النص المفهرس
صفحات 601-620
ربع المهلكات کتاب ذم الکبر وعلاجُهُ : أنْ يتفكّرَ في آفاتِ المالِ ، وكثرةِ حقوقِهِ ، وعظمٍ غوائِلِهِ ، وينظرَ إلى فضيلةِ الفقراءِ ، وسبقِهِمْ إلى الجنةِ في القيامةِ ، وإلى أنَّ المالَ غادٍ ورائحٌ ، ولا أصلَ لهُ ، وإلى أنَّ في اليهودِ مَنْ يزيدُ عليهِ في المالِ ، وإِلى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((بينما رجلٌ يتبخترُ في حُلَّةٍ لهُ قدْ أعجبَتْهُ نفسُهُ .. إذْ أمرَ اللهُ الأرضَ فأخذَتْهُ، فهوَ يتجَلْجَلُ فيها إِلى يوم القيامةِ))(١)، أشارَ بهِ إلى عقوبةِ إعجابِهِ بمالِهِ ونفسِهِ . وقالَ أبو ذرِّ رضيَ اللهُ عنهُ: كنتُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فدخلَ المسجدَ فقالَ لي: (( يا أبا ذرِّ ؛ ارفعْ رأسَكَ)) ، فرفعتُ رأسي ، فإذا رجلٌ عليهِ ثيابٌ جيادٌ، ثمَّ قالَ: ((ارفعْ رأسَكَ)) ، فرفعتُ رأسي ، فإِذا رجلٌ عليهِ خُلْقَانٌ ، فقالَ لي : يا أبا ذرِّ ؛ هذا عندَ اللهِ خيرٌ مِنْ قُرابٍ الأرضِ مثلِ هذا))(٢). وجميعُ ما ذكرناهُ في كتابِ الزهدِ ، وكتابِ ذمِّ الدنيا ، وكتابٍ ذمِّ المالِ .. بيِّنُ حقارةَ الأغنياءِ وشرفَ الفقراءِ عندَ اللهِ تعالى ، فكيفَ يُتصوَّرُ مِنَ المؤمنِ أنْ يعجبَ بثروتِهِ ؟ بلْ لا يخلو المؤمنُ عنِ الخوفِ مِنْ تقصيرِهِ في القيام بحقوقِ المالِ ، في أخذِهِ مِنْ حِلُّهِ ، ووضعِهِ في حقِّهِ ، ومَنْ لا يفعلْ ذلكَ .. فمصيرُهُ إلى الخزىِ والبوارِ ، فكيفَ يعجبُ بمالِهِ ؟! (١) رواه البخاري (٥٧٨٩)، ومسلم ( ٢٠٨٨). (٢) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٧٠)، ورواه بألفاظ مقاربة أحمد في ((المسند)) (١٥٧/٥). ٦٠١ حر t کتاب ذم الکبر ربع المهلكات 05. الثامنُ : العجبُ بالرأي الخطأِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُسُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنًا ﴾ . وقال تعالى: ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. وقدْ أخبرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ ذلكَ يغلبُ على آخرِ هذهِ الأمةِ (١) ، وبذلكَ هلكَتِ الأممُ السالفةُ؛ إذِ افترقَتْ فرقاً ، فكلٌّ معجبٌ برأيهِ ، وكلُّ حزبٍ بما لديهِمْ فرحونَ ، وجميعُ أهلِ البدع والضلالِ إنَّما أصرُّوا عليها لعجبهِمْ بآرائِهِمْ ، والعجبُ بالبدعةِ هوَ استحسانُ ما يسوقُ إلیهِ الهوى والشهوةُ معَ ظنِّ كونِهِ حقّاً . وعلاجُ هذا العجبِ أشدُّ مِنْ علاجٍ غيرِهِ ؛ لأنَّ صاحبَ الرأيِ الخطأِ جاهلٌ بخطئِهِ ، ولو عرفَهُ .. لتركَهُ، ولا يُعالجُ الداءُ الذي لا يُعرفُ ، والجهلُ داءٌ لا يُعرفُ، فتعسَّرَ مداواتُهُ جدّاً، إلا أنَّ العارفَ يقدرُ على أنْ يبيِّنَ للجاهلِ جهلَهُ، ويزيلَهُ عنهُ، إلا إذا كانَ معجباً برأيهِ وجهلِهِ ؛ فإِنَّهُ لا يُصغي إلى العارفِ ويتَّهِمُهُ، فقدْ سلَّطَ اللهُ تعالىُ عليهِ بليَّةٌ تهلكُهُ ، وهوَ يظنُّها نعمةً ، فكيفَ يمكنُ علاجُهُ ؟ وكيفَ يطلبُ الهربَ ممَّا هوَ سببُ سعادتِهِ في اعتقادِهِ ؟ (١) تقدم، ولفظه: ((إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىّ متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه .. فعليك بخاصة نفسك )) . ـحن ٦٠٢ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر وإنَّما علاجُهُ على الجملةِ : أنْ يكونَ مثَّهِماً لرأيِهِ أبداً ، لا يغترُ بهِ إلا أنْ يشهدَ لهُ قاطعٌ مِنْ كتابٍ ، أوْ سنَّةٍ ، أوْ دليلٍ عقليٍّ صحيحٍ جامعٍ لشروطٍ الأدلَّةِ ، ولنْ يعرفَ الإنسانُ أدلةَ الشرع والعقلِ وشروطَها ومكامنَ الغلطِ فيها إلا بقريحةٍ تامّةٍ ، وعقلٍ ثاقبٍ ، وجدٍّ وتشميرٍ في الطلبِ ، وممارسةٍ للكتابِ والسنةِ ، ومجالسةٍ لأهلِ العلمِ طولَ العمرِ ، ومدارسةٍ للعلوم ، ٩ ومعَ ذلكَ فلا يُؤْمنُ عليهِ الغلطَ في بعضِ الأمورِ . والصوابُ لمَنْ لمْ يتفرَّغْ لاستغراقِ عمرِهِ في العلم : ألاَّ يخوضَ في المذاهبِ ، ولا يصغيَ إليها ولا يسمعَها ، ولكنْ يعتقدُ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ لا شريكَ لهُ، وأنَّهُ ليسَ كمثلِهِ شيءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ ، وأنَّ رسولَهُ صادقٌ فيما أخبرَ بهِ ، ويتبعُ سنةَ السلفِ ، ويؤمنُ بجملةِ ما جاءَ بهِ الكتابُ والسنةُ مِنْ غيرِ بحثٍ وتنقيرٍ وسؤالٍ عنْ تفصيلٍ ، بلْ يقولُ : آمنًّا وصدَّقنا ، ويشتغلُ بالتقوى ، واجتنابِ المعاصي ، وأداءِ الطاعاتِ ، والشفقةِ على المسلمينَ ، وسائرِ الأعمالِ ، فإِنْ خاضَ في المذاهبِ والبدع والتعصبِ في العقائدِ .. هلكَ مِنْ حيثُ لا يشعرُ ، هذا حقُّ كلِّ مَنْ عزمَ على أنْ يشتغلَ في عمرِهِ بشيءٍ غيرِ العلمِ . فأمَّا الذي عزمَ على التجرُّدِ للعلمِ .. فأوَّلُ مهمٍّ لهُ معرفةُ الدليل وشروطِهِ ، وذلكَ ممَّا يطولُ الأمرُ فيهِ ، والوصولُ إلى اليقينِ والمعرفةِ في أكثرِ المطالبِ شديدٌ ، لا يقدرُ عليهِ إلا الأقوياءُ المؤيدونَ بنورِ اللهِ تعالى ، ٦٠٣ حن .حز كتاب ذم الكبر ربع المهلكات وهوَ عزيزُ الوجودِ جدّاً ، فنسألُ اللهَ تعالى العصمةَ مِنَ الضلالِ ، ونعوذُ بهِ مِنَ الاغترارِ بخيالاتِ الجهَّالِ . تم كتاب ذقم الكبر والعجب وهو الكتاب التاسع من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الذين وصلّى تُ على سيدنا محمد الشّي العربي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم يثلون كتاب ثم الغرور ۔۔۔ ٦٠٤ ككِتَابُ حقَ القُرُودُ وهو الكتاب العاشر من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين ٦٠٥ 3 ربع المهلكات كتاب ذم الغرور كتاب ذمّ الغرور بِسْبِاللهِ الرَّحْمنِالرّيَّةِ الحمدُ للهِ الذي بيدِهِ مقاليدُ الأمورِ ، وبقدرتِهِ مفاتيحُ الخيراتِ والشرورِ ، مخرج أوليائِهِ مِنَ الظلماتِ إلى النورِ ، وموردِ أعدائِهِ وَرَطاتٍ الغرورِ . والصلاةُ على محمدٍ مخرج الخلائقِ مِنَ الديجورِ ، وعلى آلهِ وأصحابِهِ الذينَ لمْ تغرُّهُمُ الحياةُ الدنيا ولمْ يغُّهُمْ باللهِ الغَرورُ ، صلاةً تتوالى على ممرٍ الدهورِ ، ومكرِّ الساعاتِ والشهورِ . حن أما بعد: فمفتاحُ السعادةِ التيقُّظُ والفطنةُ ، ومنبعُ الشقاوةِ الغرورُ والغفلةُ ، فلا نعمةَ للهِ على عبادِهِ أعظمُ مِنَ الإيمانِ والمعرفةِ ، ولا وسيلةً إلیهِ سوى انشراحِ الصدرِ بنورِ البصيرةِ ، ولا نقمةَ أعظمُ مِنَ الكفرِ والمعصيةِ ، ولا داعيَ إليهِما سوى عمى القلبِ بظلمةِ الجهالةِ ، فالأكياسُ وأربابُ البصائرِ قلوبُهُمْ ﴿كَمِشْكَوَةٍ فِيهَا مِصْبَاعٌ أَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوَّكَبٌ دُرِىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَةِ ◌َُّرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسَّهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، والمغترونَ قلوبُهُمْ ﴿كَظُلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُّجِِّّ يَغْشَنُهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن ٦٠٧ کتاب ذم الغرور ربع المهلكات فَوْقِهِ، سَحَابٌ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدُ يَرَهَا وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾. فالأكياسُ همُ الذينَ أرادَ اللهُ أنْ يهديَهُمْ، فشرحَ صدورَهُمْ للإسلامِ والهدى، والمغتزُّونَ هُمُ الذينَ أرادَ اللهُ أنْ يضلَّهُمْ، فجعلَ صدرَهُمْ ضيِّقاً حرجاً كأنَّما يصَّعَّدُ في السماءِ ، والمغرورُ هوَ الذي لمْ تنفتحْ بصيرتُهُ ليكونَ بهدايةِ نفسهِ كفيلاً ، وبقيَ في العمى فاتخذَ الهوى قائداً والشيطانَ دليلاً ، ﴿ وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. وإذا عُرفَ أنَّ الغرورَ هوَ أُ الشقاواتِ ، ومنبعُ المهلكاتِ .. فلا بدَّ مِنْ شرحٍ مداخلِهِ ومجاريهِ ، وتفصيلٍ ما يكثرُ وقوعُ الغرورِ فيهِ ؛ ليحذرَهُ المريدُ بعدَ معرفتِهِ فيتقيهُ، فالموفَّقُ مِنَ العبادِ مَنْ عرفَ مداخلَ الآفاتِ والفسادِ فأخذَ منها حذرَهُ ، وبنى على الحزم والبصيرةِ أمرَهُ . ونحنُ نشرحُ أجناسَ مجاري الغرورِ ، وأصنافَ المغترِّينَ مِنَ العصاةِ والعلماءِ والصالحينَ ، الذينَ اغترُوا بمبادي الأمورِ الجميلةِ ظواهرُها ، القبيحةِ سرائرُها ، ونشيرُ إلى وجهِ اغترارِهِمْ بها وغفلتِهِمْ عنها ؛ فإنَّ ذلكَ وإنْ كانَ أكثرَ ممَّا يُحصى ، ولكنْ يمكنُ التنبيهُ على أمثلةٍ تَغْني عنٍ ء الاستقصا . وفِرَقُ المغترينَ كثيرةٌ ، ولكنْ يجمعُهُمْ أربعةُ أصنافٍ : الصنفُ الأولُ : مِنَ العلماءِ ، الصنفُ الثاني : مِنَ العبَّادِ ، الصنفُ قع ٦٠٨ ـن ربع المهلكات كتاب ذم الغرور الثالثُ : مِنَ المتصوِّفَةِ ، الصنفُ الرابعُ : مِنْ أربابِ الأموالِ . والمغترُّ مِنْ كلِّ صنفٍ فرقٌ كثيرةٌ ، وجهاتُ غرورِهِمْ مختلفةٌ ؛ فمنهُمْ مَن رأى المنكرَ معروفاً ؛ كالذي يتَّخذُ المساجدَ ويزخرفُها مِنَ المالِ الحرامِ ، ومنهُمْ مَنْ لمْ يميِّزْ بينَ ما يسعى فيهِ لنفسِهِ وبينَ ما يسعى فيهِ للهِ تعالى؛ كالواعظِ الذي غرضُهُ القبولُ والجاهُ، ومنهُمْ مَنْ يتركُ الأهمَّ ويشتغلُ بغيرِهِ ، ومنهُمْ مَنْ يتركُ الفرضَ ويشتغلُ بالنافلةِ ، ومنهُمْ مَنْ يتركُ اللُّبابَ ويشتغلُ بالقشرِ ؛ كالذي يكونُ هُّهُ في الصلاةِ مقصوراً على تصحيح مخارجِ الحروفِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ مداخلَ لا تتضحُ إلا بتفصيلِ الفِرَقِ وضربِ الأمثلةِ . ولنبدأْ أُوَّلاً بذكرِ غرورِ العلماءِ ، ولكنْ بعدَ بيانِ ذمِّ الغرورِ ، وبيانِ حقیقتِهِ وحدِّهِ . ٦٠٩ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات بيان وم الغرور وحقيقته وأمثلةُ اعلمْ: أَنَّ قولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّككُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، وقولَهُ تعالى: ﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ اُلْأَمَانِىُّ ... ﴾ الآيةَ .. كافٍ في ذمِّ الغرورِ . وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((حبَّذا نومُ الأكياسِ وفطرُهُمْ ، كيفَ يغبنونَ سهرَ الحمقى واجتهادَهُمْ ولمثقالُ ذرَّةٍ مِنْ صاحبِ تقوى ويقينٍ أفضلُ مِنْ ملءِ الأرضِ مِنَ المغترِّينَ؟!))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الكيِّرُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعملَ لما بعدَ الموتِ، والأحمقُ مَنْ أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على اللهِ)) (٢). وكلُّ ما وردَ في فضلِ العلمِ وذمِّ الجهلِ .. فهوَ دليلٌ علىُ ذِّ الغرورِ ؛ لأنَّ الغرورَ عبارةٌ عنْ بعضٍ أنواع الجهلِ ؛ إذِ الجهلُ هوَ أنْ يعتقدَ الشيءَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((اليقين)) (٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١١/١) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفاً عليه ، قال الحافظ العراقي : ( ولم أجده مرفوعاً). ((إتحاف)) ( ٤٢٨/٨). (٢) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، وفيهما: ((العاجز)) بدل ((الأحمق))، وورد لفظ (الأحمق) عند ابن سلام في ((غريب الحديث)) (١٣٤/٣)، دان نفسه: جعلها منقادة مطيعة لربها تعالى، وتمنّى على الله: فهو مع تقصيره في طاعة الله واتباع الشهوات .. لا يعتذر ولا يرجع ، بل يتمنى على الله العفو والجنة مع الإصرار وترك التوبة والاستغفار. انظر ((الإتحاف)) (٤٤/٧). ٦١٠ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور ويراهُ على خلافِ ما هوَ بهِ ، والغرورُ هوَ جهلٌ ، إلا أنَّ كلَّ جهلٍ ليسَ بغرورٍ ، بلْ يستدعي الغرورُ مغروراً فيهِ مخصوصاً ، ومغروراً بهِ وهوَ الذي يغرُّهُ، فمهما كانَ المجهولُ المعتقَدُ شيئاً يوافقُ الهوى ، وكانَ السببُ الموجبُ للجهلِ شبهةً ومَخِيلةً فاسدةً يظنُّ أنَّها دليلٌ ولا تكونُ دليلاً .. سُميَ الجهلُ الحاصلُ بهِ غروراً . فالغرورُ : هوُ سكونُ النفسِ إلى ما يوافقُ الهوى ويميلُ إليهِ الطبعُ عنْ شبهةٍ وخدعةٍ مِنَ الشيطانِ ؛ فمَنِ اعتقدَ أنَّهُ على خيرٍ إِمَّا في العاجلِ أوْ في الآجلِ عنْ شبهةٍ فاسدةٍ .. فهوَ مغرورٌ، وأكثرُ الناسِ يظُّونَ بأنفسِهِمُ الخيرَ وهمْ مخطئونَ فيهِ ، فأكثرُ الناس إذاً مغرورونَ وإنْ اختلفَتْ أصنافُ غرورِهِمْ واختلفَتْ درجاتُهُمْ ، حتَّى كانَ غرورُ بعضِهِمْ أظهرَ وأشدَّ مِنْ بعضٍ ، وأظهرُها وأشدُّها غرورانِ ؛ غرورُ الكفارِ ، وغرورُ العصاةِ والفسَّاقِ ، فلنورد أمثلةً لحقيقةِ الغرورِ : المثالُ الأولُ : غرورُ الكفارِ : فمنهُمْ مَنْ غَرَّتُهُمُ الحياةُ الدنيا ، ومنهُمْ مَنْ غرَّهُ باللهِ الغَرورُ . أَمَّا الذينَ غرَّتْهُمُ الحياةُ الدنيا .. فهمُ الذينَ قالوا : النقدُ خيرٌ مِنَ النسيئةِ ، والدنيا نقدٌ والآخرةُ نسيئةٌ، فإذاَ هيَ خيرٌ، فلا بدَّ مِنْ إيثارِها ، وقالوا : اليقينُ خيرٌ مِنَ الشكِّ، ولذَّاتُ الدنيا يقينٌ، ولذَّاتُ الآخرةِ شكٌّ؛ فلا نتركُ اليقينَ بالشكِّ . ٦١١ جة کتاب ذم الغرور ربع المهلكات وهذهِ أقيسةٌ فاسدةٌ ؛ تشبهُ قياسَ إبليسَ حيثُ قالَ: ﴿أَنْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْلَنِ مِن ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾، وإلى هؤلاءِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُصَرُونَ﴾ . وعلاجُ هذا الغرورِ : إمَّا بتصديق الإيمانِ ، وإمَّا بالبرهانِ . CG eG أمَّا التصديقُ بمجرَّدِ الإيمانِ .. فهوَ أنْ يصدِّقَ اللهَ تعالى في قولِهِ : ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، وفي قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿ وَأَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾. وقدْ أخبرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بذلكَ طوائفَ مِنَ الكفارِ ، فقلَّدوهُ وصدَّقوهُ وآمنوا بهِ ، ولمْ يطالبوهُ بالبرهانِ(١) ، ومنهُمْ مَنْ قالَ: نشدتُكَ اللهَ؛ أبعثَكَ اللهُ رسولاً؟ فكانَ يقولُ: ((نعمْ))(٢) ، فيصدِّقُ ، وهذا إيمانُ العامَّةِ ، وهوَ مخرجٌ مِنَ الغرورِ ، ويُنزَّلُ هذا منزلةَ تصديقٍ الصبيِّ والدَهُ في أنَّ حضورَ المكتبِ خيرٌ مِنْ حضورِ الملعبِ ، معَ أنَّهُ لا يدري و جه کونه خیراً . ـكن (١) كإيمان كثير من الأنصار، وقد روى أحمد في ((المسند» (٣٢٢/٣) من حديث جابر رضي الله عنه يحكي خبرهم : ( فيخرج الرجل منَّا فيؤمن به ، ويقرئه القرآن ، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه ... ) . (٢) وكان ذلك في قصة إيمان ضِمَام بن ثعلبة رضي الله عنه، وهي عند البخاري ( ٦٣). ٦١٢ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور حن وأمَّا المعرفةُ بالبيانِ والبرهانِ .. فهوَ أنْ يعرفَ وجهَ فسادِ هذا القياسِ الذي نظمَهُ في قلبِهِ الشيطانُ ، فإنَّ كلَّ مغرورٍ فلغرورِهِ سببٌ ، وذلكَ السببُ هوَ دليلٌ ، وكلُّ دليلٍ فهوَ نوعُ قياسٍ يقعُ في النفسِ ، ويورثُ السكونَ إليهِ وإنْ كانَ صاحبُهُ لا يشعرُ بهِ ولا يقدرُ على نظمِهِ بألفاظِ العلماءِ ، فالقياسُ الذي نظمَهُ الشيطانُ فيهِ أصلانِ : أحدُهُما : أنَّ الدنيا نقدٌ والآخرةُ نسيئةٌ ، وهذا صحيحٌ، والآخرُ: قولُهُ: إنَّ النقدَ خيرٌ مِنَ النسيئةِ، وهذا محلُّ التلبيسِ ؛ فليسَ الأمرُ كذلكَ ، بلْ إنْ كانَ النقدُ مثلَ النسيئةِ في المقدارِ والمقصودِ .. فهوَ خيرٌ، وإنْ كانَ أقلّ منهُ .. فالنسيئةُ خيرٌ، فإنَّ هذا الكافرَ المغرورَ يبذلُ في تجارتِهِ درهماً ليأخذَ عشرةَ نسيئةً ولا يقولُ : النقدُ خيرٌ مِنَ النسيئةِ فلا أتركُهُ، وإذا حذَّرَةُ الطبيبُ الفواكهَ ولذائذَ الأطعمةِ .. تركَ ذلكَ في الحالِ ؛ خوفاً مِنْ ألمِ المرضِ في المستقبلِ ، فقدْ تركَ النقدَ ورضيَ بالنسيئةِ ، والتجارُ كلُّهُمْ يركبونَ البحارَ ويتعبونَ في الأسفارِ نقداً لأجلِ الراحةِ والربح نسيئةٌ ، فإنْ كانَ عشرةٌ في ثاني الحالِ خيراً مِنْ واحدٍ في الحالِ .. فانسبْ لذَّةَ الدنيا مِنْ حيثُ مدَّتُها إلى مدَّةِ الآخرةِ ؛ فإِنَّ أقصى عمرِ الإنسانِ مئةُ سنةٍ ، وليسَ هوَ عُشرَ عَشِيرٍ مِنْ جزءٍ مِنْ ألفِ ألفٍ جزءٍ مِنَ الآخرةِ ، فكأنَّهُ قدْ تركَ واحداً ليأخذَ ألفَ ألفِ ، بلْ ليأخذَ ما لا نهايةَ لهُ ولا حدَّ، وإنْ نظرَ مِنْ حيثُ النوعُ . . رأى لذَّاتِ الدنيا مكذَّرةً مشوبةٌ بأنواع المنغِّصاتِ ، ولذاتِ الآخرةِ صافيةٌ غيرَ مكدَّرةٍ . جو. فإذاً ؛ قدْ غلطَ في قولِهِ : النقدُ خيرٌ مِنَ النسيئةِ ، وهذا غرورٌ منشؤُهُ ٦١٣ حن ربع المهلكات کتاب ذم الغرور قبولُ لفظٍ عامٍّ مشهورٍ أُطلقَ وأريدَ بهِ خاصٌّ ، فغفلَ المغرورُ عنْ خصوصٍ معناهُ، فإنَّ مَنْ قالَ : النقدُ خيرٌ مِنَ النسيئةِ .. أرادَ بهِ خيراً مِنْ نسيئةٍ هيَ مثلُهُ وإنْ لم يصرِّح بهِ . وعندَ هُذا يفزعُ الشيطانُ إلى القياسِ الآخرِ ، وهوَ قولُهُ : اليقينُ خيرٌ مِنَ الشكِّ، والآخرةُ شكّ، وهذا القياسُ أكثرُ فساداً مِنَ الأولِ ؛ لأنَّ كِلا أصليهِ باطلٌ ؛ إذِ اليقينُ خيرٌ مِنَ الشكِّ إِذا كانَ مثلَهُ ، وإلا .. فالتاجرُ في تعبِهِ على يقينٍ وفي ربحِهِ علىُ شكِّ ، والمتفقُّهُ في اجتهادِهِ على يقينٍ وفي إدراكِهِ رتبهَ العلمِ على شكٌّ ، والصيّادُ في تردُّدِهِ في المقتنصِ على يقينٍ وفي الظَّفَرِ بالصيدِ على شكٍّ، وكذا الحزمُ دأبُ العقلاءِ بالاتفاقِ ، وكلُّ ذلكَ تركٌ لليقينِ بالشكِّ، ولكنَّ التاجرَ يقولُ: إنْ لمْ أَتَّجرْ .. بقيتُ جائعاً وعَظُمَ ضرري ، وإنِ اتَّجرتُ .. كانَ تعبي قليلاً وربحي كثيراً، وكذلكَ المريضُ يشربُ الدواءَ البشعَ الكريهَ وهوَ مِنَ الشفاءِ علىُ شكِّ ومِنْ مرارةِ الدواءِ على يقينٍ ، ولكنْ يقولُ : ضررُ مرارةِ الدواءِ قريبٌ بالإضافةِ إلى ما أخافُهُ مِنَ المرضِ والموتِ ؛ فكذلكَ مَنْ شكَّ في الآخرةِ فواجبٌ عليهِ بحكمِ الحزمِ أنْ يقولَ : الصبرُ أياماً قلائلَ وهوَ منتهى العمرِ قريبٌ بالإضافةِ إلى ما يُقالُ مِنْ أمرِ الآخرةِ ، فإنْ كانَ ما قيلَ فيهِ كذباً . . فما يفوتني إلا التنقُمُ أيامَ حياتي ، وقدْ كنتُ في العدم مِنَ الأزلِ إلى الآنَ لا أتنعَّمُ ، فأحسِبُ أنّي بقيتُ في العدم ، وإنْ كانَ ما قيلَ صدقاً .. فأبقى في النارِ أبدَ الآبادِ ، وهذا لا يُطَاقُ . ـجر حر ٦١٤ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور ولذلكَ قالَ عليٍّ كرمَ اللهُ وجهَهُ لبعضِ الملحدينَ : ( إنْ كانَ ما قلتَهُ حقّاً .. فقدْ تخلَّصتَ وتخلَّصنا، وإنْ كانَ ما قلناهُ حقّاً .. فقدْ تخلَّصنا وهلكتَ)(١) ، وما قالَ هذا عن شكِّ منهُ في الآخرةِ ، ولكنْ كلَّمَ الملحدَ على قدْرِ عقلِهِ ، وبيَّنَ لهُ أنَّهُ وإنْ لمْ يكنْ متيقناً .. فهوَ مغرورٌ . وأمَّا الأصلُ الثاني مِنْ كلامِهِ وهوَ أنَّ الآخرةَ شكٌّ .. فهوَ أيضاً خطأٌ ، بلْ ذلكَ يقينٌ عندَ المؤمنينَ ، ولیقینِهِ مدرکانِ : ـے أحدُهُمَا : الإيمانُ والتصديقُ ؛ تقليداً للأنبياءِ والعلماءِ ، وذلكَ أيضاً يزيلُ الغرورَ ، وهوَ مدركُ يقينِ العوامّ وأكثرِ الخواصِّ ، ومثالُهُمْ مثالُ مريضٍ لا يُعرَفُ دواءُ علَّتِهِ، وقدِ اتفقَ الأطباءُ وأهلُ الصناعةِ مِنْ عندِ آخرِهِمْ على أنَّ دواءَهُ النبتُ الفلانيُّ؛ فإنَّهُ تطمئنُ نفسُ المريضِ إلى تصديقِهِمْ، ولا يطالبُهُمْ بتصحيحِ ذلكَ بالبراهينِ الطبّةِ ، بلْ يثقُ بقولِهِمْ ويعملُ بهِ ، ولوْ بقيَ سواديٌّ أَوْ معتوهٌ يكذُّبُهُمْ في ذلكَ وهوَ يعلمُ بالتواترِ وقرائنِ الأحوالِ أَنَّهُمْ أكثرُ منهُ عدداً، وأغزرُ منهُ فضلاً ، وأعلمُ بالطبِّ منهُ ، بلْ لا علمَ لهُ بالطبُّ .. فيعلمُ كذبَهُ بقولِهِمْ ، ولا يعتقدُ كذبَهُمْ بقولِهِ ، ولا يفتُر في عملِهِ بسببِهِ (٢)، ولوِ اعتمدَ قولَهُ وتركَ قولَ الأطباءِ .. كانَ معتوهاً مغروراً . فكذلكَ مَنْ نظرَ إلى المقرِّينَ بالآخرةِ والمخبرينَ عنها ، والقائلينَ بأنَّ :25 (١) أورده الشريف في ((نهج البلاغة)). ((إتحاف)) (٤٣٢/٨) وسيأتي. (٢) وفي نسخة الحافظ الزبيدي (٤٣٢/٨): (ولا يغتر في عمله). ٦١٥ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات التقوى هوَ الدواءُ النافعُ في الوصولِ إلى سعادتِها .. وجدَهُمْ خيرَ خلقِ اللهِ ، وأعلاهُمْ رتبةً في البصيرةِ والمعرفةِ والعقلِ، وهمُ الأنبياءُ والأولياءُ والحكماءُ والعلماءُ ، واتَّعَهُمْ عليهِ الخلقُ على أصنافِهِمْ، وشذَّ منهُمْ آحادٌ مِنَ البطَّالينَ غلبَتْ عليهِمُ الشهوةُ ، ومالَتْ نفوسُهُمْ إلى التمثُّحِ ، فعظُمَ عليهِمْ تركُ الشهواتِ ، وعظُمَ عليهِمُ الاعترافُ بأنَّهُمْ مِنْ أهلِ النّارِ ، فجحدوا الآخرةَ وكذَّبوا الأنبياءَ ، فكما أنَّ قولَ الصبيِّ وقولَ السواديِّ لا يزيلُ طمأنينةَ القلبِ إلى ما اتفقَ عليهِ الأطباءُ .. فكذلكَ قولُ هذا الغبيِّ الذي استرقَّتْهُ الشهواتُ لا يشكُّكُ في صحةِ أقوالِ الأنبياءِ والأولياءِ والعلماءِ. وهذا القذْرُ مِنَ الإيمانِ كافٍ لجملةِ الخلقِ ، وهوَ يقينٌ جازمٌ يستحثُّ على العملِ لا محالةَ ، والغرورُ يزولُ بهِ . وأمَّا المدركُ الثاني لمعرفةِ الآخرةِ .. فهوَ الوحيُّ والإلهامُ ، والوحِيُّ للأنبياءِ ، والإلهامُ للأولياءِ ، ولا تظنَّنَّ أنَّ معرفةَ النبيِّ لأمرِ الآخرةِ ولأمورِ الدينِ تقليدٌ لجبريلَ عليهِ السلامُ بالسماع منهُ ؛ كما أنَّ معرفتكَ تقليدٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى تكونَ معرفتُكَ كمعرفتِهِ ، وإنَّما يختلفُ المقلَّدُ فقطْ ، هيهاتَ ! فإنَّ التقليدَ ليسَ بمعرفةٍ ، بلْ هوَ اعتقادٌ صحيحٌ ، والأنبياءُ عارفونَ ، ومعنى معرفتِهِمْ أنَّهُ كُشِفَ لهُمْ حقيقةُ الأشياءِ كما هيَ عليها ، فشاهدوها بالبصيرةِ الباطنةِ كما تشاهدُ أنتَ المحسوساتِ بالبصرِ الظاهرِ ، فيخبرونَ عنْ مشاهدةٍ لا عنْ سماعٍ وتقليدٍ ، وذلكَ بأنْ يُكشفَ لهُمْ عنْ حقيقةِ الروحِ ، وأنَّهُ مِنْ أمرِ اللهِ تعالى ، وليسَ المرادُ بكونِهِ مِنْ أمرِ اللهِ ٦١٦ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور الأمرَ الذي يقابلُ النهيَ ؛ لأنَّ ذلكَ الأمرَ كلامٌ ، والروحُ ليسَ بكلامٍ ، وليسَ المرادُ بالأمرِ الشأنَ حتَّى يكونَ المرادُ بهِ أنَّهُ مِنْ خلقِ اللهِ تعالى فقطْ، لأنَّ ذلكَ عائٌ في جميع المخلوقاتِ ، بلِ العالَمُ عالمانِ : عالمٌ الأمرِ ، وعالمُ الخلقِ ، وللهِ الخلقُ والأمرُ ، فالأجسامُ ذواتُ الكميةِ والمقاديرِ مِنْ عالمِ الخلقِ ؛ إذِ الخلقُ عبارةٌ عنِ التقديرِ في وضعِ اللسانِ ، وكلُّ موجودٍ منزَّهُ عنِ الكميةِ والمقدارِ فإنَّهُ مِنْ عالمِ الأمرِ ، وشرحُ ذلكَ سرُّ الروحِ ، ولا رخصةَ في ذكرِهِ ؛ لاستضرارِ أكثرِ الخلقِ بسماعِهِ ؛ كسرٌ القدرِ الذي منعَ مِنْ إفشائِهِ ، فمَنْ عرفَ سرَّ الروحِ .. فقدْ عرفَ نفسَهُ، وإذا عرفَ نفسَهُ .. فقدْ عرفَ ربَّهُ، وإذا عرفَ نفسَهُ وربَّهُ .. عرفَ أنَّهُ أمرٌ ربانيٌّ بطبعِهِ وفطرتِهِ ، وأنَّهُ في العالمِ الجسمانيِّ غريبٌ، وأنَّ هبوطَهُ إليهِ لمْ يكنْ بمقتضى طبعِهِ في ذاتِهِ ، بلْ بأمرٍ عارضٍ غريبٍ مِنْ ذاتِهِ ، وذلكَ العارضُ الغريبُ وردَ على آدمَ عليهِ السلامُ وعُبِّرَ عنهُ بالمعصيةِ ، وهيَ التي حطَّتْهُ عنِ الجنةِ التي هيَ أليقُ بهِ بمقتضى ذاتِهِ ؛ فإنَّها في جوارِ الربِّ تعالى ، وأنَّهُ أمرٌ ربانيٌّ، وحنينُهُ إلى جوارِ الربِّ تعالى لهُ طبعيٌّ ذاتيٌّ إلا أنْ يصرفَهُ عنْ مقتضى طبعِهِ عوارضُ العالمِ الغريبِ مِنْ ذاتِهِ ، فينسىُ عندَ ذلكَ نفسَهُ وربَّهُ، ومهما فعلَ ذلكَ .. فقدْ ظلمَ نفسَهُ؛ إذْ قيل له: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَبِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾(١) أي : ٨٠ (١) أي : تركوا معرفة الله تعالى ولم يذكروه، فجعلهم ناسين لأنفسهم فلم يعرفوها ، ففيه أن نسيان النفس من ثمرات نسيان الرب ، كما أن نسيان النفس يورث نسيان الرب ، = ٦١٧ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات الخارجونَ عنْ مقتضى طبعِهِمْ وَمِظِنَّةِ استحقاقِهِمْ، يُقالُ : فسقَتِ الرطبةُ عنْ كِمامِها ؛ إذا خرجَتْ عنْ معدنِها الفطريِّ . وهذهِ إشارةٌ إلى أسرارِ يهتزُّ لاستنشاقِ روائِحها العارفونَ ، وتشمئزُّ منْ سماع ألفاظِها القاصرونَ ، فإنَّها تضرُّ بهِمْ كما تضرّ رياحُ الوردِ بالجُعَلِ ، وتبهرُ أعينَهُمُ الضعيفةَ كما تبهرُ الشمسُ أبصارَ الخفافيشِ ، وانفتاحُ هذا البابِ مِنْ سرِّ القلبِ إلى عالمِ الملكوتِ يُسمَّىُ معرفةً وولايةً ، ويُسمَّى صاحبُهُ وليّاً وعارفاً ، وهيَ مبادي مقاماتِ الأنبياءِ ، وآخرُ مقاماتِ الأولياءِ أوَّلُ مقاماتِ الأنبياءِ . ولنرجعْ إلى الغرضِ المطلوبِ ؛ فالمقصودُ أنَّ غرورَ الشيطانِ بأنَّ الآخرةَ شكٌ يُدفَعُ إمَّا بيقينٍ تقليديٍّ، وإمَّا ببصيرةٍ ومشاهدةٍ مِنْ جهةِ الباطنِ ، والمؤمنونَ بألسنتِهِمْ وبعقائدِهِمْ إذا ضيَّعوا أوامرَ اللهِ تعالى ، وهجروا الأعمالَ الصالحةَ، ولابسوا الشهواتِ والمعاصيَ .. فَهُمْ مشاركونَ للكفَّارِ في هذا الغرورِ ؛ لأنَّهُمْ آثروا الحياةَ الدنيا على الآخرةِ . نعمْ ، أمرُهُمْ أخفُّ ؛ لأنَّ أصلَ الإيمانِ يعصمُهُمْ عنْ عقابِ الأبدِ ، فيخرجونَ مِنَ النارِ ولوْ بعدَ حينٍ ، ولكنَّهُمْ أيضاً مِنَ المغرورينَ ، فإنَّهُمُ اعترفوا بأنَّ الآخرةَ خيرٌ مِنَ الدنيا ، ولكنَّهُمْ مالوا إلى الدنيا وآثروها ، ومجرَّدُ الإيمانِ لا يكفي للفوزِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَإِنِ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ والمطلوب: معرفتهما جميعاً، فتضمحل النفس ويبقى الرب. ((إتحاف)) (٨/ ٤٣٤). = ٦١٨ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ اٌلْمُحْسِنِينَ﴾، ثمَّ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الإحسانُ أنْ تعبدَ اللهَ كأنَّكَ تراهُ))(١)، وقال تعالى: ﴿وَاَلْعَصْرِ ﴾﴿ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَفِى خُسْرٍّ عْهُ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾، فوعدُ المغفرةِ في جميع كتابِ اللهِ تعالى منوطٌ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ جميعاً ، لا بالإيمانِ وحدَهُ، فهؤلاءِ أيضاً مغرورونَ ؛ أعني : المطمئنينَ إلى الدنيا ، الفرحينَ بها ، المترفينَ بنعيمِها ، المحبِّنَ لها ، الكارهينَ للموتِ خيفةَ فواتٍ لذاتِ الدنيا ، دونَ الكارهينَ لهُ خيفةٌ لما بعدَهُ . فهذا مثالُ الغرورِ بالدنيا مِنَ الكفارِ والمؤمنينَ جميعاً . ولنذكرْ للغرورِ باللهِ تعالى مثالينٍ مِنْ غرورِ الكافرينَ والعاصينَ : فأمَّا غرورُ الكفارِ باللهِ .. فمثالُهُ : قولُ بعضِهِمْ في أنفسِهِمْ وبألسنتِهِمْ : إِنَّهُ إنْ كانَ للهِ مِن معادٍ .. فنحنُ أحقُ بهِ مِنْ غيرِنا ، ونحنُ أوفرُ حظّاً فيهِ وأسعدُ حالاً ؛ كما أخبرَ اللهُ تعالى عنهُ مِنْ قولِ الرجلينِ المتحاورينِ ؛ إذْ قالَ: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَيِن زُدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾، وجملةُ أمرِهِما كما نُقِلَ في التفسيرِ : أنَّ الكافرَ منهُما بنى قصراً بألف دينارٍ ، واشترى بستاناً بألف دينارٍ ، وخدماً بألف دينارٍ ، وتزوَّجَ امرأةً على ألفٍ دينارٍ ، وفي ذلك كلِّهِ يعظَهُ المؤمنُ ويقولُ : اشتريتَ قصراً يخربُ ويفنى ، (١) رواه البخاري (٤٧٧٧)، ومسلم (٩). حن ٦١٩ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات ألا اشتريتَ قصراً في الجنةِ لا يفنى، واشتريتَ بستاناً يخربُ ويفنى، ألا اشتريتَ بستاناً في الجنةِ لا يفنى ، وخدماً لا يفنونَ ولا يموتونَ ، وزوجةٌ مِنَ الحورِ العينِ لا تموتُ ، وفي كلِّ ذلكَ يردُّ عليهِ الكافرُ ويقولُ : ما هناكَ شيءٌ، وما قيلَ مِنْ ذلكَ .. فهوَ أكاذيبُ ، وإنْ كانَ .. فليكونَنَّ لي في الآخرةِ خيرٌ مِنْ هذا(١) . وكذلكَ وصفَ اللهُ تعالى قولَ العاصِ بنِ وائلِ إذْ يقولُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، فقالَ اللهُ تعالى ردّاً عليهِ: ﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾، ورُويَ عنْ خبابِ بنِ الأرتِّ أنَّهُ قالَ : كانَ لي على العاصِ بنِ وائلٍ دينٌ ، فجئتُ أتقاضاهُ ، فلمْ يقضني ، فقلتُ : إنِّي آخذُهُ في الآخرةِ ، فقالَ لي : إذا صرتُ إلى الآخرةِ .. فإنَّ لي هناكَ مالاً وولداً فأقضيكَ منهُ، فأنزلَ اللهُ تعالى قولَهُ: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَ مَالًا وَوَلَدًا﴾(٢). وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيِن رُّجِّعْتُ إِلَى رَبِيَ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ . حن وهذا كلُّهُ مِنَ الغرورِ باللهِ، وسببُهُ قياسٌ مِنْ أقيسةِ إبليسَ ، وذلكَ لأنَّهُمْ ينظرونَ مرَّةً إلى نعمِ اللهِ تعالىُ عليهِمْ في الدنيا ، فيقيسونَ عليها نعمةَ الآخرةِ ، وينظرونَ مرَّةً إلى تأخيرِ العذابِ عنْهُمْ، فيقيسونَ عليهِ عذابَ (١) انظر ((تفسير البغوي)) (١٦١/٣). (٢) رواه البخاري (٢٠٩١)، ومسلم (٢٧٩٥) . دن ٦٢٠