النص المفهرس
صفحات 581-600
ربع المهلكات کتاب ذم الکبر مكروهٌ استبعاداً يزيدُ على استبعادِهِ ما يجري على الفُسَّاقِ .. سُمِّيَ هذا إدلالاً بالعملِ ، فكأنَّهُ يرى لنفسِهِ على اللهِ عزَّ وجلَّ دالَّةً . وكذلكَ قدْ يُعطي غيرَهُ شيئاً فيستعظمُهُ ويمنُ عليهِ فيكونُ معجباً ، فإِنٍ استخدمَهُ أوِ اقترحَ عليهِ الاقتراحاتِ ، أوِ استبعدَ تخلّفَهُ عنْ قضاءِ حقوقِهِ . . كان مُدِلاً علیهِ . قالَ قتادةُ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ: لا تدلَّ بعملِكَ(١). وفي الخبرِ : ( إنَّ صلاةَ المدلِّ لا تُرفَعُ فوقَ رأسِهِ ، ولأَنْ تضحَكَ وأنتَ معترفٌ بذنبكَ .. خيرٌ مِنْ أنْ تبكيَ وأنتَ مُدِلٌّ بعملِكَ)(٢). والإدلالُ وراءَ العجْبِ ، فلا مُدِلَّ إلا وهوَ معجبٌ ، وربَّ معجبٍ لا يدِلُّ ؛ إذِ العجبُ يحصلُ بالاستعظامِ ونسيانِ النعمةِ ، دونَ توقُّعِ جزاءٍ عليهِ ، والإدلالُ لا يتمُّ إلا معَ توقُّع جزاءٍ ، فإِنْ توقَّعَ إِجابةَ دعوتِهِ واستنكرَ ردَّها بباطنِهِ وتعجَّبَ منهُ .. كانَ مدلاً بعملِهِ ؛ فإنَّهُ لا يتعجَّبُ مِنْ ردِّ دعاءٍ الفاسقِ ، ويتعجّبُ مِنْ ردِّ دعاءِ نفسِهِ لذلكَ، فهذا هوَ العجْبُ والإدلالُ ، وهوَ مِنْ مقدِّماتِ الكبرِ وأسبابِهِ ، واللهُ تعالى أعلمُ . (١) الرعاية (ص ٣٤٦). (٢) أورده المحاسبي في (( الرعاية)) (ص ٣٤٦) عن أيوب وداوود عليهما السلام ، ورواه أبو نعيم في (( الحلية)) ( ٥٦/٧) عن سفيان عن راهب متعبد . ٥٨١ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات بيان علاج الجب على الجملة اعلمْ : أنَّ علاجَ كلِّ علَّةٍ هوَ مقابلةُ سببها بضدِّهِ، وعلَّةُ العجْبِ الجهلُ المحضُ ، فعلاجُهُ المعرفةُ المضادّةُ لذلكَ الجهلِ فقطْ . فلنفرضِ العجْبَ بفعلٍ داخلٍ تحتَ اختيارِ العبدِ ؛ كالعبادةِ والصدقةِ والغزوِ وسياسةِ الخلْقِ وإصلاحِهِمْ ؛ فإنَّ العجْبَ بهذا أغلبُ مِنَ العجْبِ بالجمالِ والقوّةِ والنسبِ وما لا يدخلُ تحتَ اختيارِهِ ولا يراهُ مِنْ نفسِهِ ، فنقولُ : الورعُ والتقوى والعبادةُ والعملُ الذي بهِ يعجبُ إنَّما يعجبُ بهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ فيهِ ، فهوَ محلُّهُ ومجراهُ ، أَوْ مِنْ حيثُ إنَّهُ منهُ وبسببهِ ، وبقدرتِهِ وقوَّتِهِ . فإنْ كانَ يعجبُ بهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ فيهِ وهوَ محلُّهُ ومجراهُ ، يجري فيهِ وعلیهِ مِنْ جهةٍ غيرِهِ .. فهذا جهلٌ ؛ لأنَّ المحلَّ مسخَّرٌ ومجرىّ لا مدخلَ لهُ في الإيجادِ والتحصيلِ ، فكيفَ يعجبُ بما ليسَ إليهِ ؟! وإنْ كانَ يعجبُ بهِ مِنْ حيثُ هوَ منهُ وإليهِ ، وباختيارِهِ حصلَ ، وبقدرتِهِ وقوتِهِ تمَّ .. فينبغي أنْ يتأمَّلَ في قدرتِهِ وإرادتِهِ وأعضائِهِ وسائرِ الأسبابِ التي بها يتمُّ عملُهُ أنَّها مِنْ أينَ كانَتْ لَهُ ؟ فإِنْ كانَ جميعُ ذلكَ نعمةً مِنَ اللهِ سبحانَهُ عليهِ مِنْ غيرِ حقِّ سبقَ لهُ، ومِنْ غيرِ وسيلةٍ يدلي بها .. فينبغي أنْ يكونَ إعجابُهُ بجودِ اللهِ تعالى وكرمِهِ وفضلِهِ ؛ إذْ أفاضَ عليهِ ما لا يستحقُّهُ، وآثرَهُ ٥٨٢ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر بهِ على غيرِهِ مِنْ غيرِ سابقةٍ ووسيلةٍ ، فمهما برزَ الملكُ الغلمانِهِ ، ونظرَ إليهِمْ ، فخلعَ مِنْ جملتِهِمْ على واحدٍ منهُمْ ، لا لصفةٍ فيهِ ولا لوسيلةٍ ، ولا لجمالٍ ولا لخدمةٍ .. فينبغي أنْ يتعجَّبَ المنعَمُ عليهِ مِنْ فضلِ الملكِ وحكمِهِ وإيثارِهِ مِن غيرِ استحقاقٍ ؛ فإعجابُهُ بنفسِهِ مِنْ أينَ؟ وما سببُهُ ؟ ولا ينبغي أنْ يعجبَ هوَ بنفسِهِ . نعمْ ، يجوزُ أنْ يعجبَ العبدُ فيقولُ : الملكُ حكمٌ عدْلٌ لا يظلمُ ، ولا يقدِّمُ ولا يؤخِّرُ إلا لسببٍ ، فلولا أنَّهُ تفطَّنَ فيَّ صفةً مِنَ الصفاتِ المحمودةِ الباطنةِ ما اقتضى الإِيثارَ بالخلعةِ .. لما آثرَني بها، فيُقالُ: وتلكَ الصفةُ هيَ أيضاً مِنْ خلعةِ الملكِ وعطيتِهِ التي خصَّكَ بها مِنْ غيرِكَ مِنْ غیرِ وسيلةٍ أوْ هيَ عطيةُ غيرِهِ ؟ فإِنْ كانَتْ مِنْ عطيةِ الملكِ أيضاً .. لمْ يكنْ لكَ أنْ تعجبَ بها ، بلْ كانَ كما لوْ أعطاكَ فرساً فلمْ تعجبْ بهِ ، فأعطاكَ غلاماً فصرتَ تعجبُ بهِ وتقولُ : إنَّما أعطاني غلاماً لأنِّي صاحبُ فرسٍ ، وأمَّا غيري .. فلا فرسَ لهُ، فيُقالُ: وهوَ الذي أعطاكَ الفرسَ ، فلا فرقَ بينَ أنْ يعطيَكَ الفرسَ والغلامَ معاً أوْ يعطيَكَ أحدَهُما بعدَ الآخرِ ، فإذا كانَ الكلُّ منهُ .. فينبغي أنْ يعجبَكَ جودُهُ وفضلُهُ، لا نفسُكَ . وأمَّا إنْ كانَتْ تلكَ الصفةُ مِنْ غيرِهِ . . فلا يبعدُ أنْ تعجبَ بتلكَ الصفةِ ، وهذا يُتصوَّرُ في حقِّ الملوكِ ، ولا يُتصوَّرُ في حقِّ الجبارِ القاهرِ ملكِ الملوكِ ، المتفرِّدِ باختراع الجميع المنفردِ بإيجادِ الموصوفِ والصفةِ سبحانَهُ وتعالى ؛ فإِنَّكَ إنْ أُعجبتَ بعبادتِكَ وقلتَ : وفَّقَني للعبادةِ لحبِّي لهُ .. ٥٨٣ ـد حن کتاب ذم الکبر ربع المهلكات حن فيُقالُ : ومَنْ خلقَ الحبَّ في قلبكَ؟ فستقولُ : هوَ ، فيُقالُ : فالحبُّ والعبادةُ كلاهُما نعمتانِ مِنْ عندِهِ ابتدأَكَ بهِما مِنْ غيرِ استحقاقٍ مِنْ جهتِكَ ؛ إذ لا وسيلةَ لكَ ولا علاقةَ، فيكونُ الإعجابُ بجودِهِ ؛ إذْ أنعمَ بوجودِكَ ووجودٍ صفاتِكَ ، وبوجودِ أعمالِكَ وأسبابِ أعمالِكَ . فإِذاً ؛ لا معنى لعجبِ العابدِ بعبادتِهِ ، وعجبِ العالمِ بعلمِهِ ، وعجبٍ الجميلِ بجمالِهِ ، وعجبِ الغنيِّ بغناهُ ؛ لأنَّ كلَّ ذلكَ مِنْ فضلِ اللهِ تعالى ، وإنَّما هوَ محلٌّ لفيضانِ فضلِ اللهِ تعالى وجودِهِ ، والمحلُّ أيضاً مِنْ جودِهِ وفضلِهِ . فإِنْ قلتَ : لا يمكنُني أنْ أجهلَ أعمالي ، فإنِّي أنا عملتُها ، فإنِّي أنتظرُ عليها ثواباً ، ولولا أنَّها عملي .. لما انتظرتُ الثوابَ، فإنْ كانَتِ الأعمالُ مخلوقةً للهِ عزَّ وجلَّ على سبيلِ الاختراع .. فمِنْ أينَ لي الثوابُ؟ وإنْ كانَتِ الأعمالُ منِّي وبقدرتي .. فكيفَ لا أعجبُ بها ؟ فاعلمْ أنَّ جوابَكَ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : هوَ صريحُ الحقِّ ، والآخرُ : فيه مسامحةٌ . أمَّا صريحُ الحقّ .. فهوَ أنَّكَ وقدرتَكَ وإرادتَكَ وحركتَكَ جميعُ ذلكَ مِنْ خلقِ اللهِ واختراعِهِ، فما عملتَ إذْ عملتَ، وما صلَّيتَ إذْ صلَّيتَ ، وما رميتَ إذْ رميتَ ، ولكنَّ اللهَ رمى ، فهذا هوَ الحقُّ الذي انكشفَ لأربابِ ٥٨٤ ـو ربع المهلكات کتاب ذم الکبر القلوبِ بمشاهدةٍ أوضحَ مِنْ إبصارِ العينِ ، بلْ خلقَكَ ، وخلقَ أعضاءَكَ ، وخلقَ فيها القوَّةَ والقدرةَ والصحَّةَ، وخلقَ لكَ العقلَ والعلمَ ، وخلقَ لكَ الإرادةَ ، ولوْ أردتَ أنْ تنفيَ شيئاً مِنْ هذا عنْ نفسِكَ .. لم تقدرْ عليهِ ، ثمَّ خلقَ الحركاتِ في أعضائِكَ مستبدّاً باختراعِها مِنْ غيرِ مشاركةٍ مِنْ جهتِكَ معَهُ في الاختراع ، إلا أنَّهُ خلقَهُ على ترتيبٍ ، فلمْ يخلقِ الحركةَ ما لمْ يخلقْ في العضوِ قوَّةً ، وفي القلبِ إرادةً ، ولمْ يخلقْ إرادةً ما لمْ يخلقْ علماً بالمرادِ ، ولمْ يخلقْ علماً ما لمْ يخلقِ القلبَ الذي هوَ محلُّ العلمٍ ، فتدريجُهُ في الخلقِ شيئاً بعدَ شيءٍ هوَ الذي خيَّلَ إليكَ أنَّكَ أوجدتَ عملَكَ ، وقدْ غلطتَ ، وإيضاحُ ذلكَ وكيفيةِ الثوابِ على عملٍ هوَ مِنْ خلقِ اللهِ سبحانَهُ سيأتي تقريرُهُ في كتابِ الشكرِ ؛ فإِنَّهُ أليقُ بهِ ، فارجعْ إليهِ . ونحنُ الآنَ نزيلُ إشكالَكَ بالجوابِ الثاني الذي فيهِ مسامحةٌ ما ، وهوَ أنْ تحسبَ أنَّ العملَ حصلَ بقدرتِكَ ، فمِنْ أينَ قدرتُكَ ؟ ولا يُتصوَّرُ العملُ إلا بوجودِكَ وبوجودِ علمِكَ وإرادِتِكَ وقدرتِكَ وسائرٍ أسبابِ عملِكَ ، وكلُّ ذلكَ مِنَ اللهِ تعالى لا منكَ، فإنْ كانَ العملُ بالقدرةِ .. فالقدرةُ مفتاحُهُ، وهذا المفتاحُ بيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ومهما لمْ يعطكَ المفتاحَ .. فلا يمكنُكَ العملُ ، فالعباداتُ خزائنُ بها يُتوصَّلُ إلى السعاداتِ ، ومفاتيحُها القدرةُ والإرادةُ والعلمُ ، وهيَ بيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ لا محالةَ ، أرأيتَ لوْ رأيتَ خزائنَ الدنيا مجموعةً في قلعة حصينةٍ ومفاتيحُها بيدِ خازنٍ ، ولوْ جلستَ على بابِها وحولَ حيطانِها ألفَ سنةٍ .. لمْ يمكنْكَ أنْ تنظرَ إلى دينارِ ممَّا فيها ، ولوْ ٥٨٥ كتاب ذم الكبر ربع المهلكات أعطاكَ المفتاحَ .. لأخذتَهُ مِنْ قربٍ ، بأنْ تبسُطَ يدَكَ إليهِ فتأخذَهُ فقطْ ، فإِذا أعطاكَ الخازنُ المفاتيحَ ، وسلَّطَكَ عليها ، ومكَّنَكَ منها ، فمددتَ يدَكَ وأخذتَها .. أكانَ إعجابُكَ بإعطاءِ الخازنِ المفاتيحَ أوْ بما إليكَ مِنْ مدِّ اليدِ وأخذِها ؟ فلا شكّ في أنَّكَ ترى ذلكَ نعمةً مِنَ الخازنِ ؛ لأنَّ المؤنةَ في تحريكِ اليدِ بأخذِ المالِ قريبةٌ ، وإنَّما الشأنُ كلُّهُ في تسليمِ المفاتيحِ . فكذلكَ مهما خُلقَتِ القدرةُ، وسُلِّطَتِ الإرادةُ الجازمةُ ، وحُرِّكَتِ الدواعي والبواعثُ، وصُرِفَ عنكَ الموانعُ والصوارفُ ، حتَّى لمْ يبقَ صارفٌ إلا دُفِعَ ، ولا باعثٌ إلا وُكِّلَ بكَ .. فالعملُ هَيِّنٌ عليكَ ، وتحريكُ البواعثِ ، وصرفُ العوائقِ ، وتهيئةُ الأسبابِ كلُّ ذلكَ مِنَ اللهِ تعالى ، ليسَ شيءٌ منها إليكَ ، فمِنَ العجائبِ أنْ تعجبَ بنفسِكَ ولا تعجبَ بمَنْ إليهِ الأمرُ كلُّهُ ، ولا تعجبَ بجودِهِ وفضلِهِ وكرمِهِ في إيثارِهِ إِيَّاكَ على الفسَّاقِ مِنْ عبادِهِ؛ إذْ سلَّطَ دواعيَ الفسادِ على الفسَّاقِ وصرفَها عنكَ، وسلَّطَ أخدانَ السوءِ ودعاةَ الشرِّ عليهِمْ وصرفَهُمْ عنكَ، ومكَّنَهُمْ مِنَ أسبابِ الشهواتِ واللَّذاتِ وزواها عنكَ ، وصرفَ عنهُمْ بواعثَ الخيرِ ودواعيَهِ وسلَّطَها عليكَ ، حتَّى تيسَّرَ لكَ الخيرُ ، وتيسَّرَ لهُمُ الشرُّ، فعلَ ذلكَ كلَّهُ بِكَ مِنْ غيرِ وسيلةٍ سابقةٍ منكَ، ولا جريمةٍ سابقةٍ مِنَ الفاسقِ العاصي ، بلْ آثرَكَ ، وقدَّمَكَ واصطفاكَ بفضلِهِ ، وأبعدَ العاصيَ وأشقاهُ بعدلِهِ ، فما أعجبَ إعجابَكَ بنفسِكَ إذا عرفتَ ذلكَ !! حن ـحة ٥٨٦ ربع المهلكات كتاب ذم الكبر فإِذاً ؛ لا تنصرفُ قدرتُكَ إلى المقدورِ إلا بتسليطِ اللهِ عليكَ داعيةً لا تجدُ سبيلاً إلى مخالفتِها ، فكأنَّهُ الذي اضطرَّكَ إلى الفعلِ إنْ كنتَ فاعلاً تحقيقاً ، فَلُّهُ الشكرُ والمنَّةُ لا لكَ ، وسيأتي في كتابِ التوحيدِ والتوكُلِ مِنْ بیانِ تسلسلِ الأسبابِ والمسبباتِ ما تستبينُ بهِ أنَّهُ لا فاعلَ إلا اللهُ تعالى ، ولا خالقَ سواهُ . والعجبُ ممَّنْ يتعجَّبُ إذا رزقَهُ اللهُ عقلاً وأفقرَهُ ممَّنْ أفاضَ اللهُ عليهِ المالَ مِنْ غيرِ علمٍ ، فيقولُ : كيفَ منعَني قوتَ يومي وأنا العاقلُ الفاضلُ ، وأفاضَ على هذا نعيمَ الدنيا وهوَ الغافلُ الجاهلُ ؟! حتَّى يكادُ يرى هذا ظلماً ، ولا يدري المغرورُ أنَّهُ لوْ جمعَ لهُ بينَ العقلِ والمالِ جميعاً .. لكانَ ذلكَ بالظلمِ أشبهَ في ظاهرِ الحالِ ؛ إذْ يقولُ الجاهلُ الفقيرُ : يا ربِّ ؛ لمَ جمعتَ لهُ بينَ العقلِ والغنى وحرمتَنَي منهُما؟ فهلاً جمعتَهُما لي ، أوْ هلأَ رزقتَ أحدَهُما . وإلى هذا أشارَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ قيلَ لهُ: ما بالُ العقلاءِ فقراءَ ؟ فقالَ : إنَّ عقلَ الرجلِ محسوبٌ عليهِ مِنْ رزقِهِ . والعجبُ أنَّ العاقلَ الفقيرَ ربَّما يرى الجاهلَ الغنيَّ أحسنَ حالاً مِنْ نفسِهِ ، ولوْ قيلَ لهُ : هلْ تؤثرُ جهلَهُ وغناهُ عوضاً عنْ عقلِكَ وفقرِكَ .. لامتنعَ عنهُ ، فإِذاً ذلكَ يدلُّ على أنَّ نعمةَ اللهِ عليهِ أكثرُ ؛ فلِمَ يتعجَّبُ مِنَ ذلكَ ؟ والمرأةُ الحسناءُ الفقيرةُ ترى الحليَّ والجواهرَ على الذميمةِ القبيحةِ ، ٥٨٧ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات فتعجَّبُ وتقولُ : كيف يُحرمُ مثلُ هذا الجمالِ مِنَ الزينةِ ويُخصُّ بهِ مثلُ ذلكَ القبح ؟! ولا تدري المغرورةُ أنَّ الجمالَ محسوبٌ عليها مِنْ رزقِها ، وأنَّها لوْ خُيِّرَتْ بينَ الجمالِ وبينَ القبح معَ الغنى .. لاَثْرَتِ الجمالَ، فإذاً نعمةُ اللهِ عليها أكثرُ . وقولُ الحكيمِ العاقلِ الفقيرِ بقلبِهِ : يا ربِّ ؛ لمَ حرمتَي الدنيا وأعطيتَ الجهَّالَ ؛ كقولٍ مَنْ أعطاهُ الملكُ فرساً فيقولُ : أيُّها الملكُ ؛ لِمَ لا تعطيني الغلامَ وأنا صاحبُ فرسٍ ؟ فيقولُ لهُ : كنتَ لا تتعجبُ مِنَ هذا لوْ لمْ أعطِكَ الفرسَ ، فَهَبْ أنِّي ما أعطيتُكَ فرساً .. أصارَتْ نعمتي عليكَ وسيلةً لكَ وحجّةً تطلبُ بها نعمةً أخرى ؟! فهذهِ أوهامٌ لا تخلو الجهَّالُ عنها، ومنشأُ جميع ذلكَ الجهلُ ، ويُزالُ ذلكَ بالعلمِ المحقَّقِ بأنَّ العبدَ وعملَهُ وأوصافَهُ كلُّ ذَلكَ مِنْ عندِ اللهِ تعالى نعمةٌ ابتدأَهُ بها قبلَ الاستحقاقِ ، وهذا ينفي العجبَ والإدلالَ ، ويورثُ الخضوعَ والشكرَ والخوفَ مِنْ زوالِ النعمةِ ، ومَنْ عرفَ هذا .. لمْ يُتصوَّرْ أنْ يعجبَ بعلمِهِ وعملِهِ ؛ إذْ يعلمُ أنَّ ذلكَ مِنَ اللهِ تعالى . ولذلكَ قالَ داوودُ عليهِ السلامُ : يا ربِّ ؛ ما تأتي ليلةٌ إِلا وإنسانٌ مِنْ آلِ داوودَ قائمٌ، ولا يأتي يومٌ إلا وإنسانٌ مِنْ آلِ داوودَ صائمٌ، وفي روايةٍ : ما تمرُّ ساعةٌ مِنْ ليلٍ أَوْ نهارٍ إلا وعابدٌ مِنْ آلِ داوودَ يعبدُكَ ؛ إمَّا يصلِّي ، وإمَّا يصومُ، وإمَّا يذكرُكَ، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ: يا داوودُ؛ ومِنْ أينَ لَهُمْ ٥٨٨ உ ربع المهلكات كتاب ذم الكبر ذلكَ؟ إنَّ ذلكَ لمْ يكنْ إلا بي ، ولولا عوني إيَّاكَ .. ما قويتَ، وسأكِلُكَ إلى نفسِكَ، قالَ ابنُ عباسٍ : إنَّما أصابَ داوودَ ما أصابَ مِنَ الذنبِ ؛ لعجبهِ بعملِهِ ؛ إذْ أضافَ ذلكَ إلى آلِ داوودَ مدلاً بهِ ، حتَّى وكلَ إلى نفسِهِ فأذنبَ ذنباً أورثَهُ الحزنَ والندمَ(١) . وقالَ داوودُ : يا ربِّ؛ إنَّ بني إسرائيلَ يسألونكَ بإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ، فقالَ : إِنِّي ابتليتُهُمْ فصبروا ، فقالَ : يا ربِّ، وأنا إنِ ابتليتَتَي .. صبرتُ ، فَأدلَّ بالعملِ قبلَ وقتِهِ ، فقالَ تعالى : أما إنِّي لمْ أخبرُهُمْ بأيِّ شيءٍ أبتليهِمْ ، ولا في أيِّ شهرٍ ، ولا في أيِّ يومٍ ، وأنا مخبرُكَ أنِّي أبتليكَ في سنتِكَ هذهِ وشهرِكَ هذا، أبتليكَ غداً بامرأةٍ ، فاحذرْ نفسَكَ ، فوقعَ فيما وقعَ فيهِ (٢) . حر وكذلكَ لمَّا اتكلَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ حنينٍ على قوَّتِهِمْ وكثرتِهِمْ، ونسوا فضلَ اللهِ عليهِمْ، وقالوا : لا نُغلبُ اليومَ مِنْ قلَّةٍ(٣) .. وُكلوا إلى أنفسِهِمْ، فقالَ تعالى: ﴿وَيَوْمَ خُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِينَ﴾ . (١) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٤١)، وقد رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٣٣/٢). (٢) رواه ابن أبي شبية في ((المصنف)) (٣٢٥٥٥، ٣٢٥٥٦). (٣) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٤٣)، ورواه الطبري في ((تفسيره)) (١٢٨/١٠/٦) عن السدي . ٥٨٩ کتاب دم الکبر ربع المهلكات وروى ابنُ عيينةَ أنَّ أيوبَ عليهِ السلامُ قالَ : إلهي ؛ إنَّكَ ابتليتَي بهذا البلاءِ ، وما وردَ عليَّ أمرٌ قطُّ إلا آثرتُ هواكَ على هوائيَ ، فنُوديَ مِنْ غمامةٍ بعشرةِ آلافِ صوتٍ يا أيوبُ ؛ أنَّى لكَ ذلك ؟ أيْ : مِنْ أينَ لكَ ذلكَ ؟ قالَ : فأخذَ رماداً فوضعَهُ على رأسِهِ وقالَ : منكَ يا ربِّ ، فرجعَ عنْ نسیانِهِ إضافةَ ذلكَ إلى اللهِ تعالى(١). CG ولهذا قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ ابدا﴾ ٠ وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأصحابِهِ وهمْ خيرُ الناسِ : (( ما منكُمْ مِنْ أحدٍ ينجيهِ عملُهُ))، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (( ولا أنا، إلا أَنْ يتغمَّدَني اللهُ برحمتِهِ))(٢) . ولقدْ كانَ أصحابُهُ مِنْ بعِدِهِ يتمنَّونَ أنْ يكونوا تراباً وتبناً وطيراً ، معَ صفاءِ أعمالِهِمْ وقلوبِهِمْ ، فكيفَ يكونُ لذي بصيرةٍ أنْ يعجبَ بعملِهِ أُوْ يُدِلَّ بهِ ولا يخافَ على نفسِهِ ؟! حن فإذاً ؛ هذا هوَ العلاجُ القامعُ لمادةِ العجبِ مِنَ القلبِ ، ومهما غلبَ ذلكَ على القلبِ .. شغلَهُ خوفُ سلبِ هذهِ النعمةِ عنِ الإعجابِ بها ، بلْ هوَ ينظرُ إِلى الكفَّارِ والفسَّاقِ وقدْ سُلبوا نعمةَ الإيمانِ والطاعةِ بغيرِ ذنبٍ أذنبوهُ ـعر (١) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٤٣)، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٨٦/٧). (٢) رواه البخاري ( ٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦). ٥٩٠ ربع المهلكات كتاب ذم الكبر مِنْ قبلُ ، فيخافُ مِنَ ذلكَ فيقولُ : إنَّ مَنْ لا يبالي أنْ يحرمَ مِنْ غيرِ جنایةٍ ، ويعطيَ مِنْ غيرِ وسيلةٍ .. لا يبالي أنْ يعودَ ويسترجعَ ما وهبَ ، فكمْ مِنْ مؤمنٍ قدِ ارتدَّ ، ومطيع قدْ فسقَ وخُتمَ لهُ بالسوءِ ، وهذا لا يبقى معَهُ عجْبٌ بحالٍ ، والله تعالى أعلمُ . حر ٥٩١ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات بيان أقسام مابد العجب، وتفصيل علاجه اعلمْ : أنَّ العجبَ بالأسبابِ التي بها يُتكبِّرُ كما ذكرناهُ ، وقدْ يعجبُ بما لا يُتْكبَّرُ بهِ ؛ كعجبهِ بالرأيِ الخطأِ الذي تزيَّنَ لهُ بجهلِهِ . فما بهِ العجبُ ثمانيةُ أقسام : الأوَّلُ : أَنْ يعجبَ ببدِنِهِ في جمالِهِ ، وهيئتِهِ ، وصحتِهِ ، وقوَّتِهِ ، وتناسبِ أشكالِهِ ، وحسنِ صورتِهِ ، وحسنِ صوتِهِ ، وبالجملةِ : تفصيلُ خلقتِهِ ، فيلتفتُ إلى جمالِ نفسِهِ ، وينسى أنَّهُ نعمةٌ مِنَ اللهِ تعالى، وهوَ بعرضةِ الزوالِ في كلِّ حالٍ . وعلاجُهُ : ما ذكرناهُ في الكبْرِ بالجمالِ ، وهوَ التفكِّرُ في أقذارِ باطنِهِ ، وفي أوَّلِ أمرِهِ وفي آخرِهِ ، وفي الوجوهِ الجميلةِ والأبدانِ الناعمةِ أنَّها كيفَ تمزَّقَتْ في الترابِ ، وأنتَنَتْ في القبورِ بحيثُ استقذرَتُها الطباعُ . الثاني : القوَّةُ والبطشُ ؛ كما حُكيَ عنْ قوم عادٍ حينَ قالوا فيما أخبرَ اللهُ عنهُمْ : ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّاقُوَّةً﴾. وكما اتَّكلَ عُوجٌ على قوَّتِهِ وأُعجبَ بها ، فاقتلعَ جبلاً ليطبقَهُ علىُ عسكرٍ موسى عليهِ السلامُ ، فثقبَ اللهُ تعالى تلكَ القطعةَ مِنَ الجبلِ بنقرٍ ٥٩٢ ربع المهلكات كتاب ذم الكبر هذهدٍ ضعيفِ المنقارِ حتَّى صارَتْ في عنْقِهِ (١). وقدْ يتَكلُ المؤمنُ أيضاً على قوَّتِهِ ؛ كما رُويَ عنْ سليمانَ عليهِ السلامُ أنَّهُ قالَ : لأطوفَنَّ الليلةَ على مئةِ امرأةٍ ولمْ يقلْ: إنْ شاءَ اللهُ تعالى، فحُرمَ ما أرادَ مِنَ الولدِ (٢). وكذلك قولُ داوودَ عليهِ السلامُ: (إنِ ابتليتَي .. صبرتُ) إعجاباً بالقوّةِ (٣)، فلما ابتُليَ بالمرأةِ .. لم يصبرْ. ويورثُ العجبُ بالقوَّةِ الهجومَ في الحروبِ ، وإلقاءَ النفسِ في التهلكةِ ، والمبادرةَ إلى الضربِ والقتلِ لكلِّ مَنْ قصدَهُ بالسوءِ . طن من وعلاجُهُ : ما ذكرناهُ ، وهوَ أنْ يعلمَ أنَّ حُمَّى يوم تضعفُ قوَّتَهُ، وأنَّهُ إذا أُعجبَ بها . . ربّما سلبَها اللهُ تعالى بأدنى آفةٍ يسلّطُها عليهِ . الثالثُ : العجبُ بالعقلِ والكياسةِ ، والتفطنِ لدقائقِ الأمورِ مِنْ مصالح الدينِ والدنيا ، وثمرتُهُ : الاستبدادُ بالرأي ، وتركُ المشورةِ ، واستجهال الناسِ المخالفينَ لهُ ولرأيِهِ ، ويخرجُ إلى قلَّةِ الإصغاءِ إلى أهلِ العلمِ ؛ - 1 (١) رواه أبو الشيخ في ((العظمة )) (١٥١٩/٥)، وانظر ( الحاوي للفتاوي)» للسيوطي ( ٢ /٢٤١ ) . (٢) رواه البخاري (٥٢٤٢)، ومسلم (١٦٥٤)، وذكر المئة عند البخاري . (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٢٥٥٦). ٥٩٣ حن ش مدن كتاب ذم الكبر حن ربع المهلكات إعراضاً عنهُمْ بالاستغناءِ بالرأيِ والعقلِ ، واستحقاراً لهُمْ وإهانةً . ن ت. وعلاجُهُ : أَنْ يشكرَ اللهَ تعالى على ما رُزقَ مِنَ العقلِ، ويتفكرَ أنَّهُ بأدنى مرضٍ يصيبُ دماغَهُ كِيفَ يوسوسُ ويُجُّ بحيثُ يُضحكُ منهُ ، فلا يأْمنُ أنْ يُسلبَ عقلُهُ إِنْ أُعجبَ بهِ ولمْ يقُمْ بشكرِهِ ، وليستصغرْ عقَلَهُ وعلمَهُ ، وليعلمْ أنَّهُ ما أُوتِيَ مِنَّ العلم إلا قليلاً وإنِ اتسعَ علمُهُ، وأنَّ ما جهلَهُ ممَّا عرفَهُ الناسُ أكثرُ ممَّا علمَهُ؛ فكيفَ بما لمْ يعرفُهُ الناسُ مِنْ علمِ اللهِ تعالى ؟! وأَنْ يتَّهمَ عقلَهُ، وينظرَ إلى الحمقى كيفَ يعجبونَ بعقولِهِمْ ويضحكُ الناسُ مِنْهُمْ، فيحذرَ أنْ يكونَ منهُمْ وهوَ لا يدري ، فإِنَّ القاصرَ في العقلِ قطُّ لا يعلمُ قصورَ عقلِهِ ؛ فينبغي أنْ يعرفَ مقدارَ عقلِهِ مِنْ غيرِهِ لا مِنْ نفسِهِ ، ومِنْ أعدائِهِ لا مِنْ أصدقائِهِ؛ فإِنَّ مَنْ يداهنُهُ يثني عليهِ فيزيدُهُ عجباً ، وهوَ لا يظرُّ بنفسِهِ إلا الخيرَ ، ولا يفطنُ لجهلِ نفسِهِ فيزدادُ بهِ عجباً. ـحن ٢٠ الرابعُ : العجبُ بالنسبِ الشريفِ؛ كعجبِ الهاشميةِ (١)، حتَّى يظنُ بعضُهُمْ أنَّهُ ينجو بسببٍ شرفِ نسبِهِ ونجاةٍ آبائِهِ ، وأنَّهُ مغفورٌ لهُ، ويتخيَّلُ بعضُهُمْ أَنَّ جميعَ الخلقِ لهُ مَوَالٍ وعبيدٌ . وعلاجُهُ: أنْ يعلمَ أنَّهُ مهما خالفَ آباءَهُ في أفعالِهِمْ وأخلاقِهِمْ، وظنَّ أنَّهُ ملحقٌ بهِمْ .. فقدْ جهلَ، وإنِ اقتدى بآبائِهِ .. فما كانَ مِنْ أخلاقِهِمُ مئن حن عن جن ص (١) هم بنو هاشم، فيشمل العلويين والطالبيين والجعفريين. « إتحاف)) (٤١٨/٨). ٥٩٤ حن .حي ربع المهلكات کتاب ذم الكبر العجْبُ ، بلِ الخوفُ ، والإِزراءُ على النفسِ ، واستعظامُ الخلقِ ، ومذمَّةُ النفسِ ، ولقدْ شَرُفوا بالطاعةِ والعلمِ والخصالِ الحميدةِ ، لا بالنسبِ ، فليشرفْ بما شرفوا بهِ ، وقدْ ساواهُمْ في النسبِ وشاركَهُمْ في القبائلِ مَنْ لمْ يؤمنْ باللهِ واليومِ الآخرِ ، فكانوا عندَ اللهِ شرّاً مِنَ الكلابِ ، وأخسَّ مِنَ الخنازيرِ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْنَى﴾ أيْ : لا تفاوتَ في أنسابِكُمْ لاجتماعِكُمْ في أصلٍ واحدٍ ، ثمَّ ذكرَ فائدةَ النسبِ فقالَ: ﴿وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾، ثمَّ بينَ أنَّ الشرفَ بالتقوىُ لا بالنسبِ فقالَ: ﴿إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللّهِ أَنْقَكُمْ﴾ . بحن ولمَّا قيلَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : مَنْ أكرمُ الناسِ ؟ مَنْ أكيسُ الناسِ ؟ لمْ يقلْ: مَنْ ينتمي إلى نسبي، ولكنْ قالَ: ((أكثرُهُمْ للموتِ ذِكراً، وأَشدُّهُمْ لهُ استعداداً ))(١). وإنما أُنزِلَتْ هذهِ الآيةُ حينَ أَذَّنَ بلالٌ يومَ الفتح على الكعبةِ ، فقالَ الحارثُ بنُ هشام وسهيلُ بنُ عمرٍو وخالدُ بنُ أسيدٍ : هذا العبدُ الأسودُ يؤذِّنُ ؟! فقالَ تعالى: ﴿إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَ الَِّ أَنْقَكُمْ﴾(٢) . وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ قدْ أذهبَ عنْكُمْ عُبِيَّةَ الجاهليةِ تعـ (١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩)، وأبو نعيم فى ((الحلية)) (٣١٣/١). (٢) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٦٣)، وهو عند ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ( ١٨٦٢٠) عن ابن أبي مليكة بنحوه . ٥٩٥ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات - أيْ: كبرَها - كلُّكُمْ بنو آدمَ، وآدمُ مِنْ ترابٍ))(١) . وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا معشر قريشٍ ؛ لا تأتي الناسُ بالأعمالِ يومَ القيامةِ وتأتونَ بالدنيا تحملونَها على رقابِكُمْ ، تقولونَ : يا محمدُ يا محمدُ، فأقولُ هكذا)» (٢)؛ أيْ: أعرضُ عنكمْ، فبيَّنَ أَنَّهُمْ إِنْ مالوا إِلى الدنيا .. لمْ ينفعْهُمْ نسبُ قريشٍ . ولمَّا نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَنَّكَ الْأَقْرِينَ﴾ .. ناداهُمْ بطناً بعدَ بطنٍ حتَّى قالَ : « يا فاطمةٌ بنتَ محمدٍ ؛ يا صفيةً بنتَ عبد المطلبِ عمَّةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ اعملا لأنفسِكُما؛ فإنِّي لا أغني عنكُما مِنَ اللهِ شيئاً "(٣). فَمَنْ عرفَ هذهِ الأمورَ، وعلمَ أنّ شرفَهُ بقدْرِ تقواهُ ، وقدْ كانَ مِنْ عادةِ آبائِهِ التواضعُ .. اقتدى بهِمْ في التقوى والتواضع، وإلا .. كانَ طاعناً في نسبٍ نفسِهِ بلسانِ حالِهِ مهما انتمى إليهِمْ ولمْ يشبهْهُمْ في التواضع والتقوى والخوفِ والإِشفاقِ . فإنْ قلتَ : فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعدَ قولِهِ لفاطمةَ وصفيةَ : « إِنِّي لا أُغني عنكُما مِنَ اللهِ شيئاً، إلا أنَّ لكما رحماً سأبُلُها (١) رواه أبو داوود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥). (٢) رواه البخاري في (( الأدب المفرد)) (٧٥)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١٥٧٩). (٣) رواه البخاري ( ٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٦) . ٥٩٦ ـن. ربع المهلكات کتاب ذم الکبر ببَلالِها))(١)، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أترجو سُلَيمٌ شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلبِ؟!)) (٢)، فذلكَ يدلُّ على أنَّهُ سيخصُّ قرابتَهُ بالشفاعةِ . فاعلمْ : أنَّ كلَّ مسلمٍ فهوَ منتظرٌ شفاعةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، والنسيبُ أيضاً جديرٌ بأنْ يرجوَها، لكنْ بشرطِ أنْ يتََّيَ اللهَ أنْ يغضبَ عليهِ ؛ فإِنَّهُ إنْ يغضبْ عليهِ . . فلا يأذنْ لأحدٍ في أنْ يشفعَ لهُ؛ لأنَّ الذنوبَ منقسمةٌ إلى ما يوجبُ المقتَ فلا يؤذنُ في الشفاعةِ فيهِ ، وإلى ما يُعفىُ عنهُ بسببٍ الشفاعةِ ؛ كالذنوبِ عندَ ملوكِ الدنيا ، فإنَّ كلَّ ذي مكانةٍ عندَ الملكِ لا يقدرُ على الشفاعةِ فيما اشتدَّ عليهِ غضبُ الملكِ ، فمِنَ الذنوبِ ما لا تُنْجي منهُ الشفاعةُ، وعنهُ العبارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾، وبقولِهِ: ﴿ مَن ◌َذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وبقولِهِ: ﴿لَا تَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَزِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾، وبقولِهِ: ﴿وَلَا نَنفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وبقولِهِ: ﴿فَمَا نَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾. (١) تتمة الحديث السابق من رواية مسلم (٢٠٤) ولفظه: ((غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها))، قال الإمام النووي في ((شرحه لمسلم)) (٨٠/٣): (والبلال : الماء، ومعنى الحديث : سأصلها ، شبهت قطيعة الرحم بالحرارة ، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: ((بُّوا أرحامكم)) ؛ أي : صلوها) . (٢) رواه اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) (٢٠٨١)، وفي (ك): ( سلهم ) بدل ( سليم)، ورواه أحمد في (( فضائل الصحابة)) (١٧٥٦)، والخطيب في « تاريخ بغداد)) (٤١٣/٢)، وفي (م): (سهم). ٥٩٧ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات وإذا انقسمَتِ الذنوبُ إلى ما يُشفَعُ فيهِ وإلى ما لا يُشفَعُ فيهِ .. وجبَ الخوفُ والإشفاقُ لا محالةَ ، ولوْ كانَ كلُّ ذنبٍ تُقُبِلُ فيهِ الشفاعةُ .. لما أمرَ قريشاً بالطاعةِ ، ولما نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها عنِ المعصيةِ، ولكانَ يأذنُ لها في اتباع الشهواتِ ؛ لتكملَ لذَّتُها في الدنيا ، ثمَّ يشفعُ لها في الآخرةِ لتكملَ لذَّتُها في الآخرةِ ، فالانهماكُ في الذنوبِ وتركُ التقوى اعتماداً على رجاءِ الشفاعةِ يضاهي انهماكَ المريضِ في شهواتِهِ اعتماداً على طبيبٍ حاذقٍ قريبٍ مشفقٍ مِنْ أبٍ أَوْ أخٍ أوْ غيرِهِ ، وذلكَ جهلٌ ؛ لأنَّ سعيَ الطبيبٍ وهِمَّتَهُ وحذقَهُ ينفعُ في إزالةِ بعضِ الأمراضِ لا في كلِّها ، فلا يجوزُ تركُ الحميةِ مطلقاً اعتماداً على مجرَّدِ الطبِّ، بلِ للطِّبِّ أثرٌ على الجملةِ ، ولكنْ في الأمراضِ الخفيفةِ ، وعندَ غلبةِ اعتدالِ المزاجِ . فهكذا ينبغي أنْ تُفُهمَ عنايةُ الشفعاءِ مِنَ الأنبياءِ والصلحاءِ للأقاربِ والأجانبِ ، فإنَّهُ كذلكَ قطعاً ، وذلكَ لا يزيلُ الخوفَ والحذرَ . وكيفَ يزيلُ وخيرُ الخلقِ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أصحابُهُ ، وقدْ كانوا يتمنَّونَ أنْ يكونوا بهائمَ مِنْ خوفِ الآخرةِ ، معَ كمالِ تقواهُمْ ، وحسنِ أعمالِهِمْ، وصفاءِ قلوبِهِمْ، وما سمعوهُ مِنْ وَعْدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِيَّاهُمْ بالجنَّةِ خاصةً ، وسائرَ المسلمينَ بالشفاعةِ عامةً ، ولمْ يتكلوا عليهِ ، ولمْ يفارقِ الخشوعُ والخوفُ قلوبَهُمْ؟! فكيفَ يعجبُ بنفسِهِ ويثَكلُ على الشفاعةِ مَنْ ليسَ لهُ مثلُ صحبتِهِمْ وسابقتِهِمْ ؟! حن ـدة C ٥٩٨ ـو ربع المهلكات کتاب ذم الکبر حن الخامسُ : العجبُ بنسبِ السلاطينِ الظلمةِ وأعوانِهِمْ ، دونَ نسبِ الدينِ والعلمٍ ، وهذا غايةُ الجهلِ . حن وعلاجُهُ : أنْ يتفكّرَ في مخازيهِمْ، وما جرى لهُمْ مِنَ الظلمِ على عبادِ اللهِ ، والفسادِ في دينِ اللهِ ؛ فإنَّهُمْ ممقوتونَ عندَ اللهِ تعالى . ولوْ نظرَ إلى صورِهِمْ في النارِ وأنتانِهِمْ وأقذارِهِمْ .. لاستنكفَ عنهُمْ، ولتبرَّأَ مِنَ الانتسابِ إليهِمْ ، ولأنكرَ على مَنْ نَسبَهُ إليهِمْ؛ استحقاراً لهُمْ واستقذاراً . ھے ـجن ولوِ انكشفَ لهُ ذلُّهُمْ في القيامةِ ، وقدْ تعلَّقَ الخصماءُ بهِمْ ، والملائكةُ آخذونَ بنواصيهِمْ ، يجرونَهُمْ على وجوهِهِمْ إلى جهنَّمَ في مظالمِ العبادِ .. لتبرَّأَ إلى اللهِ منهُمْ، ولكانَ انتسابُهُ إِلى الكلبِ والخنزيرِ أحبَّ إليهِ مِنَ الانتسابِ إليهِمْ ، فحُّ أولادِ الظلمةِ إنْ عصمَهُمُ اللهُ تعالى مِنْ ظلمِهِمْ أنْ يشكروا اللهَ تعالى على سلامةِ دِينِهِمْ ، ويستغفروا لآبائِهِمْ إِنْ كانوا مسلمينَ ، فأمَّا العجبُ بنسبِهِمْ .. فجهلٌ محضٌ . السادسُ : العجبُ بكثرةِ العددِ مِنَ الأولادِ والخدم والغلمانِ والعشيرةِ والأقاربِ والأنصارِ والأتباع ؛ كما قالَ اللهُ تعالى إخباراً عنِ الكفَّارِ: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا﴾، وكما قالَ المؤمنونَ يومَ حنينٍ : (لا نُغلبُ اليومَ منْ قلةٍ )(١) . (١) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٤٣)، ورواه الطبري في تفسيره)) (١٢٨/١٠/٦) عن السدي. ٥٩٩ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات وعلاجُهُ : ما ذكرناهُ في الكبْرِ ، وهوَ أنْ يتفكِّرَ في ضعفِهِ وضعفِهِمْ ، وأنَّ كلَّهُمْ عبيدٌ عجَزَةٌ ، لا يملكونَ لأنفسِهِمْ ضرّاً ولا نفعاً ، وكمْ مِنْ فئةٍ قليلةٍ غلبَتْ فئةً كثيرةً بإذنِ اللهِ . ثُمَّ كيفَ يعجبُ بِهِمْ وإنَّهُمْ سيفترقونَ عنهُ إذا ماتَ ، فيُدفنُ في قبرِهِ ذليلاً مَهيناً وحدَهُ ، لا يرافقُهُ ولدٌ، ولا أهلٌ، ولا قريبٌ ولا حميمٌ ولا عشيرٌ، فيسلمونَهُ إلى البلى والحياتِ والعقاربِ والديدانِ ، ولا يغنونَ عنهُ شيئاً وهوَ في أحوج أوقاتِهِ إليهِمْ ، وكذلكَ يهربونَ منهُ يومَ القيامةِ: ﴿يَوَمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ فَأَ: وَصَحَِتِهِ، وَبِهِ ... ﴾ الآيةَ، فأيُّ خيرٍ فيمَنْ يفارقُكَ في أشدٌ أحوالِكَ ويهربُ منكَ ؟! وكيفَ تعجبُ بهِ ولا ينفعُكَ في القبرِ والقيامةِ وعلى الصراطِ إلا عملُكَ وفضلُ اللهِ تعالى؟! فكيفَ تتَكلُ على مَنْ لا ينفعُكَ وتنسى نِعَمَ مَنْ يملكُ ضرَّكَ ونفعَكَ ، وموتَكَ وحياتَكَ ؟! السابعُ : العجبُ بالمالِ ؛ كما قالَ اللهُ تعالى إخباراً عنْ صاحبِ الجنّينِ إِذْ قالَ : ﴿ أَنَأْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالَا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ . ورأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلاً غنيّاً جلسَ بجنبهِ فقيرٌ فانقبضَ عنهُ وجمعَ ثيابَهُ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أخشيتَ أنْ يعدوَ إليكَ فقرُهُ؟!)) (١) ، وذلكَ للعجبِ بالغنى. (١) رواه أحمد في ((الزهد)» ( ٢٠٧). ٦٠٠