْ عليهِ الدنيا .. ظنَّ أنَّها كرامةٌ مِنَ اللهِ، وإذا صُرفَتْ
عنهُ .. ظنَّ أَنَّهُ هوانٌ؛ كما أخبرَ اللهُ تعالى عنهُ إذْ قالَ: ﴿فَمَّا الْإِنِسَنُ إِذَا مَا
أَبْنَتْهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّتَ أَكْرَمَنِ ﴿﴾ وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْنَلَنْهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ
رَبِّ أَهَنِ ﴾ كَلَ﴾ أيْ: ليسَ كما قالَ، إنَّما هوَ ابتلاءٌ، نعوذُ باللهِ مِنْ شرٌّ
البلاءِ ، ونسألُ اللهَ التثبيتَ ، فبيَّنَ أنَّ ذلكَ غرورٌ ، قالَ الحسنُ : كَذَّبَهُما
(١) رواه الترمذي (٢٠٣٦).
(٢) كما روى أبو نعيم في (( الحلية)) (٥/٦) عن كعب قال: ( إن الرب تعالى قال لموسى
عليه السلام : يا موسى ؛ إذا رأيت الغنى مقبلاً .. فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا
رأيت الفقر مقبلاً .. فقل : مرحباً بشعار الصالحين ) .
٦٢٢
ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
جميعاً بقولِهِ : ﴿كَلَّ﴾ يقولُ: ليسَ هذا بكرامتي ، ولا هذا بهواني،
ولكنَّ الكريمَ مَنْ أكرمتُهُ بطاعتي ، غنياً كانَ أَوْ فقيراً ، والمهانُ مَنْ أهنتُّهُ
بمعصيتي ، غنياً كانَ أو فقيراً(١) .
وهذا الغرورُ علاجُهُ : معرفةُ دلائلِ الكرامةِ والهوانِ ، إمَّا بالبصيرةِ وإمَّا
بالتقلیدِ .
أمَّا البصيرةُ . . فبأنْ يعرفَ وجهَ كونِ الالتفاتِ إلى شهواتِ الدنيا مبعداً
عنِ اللّهِ ، ووجْهَ كونِ التباعدِ عنها مقرباً إلى اللهِ ، ويُدرَكُ ذلكَ بالإلهامِ في
منازلِ العارفينَ والأولياءِ ، وشرحُهُ مِنْ جملةِ علومِ المكاشفةِ ، ولا يليقُ
بعلمِ المعاملةِ .
جن
وأمَّا معرفتُهُ بطريقِ التقليدِ والتصديقِ .. فهوَ أنْ يؤمنَ بكتابِ اللهِ تعالى ،
ويصدِّقَ رسولَهُ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبَنِينٌ
◌َُّارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُم
بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾.
وفي تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنَّهُمْ كلَّما
(١) بنحوه رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن، كما في ((الدر المنثور))
(٥٠٩/٨ ) .
٦٢٣
کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
أحدثوا ذنباً .. أحدثنا لهُمْ نعمةً(١)؛ ليزيدَ غرورُهُمْ.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمًا﴾ .
CG
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلاَ عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا
يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾، إلى غيرِ ذلكَ ممَّا وردَ في كتابِ اللهِ سبحانَهُ
وسنةِ رسولِهِ ، فَمَنْ آَمنَ بهِ .. تخلَّصَ مِنْ هذا الغرورِ ؛ فإنَّ منشأَ هذا
الغرورِ الجهلُ باللهِ وبصفاتِهِ ، فإنَّ مَنْ عرفَهُ سبحانَهُ .. لا يأمنُ مكرَهُ،
ولا يغترُّ بأمثالِ هذهِ الخيالاتِ الفاسدةِ ، وينظرُ إلى فرعونَ وهامانَ وقارونَ
وإلى ملوكِ الأرضِ وما جرىْ لهُمْ كيفَ أحسنَ اللهُ إليهِمْ ابتداءً ثمَّ دمَّرَهُمْ
تدميراً فقال تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ ... ) الآيةَ.
وقدْ حذَّرَ اللهُ تعالى مكرَهُ واستدراجَهُ فقال تعالى: ﴿فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَلَّهِ
إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْ نَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْمُرُونَ﴾
٠
وقالَ تعالى: ﴿ وَمَكَرُواْ وَ مَكَرَ اَللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾.
وقالَ تعالى: ﴿﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾﴾ وَأَكِدُ كَيْدًا ﴾﴾ فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِذْهُمْرُوًَّا﴾
فكما لا يجوزُ للعبدِ المهملِ أنْ يستدلَّ بإهمالِ السيدِ إيَّاه وتمكينِهِ مِنَ
النعمِ على حبِّ السيدِ ، بلْ ينبغي أنْ يحذرَ أنْ يكونَ ذلكَ مكراً منهُ وکیداً معَ
(١) رواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص٤٥١).
٦٢٤
ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
أنَّ السيدَ لمْ يحذِّرْهُ مكرَ نفسِهِ .. فبأنْ يجبَ ذلكَ في حقِّ اللهِ تعالىُ معَ
تحذیرِهِ استدراجَهُ أولى .
فإذاً ؛ مَنْ أمِنَ مكرَ الله تعالى .. فهوَ مغترٌّ، ومنشأُ هُذا الغرور أنَّهُ
استدلَّ بنعمِ الدنيا على أنَّهُ كريمٌ عندَ ذلكَ المنعمِ ، واحتملَ أنْ يكونَ ذلكَ
دليلَ الهوانِ ، ولكنَّ ذلكَ الاحتمالَ لا يوافقُ الهوى ، فالشيطانُ بواسطةٍ
الهوى يميلُ بالقلبِ إلى ما يوافقُهُ ، وهوَ التصديقُ بدلالتِهِ على الكرامةِ ،
وهذا هوَ حُّ الغرورِ .
المثالُ الثاني : غرورُ العصاةِ مِنَ المؤمنينَ :
بقولِهِمْ : إنَّ اللهَ كريمٌ ، وإنَّا نرجو عفوَهُ، واتكالُهُمْ على ذلكَ ،
وإهمالُهُمُ الأعمالَ ، وتحسينُ ذلكَ بتسميةِ تمنِّهِمْ واغترارِهِمْ رجاءً ، وظنُّهُمْ
أنَّ الرجاءَ مقامٌ محمودٌ في الدينِ ، وأنَّ نعمةَ اللهِ واسعةٌ ، ورحمتُهُ شاملةٌ
وكرمُهُ عميمٌ ، وأينَ معاصي العبادِ في بحارِ رحمتِهِ ؟ وإنَّا موحِّدونَ
ومؤمنونَ ؛ فنرجوهُ بوسيلةِ الإيمانِ ، وربَّما كانَ مستندُ رجائِهِمُ التمسكَ
بصلاحِ الآباءِ وعلوِّ رتبتِهِمْ ؛ كاغترارِ العلويَّةِ بنسِهِمْ ومخالفتِهِمْ سيرةَ آبَائِهِمْ
في الخوفِ والتقوى والورع، وظنِّهِمْ أَنَّهُمْ أكرمُ على اللّهِ مِنْ آبَائِهِمْ؛ إذْ
آبَاؤُهُمْ معَ غايةِ الورع والتقوى كانوا خائفينَ ، وهُمْ معَ غايةِ الفجورِ والفسوقِ
آمنونَ ، وذلكَ نهايةُ الاغترارِ بالله تعالى .
٦٢٥
حن
کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
فقياسُ الشيطانِ للعلويَّةِ أنَّ مَنْ أحبَّ إنساناً أحبَّ أولادَهُ ، وأنَّ اللهَ تعالى
قدْ أحبَّ آبَاءَكُمْ فيحبُّكُمْ ، فلا تحتاجونَ إلى الطاعةِ ، وينسى المغرورُ أنَّ
نوحاً صلواتُ اللهِ عليهِ أرادَ أنْ يستصحبَ ولدَهُ معَهُ في السفينةِ، ﴿فَقَالَ رَبٍّ إِنَّ
أَبْنِى مِنْ أَهْلِى﴾، فقال تعالى: ﴿يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحِ﴾،
وأنَّ إبراهيمَ عليهِ السلامُ استغفرَ لأبيهِ فلمْ ينفعْهُ، وأنَّ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ استأذنَ ربَّهُ في أنْ يزورَ قبرَ أمِّهِ ويستغفرَ لها ، فَأَذِنَ لهُ في الزيارةِ ولمْ
يُؤذَنْ لهُ في الاستغفارِ ، فجلسَ يبكي على قبرِ أمِِّ لرقَّتِهِ لها بسبب القرابةِ ،
حتى أبكىْ مَنْ حولَهُ(١).
فهذا أيضاً اغترارٌ باللهِ تعالى، وهذا لأنَّ اللهَ تعالى يحبُّ المطيعَ
ويبغضُ العاصيَ ، فكما أنَّهُ لا يبغضُ الأبَ المطيعَ ببغضِهِ للولدِ العاصي ..
فكذلكَ لا يحبُّ الولدَ العاصيَ بحبِّه للأبِ المطيع ، ولوْ كانَ الحبُّ يسري
مِنَ الأَبِ إلى الولدِ .. لأوشكَ أنْ يسريَ البغضُ أيضاً ، بلِ الحقُّ أنْ لا تزرَ
وازرةٌ وزرَ أخرى(٢) .
ومَنْ ظنَّ أنَّهُ ينجو بتقوى أبيهِ كمَنْ ظنَّ أنَّهُ يشبعُ بأكلِ أبیهِ ، ویروی
بشربِ أبيهِ ، ويصيرُ عالماً بعلم أبيهِ ، ويصلُ إلى الكعبةِ ويراها بمشي أبيهِ ،
(١) رواه مسلم ( ٩٧٦) .
(٢) وله سبحانه وتعالى أن يتفضل على الفرع إكراماً لأصله ؛ لأمور خفية لا ينبغي أن يعوِّل
الإنسان على توقعها ، بل يتمسك بالأسباب المنجيات التي أومأ الحق له فيأخذ بها ،
وإن كانت هذه أيضاً فضلاً من الله ورحمة، وإلى هذا أشار عز شأنه وعلا: ﴿وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَلِحًا﴾، وقال جل من قائل: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم ◌ِنْ شَىْءٍ﴾.
٦٢٦
ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
فالتقوى فرضُ عينٍ ؛ فلا يجزي والدٌ فيهِ عنْ ولدِهِ شيئاً، وكذا العكسُ ،
وعندَ اللهِ جزاءُ التقوى، يومَ يفرُّ المرءُ من أخيهِ وأمِّهِ وأبيهِ ، إلا على سبيلٍ
الشفاعةِ لمَنْ لمْ يشتدَّ غضبُ اللهِ تعالى عليهِ ، فيأذنَ لهُ في الشفاعةِ ؛ كما
سبقَ في كتابِ الكبرِ والعجبِ .
فإنْ قلتَ : فأينَ الغلطَ في قولِ العصاةِ والفجارِ : إنَّ اللهَ كريمٌ، وإِنَّا
نرجو مغفرتَهُ ورحمتهُ، وقدْ قالَ : «أنا عندَ ظنِّ عبدِي بي، فليظنَّ بي
خيراً)) (١)، فما هذا إلا كلامٌ صحيحٌ مقبولُ الظاهرِ في القلوبِ .
فاعلمْ : أنَّ الشيطانَ لا يغوي الإنسانَ إلا بكلام مقبولُ الظاهرِ مردودٍ
الباطنِ ، ولولا حسنُ ظاهرِهِ .. لما انخدَعَتْ بهِ القلوبُ، ولكنَّ النبيَّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كشفَ عنْ ذلكَ فقالَ: ((الكُِّ مَنْ دانَ نفسَهُ ، وعمِلَ
لما بعدَ الموتِ، والأحمقُ مَنْ أتبعَ نفسَهُ هواها، وتمنَّى على اللهِ))(٢)،
وهذا هوَ التَّمِنِّي على اللهِ تعالى، غيَّرَ الشيطانُ اسمَهُ فسمَّاهُ رجاءً ، حتى
خدعَ بهِ الجهَّالَ، وقدْ شرحَ اللهُ تعالى الرجاءَ فقالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَيْكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾؛ يعني: أنَّ
الرجاءَ بِهِمْ أليقُ، وهذا لأنَّهُ ذكرَ أنَّ ثوابَ الآخرةِ أجرٌ وجزاءٌ على
الأعمالِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ عزَّ وجلَّ :
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (٨٣).
(٢) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه ( ٤٢٦٠).
٦٢٧
کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
ـجو
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾، أفترىُ أَنَّ مَنِ استؤجرَ على
إصلاح أوانٍ وشُرِطَ لهُ أجرةٌ عليها ، وكانَ الشارطُ كريماً يفي بالوعدِ مهما
وعدَ ولا يخلفُ ، بلْ يزيدُ، فجاءَ الأجيرُ وكسرَ الأوانيَ وأفسدَ جميعَها ، ثمَّ
جلسَ ينتظرُ الأجرَ ، ويزعمُ أنَّ المستأجِرَ كريمٌ لا يخلفُ الوعدَ ، أفيراهُ
العقلاءُ في انتظارِهِ متمنّاً مغروراً أوْ راجياً ؟ وهذا للجهلِ بالفرقِ بينَ الرجاءِ
وبينَ الغِرَّةِ .
قيلَ للحسنِ : قومٌ يقولونَ: نرجو اللهَ ويضيِّعونَ العملَ ، فقالَ :
هيهاتَ ، هيهاتَ! تلكَ أمانيُّهُمْ يترجحونَ فيها ، مَنْ رجا شيئاً .. طلبَهُ،
ومَنْ خاف شيئاً .. هربَ منهُ(١).
وقالَ مسلمُ بنُ يسارِ : لقدْ سجدتُ البارحةَ حتَّى سقطَتْ ثنيَايَ ، فقالَ
لهُ رجلٌ: إنَّا لنرجو اللهَ، فقالَ مسلمٌ: هيهاتَ ، هيهاتَ! مَنْ رجا شيئاً ..
طلبَهُ، ومَنْ خافَ شيئاً .. هربَ منهُ(٢).
حر
وكما أنَّ الذي يرجو في الدنيا ولداً وهوَ بعدُ لمْ ينكحْ ، أوْ نكحَ ولمْ
يجامعْ ، أوْ جامعَ ولمْ ينزلْ .. فهوَ معتوهٌ؛ فكذلكَ مَنْ رجا رحمةَ اللهِ وهوَ
لمْ يؤمنْ، أوْ آمنَ ولمْ يعملْ صالحاً ، أوْ عملَ ولمْ يتركِ المعاصيَ .. فهوَ
حن
ـن
ـون
(١) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص ٤٣٥).
(٢) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص٤٣٥)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد))
( ٣٠٥ ) .
ت:
٦٢٨
ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
جر
حن
ـون
مغرورٌ، وكما أنَّهُ إذا نكحَ ووطىءَ وأنزلَ .. بقيَ متردداً في حصولِ الولدِ ،
يخافُ ويرجو فضلَ اللهِ في خلقِ الولدِ ودفع الآفاتِ عنِ الرحمِ وعنِ الأمِّ إلى
أنْ يتمَّ .. فهوَ كَيِّيٌ ؛ فكذلكَ إذا آمنَ وعملَ الصالحاتِ وتركَ السيئاتِ ،
وبقي متردِّداً بينَ الخوفِ والرجاءِ ، يخافُ ألاَّ يُقبلَ منهُ، وألاَّ يدومَ عليهِ إلى
الموتِ ، وأنْ يُختمَ لهُ بالسوءِ ، ويرجو مِنْ فضلِ اللهِ تعالىُ أَنْ يثبّهُ بالقولِ
الثابتِ ، ويحفظَ دينَهُ مِنْ صواعقِ سكراتِ الموتِ حتَّى يموتَ على
التوحيدِ ، ويحرسَ قلبَهُ عنِ الميلِ إلى الشهواتِ بقيَّةَ عمرِهِ حتَّى لا يميلَ إلى
المعاصي .. فهوَ كيٌِّ، ومَنْ عدا هؤلاءِ فهُمُ المغرورونَ باللهِ ، وسوفَ
يعلمونَ حينَ يرونَ العذابَ مَنْ أضلُّ سبيلاً ، ولتعلمُنَّ نبأَهُ بعدَ حينٍ ، وعندَ
ذلكَ يقولونَ ما أخبرَ اللهُ تعالى عنهُمْ: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ
صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أيْ: علمنا أنَّهُ كما لا يُولدُ ولدٌ إلا بوقاعٍ ونكاحٍ،
ولا ينبتُ زرعٌ إلا بحرائةٍ وبثِّ بذرٍ .. فكذلكَ لا يحصلُ في الآخرةِ ثوابٌ
وأجرٌ إلا بعملٍ صالح ، فارجعْنا نعملْ صالحاً ، فقَدْ علمنا الآنَ صدقَكَ في
قولِكَ: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ, سَوْفَ يُرَى: ﴿" ثُمَّ يُجْزَنُهُ
الْجَزَآءَ الْأَوْنَى﴾، و﴿كُلَّمَا أُلْغِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَنْهَا أَلَمْ يَأْتُِّ نَذِيرُ﴾ ألمْ يسمعْكُمْ
سنَّةَ اللهِ في عبادِهِ ، وأنَّهُ تُوفَّى كلُّ نفسٍ ما كسبَتْ ، وأنَّ كلَّ نفسٍ بما كسبَتْ
رهينةٌ؟ فما الذي غرَّكُمْ باللهِ بعدَ أنْ سمعتُمْ وعقلتُمْ؟ ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ
نَعْقِلُ مَا كُنَافِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ (٤: فَأَعْتَرَفُواْ بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾.
٦٢٩
كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
فإنْ قلتَ : فأينَ مَظِنَّهُ الرجاءِ وموضعُهُ المحمودُ ؟
فاعلمْ : أنَّهُ محمودٌ في موضعينِ :
G
معـ
أحدُهُما : في حقِّ العاصي المنهمكِ إذا خطرَتْ لهُ التوبةُ ، فقالَ لهُ
الشيطانُ : وأنَّى تُقُبَلُ توبتُكَ؟ فيقنِّطُهُ مِنْ رحمةِ اللهِ تعالى ، فيجبُ عندَ هذا
أنْ يقمعَ القنوطَ بالرجاءِ ، ويتذكَّرَ أنَّ اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعاً، وأنَّ اللهَ كريمٌ
يقبلُ التوبةَ عنْ عبادِهِ ، وأنَّ التوبةَ طاعةٌ تكفِّرُ الذنوبَ ، قالَ اللهُ تعالى :
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعًاْ إِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {هُ وَأَنِبُوْ إِلَى رَبَّكُمْ﴾، أمرَهُمْ بالإنابةِ ، وقالَ
تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَدِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾، فإذا توقَّعَ المغفرةَ
معَ التوبةِ .. فهوَ راجٍ ، وإنْ توقَّعَ المغفرةَ معَ الإصرارِ .. فهوَ مغرورٌ ؛ كما
أنَّ مَنْ ضاقَ عليهِ وقتُ الجمعةِ وهوَ في السوقِ ، فخطَرَ لهُ أنْ يسعى إلى
الجمعةِ ، فقالَ لهُ الشيطانُ : إنكَ لا تدركُ الجمعةَ ، فأقمْ على موضعِكَ ،
فكذَّبَ الشيطانَ وقامَ يعدو وهوَ يرجو أنْ يدركَ الجمعةَ .. فهوَ راجٍ ، وإنِ
استمرَّ على التجارةِ ، وأخذَ يرجو تأخيرَ الإمام الصلاةَ لأجلِهِ إلى وسطِ الوقتِ،
أوْ لأجلٍ غيرِهِ، أوْ لسببٍ مِنَ الأسبابِ التي لا يعرفُها .. فهوَ مغرورٌ.
والثاني : أنْ تفترَ نفسُهُ عنْ فضائلِ الأعمالِ ، وتقتصرَ على
الفرائضٍ ، فيرجِّي نفسَهُ نعيمَ اللهِ تعالى، وما وعدَ بهِ الصالحينَ ، حتَّى
ينبعثَ مِنَ الرجاءِ نشاطُ العبادةِ ، فيقبلَ على الفضائلِ ، ويتذكَّرَ قولَهُ تعالى :
حة
٦٣٠
ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِمْ خَشِعُونَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أُوْلَكَ هُمُ
اُلْوَرِثُونَ ﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ﴾.
فالرجاءُ الأولُ يقمعُ القنوطَ المانعَ مِنَ التوبةِ ، والرجاءُ الثاني يقمعُ
الفتورَ المانعَ مِنَ النشاطِ والتشمُّرِ ، فكلُّ توقُّع حثَّ على توبةٍ وعلى تشمرٍ في
العبادةِ .. فهوَ رجاءٌ، وكلُّ توقُّعٍ أوجبَ فتوراً في العبادةِ وركوناً إلى
البطالةِ .. فهو غِرَّةٌ؛ كما إذا خطرَ لهُ أنْ يتركَ الذنبَ ويشتغلَ بالعملِ ، فيقولُ
لهُ الشيطانُ: ما لكَ وإيذاءَ نفسِكَ وتعذيبَها ولكَ ربٌ كريمٌ ، غفورٌ رحيمٌ ،
فيفترُ بذلكَ عنِ التوبةِ والعبادةِ .. فهوَ غِرَّةٌ، وعندَ هذا واجبٌ على العبدِ أنْ
يستعملَ الخوفَ ، فيخوَّفَ نفسَهُ بغضبِ اللهِ وعظيمٍ عقابِهِ ، ويقولَ لها : إنَّهُ
معَ أنَّهُ غافرُ الذنبِ وقابلُ التوبِ شديدُ العقابِ، وإِنَّهُ معَ أنَّهُ كرِيمٌ خَلَّدَ الكفارَ
في النارِ أبدَ الآبادِ معَ أنَّهُ لمْ يضرُّهُ كفرُهُمْ، بلْ سلَّطَ العذابَ والمحنَ
والأمراضَ والعللَ والفقرَ والجوعَ على جملةٍ مِنْ عبادِهِ في الدنيا وهوَ قادرٌ
على إزالتِها ، فمَنْ هذهِ سَنَّهُ في عبادِهِ وقدْ خوَّفَني عقابَهُ .. فكيفَ
لا أخافُهُ ، وكيفَ أغتُ بهِ ؟
والخوفُ والرجاءُ قائدانِ وسائقانِ يبعثانِ الناسَ على العملِ ، فما
لا يبعثُ على العملِ .. فهوَ تمنٌّ وغرورٌ، ورجاءُ كافَّةِ الخلقِ هوَ سببُ
فتورِهِمْ وسببُ إقبالِهِمْ على الدنيا وسببُ إعراضِهِمْ عنِ اللهِ تعالى وإهمالِهِمُ
CG
٦٣١
١
كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
السعيَ للآخرةِ ، وذلكَ غرورٌ، فقدْ أخبرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وذكرَ أنَّ
الغرورَ سيغلبُ على قلوبِ آخرِ هذهِ الأمَّةِ (١) ، وقدْ كانَ ما وعدَ بهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ، فقدْ كانَ الناسُ في الأعصارِ الأُوَلِ يواظبونَ على العباداتِ ،
ويؤتون ما آتوا وقلوبُهُمْ وجلٌ أنهُمْ إلى ربِهِمْ راجعونَ ، يخافونَ على أنفسِهِمْ
وهُمْ طولَ الليلِ والنهارِ في طاعةِ اللهِ تعالىُ ، يبالغونَ في التقوى والحذرِ مِنَ
الشبهاتِ والشهواتِ ، ويبكونَ على أنفسِهِمْ في الخلواتِ ، وأمَّا الآنَ ..
فترى الخلقَ آمنينَ مسرورينَ ، مطمئنينَ غيرَ خائفينَ ، معَ إِكبابِهِمْ على
المعاصي ، وانهماكِهِمْ في الدنيا ، وإعراضِهِمْ عنِ اللهِ تعالى، زاعمينَ أَنْهُمْ
واثقونَ بكرم اللهِ تعالى وفضلِهِ ، راجونَ لعفوِهِ ومغفرتِهِ ؛ كأنَّهُمْ يزعمونَ
أنَّهُمْ عرفوا مِنْ كرم اللهِ تعالى وفضلِهِ ما لمْ يعرفْهُ الأنبياءُ والصحابةُ والسلفُ
الصالحونَ ، فإنْ كانَ هذا الأمرُ يُدركُ بالمنى ويُنال بالهوينى . فعلى ماذا
كانَ بكاءُ أولئكَ وخوفُهُمْ وحزنُهُمْ ؟! وقدْ ذكرنا تحقيقَ هذهِ الأمورِ في
كتابِ الخوفِ والرجاءِ .
ـكن
ـحن
وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رواهُ معقلُ بنُ يسارٍ :
(( يأتي على الناس زمانٌ يَخْلَقُ فيهِ القرآنُ في قلوبِ الرجالِ كما تَخْلَقُ الثيابُ
على الأبدانِ ، يكونُ أمرُهُمْ كُلُّهُ طمعاً لا خوفَ معَهُ ، إنْ أحسنَ أحدُهُمْ ..
دن
(١) تقدم، وهو حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، وفيه: (( وإعجاب كل ذي رأي
برأيه)) الذي رواه أبو داوود (٤٣٤١)، والترمذي ( ٣٠٥٨)، وابن ماجه
( ٤٠١٤ ) .
٦٣٢
ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
قالَ: يُتقبّلُ مِنِّي، وإنْ أساءَ .. قالَ: يُغفرُ لي)) (١) ، فأخبرَ أنَّهُمْ يضعونَ
الطمعَ موضعَ الخوفِ ؛ لجهلِهِمْ بتخويفاتِ القرآنِ وما فيهِ .
وبمثلِهِ أخبرَ عنِ النصارى إذْ قالَ تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ
الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، ومعناهُ : أنَّهُمْ ورثوا
الكتابَ ؛ أيْ : هُمْ علماءُ ويأخذونَ عَرضَ هذا الأدنى ؛ أيْ : شهواتِهِمْ مِنَ
الدنيا حلالاً كانَ أوْ حراماً ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، جَنََّانِ﴾ ،
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾ .
والقرآنُ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ تحذيرٌ وتخويفٌ، لا يتفكَّرُ فيهِ متفكِّرُ إلا
ويطولُ حزنُهُ ويعظمُ خوفُهُ إنْ كانَ مؤمناً بما فيهِ ، وترى الناسَ الآنَ يهذُّونَهُ
هذّاً، يخرجونَ الحروفَ مِنْ مخارجِها ، ويتناظرونَ على رفعِها وخفضها
ونصبها ؛ كأنَّهُمْ يقرؤونَ شعراً مِنْ أشعارِ العربِ ، لا يهمُّهُمُ الالتفاتُ إلى
معانيهِ ، والعملُ بما فيهِ فهلْ في العالمِ غرورٌ يزيدُ على هذا؟!
فهذهِ أمثلةُ الغرورِ باللهِ عزَّ وجلَّ ، وبيانُ الفرقِ بينَ الرجاءِ والغرورِ .
ويقربُ منهُ غرورُ طوائفَ لهُمْ طاعاتٌ ومعاصٍ ، إلا أنَّ معاصيَهُمْ أكثرُ
وهُمْ يتوقَّعونَ المغفرةَ ، ويظنونَ أنَّهُمْ تترجَّحُ كِفَّةُ حسناتِهِمْ معَ أنَّ ما في كِفَّةِ
السيئاتِ أكثرُ ! وهذا غايةُ الجهلِ . فترى الواحدَ يتصدَّقُ بدراهمَ معدودةٍ مِنَ
الحلالِ والحرام ويكونُ ما يتناولُ مِنْ أموالِ المسلمينَ والشبهاتِ أضعافَهُ ،
(١) رواه الحارث بن أسامة في ((مسنده)) (٧٦٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٩/٦).
٦٣٣
حن
حن
كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
ولعلَّ ما تصدَّقَ بهِ هوَ مِنْ مالِ المسلمينَ ، وهوَ يتكلُ عليهِ ويظنُّ أنَّ أكلَ ألفِ
درهم حرامٍ يقاومُهُ التصدُّقُ بعشرةٍ مِنَ الحلالِ أوِ الحرام ، وما هوَ إلا كمَنْ
وضعَ عشرةَ دراهمَ في كِفَّةِ ميزانٍ وفي الكِفَّةِ الأخرى ألفاً ، وأرادَ أنْ تشيلَ
الكِفَّةُ الثقيلةُ بالكِفَّةِ الخفيفةِ ! وذلكَ غايةُ الجهلِ .
نعمْ، ومنهُمْ مَنْ يظنُّ أنَّ طاعاتِهِ أكثرُ مِنْ معاصيهِ ؛ لأنَّهُ لا يحاسبُ نفسَهُ
ولا يتفقَّدُ معاصيَهُ، وإذا عملَ طاعةً .. حفظَها واعتدَّ بها ؛ كالذي
يستغفرُ اللهَ بلسانِهِ أَوْ يسبِّحُ اللهَ في اليومِ مئةَ مرَّةٍ ثمَّ يغتابُ المسلمينَ ، ويمزِّقُ
أعراضَهُمْ ، ويتكلَّمُ بما لا يرضاهُ اللهُ طولَ النهارِ مِنْ غيرِ حصرٍ وعددٍ ،
ويكونُ نظرُهُ إلى عددِ سبحتِهِ أنَّهُ استغفرَ اللهَ مئةَ مرَّةٍ ، وغفلَ عنْ هذيانِهِ طولَ
نهارِهِ الذي لوْ كتبَهُ .. لكانَ مثلَ تسبيحِهِ مئةَ مرَّةٍ أوْ ألفَ مرَّةٍ ، وقدْ كتبَها
الكرامُ الكاتبونَ ، وقدْ أوعدَهُ اللهُ تعالى بالعقابِ على كلِّ كلمةٍ فقالَ جلَّ
جلالُهُ: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُّ عَنِيدٌ﴾، فهوَ أبداً يتأمَّلُ في فضائلِ
التسبيحاتِ والتهليلاتِ ، ولا يلتفتُ إلى ما وردَ في عقوبةِ المغتابينَ
والكذابينَ ، والنمَّامينَ والمنافقينَ بذكرِ ما لا يضمرونَهُ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ
آفاتِ اللسانِ ، وذلكَ محضُ الغرورِ .
١٠٠٠
ـدة
حن
ولعمْرِي ؛ لوْ كانَ الكرامُ الكاتبونَ يطلبونَ منهُ أجرةَ النسخ لما يكتبونَهُ
مِنْ هذيانِهِ الذي زادَ على تسبيحِهِ .. لكانَ عندَ ذلكَ يكفُّ لسانَهُ حتَّى عنْ
جملةٍ مِنْ مهماتِهِ ، وما نطقَ بهِ في فتراتِهِ كانَ يعدُّهُ ويحسبُهُ ويوازنُهُ
بتسبيحاتِهِ ؛ حتَّى لا يفضلَ عليهِ أجرةُ نسخِهِ ، فيا عجباً لمَنْ يحاسبُ نفسَهُ
٦٣٤
ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
ويحتاطُ خوفاً على قيراطٍ يفوتُهُ في الأجرةِ على النسخ ، ولا يحتاطُ خوفاً مِنْ
فوتِ الفردوسِ الأعلى ونعيمِها ! ما هذهِ إلا مصيبةٌ عظيمةٌ لمَنْ تفكّرَ فيها ؛
فقدْ دُفعنا إلى أمرٍ إنْ شككنا فيهِ .. كنَّا مِنَ الكفرةِ الجاحدينَ وإنْ صدَّقنا بهِ ..
كنَّا مِنَ الحمقى المغرورينَ ، فما هذهِ أعمالُ مَنْ يصدِّقُ بما جاءَ بهِ القرآنُ ،
وإنَّا نبرأُ إلى اللهِ تعالىُ أنْ تكونَ مِنْ أهلِ الكفرانِ، فسبحانَ مَنْ صدَّنا عنٍ
التنبُّهِ والتبيُّنِ معَ هذا البيانِ ! وما أجدرَ مَنْ يقدرُ على تسليطِ مثلِ هذهِ الغفلةِ
والغرورِ على القلوبِ أنْ يخشى ويُتَّقَىُ ، ولا يُغترَّ بهِ اتكالاً على أباطيلِ
المنى ، وتعاليلِ الشيطانِ والهوى ، واللهُ أعلمُ .
٦٣٥
کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
حر
بيان أصناف المغردين، وأقسامٍ فِرق كلّ صنف
وهمْ أربعةُ أصنافٍ :
الصنف الأول: أحسل المسلم
والمغترُّونَ منهُمْ فرقٌ :
ففرقةٌ منهُمْ أحكموا العلومَ الشرعيَّةَ والعقليةَ ، وتعمَّقوا فيها ، واشتغلوا
بها، وأهملوا تفقّدَ الجوارحِ، وحفْظَها عنِ المعاصي ، وإلزامَها
الطاعاتِ ، واغتزُوا بعلمِهِمْ، وظنُّوا أنَّهُمْ عندَ اللهِ بمكانٍ ، وأنَّهُمْ قَدْ بلغوا
مِنَ العلمِ مبلغاً لا يعذُّبُ اللهُ مثلَهُمْ، بلْ يقبلُ في الخلقِ شفاعتَهُمْ، وأنَّهُ
لا يطالبُهُمْ بذنوبِهِمْ وخطاياهُمْ لكرامتِهِمْ على اللهِ .
وهمْ مغرورونَ ؛ فإنَّهُمْ لوْ نظروا بعينِ البصيرةِ .. علموا أنَّ العلمَ
علمانِ :
علمُ معاملةٍ ، وعلمُ مكاشفةٍ ؛ وهوَ العلمُ باللهِ وصفاتِهِ ، المسمَّى بالعادةِ
علمَ المعرفةِ .
فأمَّا العلمُ بالمعاملةِ ؛ كمعرفةِ الحلالِ والحرام ، ومعرفةِ أخلاقٍ
النفسِ المذمومةِ والمحمودةِ ، وكيفيّةِ علاجِها والفرارِ منها .. فهيَ علومٌ
لا تُرادُ إلا للعملِ ، ولولا الحاجةُ إلى العملِ .. لمْ يكنْ لهذهِ العلومِ قيمةٌ ؛
فكلُّ علمٍ يُرادُ للعملِ فلا قيمةَ لَهُ دونَ العملِ .
ـحة
٦٣٦
٤
ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
ـكن
فمثالُ هذا : كمريضٍ بهِ علَّةٌ لا يزيلُها إلا دواءٌ مركّبٌ مِنْ أخلاطٍ كثيرةٍ ،
لا يعرفُها إلا حذَّاقُ الأطباءِ .
ـن
فيسعى في طلبِ الطبيبِ بعدَ أنْ هاجرَ عنْ وطنِهِ حتَّى عثرَ على طبيبٍ
حاذقٍ ، فعلَّمَهُ الدواءَ ، وفصَّلَ لهُ الأخلاطَ وأنواعَها ومقاديرَها ، ومعادنَها
التي منها تُجلبُ، وعلَّمَهُ كيفيَّةَ دقِّ كلِّ واحدٍ منها ، وكيفيَّةَ الخلطِ
والعجنِ ، فتعلَّمَ ذلكَ منهُ، وكتبَ منهُ نسخةً حسنةً بخطّ حسنٍ ، ورجعَ إلى
بيتِهِ وهوَ يكرِّرُها ويقرؤُها ويعلِّمُها المرضى ، ولمْ يشتغلْ بشربِها
واستعمالِها ، أفترى أنَّ ذلكَ يغني عنهُ مِنْ مرضِهِ شيئاً ؟
حن
جم
هيهات هيهاتَ! لوْ كتبَ منهُ ألفَ نسخةٍ ، وعلمَهُ ألفَ مريضٍ حتَّى شُفيَ
جميعُهُمْ وكَرَّرَهُ كلَّ ليلةٍ ألفَ مرَّةٍ .. لم يغنهِ ذلكَ مِنْ مرضِهِ شيئاً ، إلا أنْ يزنَ
الذهبَ ، ويشتريَ الدواءَ ، ويخلطَهُ كما تعلَّمَ ، ويشربَهُ ويصبرَ على
مرارتِهِ ، ويكونَ شربُهُ في وقتِهِ ، وبعدَ تقديمِ الاحتماءِ وجميع شروطِهِ ، فإذا
فعلَ جميعَ ذلكَ .. فهوَ على خطرٍ مِنْ شفائِهِ ، فكيفَ إذا لم يشربْهُ أصلاً ؟!
فمهما ظنَّ أنَّ ذلكَ يكفيهِ ويشفيهِ .. فقدْ ظهرَ غرورُهُ .
وهكذا الفقيهُ الذي أحكمَ علمَ الطاعاتِ ولمْ يعملُها ، وأحكمَ علمَ
المعاصي ولمْ يجتنبْها ، وأحكمَ علمَ الأخلاقِ المذمومةِ وما زكَّى نفسَهُ
منها ، وأحكمَ علمَ الأخلاقِ المحمودةِ ولمْ يتَّصفْ بها ، فهوَ مغرورٌ ، إذْ
قالَ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنِهَا﴾، ولمْ يقلْ: قَدْ أفلحَ مَنْ تعلّمَ كيفيَّةً تزكيتِها
وكتبَ علمَ ذلكَ وعلَّمَهُ الناسَ .
٦٣٧
كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
وعندَ هذا يقولُ له الشيطانُ : لا يغرنَّكَ هذا المثالُ ؛ فإنَّ العلمَ بالدواءِ
لا يزيلُ المرضَ، وإنَّما مطلبُكَ القربُ مِنَ اللهِ تعالى وثوابُهُ ، والعلمُ يجلبُ
الثوابَ ، ويتلو عليهِ الأخبارَ الورادةَ في فضائلِ العلمِ .
فإنْ كانَ المسكينُ معتوهاً مغروراً .. وافقَ ذلكَ مرادَهُ وهواهُ ، فاطمأنَّ
إليهِ وأهملَ العملَ .
وإنْ كانَ كِيِّساً .. فيقولُ للشيطانِ: أتذكِّرُني فضائلَ العلمِ وتنسيني
ما وردَ في العالمِ الفاجرِ الذي لا يعملُ بعلمِهِ ؛ كقولهِ تعالى: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلٍ
اَلْكَلْبِ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النََّرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ
اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؟
فأيُّ خزي أعظمُ مِنَ التمثيلِ بالكلبِ والحمارِ ؟!
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((منِ ازدادَ علماً ولمْ يزددْ هدىّ .. لمْ
يزددْ مِنَ اللهِ إِلاَّ بُعداً))(١).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أيضاً : (( يُلقى العالمُ في النارِ فتندلقُ أقتابُهُ ،
فيدورُ بها في النارِ كما يدورُ الحمارُ في الرحىْ))(٢).
وكقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((شرُّ الناسِ العلماءُ السوءُ))(٣).
(١) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٥٨٨٧)، قال الحافظ العراقي: ( والمشهور أن
هذا الحديث من قول الحسن البصري). ((إتحاف)) (٣٥١/١).
(٢) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩)، والأقتاب : الأمعاء .
(٣) روى بنحوه الدارمي في ((سننه)) ( ٣٨٢).
٦٣٨
ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
وقولِ أبي الدرداءِ : ( ويلٌ للذي لا يعلمُ مرَّةً ولوْ شاءَ اللهُ .. لعلَّمَهُ،
وويلٌ للذي يعلمُ ولا يعملُ سبعَ مراتٍ )(١) أيْ: إنَّ العلمَ حَجَّةٌ عليهِ ؛ إِذْ
يُقالُ لهُ : ماذا عملتَ فيما علمتَ ؟ وكيفَ قضيتَ شكرَ اللهِ ؟
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أشدُّ الناسِ عذاباً يومَ القيامةِ عالمٌ لمْ
ينفعْهُ اللهُ بعلمِهِ)) (٢).
فهذا وأمثالُهُ ممَّا أوردناهُ في كتابِ العلمِ في بابِ علامةِ علماءِ الآخرةِ
أكثرُ مِنْ أنْ يُحصى ، إلا أنَّ هذا لا يُوافقُ هوى العالِمِ الفاجرِ ، وما وردَ في
فضلِ العلمِ يوافقُهُ ، فيُميلُ الشيطانُ قلبَهُ إلى ما يهواهُ ، وذلكَ عينُ الغرورِ ؛
فإنَّهُ إنْ نظرَ بالبصيرةِ .. فمثالُهُ ما ذكرناهُ ، وإنْ نظرَ بعينِ الإيمانِ ، فالذي
أخبرَهُ بفضيلةِ العلمِ هوَ الذي أخبرَهُ بذمِّ العلماءِ السوءِ ، وأنَّ حالَهُمْ عندَ اللهِ
أشدُّ مِنْ حالِ الجھَّالِ، فبعدَ ذلكَ اعتقادُهُ أنَّهُ على خيرِ معَ تأكُّدِ حجةِ اللهِ علیهِ
غايةُ الغرورِ .
وأمَّا الذي يدّعي علومَ المكاشفةِ ؛ كالعلمِ باللهِ وصفاتِهِ وأسمائِهِ ، وهوَ
معَ ذلكَ يهملُ العملَ ، ويضيِّعُ أمرَ اللهِ تعالى وحدودَهُ .. فغرورُهُ أشدُّ .
ومثالُهُ : مثالُ مَنْ أرادَ خدمةَ مَلِكٍ ، فعرفَ الملكَ ، وعرفَ أخلاقَهُ
وأوصافَهُ، ولونَهُ وشكلَهُ، وطولَهُ وعرضَهُ ، وعادتَهُ ومجلسَهُ ، ولمْ يتعرَّفْ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١١/١).
(٢) رواه الطبراني في ((الصغير)) (١٨٢/١)، والقضاعي في ((مسند الشهاب))
(١١٢٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٦٤٢).
٦٣٩
كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
ما يحبُّهُ ويكرهُهُ ، وما يغضبُ مِنْ أجلِهِ وما يرضى بهِ ، أوْ عرفَ ذلكَ إلا أنَّهُ
قصدَ خدمتَهُ وهوَ ملابسٌ لجميع ما يغضبُ بهِ ، وعاطلٌ عنْ جميع ما يحبُّهُ ؛
مِنْ زيٍّ وهيئةٍ وكلام ، وحركةٍ وسكونٍ ، فوردَ على الملكِ وهوَ يريدُ التقرُّبَ
منهُ والاختصاصَ بهِ متلطّخاً بجميع ما يكرهُهُ الملكُ، عاطلاً عنْ جميع
ما يحبُّهُ ، متوسِّلاً إليهِ بمعرفتِهِ لهُ ولنسبِهِ واسمِهِ ، وبلدِهِ وشكلِهِ وصورتِهِ ،
وعادتِهِ في سياسةِ غلمانِهِ ومعاملةِ رعيتِهِ ، فهذا مغرورٌ جدّاً؛ إذْ لو تركَ
جميعَ ما عرفَهُ ، واشتغلَ بمعرفتِهِ فقطْ ومعرفةٍ ما يحبُّهُ ويكرهُهُ .. لكانَ ذلكَ
أقربَ إلى نيلِهِ المرادَ مِنْ قرِبِهِ والاختصاصِ بهِ .
بلْ تقصيرُهُ في التقوىُ واتباعُهُ للشهواتِ يدلُّ على أنَّهُ لمْ ينكشفْ لهُ مِنْ
معرفةِ اللهِ تعالى إلا الأسامي دونَ المعاني؛ إذْ لَوْ عرفَ اللهَ حقَّ معرفتِهِ ..
لخشيَهُ واتَقَاهُ ، فلا يُتصوَّرُ أنْ يعرفَ الأسدَ عاقلٌ ثمَّ لا يتقيهِ ولا يخافُهُ ، وقدْ
أوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ: ( خفْني كما تخافُ السُبُعَ
الضاريَ)(١) .
نعمْ، مَنْ يعرفُ مِنَ الأسدِ لونَّهُ وشكلَهُ واسمَهُ ولمْ يعرفْ سطوتَهُ قدْ
لا يخافُهُ، وكأنَّهُ ما عرفَ الأسدَ ، فمَنْ عرفَ اللهَ تعالى .. عرفَ مِنْ صفاتِهِ
أنَّهُ يهلِكُ العالمينَ ولا يبالي، ويعلمُ أنَّهُ مسخِّرٌ في قدرةٍ مَنْ لوْ أهلكَ مثلَهُ
آلافاً مؤلفةً وأبَّدَ عليهِمُ العذابَ أبدَ الآبادِ .. لمْ يؤثِّرْ ذلكَ فيهِ أثراً ، ولمْ
(١) قوت القلوب (٢٤١/١).
٦٤٠