النص المفهرس

صفحات 561-580

ربع المهلكات
کتاب ذم الكبر
والثالثُ : ملاحظةُ إبهام عاقبتِكَ وعاقبتِهِ ؛ وأنَّهُ ربَّما يُختمُ لكَ بالسوءِ
ويُختمُّ لُهُ بالحسنىُ ، حتَّى يشغلَكَ الخوفُ عنِ التكتُّرِ عليهِ .
فإِنْ قلتَ : فكيفَ أغضبُ معَ هذهِ الأحوالِ ؟
فأقولُ : تغضبُ لمولاكَ وسيِّدِكَ ؛ إذْ أمرَكَ أنْ تغضبَ لهُ لا لنفسِكَ ،
وأنتَ في غضبكَ لا ترى نفسَكَ ناجياً وصاحبَكَ هالكاً ، بلْ يكونُ خوفُكَ
على نفسِكَ بما علمَ اللهُ مِنْ خفايا ذنوبِكَ أكثرَ مِنْ خوفِكَ عليهِ معَ الجهلِ
بالخاتمةِ، وأعرِّفُكَ ذلكَ بمثالٍ ؛ لتعلمَ أنَّهُ ليسَ مِنْ ضرورةِ الغضبِ للهِ أنْ
تتكبَّرَ على المغضوبِ عليهِ وترى قدرَكَ فوقَ قدرِهِ ، فأقولُ :
إذا كانَ للملكِ غلامٌ وولدٌ هوَ قرَّةُ عينِهِ ، وقدْ وَكلَ الغلامَ بالولِدِ ليراقبَهُ ،
وأمرَهُ أنْ يضربَهُ مهما أساءَ أدبَهُ واشتغلَ بما لا يليقُ بهِ ويغضبَ عليهِ ، فإنْ
كانَ الغلامُ مطيعاً محبّاً لمولاهُ .. فلا يجدُ بداً مِنْ أنْ يغضبَ مهما رأى ولدَهُ
قدْ أساءَ الأدبَ وإنَّما يغضبُ عليهِ لمولاهُ؛ لأنَّهُ أمرَهُ بهِ ، ولأنَّهُ يريدُ التقرُّبَ
بامتثالِ أمرِهِ إليهِ ، ولأنَّهُ جرى مِنْ ولِدِهِ ما يكرَهُ مولاهُ ؛ فيضربُ ولدَهُ
ويغضبُ عليهِ مِنْ غيرِ تكبِّرٍ عليهِ ، بلْ هوَ متواضعٌ لهُ، يرى قدرَهُ عندَ مولاهُ
فوقَ قَدْرِ نفسِهِ ؛ لأنَّ الولدَ أعزُّ لا محالةَ مِنَ الغلامِ .
٥٦١

کتاب ذم الكبر
ربع المهلكات
فإذاً ؛ ليسَ مِنْ ضرورةِ الغضبِ التكبِّرُ وعدمُ التواضع ، فكذلكَ يمكنُكَ
أنْ تنظرَ إلى المبتدع والفاسقِ، وتظنَّ أنَّهُ ربَّما كانَ قدرُهُما عندَ اللهِ أعظمَ في
الآخرةِ ؛ لما سبقَ لهُما مِنَ الحسنى في الأزلِ ، ولما سبقَ لكَ مِنْ سوءِ
القضاءِ في الأزلِ ، وأنتَ غافلٌ عنهُ ، ومعَ ذلكَ فتغضبُ بحكمِ الأمرِ محبةً
لمولاكَ؛ إذْ جرى ما يكرهُهُ ، معَ التواضعِ لمَنْ يجوزُ أنْ يكونَ عندَهُ أقربَ
منكَ في الآخرةِ .
فهكذا يكونُ بغضُ العلماءِ الأكياسِ ، فينضمُّ إليهِ الخوفُ والتواضعُ ،
وأمَّا المغرورُ .. فإنَّهُ يتكبِّرُ، ويرجو لنفسِهِ أكثرَ ممَّا يرجوهُ لغيرِهِ معَ جهلِهِ
بالعاقبةِ ، وذلكَ غايةُ الغرورِ .
فهذا سبيلُ التواضع لمَنْ عصى اللهَ تعالى أوِ اعتقدَ البدعةَ معَ الغضبِ
عليهِ ومجانبتِهِ بحكمِ الأمرِ .
السَبَبُ السابعُ : التكبرُ بالورعِ والعبادةِ :
وذلكَ أيضاً فتنةٌ عظيمةٌ على العبادِ ، وسبيلُهُ : أنْ يلزمَ قلبَهُ التواضعَ
السائرِ العبادِ ، وهوَ أنْ يعلمَ أنَّ مَنْ يتقدَّمُ عليهِ بالعلمِ لا ينبغي أنْ يتكبَّرَ عليهِ
كيفَما كانَ ؛ لما عرفَهُ مِنْ فضيلةِ العلمِ ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى
الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((فضلُ العالمِ على العابدِ
٥٦٢

- ...
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
كفضلي على أدنى رجلٍ مِنْ أصحابي » (١) ، إلى غيرِ ذلكَ ممَّا وردَ في فضلِ
العلمِ .
فإِنْ قالَ العابدُ : ذلكَ لعالمٍ عاملٍ بعلمِهِ، وهذا عالمٌ فاجرٌ .. فيُقالُ
لهُ : أما علمتَ أنَّ الحسناتِ يذهبنَ السيئاتِ، وكما أنَّ العلمَ يمكنُ أنْ يكونَ
حجَّةً على العالم فكذلكَ يمكنُ أنْ يكونَ وسيلةً لهُ وكفارةً لذنوبِهِ ، وكلُّ
واحدٍ منهُما ممكنٌ ، وقدْ وردَتِ الأخبارُ بما يشهدُ لذلكَ، وإذا كانَ هذا
أمراً غائباً عنهُ .. لمْ يجزْ لهُ أنْ يحتقرَ عالماً ، بلْ يجبُ عليهِ أن يتواضعَ لهُ .
فإنْ قلتَ : فإنْ صحَّ هذا .. فينبغي أنْ يكونَ للعالم أنْ يرى نفسَهُ فوقَ
العابدِ؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((فضلُ العالم على العابدِ كفضلي على
أدنى رجلٍ مِنْ أصحابي ».
فاعلم : أنَّ ذلكَ كانَ ممكناً لوْ علمَ العالمُ عاقبةَ أمرِهِ ، وخاتمةُ الأمرِ
مشكوكٌ فيها ، فيحتملُ أنْ يموتَ بحيثُ يكونُ حالُهُ عندَ اللهِ أشدَّ مِنْ حالٍ
الجاهلِ الفاسقِ ؛ لذنبٍ واحدٍ كانَ يحسبُهُ هيناً وهوَ عندَ اللهِ عظيمٌ، وقدْ مقتهٌ
بهِ ، وإذا كانَ هذا ممكناً .. كانَ على نفسِهِ خائفاً.
فإِذاً؛ كانَ كلُّ واحدٍ مِنَ العالمِ والعابدِ خائفاً على نفسِهِ ، وقدْ كُلِّفَ أمرَ
(١) رواه الترمذي (٢٦٨٥) .
٥٦٣

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
نفسِهِ لا أمرَ غيرِهِ ، فينبغي أنْ يكونَ الغالبُ عليهِ في حقِّ نفسِهِ الخوفَ ، وفي
حقِّ غيرِهِ الرجاءَ ، وذلكَ يمنعُهُ مِنَ الكِبْرِ بكلِّ حالٍ ، فهذا حالُ العابدِ معَ
العالمِ .
فأمَّا معَ غيرِ العالمِ .. فَهُمْ منقسمونَ في حقُّه إلى مستورينَ وإلى
مكشوفينَ ، فينبغي ألاَّ يتكبَّرَ على المستورِ فلعلَّهُ أقلُّ منهُ ذنوباً ، وأكثرُ منهُ
عبادةً ، وأشدُّ منهُ حبّاً للهِ تعالى، وأمَّا المكشوفُ حالُهُ إنْ لمْ يظهرْ لكَ مِنَ
الذنوبِ إلا ما تزيدُ عليهِ ذنوبُكَ في طولِ عمرٍكَ . . فلا ينبغي أنْ تتكبَّرَ عليهِ ،
ولا يمكنُ أنْ تقولَ : هوَ أكثرُ منِّي ذنباً ؛ لأنَّ عددَ ذنوبِكَ وذنوبِ غيرِكَ في
طولِ العمرِ لا تقدرُ على إحصائِها حتى تعلمَ الكثرةَ .
نعمْ ، يمكنُ أنْ تعلمَ أنَّ ذنوبَهُ أشدُّ ؛ كما لو رأيتَ منهُ القتلَ والشربَ
والزنا ، ومعَ ذلكَ فلا ينبغي أنْ تتكبَّرَ عليهِ ؛ إذْ ذنوبُ القلوبِ مِنَ الکبرِ ،
والحسدِ ، والرياءِ ، والغلِّ، واعتقادِ الباطلِ ، والوسوسةِ في صفاتِ الهِ
تعالى ، وتخيُّلِ الخطأِ في ذلكَ .. كلُّ ذلكَ شديدٌ عندَ اللهِ ، فربما جری
عليكَ في باطنِكَ مِنْ خفايا الذنوبِ ما صرتَ بهِ عندَ اللهِ ممقوتاً ، وقدْ جرى
للفاسقِ الظاهرِ الفسقِ مِنْ طاعاتِ القلوبِ ؛ مِنْ حبِّ لهِ ، وإخلاصٍ ،
وخوفٍ ، وتعظيم ما أنتَ خالٍ عنهُ، وقدْ كفَّرَ اللهُ بذلكَ عنهُ سيئاتِهِ ،
فينكشفُ الغطاءُ يومَ القيامةِ ، فتراهُ فوقَ نَفْسِكَ بدرجاتٍ ، فههذا ممكنٌ ،
والإمكانُ البعيدُ فيما عليكَ ينبغي أنْ يكونَ قريباً عندَكَ إنْ كنتَ مشفقاً على
نفسِكَ ، فلا تتفكرْ فيما هوَ ممكنٌ لغيرِكَ ، بلْ فيما هوَ مَخُوفٌ في حقِّكَ ؛
٥٦٤

ق
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
فإنَّهُ لا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى ، وعذابُ غيرِكَ لا يخفِّفُ شيئاً مِنْ عذابِكَ .
فإذا تفكرتَ في هذا الخطرِ .. كانَ عندَكَ شغلٌ شاغلٌ عنِ التكتُّرِ ، وعنْ
أنْ ترى نفسَكَ فوقَ غيرِكَ ، وقدْ قالَ وهبُ بنُ منبِهِ : ( ما تمَّ عقلُ عبدٍ حتَّى
يكونَ فيهِ عشرُ خصالٍ ، فعدَّ تسعةً حتَّى بلغَ العاشرةَ ، فقالَ : العاشرةُ
وما العاشرةُ؟ بها سادَ مجدُهُ وعلا ذكرُهُ ؛ أنْ يرى الناسَ كلَّهُمْ خيراً منهُ ،
وإنَّما الناسُ عندَهُ فرقتانِ ؛ فرقةٌ هيَ أفضلُ منهُ وأرفعُ ، وفرقةٌ هيَ شرٌّ منهُ
وأدنى ، فهوَ يتواضعُ للفرقتينِ جميعاً بقلبِهِ ، فإنْ رأىْ مَنْ هوَ خيرٌ منهُ ..
سرَّهُ ذلكَ، وتمنَّى أنْ يلحقَ بهِ ، وإنْ رأىُ مَنْ هوَ شرِّ منهُ .. قالَ: لعلَّ هذا
ينجو وأهلِكُ أنا ، فلا تراهُ إلا خائفاً مِنَ العاقبةِ، ويقولُ : لعلَّ بِرَّ هذا باطنٌ
فذلكَ خيرٌ لهُ، ولا أدري، ولعلَّ فيهِ خُلُقاً كريماً بينَهُ وبينَ اللهِ فيرحمَهُ اللهُ
ويتوبَ عليهِ ويختمَ لهُ بأحسنِ الأعمالِ ، وبرِّي ظاهرٌ فذلكَ شرٍّ لي ، فلا
يأمنُ فيما أظهرَهُ مِنَ الطاعةِ أنْ يكونَ دَخَلَها الآفاتُ فأحبطَتْها ، ثمّ قالَ :
فحينَذِ كملَ عقلُهُ، وسادَ أهلَ زمانِهِ )(١) ، فهذا كلامُهُ .
وبالجملةِ : فَمَنْ جُوِّزَ أنْ يكونَ عندَ اللهِ شقياً وقدْ سبقَ القضاءُ الأزليُّ
بشقوتِهِ .. فما لهُ سبيلٌ أنْ يتكبَّرَ بحالٍ مِنَ الأحوالِ .
نعمْ، إذا غلبَ عليهِ الخوفُ .. رأىُ كلَّ أحَدٍ خيراً مِنْ نفسِهِ ، وذلكَ هوَ
ـو
(١) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص٤٢١)، ورواه عنه ابن أبي الدنيا في ((مداراة
الناس )) ( ٣٧) في ذكر الخصال المتبقية .
٥٦٥

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
الفضيلةُ ؛ كما رُويَ أنَّ عابداً أوى إلى جبلٍ ، فقيلَ لهُ في النوم : ائتِ فلاناً
الإسكافَ فسلْهُ أنْ يدعوَ لكَ، فأتاهُ فسألَهُ عنْ عملِهِ ، فأخبرَهُ أنَّهُ يصومُ النهارَ
ويكتسِبُ فيتصدَّقُ ببعضِهِ ، ويطعمُ عيالَهُ بعضَهُ ، فرجعَ وهوَ يقولُ : إنَّ هذا
لحسنٌ ، ولكنْ ليسَ هذا كالتفرُّغ لطاعةِ اللهِ تعالى ، فأتيَ في النومِ ثانياً فقيلَ
لهُ: انتِ فلاناً الإسكافَ فقلْ لهُ : ما هذا الصفارُ الذي بوجهِكَ، فأتاهُ
فسألهُ ، فقالَ لهُ : ما رأيتُ أحداً مِنَ الناسِ إلا وقعَ لي أنَّهُ سينجو وأهلِكُ
أنا ، فقالَ العابدُ: بهذهِ (١).
والذي يدلُّ على فضيلةِ هذهِ الخصلةِ قولُهُ تعالى: ﴿يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةً﴾ أيْ : يُؤْتونَ الطاعاتِ وهُمْ علىْ وَجَلٍ عظيمٍ مِنْ قبولِها .
وقالَ تعالى : ﴿ إِنَّ الَِّينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةٍ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿ إِنَّا كُنَّا قِلُ فِىّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾.
وقدْ وصفَ اللهُ تعالى الملائكةَ عليهمُ السلامُ معَ تقدُّسِهِمْ عنِ الذنوبِ
ومواظبتِهِمْ على العبادةِ على الدؤوبِ بالإشفاقِ ، فقالَ تعالى مخبراً عنهُمْ :
﴿ يُسَبِحُونَ الَتْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ وقالَ: ﴿هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ﴾ .
فمتى زالَ الإشفاقُ والحذرُ ممَّا سبقَ بهِ القضاءُ في الأزلِ ، وينكشفُ عندَ
خاتمةِ الأجلِ .. غلبَ الأمنُ مِنْ مكرِ اللهِ ، وذلكَ يوجبُ الكبْرَ ، وهوَ سببُ
(١) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص٤٢٢).
٥٦٦

ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
الهلاكِ ، فالكبْرُ دليلُ الأمنِ ، والأمنُ مُهلكٌ ، والتواضعُ دليلُ الخوفِ ،
وهو مسعدٌ .
فإذاً؛ ما يفسدُهُ العابدُ بإضمارِ الكبْرِ ، واحتقارِ الخلقِ ، والنظرِ إليهِمْ
بعينِ الاستصغارِ .. أكثرُ ممَّا يصلحُهُ بظاهرِ الأعمالِ.
فهذهِ معارفُ بها يُزالُ داءُ الكبْرِ عنِ القلبِ لا غيرُ ، إلا أنَّ النفسَ بعدَ
هذهِ المعرفةِ قدْ تضمرُ التواضعَ وتدَّعي البراءةَ مِنَ الكبرِ وهيَ كاذبةٌ ، فإذا
وقعَتِ الواقعةُ .. عادَتْ إلى طبعِها، ونسيَتْ وعدَها، فعَنْ هذا؛ لا ينبغي
أنْ يكتفيَ في المداواةِ بمجردِ المعرفةِ ، بلْ ينبغي أنْ تُكمَّلَ بالعملِ ،
وتُجرَّبَ بأفعالِ المتواضعينَ في مواقع هيجانِ الكبْرِ مِنَ النفسِ .
وبيانُهُ : أنْ يمتحنَ النفسَ بخمسِ امتحاناتٍ هيَ أدلةٌ على استخراج
ما في الباطنِ وإنْ كانتِ الامتحاناتُ كثيرةً .
الامتحانُ الأولُ : أنْ يناظرَ في مسألةٍ معَ واحدٍ مِنْ أقرانِهِ ، فإنْ ظهرَ شيءٌ
مِنَ الحقِّ على لسانٍ صاحبهِ ، فثقُلَ عليهِ قبولُهُ، والانقيادُ لهُ ، والاعترافُ
بهِ ، والشكرُ لهُ على تنبيهِهِ وتعريفِهِ وإخراجِهِ الحقَّ .. فذلكَ يدلُّ على أنَّ فیهِ
كبراً دفيناً ، فليتَّقِ اللهَ فيهِ ، وليشتغلْ بعلاجِهِ .
أَمَّا مِنْ حيثُ العلمُ .. فبأنْ يذكِّرَ نفسَهُ خسَّةَ نفسِهِ، وخطرَ عاقبتِهِ ، وأنَّ
الكبْرَ لا يليقُ إلا باللهِ تعالى .
٥٦٧

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
وأمَّا العملُ .. فبأنْ يكلِّفَ نفسَهُ ما ثَقُلَ عليهِ مِنَ الاعترافِ بالحقِّ ، وأنْ
يطلقَ اللسانَ بالحمدِ والثناءِ ، ويقرُّ على نفسِهِ بالعجزِ ، ويشكرُهُ على
الاستفادةِ، ويقولُ : ما أحسنَ ما فطنتَ لهُ وقدْ كنتُ غافلاً عنهُ، فجزاكَ اللهُ
خيراً كما نبَّهتَنَي لهُ، فالحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ ؛ فإذا وجدَها .. ينبغي أنْ
يشكرَ مَنْ دلَّهُ عليها ، فإذا واظبَ على ذلكَ مرَّاتٍ متواليةً .. صارَ ذلكَ لهُ
طبعاً ، وسقطَ ثقَلُ الحقِّ عنْ قلبهِ ، وطابَ لهُ قبولُهُ .
ومهما ثقُلَ عليهِ الثناءُ على أقرانِهِ بما فيهِمْ .. ففيهِ كبرٌ، فإنْ كانَ ذلكَ
لا يثقلُ عليهِ في الخلوةِ ، ويثقلُ عليهِ في الملأِ .. فليسَ فيهِ كبرٌ، وإنَّما فيهِ
رياءٌ ، فليعالج الرياءَ بما ذكرناهُ مِنْ قطعِ الطمعِ عنِ الناسِ ، ويذكُّرِ القلبَ
بأنَّ منَفْعتَهُ في كمالِهِ في ذاتِهِ ، وعندَ اللهِ لا عندَ الخلقِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ
أدويةِ الرياءِ ، وإنْ ثقُلَ عليهِ في الخلوةِ والملأِ جميعاً .. ففيهِ الكبرُ والرياءُ
جميعاً ، ولا ينفعُهُ الخلاصُ مِنْ أحدِهِما ما لمْ يتخلَّصْ مِنَ الثاني ، فليعالجْ
كلا الداءين ؛ فإنَّهُما جميعاً مهلكانِ .
الامتحانُ الثاني : أنْ يجتمعَ معَ الأقرانِ والأمثالِ في المحافلِ ويقدِّمَهُمْ
على نفسِهِ ، ويمشيَ خلفَهُمْ، ويجلسَ في الصدورِ تحتَهُمْ ، فإنْ ثقُلَ ذلكَ
عليهِ .. فهوَ متكبِّرٌ، فليواظبْ عليهِ تكلُّفاً حتَّى يسقطَ عنهُ ثقلُهُ ، فبذلكَ
يزايلُهُ الکبْرُ .
٥٦٨
----
!

ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
وهلهنا للشيطانِ مكيدةٌ ، وهوَ أنْ يجلسَ في صفِّ النعالِ ، أَوْ يجعلَ بينَهُ
وبينَ الأقرانِ بعضَ الأرذالِ ، فيظنُّ أنَّ ذلكَ تواضعٌ وهوَ عينُ الكِبْرِ ؛ فإنَّ
ذلكَ يخفُّ على نفوسِ المتكبرينَ ؛ إذْ يوهمونَ أنَّهُمْ تركوا مكانَهُمْ
بالاستحقاقِ والتفضُّلِ ، فيكونُ قدْ تكبَّرَ ، وتكبّرَ بإظهارِ التواضعِ أيضاً ، بلْ
ينبغي أنْ يقدِّمَ أقرانَهُ ويجلسَ بجنبِهِمْ ، ولا ينحطّ عنهُمْ إلى صفِّ النعالِ ،
فذلكَ هوَ الذي يُخرجُ خبثَ الكَبْرِ مِنَ الباطنِ .
الامتحانُ الثالثُ : أنْ يجيب دعوةَ الفقيرِ ، ويمرَّ إلى السوقِ في حاجةٍ
الرفقاءِ والأقاربِ ، فإنْ ثقُلَ ذلكَ عليهِ .. فهوَ كَبْرٌ ؛ فإنَّ هذهِ الأفعالَ مِنْ
مكارم الأخلاقِ ، والثوابُ عليها جزيلٌ ، فنفورُ النفسِ عنها ليسَ إلا لخبثٍ
في الباطنِ ، فليشتغلْ بإزالتِهِ بالمواظبةِ عليهِ ، معَ تذكُّرٍ جميع ما ذكرناهُ مِنَ
المعارفِ التي تزيلُ داءَ الكبرِ .
الامتحانُ الرابعُ : أنْ يحملَ حاجةَ نفسِهِ وحاجةَ أهلِهِ ورفقائِهِ مِنَ السوقِ
إلى البيتِ ، فإنْ أبتْ نفسُهُ ذلكَ .. فهوَ كَبْرٌ أوْ رياءٌ، فإنْ كانَ يثقلُ ذلكَ عليهِ
معَ خلوِّ الطريقِ .. فهوَ كِبْرٌ ، وإنْ كانَ لا يثقُلُ عليهِ إلا عندَ مشاهدةِ الناسِ ..
فهوَ ریاءٌ .
وكلُّ ذلكَ مِنْ أمراضِ القلبِ وعللِهِ المهلكةِ لهُ إنْ لم تتدارك ، وقدْ أهملَ
٥٦٩

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
الناسُ طبَّ القلوبِ ، واشتغلوا بطبِّ الأجسادِ ، معَ أنَّ الأجسادَ قدْ كُتْبَ
عليها الموتُ لا محالةَ ، والقلوبُ لا تُدرَكُ السعادةُ إلا بسلامتِها؛ إذْ قالَ
تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
ويُروى عنْ عبدِ اللهِ بنِ سلامِ أنَّهُ حملَ حزمةَ حطبٍ ، فقيلَ لهُ : يا أبا
يوسفَ ؛ قدْ كانَ في غلمانِكَ وبنيكَ ما يكفُونَكَ ، قَالَ : أجلْ ، ولكنْ
أردتُ أنْ أجرِّبَ نفسي هلْ تنكرُ ذلكَ(١).
فلمْ يقنعْ منها بما أعطتْهُ مِنَ العزم على تركِ الأنفةِ حتَّى جرَّبَها أهيَ صادقةٌ
أمْ كاذبةٌ .
وفي الخبرِ: ((مَنْ حملَ الفاكهةَ أوِ الشيءَ .. فقدْ برىءَ مِنَ الكِبْرِ))(٢).
الامتحانُ الخامسُ : أنْ يلبسَ ثياباً بذلةً ؛ فإنَّ نفورَ النفسِ عنْ ذلكَ في
الملأِرياءٌ ، وفي الخلوةِ كبٌْ .
وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رضيَ اللهُ عنهُ لهُ مِسْحٌ يلبسُهُ بِالليلِ (٣).
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤١٦/٣)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(١٣٣/٢٩)، ولفظه عند صاحب ((الرعاية)) (ص٤١٣).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٧٨٥٣)، وفيه: ((من حمل بضاعته)) بدل (( من حمل
الفاكهة أو الشيء))، ورواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٢٠٢/١) بلفظ: (( من
حمل سلعته ... )) .
(٣) المِسْح: كساء من صوف أسود. ((إتحاف)) (٤٠٥/٨).
٥٧٠

ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنِ اعتقلَ البعيرَ ولبسَ الصوفَ .. فقدْ
برىءَ مِنَ الكبرِ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّما أنا عبدٌ آكلُ بالأرضِ وأليسُ الصوفَ
وأعقِلُ البعيرَ ، وألعقُ أصابعي ، وأجيبُ دعوةَ المملوكِ ، فمَنْ رغبَ عنْ
سنَّي .. فليسَ منِّي))(٢) .
ورُويَ أنَّ أبا موسى الأشعريَّ قيلَ لهُ: إنَّ أقواماً يتخلَّفونَ عنِ الجمعةِ
بسببٍ ثيابِهِمْ ، فلبسَ عباءةً فصلَّى فيها بالناسِ .
وهذهِ مواضعُ يجتمعُ فيها الرياءُ والكبرُ ، فما يختصُّ بالملأِ .. فهوَ
الرياءُ ، وما يكونُ في الخلوةِ .. فهوَ الكبرُ ، فليُعرفْ، فإنَّ مَنْ لا يعرفُ
الشرَّ لا يتقيهِ ، ومَنْ لا يدركُ المرضَ لا يداويهِ .
(١) كذا في ((الرعاية)) (ص٤١٢)، وفيه: ((من اعتقل العنز ... ))، ورواه أبو نعيم في
((معرفة الصحابة)) (٦٥٠/٢) من حديث جحدم وكانت له صحبة: ((من حلب شاته ،
ورقع قميصه ، وخصف نعله ، وواكل خادمه ، وحمل من سوقه .. فقد برىء من الكبر )) .
(٢) كذا في (( الرعاية)) (ص٤١٢)، وهذا الحديث مشتمل على عدة أحاديث تقدم بعض
منها، وانظر ((الإتحاف)) ( ٨/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
٥٧١
٠٫٠

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
بيان غاية الرياضة في خلق التواضع
اعلمْ : أنَّ هذا الخلُقَ كسائرِ الأخلاقِ ، لهُ طرفانٍ وواسطةٌ ، فطرفُهُ
الذي يميلُ إلى الزيادةِ يُسمَّى تكبُّراً، وطرفُهُ الذي يميلُ إلى النقصانِ يُسمَّى
تخاسساً ومذلةً (١) ، والوسطُ يُسمَّى تواضعاً .
والمحمودُ أنْ يتواضعَ في غيرِ مذلَّةٍ ومِنْ غيرِ تخاسسٍ ؛ فإنَّ كلا طرفي
قصدِ الأمورِ ذميمٌ ، وأحبُّ الأمورِ إلى اللهِ تعالى أوساطُها .
فمَنْ يتقدَّمُ على أمثالِهِ .. فهوَ متكبِّرٌ، ومَنْ يتأخَّرُ عنهُمْ . . فهو متواضعٌ ،
أيْ : وضعَ شيئاً مِنْ قَدْرِهِ الذي يستحقُّهُ ، والعالمُ إذا دخلَ عليهِ إسكافُ فتنخَّى
لهُ عنْ مجلسِهِ وأجلسَهُ فيهِ ، ثمَّ تقدَّمَ وسوَّى لهُ نعلَهُ وغدا إلى بابِ الدارِ
خلفَهُ .. فقدْ تخاسسَ وتذلَّلَ ، وهذا أيضاً غيرُ محمودٍ ، بلِ المحمودُ عندَ اللهِ
تعالى العدلُ، وهوَ أنْ يعطيَ كلَّ ذي حقِّ حقَّهُ ، فينبغي أن يتواضعَ بمثلِ هذا
لأمثالِهِ ، ولمَنْ تقربُ منهُ درجتُهُ، فأمَّا تواضعُهُ للسوقيِّ .. فبالقيامِ ، والبشرِ
في الكلام ، والرفقِ في السؤالِ ، وإجابةِ دعوتِهِ ، والسعي في حاجتِهِ ، وأمثالٍ
ذلكَ ، وألاَّ يرى نفسَهُ خيراً منهُ ، بلْ يكونُ على نفسِهِ أخوفَ منهُ على غيرِهِ ؛
فلا يحقرُهُ ولا يستصغرُهُ وهوَ لا يعرفُ خاتمةَ أمرِهِ وخاتمتَهُ .
(١) قوله: تخاسساً: هو تفاعل من الخسة، وهذا هو التفريط، والتكبر هو الإفراط.
(«إتحاف)» ( ٤٠٦/٨).
٥٧٢

ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
فإِذاً ؛ سبيلُهُ في اكتسابِ التواضع : أنْ يتواضعَ للأقرانِ ولمَنْ دونَهُمْ ،
حتَّى يخفَّ عليهِ التواضعُ المحمودُ في محاسنِ العاداتِ ؛ ليزولَ بهِ الكِبْرُ عنهُ .
فإِنْ خفَّ عليهِ ذلكَ .. فقدْ حصلَ لهُ خُلُقُ التواضع، وإنْ كانَ يثقلُ عليهِ
وهوَ يفعلُ ذلكَ .. فهوَ متكلُّفٌ لا متواضعٌ ، بلِ الخلقُ ما يصدرُ عنهُ الفعلُ
بسهولةٍ مِنْ غيرِ ثقلٍ ومِنْ غيرِ رويَّةٍ .
فإِنْ خفَّ ذلكَ وصارَ بحيثُ يثقلُ عليهِ رعايةُ قدْرِهِ حتَّى أحبَّ التملُّقَ
والتخاسُسَ .. فقدْ خرجَ إلى طرفِ النقصانِ، فليرفَعْ نفسَهُ؛ إذْ ليسَ
للمؤمنِ أنْ يذلَّ نَفْسَهُ ، إلى أنْ يعودَ إلى الوسطِ الذي هوَ الصراطُ
المستقيمُ ، وذلكَ غامضٌ في هذا الخُلُقِ وفي سائرِ الأخلاقِ ، والميلُ عنِ
الوسطِ إلى طرفِ النقصانِ وهوَ التملُّقُ أهونُ مِنَ الميلِ إلى طرفِ الزيادةِ وهوَ
الكِبْرُ ؛ كما أنَّ الميلَ إلى طرفِ التبذيرِ في المالِ أحمدُ عندَ الناسِ مِنَ الميلِ
إلى طرفِ البخلِ ، فنهايةُ التبذيرِ ونهايةُ البخلِ مذمومانِ ، وأحدُهُما
أفحشُ ، وكذلكَ نهايةُ التكثُّرِ ونهايةُ التَبَصْبُصِ والتذلُلِ مذمومانٍ(١)،
وأحدُهُما أقبحُ مِنَ الآخرِ ، والمحمودُ المطلقُ هوَ العدلُ، ووضعُ الأمورِ
مواضعَها كما يجبُ ، وعلى ما يجبُ ، على ما يُعرفُ ذلكَ بالشرع والعادةِ ،
ولنقتصرْ على هذا القدْرِ مِنْ بيانِ أخلاقِ الكبْرِ والتواضعِ .
(١) التبصبص : التملُّق .
٥٧٣

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
الشَّطْرُ الثَّانِى مِنَ الكِتَاب
فى الجب
وفيهِ بيانُ ذمِّ العجْبِ وآفتِهِ ، وبيانُ حقيقةِ العجْبِ والإدلالِ وحدِّهما ،
وبيانُ علاج العجْبِ على الجملةِ ، وبيانُ أقسام ما بهِ العجْبُ ، وتفصيلُ
علاجهِ .
بيان وتم الجب وآفته
اعلمْ : أنَّ العجبَ مذمومٌ في كتابِ اللهِ تعالى وسنةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ .
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْأَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنكُمْ
شَيْئًا﴾ ، ذكرَ ذلكَ في معرِضِ الإِنكارِ .
وقال تعالى: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَنَذُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ
يَحْتَسِبُوا﴾، فردَّ على الكفارِ في إعجابِهِمْ بحصونِهِمْ وشوكتِهِمْ .
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، وهذا أيضاً يرجعُ إلى
العجْبِ بالعملِ ، وقدْ يعجبُ الإِنسانُ بعملِ هوَ مخطئٌ فيهِ ؛ كما يعجبُ
بعملٍ هوَ فيهِ مصيبٌ .
٥٧٤

ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ثلاثٌ مهلكاتٌ: شخٌّ مطاعٌ ، وهوىّ
متَبعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِهِ))(١).
وقالَ لأبي ثعلبةً حيثُ ذكرَ آخِرَ هذهِ الأمةِ فقالَ: (( إذا رأيتَ شحّاً
مطاعاً، وهوىّ متبعاً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيِهِ .. فعليكَ نفسَكَ)) (٢).
وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( الهلاكُ في اثنتينِ : القنوطِ ، والعجبٍ )(٣)، وإنَّما
جمعَ بينَهُما لأنَّ السعادةَ لا تَتَالُ إلا بالسعي والطلبِ والجدِّ والتشميرِ ،
والقانطُ لا يسعى ولا يطلبُ ، والمعجبُ يعتقدُ أنَّهُ قدْ سُعِدَ ، وقدْ ظفرَ
بمرادِهِ ؛ فلا يسعى ، فالموجودُ لا يُطلبُ ، والمحالُ لا يُطلبُ ، والسعادةُ
موجودةٌ في اعتقادِ المعجَبِ حاصلةٌ لهُ ، ومستحيلةٌ في اعتقادِ القانطِ ، فمِنْ
هنا جمعَ بينَهُما .
جر
وقدْ قالَ تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَتَّقَ﴾، قالَ ابنُ جُريجٍ :
معناهُ: إذا عملتَ خيراً .. فلا تقلْ: عملتُ، وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ :
لا تبرُّوها؛ أيْ: لا تعتقدوا أنَّها بارَّةٌ، وهوَ معنى العجْبِ (٤).
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٤٤٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٣/٢)،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ٧٣١).
(٢) رواه أبو داوود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤).
(٣) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص ٣٣٦)، والسياق عنده .
(٤) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٣٧)، وقول زيد رواه الطبري في (( تفسيره))
( ٨٧/٢٧/١٣) .
٥٧٥

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
ووقى طلحةُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ أحدٍ بنفسِهِ ، فأكبَّ علیهِ
حتَّى أُصيبَتْ كُفُّهُ(١) ، فكأنَّهُ أعجبَهُ فعلُهُ العظيمُ؛ إذْ فداهُ بروحِهِ حتَّى
جُرحَ ، فتفرَّسَ فيهِ ذلكَ عمرُ ، فقالَ : ما زالَ يُعرفُ في طلحةَ بأَوٌ منذُ
أُصيبَتْ إصبعُهُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٢) .
والبأُوُ هوَ العجْبُ في اللغةِ، إلا أنَّهُ لمْ يُنقلْ فِيهِ أنَّهُ أظهرَهُ واحتقرَ
مسلماً ، ولمَّا كانَ وقتُ الشورى .. قالَ لهُ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ : أينَ
أنتَ مِنْ طلحةَ ، قالَ: ذلكَ رجلٌ فيهِ نخوةٌ(٣) .
فإذا كانَ لا يتخلَّصُ مِنَ العجبِ أمثالُهُمْ .. فكيفَ يتخلَّصُ الضعفاءُ إنْ لمْ
يأخذوا حذرَهُمْ ؟!
وقالَ مطرفٌ: ( لأَنْ أبيتَ نائماً وأصبحَ نادماً .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أبيتَ
قائماً وأصبحَ معجباً ) (٤).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ لمْ تذنبوا .. لخشيتُ عليكُمْ
ما هوَ أكبرُ مِنْ ذلكَ ؛ العجبَ العجبَ))(٥) ، فجعلَ العجْبَ أكبرَ مِنَ
الذنوب .
(١) رواه البخاري (٣٧٢٤)، وقد شَلَّت يده بهذا رضي الله عنه.
(٢) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٣٤٤/١٠).
(٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٣٨/٤٤) بنحوه.
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٠/٢).
(٥) رواه البزار في ((مسنده)) (٦٩٣٦)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٥٩٤).
٥٧٦

ربع المهلكات
كتاب ذم الكبر
وكانَ بشرُ بنُ منصورٍ مِنَ الذينَ إذا رُؤُوا .. ذُكرَ اللهُ تعالى والدارُ
الآخرةُ ؛ لمواظبتِهِ على العبادةِ ، فأطالَ الصلاةَ يوماً ورجلٌ خلفَهُ ينظرُ إليهِ ،
ففطنَ لهُ بشرٌ، فلمَّا انصرفَ مِنَ الصلاةِ .. قالَ لهُ: لا يعجبَنَّكَ ما رأيتَ
مِنِّي ؛ فإنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ قدْ عبدَ اللهَ تعالىُ معَ الملائكةِ مدَّةً طويلةً ، ثمَّ صارَ
إلى ما صارَ إِليهِ (١).
وقيلَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها : متَى يكونُ الرجلُ مسيئاً ؟ قالَتْ : إذا ظنَّ
أنَّهُ محسنٌ(٢).
وقدْ قالَ تعالى: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾، والمنُّ نتيجةُ
استعظامِ الصدقةِ ، واستعظامُ العملِ هوَ العجبُ ، فظهرَ بهذا أنَّ العجبَ
مذمومٌ جدّاً .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤١/٦).
(٢) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص ٣٣٧).
٥٧٧
حن

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
بيان آفة العجب
اعلمْ: أنَّ آفاتِ العجبِ كثيرةٌ ، فإنَّ العجْبَ يدعو إلى الكبْرِ؛ لأنَّهُ أحدُ
أسبابِهِ كما ذكرناهُ ، فيتولَّدُ مِنَ العجبِ الكِبْرُ ، ومِنَ الكبرِ الآفاتُ الكثيرةُ التي
لا تخفى ، هذا معَ العبادِ .
وأمَّا معَ اللهِ تعالىُ .. فالعجبُ يدعو إلى نسيانِ الذنوبِ وإهمالِها ،
فبعضُ ذنوبِهِ لا يذكرُها ولا يتفقدُها ؛ لظَنِّهِ أنَّهُ مستغنِ عنْ تفقُّدِها ،
فينساها ، وما يتذكَّرُهُ منها فيستصغرُهُ ولا يستعظمُهُ ؛ فلا يجتهدُ في تداركِهِ
وتلافيهِ ، بلْ يظنُّ أنَّهُ يُغفرُ لهُ، وأمَّا العباداتُ والأعمالُ .. فإنَّهُ يستعظمُها ،
ويتبجَّحُ بها ويمنُّ على اللهِ تعالى بفعلِها، وينسىُ نعمةَ اللهِ تعالىُ عليهِ
بالتوفيقِ والتمكينِ منها ، ثمَّ إذا أُعجبَ بها .. عميَ عنْ آفاتِها ، ومَنْ لمْ
يتفقَّدْ آفاتِ الأعمالِ .. كانَ أكثرُ سعيهِ ضائعاً ؛ فإِنَّ الأعمالَ الظاهرةَ إذا لمْ
تكنْ خالصةً نقيّةً عنِ الشوائبِ .. قلمًا تنفعُ، وإنَّما يتفقَّدُ مَنْ يغلبُ عليهِ
الإشفاقُ والخوفُ دونَ العجْبِ .
ـون
والمعجبُ يغترُّ بنفسِهِ وبربِّهِ عزَّ وجلَّ ، ويأمنُ مكرَ اللهِ تعالىُ وعذابَهُ ،
ويظرُ أنَّهُ عندَ اللهِ بمكانٍ ، وأنَّ لهُ عندَ اللهِ منّةً وحقّاً بأعمالِهِ التي هيَ نعمةٌ مِنْ
نعمِهِ ، وعطيَّةٌ مِنْ عطاياهُ، ويخرجُهُ العجبُ إلى أنْ يثنيَ على نفسِهِ
ويحمدَها ويزكيَها ، وإنْ أُعجبَ برأيهِ وعقلِهِ وعلمِهِ .. منعَ ذلكَ مِنَ
الاستفادةِ ، ومِنَ الاستشارةِ والسؤالِ ؛ فيستبدُّ بنفسِهِ ورأيِهِ ويستنكفُ مِنْ
حن
ـكن
٥٧٨
ت

ربع المهلكات
كتاب ذم الكبر
سؤالٍ مَنْ هوَ أعلمُ منهُ ، وربَما يعجبُ بالرأيِ الخطأِ الذي خطرَ لهُ ، فيفرحُ
بكونِهِ مِنْ خواطرِهِ ، ولا يفرحُ بخاطرِ غيرِهِ ، فيصرُّ عليهِ ، ولا يسمعُ نصحَ
ناصحِ ، ولا وعظُ واعظٍ ، بلْ ينظرُ إِلى غيرِهِ بعينِ الاستجهالِ ، ويصرُّ على
خطئِهِ ، فإِنْ كانَ رأيُهُ في أمرٍ دنيويٌّ .. فيخفقُ فيهِ ، وإِنْ كانَ في أمرٍ دينيٍّ
لا سيما فيما يتعلَّقُ بأصولِ العقائدِ .. فيهلكُ بهِ ، ولوِ اتَّهمَ نفسَهُ ، ولمْ يثقْ
برأيِهِ ، واستضاءَ بنورِ القرآنِ ، واستعانَ بعلماءِ الدينِ ، وواظبَ على
مدارسةِ العلمِ ، وتابعَ سؤالَ أهلِ البصيرةِ .. لكانَ ذلكَ يوصلُهُ إلى الحقِّ .
فهذا وأمثالُهُ مِنْ آفاتِ العُجبِ ؛ فلذلكَ كانَ مِنَ المهلكاتِ ، ومِنْ أعظمٍ
آفاتِهِ أنْ يفترَ في السَّعي لظنِّهِ أنَّهُ قَدْ فَازَ وأنَّهُ قدِ استغنى، وهوَ الهلاكُ الصريحُ
الذي لا شبهةَ فيهِ ، نسالُ اللهَ تعالى العظيمَ حسنَ التوفيقِ لطاعتِهِ .
نيور
٥٧٩

کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
بيان حقيقة العجب ◌ُ الإدلال وحدهما
اعلمْ : أنَّ العجبَ إِنَّما يكونُ بوصفٍ هوَ كمالٌ لا محالةَ ، وللعالِمِ
بكمالِ نفسِهِ في علمٍ وعملٍ ومالٍ وغيرِهِ حالتانِ :
إحداهما : أنْ يكونَ خائفاً على زوالِهِ ، مشفقاً على تكذُّرِهِ أوْ سلبِهِ مِنْ
أصلِهِ ؛ فهذا ليسَ بمعجبٍ .
والأخرى : ألاَّ يكونَ خائفاً مِنْ زوالِهِ ، لكنْ يكونُ فرحاً بهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ
نعمةٌ مِنَ اللهِ تعالىُ عليهِ ، لا مِنْ حيثُ إضافتُهُ إلى نفسِهِ ، وهذا أيضاً ليسَ
بمعجب .
ولهُ حالةٌ ثالثةٌ : هيَ العجبُ ، وهيَ أنْ يكونَ غيرَ خائفٍ عليهِ ، بلْ يكونُ
فِرِحاً بهِ مطمئناً إليهِ ، ويكونُ فرحُهُ بهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ كمالٌ ونعمةٌ ورفعةٌ
وخيرٌ ، لا مِنْ حيثُ إنَّهُ عطيَّةٌ مِنَ اللهِ تعالى ونعمةٌ منهُ، فيكونُ فرحُهُ بِهِ مِنْ
حيثُ إنَّهُ صفتُهُ، ومنسوبٌ إليهِ بأنَّهُ لهُ، لا مِنْ حيثُ إنَّهُ منسوبٌ إلى الهِ
تعالى بأنَّهُ منهُ، فمهما غلبَ على قلبهِ أنَّهُ نعمةٌ مِنَ اللهِ ، مهما شاءَ سلبَها
عنهُ .. زالَ العجبُ بذلكَ عنْ نفسِهِ .
ـدة
فإِذاً ؛ العجبُ : هوَ استعظامُ النعمةِ والركونُ إليها معَ نسيانِ إضافتها إلى
المنعمِ .
فإِنِ انضافَ إلى ذلكَ أنْ غلبَ على نفسِهِ أنَّ لهُ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ حقّاً ،
وأنَّهُ منهُ بمكانٍ ، حتَّى توقَّعَ بعملِهِ كرامةً في الدنيا ، واستبعدَ أنْ يجريَ علیهِ
٥٨٠