النص المفهرس
صفحات 541-560
ربع المهلكات کتاب ذم الکبر وناطقاً بعد البكم ، وبصيراً بعدَ العمى ، وقوياً بعدَ الضعفِ ، وعالماً بعدَ الجهلِ ، ومهتدياً بعدَ الضلالِ ، وقادراً بعدَ العجزِ ، وغنياً بعدَ الفقرِ ، فكانَ في ذاتِهِ لا شيءَ، وأيُّ شيءٍ أخسُّ مِنْ لا شيءَ ؟! وأيُّ قَلَّةٍ أقلُّ مِنَ العدم المحضٍ ؟! ثمَ صارَ باللهِ شيئاً . وإنَّما خلقَهُ مِنَ الترابِ الذليلِ الذي يوطأُ بالأقدام ، والنطفةِ القذرةِ بعدَ العدمِ المحضٍ ؛ ليعرِّفَهُ خسَّةَ ذاتِهِ ، فيعرفَ بهِ نفسَهُ، وإنَّما أكملَ النعمةَ عليهِ ؛ ليعرفَ بها ربَّهُ، ويعلمَ بها عظمتَهُ وجلالَهُ، وأنَّهُ لا يليقُ الكبرياءُ إلا بهِ جلَّ وعلا ، ولذلكَ امتنَّ عليهِ فقال: ﴿أَلَمْ فَجْعَلِ لَّهُ عَيْنَيْنِ:﴿٤* وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنٍ وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وعرفَهُ خسَّتَهُ أولاً فقالَ: ﴿أَلَ يَكُ نُطْفَةُ مِّن مَّنِيِّ يُمْنَى )، أُمّ كَانَ عَلَقَةٌ﴾، ثمَّ ذكرَ منَّتَهُ عليهِ فقالَ: ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى ٢٠٠: ◌َجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ ليدومَ وجودُهُ بالتناسلِ كما حصلَ وجودُهُ ابتداءً بالاختراعِ . فمَنْ كانَ هذا بدأَهُ وهذهِ أحوالَهُ .. فمِنْ أينَ لهُ البطَرُ والكبرياءُ ، والفخرُ والخيلاءُ، وهوَ على التحقيقِ أخسرُّ الأخساءِ ، وأضعفُ الضعفاءِ ؟ ! . ولكنْ هذهِ عادةُ الخسيسِ إذا رُفعَ منْ خسَّتِهِ .. شمخَ بأنفِهِ وتعظّمَ ؛ وذلكَ لدلالةِ خسَّةٍ أوَّلِهِ ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ . نعمْ ، لوْ أكملَهُ وفوَّضَ إليهِ أمرَهُ، وأدامَ لهُ الوجودَ باختيارِهِ .. لجازَ أنْ يطغى ، وينسى المبتدأَ والمنتهى، ولكنَّهُ سلَّطَ عليهِ في دوامٍ وجودِهِ ٥٤١ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات ٨٠٠٥٨ الأمراضَ الهائلةَ، والأسقامَ العظيمةَ، والآفاتِ المختلفةَ ، والطبائعَ المتضادَّةَ ؛ مِنَ المِرَّةِ ، والبلغمِ ، والريحِ ، والدمٍ ، يهدمُ البعضُ مِنْ أجزائِهِ البعضَ ، شاءَ أَمْ أبى ، رضيَ أم سَخِطَ ، فيجوعُ كرهاً ، ويعطشُ كرهاً ، ويمرضُ كرهاً ، ويموتُ كرهاً ، لا يملكُ لنفسِهِ نفعاً ولا ضراً ، ولا خيراً ولا شرّاً، يريدُ أنْ يعلمَ الشيءَ فيجهلُهُ ، ويريدُ أنْ يذكرَ الشيءَ فينساهُ ، ويريدُ أنْ ينسى الشيءَ ويغفُلَ عنهُ فلا يغفُلُ عنهُ ، ويريدُ أن يصرفَ قلبَهُ إلى ما يهمُّهُ فيجولُ في أوديةِ الوسواسِ والأفكارِ بالاضطرارِ ، فلا يملكُ قلبُهُ قلبَهُ ، ولا نفسُهُ نفسَهُ، يشتهي الشيءَ وربَّما يكونُ هلاكُهُ فيهِ ، ويكرهُ الشيءَ وربّما تكونُ حياتُهُ فيهِ ، يستلذُّ الأطعمةَ وهيَ تهلكُهُ وتُزْدِيهِ ، ويستبشعُ الأدويةَ وهيَ تنفعُهُ وتحييهِ ، ولا يأمنُ في لحظةٍ مِنْ ليلِهِ أوْ نهارِهِ أنْ يُسلبَ سمعُهُ وبصرُهُ ، وتُفُلِجَ أعضاؤُهُ، ويُختلسَ عقلُهُ، ويُختطفَ روحُهُ ، ويُسلبَ جميعُ ما يهواهُ في دنياهُ ، فهوُ مضطرّ ذليلٌ، إنْ تركَ .. بقيَ ، وإنٍ اختطفَ .. فنيَ ، عبدٌ مملوكٌ لا يقدرُ على شيءٍ مِنْ نفسِهِ ، ولا مِنْ غيرِهِ ، فأيُّ شيءٍ أذُ منهُ لوْ عرفَ نفسَهُ؟! وأنَّى يليقُ الكِبْرُ بهِ لولا جهلُهُ ؟! فههذا أوسطُ أحوالِهِ ، فليتأملْهُ . وأمَّا آخرُهُ وموردُهُ .. فهوَ الموتُ المشارُ إليهِ بقولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّأَمَا نَهُ فَأَقْرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾ ومعناهُ: أنَّهُ يسلبُ روحَهُ، وسمعَهُ وبصرَهُ، وعلمَهُ وقدرتَهُ، وحسَّهُ ، وإدراكَهُ وحركتَهُ ، فيعودُ جماداً كما كانَ أوَّلَ مرةٍ ، لا يبقى إلا شكلُ أعضائِهِ وصورتُهُ، لا حسَّ فيهِ ولا حركةَ ، ثمَّ يُوضعُ في ٥٤٢ هـ 2 ربع المهلكات کتاب ذم الکبر التراب فيصيرُ جيفةً منتنةً قذرةً؛ كما كانَ في الأوَّلِ نطفةً مذرةً ، ثمَّ تبلى أعضاؤُهُ ، وتتفتّتُ أجزاؤُهُ ، وتنخرُ عظامُهُ فتصيرُ رميماً ورفاتاً ، ويأكلُ الدودُ أجزاءَهُ ، فيبتدىُ بحدقَتَهِ فيقلعُهُما ، وبخذَّيهِ فيقطعُهُما ، وبسائرٍ أجزائِهِ فيصيرُ روثاً في أجوافِ الديدانِ ، ويكونُ جيفةً يهربُ منهُ الحيوانُ ، ويستقذرُهُ كلُّ إنسانٍ ويهربُ منهُ لشدَّةِ الإنتانِ ، وأحسنُ أحوالِهِ أنْ يعودَ إلى ما كانَ ، فيصيرَ تراباً يُعملُ منهُ الكيزانُ ، ويعمرُ بهِ البنيانُ ، ويصيرُ مفقوداً بعدَما كانَ موجوداً ، وصارَ كأنْ لمْ يغنَ بالأمسِ حصيداً ؛ كما كانَ في أوَّلِ أمرِهِ أمداً مديداً . وليتهُ بقيَ كذلكَ، فما أحسنَهُ لوْ تُركَ تراباً ! لا بلْ يحييهِ بعدَ طولِ البلى؛ ليقاسيَ شدائدَ البلاءِ ، فيخرجُ مِنْ قبرِهِ بعدَ جمع أجزائِهِ المتفرقةِ ، ويُخرِجُ إلى أهوالِ القيامةِ ، فينظرُ إلى قيامةٍ قائمةٍ ، وسماءٍ ممزقةٍ مشققةٍ ، وأرضٍ مبدَّلةٍ ، وجبالٍ مسيرةٍ ، ونجومٍ منكدرةٍ ، وشمسٍ منكسفةٍ ، وأحوالٍ مظلمةٍ ، وملائكةٍ غلاظِ شدادٍ وجحيمٍ تزفرُ ، وجنةٍ ينظرُ إليها المجرمُ فيتحسَّرُ ، ويرى صحائفَ منشورةٌ، فيُقالُ لهُ : اقرأْ كتابَكَ ، فيقولُ وما هوَ ؟ فيُقالُ: كانَ قدْ وُكِّلَ بكَ في حياتِكَ التي كنتَ تفرحُ بها وتتكبّرُ بنعيمِها وتفتخرُ بأسبابِها ملكانِ رقيبانِ ، يكتبانِ عليكَ ما كنتَ تنطقُ بهِ أوْ تعملُهُ ؛ مِنْ قليلٍ وكثيرٍ ، وصغيرٍ وكبيرٍ ، ونقيرٍ وقطميرٍ ، وأكلٍ وشربٍ ، وقيامٍ وقعودٍ، قدْ نسيتَ ذلكَ وأحصاهُ اللهُ تعالى عليكَ، فهلمَّ إلى الحسابِ، واستعدَّ للجوابِ، أَوْ تُساقَ إلى دارِ العذابِ ، فينقطعُ قلبُهُ فزعاً ٥٤٣ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات مِنْ هولِ هذا الخطاب ، قبلَ أنْ تُنُشرَ الصحيفةُ ويشاهدَ ما فيها مِنْ مخازيهِ ، فإذا شاهدَهُ .. قالَ: ﴿يَوَيْلَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَا﴾، فهذا آخرُ أمرِهِ وهوَ معنى قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾. فما لمَنْ هذا حالُهُ وللتكثُّرِ ؟! بلْ ما لَهُ وللفرحِ في لحظةٍ واحدةٍ فضلاً عنِ البطرِ والتجبرِ ؟! فقدْ ظهرَ لهُ أوَّلُ حالِهِ ووسطُهُ ، ولوْ ظهرَ آخرُهُ والعياذُ باللهِ تعالى .. ربّما اختارَ أنْ يكونَ كلباً أوْ خنزيراً ؛ ليصيرَ مع البهائمِ تراباً ، ولا يكونَ إنساناً يسمعُ خطاباً ويلقى عذاباً ، وإنْ كانَ عند اللهِ مستحقاً للنارِ .. فالخنزيرُ أشرفُ منهُ وأطيبُ وأرفعُ ؛ إذْ أوَّلُهُ الترابُ، وآخرُهُ الترابُ ، وهوَ بمعزلِ عنِ الحسابِ والعذابِ ، والكلبُ والخنزيرُ لا يهربُ منهُ الخلقُ، ولوْ رأى أهلُ الدنيا العبدَ المذنبَ في النارِ .. لصعقوا من وحشةٍ خلقتِهِ وقبحٍ صورتِهِ، ولوْ وجدوا ريحَهُ .. لماتوا مِنْ نتنِهِ ، ولوْ وقعَتْ قطرةٌ مِنْ شرابِهِ الذي يُسقى منهُ في بحارِ الدنيا .. لصارَتْ أنتنَ مِنَ الجيفةِ، فَمَنْ هذا حالُهُ في العاقبةِ - إلا أن يعفوَ عنهُ مولاهُ وهوَ على شكٌّ مِنَ العفوِ - كيفَ يفرحُ ويبطرُ، وكيفَ يتكبِّرُ ويتجبَُّ؟! وكيفَ يرىُ نفسَهُ شيئاً حتى يعتقدَ لهُ فضلاً ؟! وأيُّ عبدٍ لمْ يذنب ذنباً استحقَّ بهِ العقوبةَ إلا أنْ يعفوَ الكريمُ بفضلِهِ ، ويجبرَ الكسرَ بمنِّهِ؟! والرجاءُ منهُ ذلكَ ؛ لكرمِهِ وحسنِ الظنِّ بهِ ، ولا حول ولا قوة إلا باللهِ . ٢ أرأيتَ مَنْ جنى على بعضِ الملوكِ فاستحقَّ بجنايتِهِ ضربَ ألفِ سوطٍ ، فحُبسَ في السجنِ وهوَ ينتظرُ أنْ يُخرِجَ إلى العرضِ ، وتُقَامَ عليهِ العقوبةُ على ٥٤٤ ربع المهلكات کتاب ذم الكبر ملأٍ مِنَ الخلقِ ، وليسَ يدري أيُعفى عنهُ أمْ لا .. كيفَ يكونُ ذلُّهُ في السجنِ ؟ أفترى أنَّهُ يتكبّرُ على مَنْ في السجنِ ؟ وما مِنْ عبدٍ مذنبٍ إلا والدنيا سجنُهُ، وقدِ استحقَّ العقوبةَ مِنَ اللهِ تعالى، ولا يدري كيفَ يكونُ آخرُ أمرِهِ ؟ فيكفيهِ ذلكَ حزناً ، وخوفاً وإشفاقاً ، ومهانةً وذلاً . فهذا هوَ العلاجُ العلميُّ القامعُ لأصلِ الكبرِ . وأمَّا العلاجُ العمليُّ : فهوَ التواضعُ بالفعلِ اللهِ ولسائرِ الخلقِ ؛ بالمواظبةِ على أخلاقِ المتواضعينَ ، كما وصفناهُ وحكيناهُ مِنْ أحوالِ الصالحِينَ ، ومِنْ أحوالِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، حتَّى إنَّهُ كانَ يأكلُ على الأرضِ ويقولُ: ((إنَّما أنا عبدٌ آكلُ كما يأكلُ العبدُ))(١). وقيلَ لسلمانَ : لِمَ لا تلبسُ ثوباً جديداً؟ فقالَ: إنَّما أنا عبدٌ ، فإذا أُعتقتُ يوماً .. لبستُ جديداً(٢)، أشارَ بهِ إلى العتقِ في الآخرةِ ، ولا يتمُّ التواضعُ بعدَ المعرفةِ إلا بالعملِ . ولذلكَ أُمرَ العربُ الذينَ تكَبَّروا على اللهِ ورسولِهِ بالإيمانِ وبالصلاةِ جميعاً ، وقيلَ: الصلاةُ عمادُ الدينِ(٣) ، وفي الصلاةِ أسرارٌ لأجلِها كانَتْ (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٣) من زيادات نعيم بن حماد، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٤١٥/١٠). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ١٤٨). (٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٢٥٥٠). ٥٤٥ - کتاب ذم الکبر ربع المهلكات عماداً ، ومِنْ جملتِها : ما فيها مِنَ التواضع بالمثولِ قائماً ، وبالركوع والسجودِ ، وقدْ كانَتِ العربُ قديماً يأنفونَ مِنَ الانحناءِ ، فكانَ يسقطُ مِنْ یدِ الواحدِ سَوُهُ فلا ينحني لأخذِهِ ، وينقطعُ شراكُ نعلِهِ فلا ينكِّسُ رأسَهُ لإصلاحِهِ ، حتَّى قالَ حكيمُ بنُ حزامِ : بايعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على ألاَّ أَخِرَّ إلا قائماً(١) ، فبايعَهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمَّ فقهَ وكملَ إيمانُهُ بعدَ ذلكَ، فلمَّا كانَ السجودُ عندَهُمْ هوَ منتهى المذلَّةِ والضّعَةِ .. أُمروا بهِ؛ لينكسرَ بذلكَ خيلاؤُهُمْ، ويزولَ كِبْرُهُمْ، ويستقرّ التواضعُ في قلوبِهِمْ، وبهِ أُمرَ سائرُ الخلقِ ؛ فإنَّ الركوعَ والسجودَ والمثولَ قائماً هو العملُ الذي يقتضيهِ التواضعُ . فكذلكَ مَنْ عرفَ نفسَهُ .. فلينظرْ كلَّ ما يتقاضاهُ الكبرُ مِنَ الأفعالِ فليواظبْ على نقيضِهِ ، حتَّى يصيرَ التواضعُ لهُ خُلُقاً ، فإنَّ القلوبَ لا تتخلَّقُ بالأخلاقِ المحمودةِ إلا بالعلمِ والعملِ جميعاً ؛ وذلكَ لخفاءِ العلاقةِ بينَ القلبِ والجوارحِ ، وسرِّ الارتباطِ الذي بينَ عالمِ الملكِ وعالمِ الملكوتِ ، والقلبُ مِنْ عالمِ الملكوتِ . المقامُ الثاني : فيما يعرضُ مِنَ التكبرِ بالأسبابِ السبعةِ المذكورةِ : وقدْ ذكرنا في كتابٍ ذمِّ الجاهِ أنَّ الكمالَ الحقيقيَّ هوَ العلمُ والعملُ ، فأمَّا (١) رواه النسائي (٢٠٥/٢). ٥٤٦ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر ما عداهُ ممَّا يفنى بالموتِ .. فكمالٌ وهميٌّ، فمِنْ هذا يعسرُ على العالم ألاَّ يتكبَّرَ ، ولكنَّا نذكرُ طريقَ العلاجِ مِنَ العلمِ والعملِ في جميعِ الأسبابِ السبعةِ . الأولُ : النسبُ : فَمَنْ يعتريهِ الكَبْرُ مِنْ جهةِ النسب .. فليداوِ قلبَهُ بمعرفةِ أمرينِ : أحدُهما : أنَّ هذا جهلٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ تعزُّزٌ بكمالِ غيرِهِ ؛ ولذلكَ قيلَ(١) : [من البسيط] لَئِنْ فَخِرْتَ بِآبَاءِ ذَوِي شَرَفٍ لَقَدْ صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِشْسَ مَا وَلَدُوا فالمتكبِّرُ بالنسبِ إنْ كانَ خسيساً في صفاتِ ذاتِهِ .. فمِنْ أينَ يجبُرُ خسَّتَهُ بكمالٍ غيرِهِ ؟ بلْ لوْ كانَ الذي ينتسبُ إليهِ حيّاً .. لكانَ لهُ أنْ يقولَ : الفضلُ لي ، ومَنْ أنتَ؟ وإنَّما أنتَ دودةٌ خُلقَتْ مِنْ بولي، أفترى أنَّ الدودةَ التي خُلِقَتْ مِنْ بولِ الإنسانِ أشرفُ مِنَ الدودةِ التي مِنْ بولِ فرسٍ ؟ هيهاتَ ! فَهُما متساويتانِ ، والشرفُ للإنسانِ لا للدودةِ . الثاني : هوَ أنْ يعرفَ نسبَهُ الحقيقيَّ، فيعرفَ أباهُ وجدَّهُ، فإنَّ أباهُ القريبَ نطفةٌ قذرةٌ، وجدَّهُ البعيدَ ترابٌ ذليلٌ، وقدْ عرَّفَهُ اللهُ تعالى نسبَهُ (١) البيت لابن الرومي في ((ديوانه)) (٨٠٨/٢). ٥٤٧ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات فقالَ: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَقَةٌ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَنِ مِن طِينٍ ﴾ تُمَّجَعَلَ نَسْلَمُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّاءٍ فَهِينٍ﴾، فمَنْ أصلُهُ مِنَ الترابِ المهينِ الذي يُداسُ بالأقدامِ ، ثُمَّ خُمِّرَ طينُهُ حتَّى صارَ حماً مسنوناً .. كيفَ يتكبَّرُ وأختُ الأشياءِ ما إليهِ انتسابُهُ؛ إذ يُقالُ: يا أذلَّ مِنَ الترابِ ، ويا أنتنَ مِنَ الحمأةِ ، ويا أقذرَ مِنَ المضغةِ ؟! فإنْ كانَ كونُهُ مِنْ أبيهِ أقربَ مِنْ كونِهِ مِنَ الترابِ .. فنقولُ: افتخر بالقريبِ دونَ البعيدِ ، فالنطفةُ والمضغةُ أقربُ إليهِ مِنَ الأبِ ، فليحقرْ نفسَهُ بذلكَ ، ثمَّ إنْ كانَ ذلكَ يوجبُ رفعةً لقربهِ .. فالأبُ الأعلىُ مِنَ التراب ؛ فِمِنْ أينَ رفعتُهُ ؟! وإذا لمْ يكنْ لهُ رفعةٌ .. فمِنْ أينَ جاءَتِ الرفعةُ لولدِهِ ؟ ! . فإذاً ؛ أصلُهُ مِنَ الترابِ ، وفصلُهُ مِنَ النطفةِ ، فلا أصلَ لهُ ولا فصلَ ، وهذا غايةُ خسَّةِ النسبِ ، فالأصلُ يُوطأُ بالأقدام ، والفصلُ تُغْسلُ منهُ الأبدانُ ، فهذا هوَ النسبُ الحقيقيُّ للإنسانِ ، ومَنْ عرفَهُ .. لمْ يتكبَّرْ بالنسبِ ، ويكونُ مثالُهُ بعدَ هذهِ المعرفةِ وانكشافِ الغطاءِ لهُ عنْ حقيقةِ أصلِهِ كرجلٍ لمْ يزلْ عندَ نفسِهِ مِنْ بني هاشمٍ وقدْ أخبرَهُ بذلكَ والداهُ ، فلمْ تزلْ فيهِ نخوةُ الشرفِ ، فبينَما هوَ كذلكَ إذْ أخبرَهُ عدولٌ لا يشكُّ في قولِهِمْ أنَّهُ ابنُ هنديٍّ حجَّام يتعاطى القاذوراتِ ، وكشفوا لهُ وجهَ التلبيسِ عليهِ ، فلمْ بيقَ لهُ شكّ في صدقِهِمْ ، أفترى أنَّ ذلكَ يُبقي شيئاً مِنْ كبرِهِ ؟ لا بلْ يصيرُ ٥٤٨ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر عندَ نفسِهِ أحقرَ الناسِ وأذلَّهُمْ ، فهوَ مِنِ استشعارِ الخزىٍ لخسَّتِهِ في شغلٍ عنْ أنْ يتكبَّرَ على غيرِهِ . فهذا حالُ البصيرِ إذا تفكّرَ في أصلِهِ ، وعلمَ أنَّهُ مِنَ النطفةِ والمضغةِ والترابٍ ؛ إذْ لوْ كانَ أبوهُ ممَّنْ يتعاطى نقلَ الترابِ ، أَوْ يتعاطى الدمَ بالحجامةِ أوْ غيرِها .. لكانَ يعلمُ بهِ خسَّةَ نفسِهِ ؛ لمماسَّةِ أعضاءِ أبيهِ للترابِ والدم ، فكيفَ إذا عرفَ أنَّهُ في نفسِهِ مِنَ الترابِ والدم والأشياءِ القذرةِ التي يتنزَّهُ منها هوَ في نفسِهِ ؟! السببُ الثاني : التكتُُّ بالجمالِ : ودواؤُهُ : أنَّ ينظرَ إلى باطنِهِ نظرَ العقلاءِ ، ولا ينظرَ إلى الظاهرِ نظرَ البهائمٍ ، ومهما نظرَ إلىُ باطِنِهِ .. رأىْ مِنَ القبائح ما يكدِّرُ عليهِ تعزّزَهُ بجمالِهِ ؛ فإنَّهُ وُكلَ بهِ الأقذارُ في جميع أجزائِهِ ، الرجيعُ في أمعائِهِ ، والبولُ في مثانتِهِ ، والمخاطُ في أنفِهِ ، والبزاقُ في فيهِ ، والوسخُ في أذنيهِ ، والدمُ في عروقِهِ ، والصديدُ تحتَ بشرتِهِ ، والصُّنانُ تحتَ إبطيهٍ ، يغسلُ الغائطَ بيدِهِ كلَّ يومٍ دفعةً أوْ دفعتينٍ ، ويتردّدُ إلى الخلاءِ كلَّ يومٍ مرةً أوْ مرتينٍ ؛ ليخرجَ مِنْ باطنِهِ ما لوْ رآهُ بعينِهِ .. لاستقذَرَهُ، فضلاً عن أنْ يمسَّهُ أَوْ يشَمَّهُ ، كلُّ ذلكَ ليعرفَ قذارتَهُ وذلَّهُ ، هذا في حالِ توسُّطِهِ . وفي أولِ أمرِهِ خُلقَ مِنَ الأقذارِ الشنيعةِ الصورِ ؛ مِنَ النطفةِ ودمِ الحيضِ ، ٥٤٩ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات وأُخرجَ مِنْ مجرى الأقذارِ ؛ إذْ خرجَ مِنَ الصُّلبِ ثمَّ مِنَ الذكَرِ مجرى البولِ ، ثمَّ مِنَ الرحمِ مُفيضٍ دمِ الحيضِ ، ثمَّ خرجَ مِنْ مجرى القذرِ . قالَ أنسٌ رحمهُ اللهُ : كانَ أبو بكرِ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ يخطبُنا ، فيقذِّرُ إلينا أنفسَنا ويقولُ : ( خرجَ أحدُكُمْ مِنْ مجرى البولِ مرتينٍ)(١). وكذلكَ قالَ طاووسٌ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ : ما هذهِ مشيةٌ مَنْ في بطنِهِ خرءٌ؛ إذْ رآهُ يتبخترُ، وكانَ ذلكَ قبلَ خلافتِهِ(٢). هذا أولُهُ ووسطُهُ ، ولو تركَ نفسَهُ في حياتِهِ يوماً لمْ يتعهدْها بالتنظيف والغسلِ .. لثارَتْ منهُ الأنتانُ والأقذارُ، وصارَ أقذرَ وأنتنَ مِنَ الدوابُ المهملةِ التي لا تتعهدُ نفسَها قطُ . فإذا نظرَ أنَّهُ خُلِقَ مِنْ أقذارِ ، وأُسكنَ في أقذارِ ، وسيموتُ فيصيرُ جيفةً أقذرَ مِنْ سائرِ الأقذارِ .. لمْ يفتخرْ بجمالِهِ الذي هوَ كخضراءِ الدمنِ ، وكلَونِ الأزهارِ في البوادي ، بينما هوَ كذلكَ إذْ صارَ هشيماً تذروه الرياحُ ، كيفَ ولوْ كانَ جمالُهُ باقياً وعنْ هذهِ القبائح خالياً .. لكانَ يجبُ ألاَّ يتكبَّرَ بهِ على القبيح ؛ إذْ لمْ يكنْ قبحُ القبيح إليهِ فينفيَهُ ، ولا كانَ جمالُ الجميلِ إلیهِ حتَّى يُحمدَ عليهِ، كيفَ ولا بقاءَ لهُ؟! بلْ هوَ في كلِّ حالةٍ يُتصوَّرُ أنْ يزولَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٢٠٠). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٢٤١). ٥٥٠ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر بمرضٍ ، أوْ جدريٍّ ، أوْ قرحةٍ ، أَوْ سببٍ مِنَ الأسبابِ ، فكمْ مِنْ وجوهٍ جميلةٍ قدْ سمِجَتْ بهذهِ الأسبابِ . فمعرفةُ هذهِ الأمورِ تنزعُ مِنَ القلبِ داءَ الكبرِ بالجمالِ لمَنْ أكثرَ تأمُلَها . السببُ الثالثُ : التكبرُ بالقوَّةِ والأيْدِ (١): ويمنعُهُ مِنْ ذلكَ أنْ يعلمَ ما سُلِّطَ عليهِ مِنَ العللِ والأمراضِ ، وأنَّهُ لوْ توجَّعَ عرْقٌ واحدٌ في بدنِهِ .. لصارَ أعجزَ مِنْ كلِّ عاجزٍ ، وأذلَّ مِنْ كلِّ ذليلٍ، وأنَّهُ لوْ سلبَهُ الذبابُ شيئاً .. لم يستنقذْهُ منهُ، وأنَّ بقَّةً لوْ دخلَتْ أنفَهُ، أوْ نملةً دخلَتْ أذنَهُ .. لقتلَتْهُ، وأنَّ شوكةً لوْ دخلَتْ رجلَهُ .. لأعجزَتْهُ ، وأنَّ حمَّى يوم تحللُ مِنْ قوَّتِهِ ما لا ينجبرُ في مدةٍ ، فمَنْ لا يطيقُ شوكةً ، ولا يقاومُ بقَّةً ، ولا يقدرُ على أنْ يدفعَ عنْ نفسِهِ ذبابةً .. فلا ينبغي أنْ يفتخرَ بقوَّتِهِ . 3 ثمّ إنَّ أقوى إنسانٍ لا يكونُ أقوىُ مِنْ حمارِ أوْ بقرةٍ أو فيلٍ أو جملٍ ، وأيُّ افتخارٍ في صفةٍ تسبقُكَ البهائمُ فيها ؟! (١) الأيد: القوة، قال سبحانه: ﴿ وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا بِأَيْدٍ﴾. ٥٥١ كتاب ذم الكبر ربع المهلكات السببُ الرابعُ والخامسُ : الغني وكثرةُ المالِ : وفي معناهُ كثرةُ الأتباعِ والأنصارِ ، والتكبِّرُ بولايةِ السلاطينِ ، والتمكنُ مِنْ جهتِهِمْ، وكلُّ ذلكَ تكثٌُّ بمعنىّ خارجٍ عنْ ذاتِ الإنسانِ ، لا كالجمالِ والقوّةِ والعلمِ ، وهذا أقبحُ أنواع التكبُّرِ ، فإنَّ المتكبِّرَ بمالِهِ كأنَّهُ متكبِّرٌ بفرسِهِ ودارِهِ ، ولوْ ماتَ فرسُهُ وانهدمَتْ دارُهُ .. لعادَ ذليلاً، والمتكبِّرُ بتمكينِ السلطانِ وولايتِهِ لا بصفةٍ في نفسِهِ .. بنى أمرَهُ على قلبٍ هوَ أشدُّ غلياناً مِنَ القَدْرِ ، فإنْ تغيَّرَ عليهِ .. كانَ أذلَّ الخلقِ ، وكلُّ متكبِّرٍ بأمرٍ خارجٍ عنْ ذاتِهِ .. فهوَ ظاهرُ الجهلِ . كيفَ والمتكبِّرُ بالغنى لوْ تأمَّلَ .. لرأى في اليهودِ مَنْ يزيدُ عليهِ في الغنىُ والثروةِ والتجمُّلِ ؟! فأفِّ لشرفٍ يسبقُكَ بهِ اليهودُ، وأفٍّ لشرفٍ يأخذُهُ السارقُ في لحظةٍ واحدةٍ فيعودُ صاحبُهُ ذليلاً مفلساً . فهذهِ أسبابٌ ليسَتْ في ذاتِهِ ، وما هوَ في ذاتِهِ ليسَ إليهِ دوامُ وجودِهِ ، وهوَ في الآخرةِ وبالٌ ونكالٌ ، فالتفاخرُ بهِ غايةُ الجهلِ ، وكلُّ ما ليسَ إليكَ فليسَ لكَ، وشيءٌ مِنْ هذهِ الأمورِ ليسَ إليكَ ، بلْ إلى واهبهِ ؛ إنْ أبقاءُ .. بقيَ لكَ، وإنْ استرجعَهُ .. زالَ عنكَ، وما أنتَ إلا عبدٌ مملوكٌ لا تقدرُ على شيءٍ ، فمَنْ عرفَ ذلكَ .. لا بدَّ وأنْ يزولَ كِبرُهُ . ومثالُهُ : أنْ يفتخرَ الغافلُ بقوَّتِهِ ، وجمالِهِ ، ومالِهِ ، وحريَّتِهِ ، واستقلالِهِ ، وسعةِ منازلِهِ ، وكثرةٍ خيولِهِ وغلمانِهِ ؛ إذْ شهدَ عليهِ شاهدانِ ٥٥٢ --------- ---------- ربع المهلكات کتاب ذم الکبر عدلانِ عندَ حاكم منصفٍ بأنَّهُ رقيقٌ لفلانٍ ، وأنَّ أبويهِ كانا مملوكينٍ لهُ ، فعلمَ ذلكَ وحكمَ بِهِ الحاكمُ ، فجاءَ مالكُهُ فأخذَهُ وأخذَ جميعَ ما في يدِهِ ، وهوَ يخشى معَ ذلكَ أنْ يعاقبَهُ وينكِّلَ بِهِ لتفريطِهِ في أموالِهِ ، وتقصيرِهِ في طلبٍ مالِكِهِ ليعرفَ أنَّ لهُ مالكاً ، ثمَّ نظرَ العبدُ فرأى نفسَهُ محبوساً في منزلٍ ، قدْ أحدقَتْ بهِ الحياتُ والعقاربُ والهوائُ ، وهوَ في كلِّ حالٍ على وَجَلٍ مِنْ كلِّ واحدةٍ منها ، وقدْ بقيَ لا يملكُ نفسَهُ ولا مالَهُ ، ولا يعرفُ طريقاً إلى الخلاصِ ألبتةَ ، أفترى أنَّ مَنْ هذا حالُهُ هلْ يفتخرُ بقدرتِهِ و ثروتِهِ وقوتِهِ وكمالِهِ ، أمْ يذلُّ في نفسِهِ ويخضعُ ؟ وهذا حالُ كلِّ عاقلٍ بصيرٍ ، فإنَّهُ يرىُ نفسَهُ كذلكَ ، فإِنَّهُ لا يملكُ رقبتَهُ وبدنَهُ ومالَهُ وأعضاءَهُ ، وهوَ معَ ذلكَ بينَ آفاتٍ ، وشهواتٍ وأمراضٍ وأسقامِ هيَ كالعقاربِ والحياتِ يخافُ منها الهلاكَ ، فمَنْ هذا حالُهُ لا يتكبِّرُ بقدرتِهِ وقوتِهِ ؛ إذْ يعلم أنَّهُ لا قدرةَ لهُ ولا قوَّةَ . فهذا طريقُ علاج التكتُّرِ بالأسبابِ الخارجةِ ، وهوَ أهونُ مِنْ علاج التكتُّرِ بالعلمِ والعملِ ؛ فإنَّهما كمالانِ في النفسِ ، جديرانِ بأنْ يُفْرِحَ بِهِما ، ولكنْ في التكتُّرِ بهِما أيضاً نوعٌ مِنَ الجهلِ خفيٌّ كما سنذكرُهُ . السببُ السادسُ : الكبرُ بالعلمِ : وهوَ أعظمُ الآفاتِ ، وأغلبُ الأدواءِ ، وأبعدُها عنْ قبولِ العلاج إلا بشدَّةٍ ٥٥٣ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات شديدةٍ وجهدٍ جهيدٍ ؛ وذلك لأنَّ قَدْرَ العلمِ عظيمٌ عندَ اللهِ ، عظيمٌ عندَ الناسِ ، وهوَ أعظمُ مِنْ قدرِ المالِ والجمالِ وغيرِهِما ، بلْ لا قدْرَ لهُما أصلاً إلا إذا كانَ معَهُما علمٌ وعملٌ . ولذلكَ قالَ كعبُ الأحبارِ : ( إنَّ للعلمِ طغياناً كطغيانِ المالِ )(١) . ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( العالِمُ إذا زلَّ .. زلَّ بزلَّتِهِ عالَمٌ)(٢)، فيعجزُ العالمُ عنْ ألَّ يستعظمَ نفسَهُ بالإضافةِ إلى الجاهلِ ؛ لكثرةِ ما نطقَ الشرعُ بفضائلِ العلمِ . ولنْ يقدرَ العالمُ على دفعِ الكبرِ إلا بمعرفةِ أمرينِ : أحدُهما : أنْ يعلمَ أنَّ حجةَ اللهِ على أهلِ العلم آكدُ ، وأنَّهُ يحتملُ مِنَ الجاهلِ ما لا يُحتملُ عشرُهُ مِنَ العالِمِ ، وأنَّ مَنْ عصى اللهَ تعالى عنْ معرفَةٍ وعلمٍ . . فجنايتُهُ أفحشُ ؛ إذْ لمْ يقضِ حقَّ نعمةِ اللهِ عليهِ في العلمِ . ولذلكَ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يُؤتى بالعالمِ يومَ القيامةِ فيُلقى في النارِ ، فتندلقُ أقتابُهُ، فيدورُ بها كما يدورُ الحمارُ بالرحى ، فيطيفُ بهِ أهلَ النارِ فيقولونَ : ما لكَ ؟ فيقولُ: كنتُ آمرُ (١) كذا في ((الرعاية)) ( ص٤٠٦)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٥/٤) عن وهب بن منبه . (٢) كذا في ((الرعاية)) (ص٤٠٦) قاله لتميم الداري رضي الله عنهما، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٧٤) من قول سيدنا عيسى عليه السلام . ٥٥٤ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر بالخيرِ ولا آتيهِ ، وأنهىُ عنِ الشرِّ وآتيهِ))(١). وقدْ مثَّلَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى مَنْ يعلمُ ولا يعملُ بالحمارِ والكلبِ ، فقالَ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا﴾ أرادَ بهِ علماءَ اليهودِ ، وقالَ في بَلْعَمَ بنِ باعوراءَ: ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَئِنَا فَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ اُلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلَهَث﴾، قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما: ( أُوتِيَ بلعمُ كتاباً فأخلَدَ إلى شهواتِ الأرضِ )(٢) أي: سكنَ حبُّهُ إليها، فمثَّلَّهُ بالكلبِ ، ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ أيْ: سواءٌ آتيتُهُ الحكمةَ أَوْ لَمْ أوتِهِ فلا يدعُ شهوتهُ . ويكفي العالمَ هذا الخطرُ ، فأيُّ عالمٍ لمْ يتبعْ شهوتَهُ ؟ وأيُّ عالمٍ لمْ يأمر بالخيرِ الذي لا يأتيهِ ؟ فمهما خطرَ للعالمِ عظمُ قدرِهِ بالإضافةِ إلى الجاهلِ .. فليتفكّرْ في الخطرِ العظيمِ الذي هوَ بصددِهِ ، فإنَّ خطرَهُ أعظمُ مِنْ خطرِ غيرِهِ ؛ كما أنَّ قدرَهُ أعظمُ مِنْ قدرِ غيرِهِ ، فهذا بذاكَ ، وهوَ كالملكِ المخاطرِ بروحِهِ في ملكِهِ لكثرةِ أعدائِهِ ، فإنَّهُ إذا أُخِذَ وقُهِرَ .. اشتهى أنْ يكونَ قدْ كانَ فقيراً ، فكمْ مِنْ عالمٍ يشتهي في الآخرةِ سلامةَ الجَّالِ والعياذُ باللهِ منهُ . (١) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩)، والأقتاب : الأمعاء. (٢) الرعاية (ص٤٠٨)، وانظر مجمل الأقوال عند الطبري في ((تفسيره)) (٦ /٩ /١٥٤ ) . ٥٠٠٠ ٥٥٥ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات فههذا الخطرُ يمنعُ منَ التكتُّرِ ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ مِنْ أهلِ النارِ .. فالخنزيرُ أفضلُ منهُ ، فكيفَ بتكبَّرُ مَنْ هذا حالُهُ ؟ فلا ينبغي أنْ يكونَ العالمُ عندَ نفسِهِ أكبرَ مِنَ الصحابةِ وقدْ كانَ بعضُهُمْ يقولُ: ( يا ليتني لمْ تلدْني أمِّي)(١) . ويأخذُ الآخرُ تبنةٌ مِنَ الأرضِ ويقولُ: ( يا ليتني كنتُ هذهِ التبنةَ)(٢) ويقولُ الآخرُ : ( يا ليتني كنتُ طيراً أُوكَلُ)(٣). ويقولُ الآخرُ : ( ليتَنَي لمْ أَكُ شيئاً مذكوراً) (٤). كلُّ ذلكَ خوفاً مِنْ خطرِ العاقبةِ ، فكانوا يرونَ أَنفسَهُمْ أسوأ حالاً مِنَ الطيرِ ومِنَ الترابِ . ومهما أطالَ فكرَهُ في الخطرِ الذي هوَ بصددِهِ .. زالَ بالكليَّةِ كبرُهُ ، ورأىُ نفسَهُ كأنَّهُ شرُّ الخلقِ . ومثالُهُ مثالُ عبدٍ أمرَهُ سيِّدُهُ بأمورٍ فشرعَ فيها ، فتركَ بعضَها وأدخلَ (١) روى ذلك عن سيدنا عمر رضي الله عنه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٣٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٦٢١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣١٣/٤٤). (٢) هو الخبر المروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه المذكور آنفاً . (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٥٧٣)، وهناد في ((الزهد)) (٤٤٩)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٧٦٨) عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المتمنين)) (٢٨) عن عبد العزيز بن مروان. ٥٥٦ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر النقصانَ في بعضِها ، وشكَّ في بعضِها أنَّهُ هلْ أدَّاها كما يرتضيهِ مولاهُ أُمْ لا ؟ فأخبرَهُ مخبرٌ أنَّ مولاهُ مرسلٌ إليهِ رسولاً يخرجُهُ مِنْ كلِّ ما هوَ فِيهِ عرياناً ذليلاً ، ويلقيهِ على بابِهِ في الشمسِ والحرِّ زماناً طويلاً، حتَّى إذا ضاقَ عليهِ الأمرُ، وبلغَ بهِ الجهدُ .. أمرَ برفع حسابِهِ وفتشَ عنْ جميع أعمالِهِ قليلِها وكثيرِها ، ثمَّ أمرَ بهِ إلى سجنٍ ضيِّقٍ وعذابٍ دائمٍ لا يُروَّحُ عنهُ ساعةً ، وقدْ علم أنَّ سيِّدَهُ قَدْ فعلَ بطوائفَ مِنْ عبيدِهِ مثلَ ذلكَ وعفا عنْ بعضِهِمْ ، وهوَ لا يدري أنَّه مِنْ أيِّ الفريقينِ يكونُ، فإذا تفكّرَ في ذلكَ .. انكسرَتْ نفسُهُ وذلَّ، وبطلَ عزُّهُ وكبْرُهُ ، وظهرَ حزنُهُ وخوفُهُ ، ولمْ يتكبِّرْ على أحدٍ مِنَ الخلقِ ، بلْ تواضعَ رجاءَ أنْ يكونَ هوَ مِنْ شفعائِهِ عندَ نزولِ العذابِ بهِ ، فكذلكَ العالمُ إذا تفكّرَ فيما ضيَّعَهُ مِنْ أوامرِ ربِّهِ بجناياتٍ على جوارحِهِ ، وبذنوبٍ في باطنِهِ مِنَ الرياءِ ، والحسدِ والحقدِ والعُجْبِ ، والنفاقِ ، وغيرِهِ ، وعلمَ ما هوَ بصددِهِ مِنَ الخطرِ العظيمِ .. فارقَهُ كبرُهُ لا محالةَ . الأمرُ الثاني : أنَّ العالِمَ يعرفُ أنَّ الكبرَ لا يليقُ إلا باللهِ عزَّ وجلَّ وحدَهُ ، وأنَّهُ إذا تكبِّرَ .. صارَ ممقوتاً عندَ اللهِ تعالى بغيضاً ، وقدْ أحبَّ اللهُ منهُ أنْ يتواضعَ ، وقالَ لهُ : إنَّ لكَ عندي قدراً ما لمْ ترَ لنفسِكَ قدراً ، فإنْ رأيتَ لنفسِكَ قدراً .. فلا قدرَ لكَ عندي، فلا بدَّ وأنْ يكلِّفَ نفسَهُ ما يحبُّهُ مولاهُ ، وهذا يزيلُ التكبِّرَ عنْ قلبهِ وإنْ كانَ يستيقنُ أنَّهُ لا ذنبَ لهُ مثلاً إنْ تُصُوِّرَ ذلكَ، وبهذا زالَ التكبِّرُ عنِ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ ؛ إذْ علموا أنَّ مَنْ نازعَ اللهَ تعالى في رداءِ الكبرياءِ .. قصمَهُ، وقدْ أمرَهُمُ اللهُ بأنْ يستصغروا ٥٥٧ کتاب ذم الكبر ربع المهلكات أنفسَهُمْ حتَّى يعظُمَ عندَ اللهِ محلُّهُمْ، فهذا أيضاً ممَّا يبعتُهُ على التواضع لا محالةَ . فإنْ قلتَ : فكيفَ يتواضعُ للفاسقِ الظاهرِ الفسقِ وللمبتدع ؟ وكيفَ يرى نفسَهُ دونَهُمْ وهوَ عالمٌ عابدٌ ؟ وكيفَ يَجهلُ فضلَ العلمِ والعبادةِ عندَ اللهِ تعالى؟ وكيفَ يعنيهِ أنْ يخطرَ ببالِهِ خطرُ العلم وهوَ يعلمُ أنَّ خطرَ الفاسقِ والمبتدع أكثرُ ؟ فاعلم : أنَّ ذلكَ إنَّما يمكنُ بالتفُّرِ في خطرِ الخاتمةِ ، بلْ لوْ نظرَ إلى كافرٍ .. لمْ يمكنْهُ أنْ يتكبَّرَ عليهِ؛ إذْ يُصوَّرُ أنْ يسلمَ الكافرُ فيُختمَ لهُ بالإيمانِ ، ويضلَّ هذا العالمُ ويُختمَ لهُ بالكفرِ . والكبيرُ مَنْ هوَ كبيرٌ عندَ اللهِ في الآخرةِ ، والكلبُ والخنزيرُ أعلى رتبةً ممَّنْ هوَ عندَ اللهِ مِنْ أهلِ النارِ وهوَ لا يدري ذلكَ ، فكمْ مِنْ مسلمٍ نظرَ إلى عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ قبلَ إسلامِهِ فاستحقرَهُ وازدراهُ لكفرِهِ ، وقدْ رزقَهُ اللهُ الإسلامَ ، وفاقَ جميعَ المسلمينَ إلا أبا بكرٍ وحدَهُ ! فالعواقبُ مطويةٌ عنِ العبادِ ، ولا ينظرُ العاقلُ إلا إلى العاقبةِ ، وجميعُ الفضائلِ في الدنيا تُرادُ للعاقبةِ . فإذاً ؛ حقُّ العبدِ ألاَّ يتكبَّرَ على أحدٍ ، بَلْ إنْ نظرَ إلى جاهلِ .. قالَ: ٥٥٨ ٨٠ ربع المهلكات كتاب ذم الكبر هذا عصى اللهَ بجهلٍ وأنا عصيتُهُ بعلمٍ ، فهوَ أعذرُ مِنِّي ، وإنْ نظرَ إلى عالمٍ .. قالَ: هذا قدْ علمَ ما لمْ أعلمْ، فكيفَ أكونُ مثلَهُ ؟ وإنْ نظَرَ إلى كبيرٍ هوَ أكبرُ منهُ سنّاً .. قالَ: إنَّهُ أطاعَ اللهَ قبلي فكيفَ أكونُ مثلَهُ ؟ وإنْ نظرَ إلى صغيرٍ .. قالَ: إنِّي عصيتُ اللهَ قبلَهُ ، فكيفَ أكونُ مثلَهُ ؟ وإنْ نظرَ إلى مبتدع أو كافرٍ قالَ : ما يدريني لعلَّهُ يُختمُ لهُ بالإسلامِ ، ويُختمُ لي بما هوَ عليهِ الآنَ، فليسَ دوامُ الهدايةِ إليَّ ؛ كما لمْ يكنِ ابتداؤُها إليَّ. فبملاحظةِ الخاتمةِ يقدرُ على أنْ ينفيَ الكبرَ عنْ نفسِهِ ، وكلُّ ذلكَ بأنْ يعلمَ أنَّ الكمالَ في سعادةِ الآخرةِ والقربِ مِنَ اللهِ تعالى ، لا فيما يظهرُ في الدنيا ممَّا لا بقاءَ لهُ، ولعمري ؛ هذا الخطرُ مشتركٌ بينَ المتكبِّرِ والمتكبِّرِ عليهِ ، ولكنْ حقٌّ على كلِّ واحدٍ أنْ يكونَ مصروفَ الهمّ إلى نفسِهِ ، مشغولَ القلبِ بخوفِهِ لعاقبتِهِ ، لا أنْ يشتغلَ بخوفِ غيرِهِ ، فإنَّ الشفيقَ بسوءِ الظنِّ مولعٌ، وشفقةُ كلِّ إنسانٍ على نفسِهِ ، فإذا حُبسَ جماعةٌ في جنايةٍ ووُعدوا بأنْ تُضربَ رقابُهُمْ .. لمْ يتفرَّغوا للتكبُّرِ بعضُهُمْ على بعضٍ وإِنْ عمَّهُمُ الخطرُ؛ إذْ شغلَ كلَّ واحدٍ منهُمْ هُّ نفسِهِ عنِ الالتفاتِ إلى همٍّ غيرِهِ ، حتَّى كأنَّ كلَّ واحدٍ هوَ وحدَهُ في مصيبتِهِ وخطرِهِ . فإنّ قلتَ : فكيفَ أبغضُ المبتدعَ في اللهِ وأبغضُ الفاسقَ وقدْ أُمرتُ ببغضِهِما ، ثمَّ معَ ذلكَ أتواضعُ لهُما ، والجمعُ بينَهُما متناقضٌ ؟ فاعلمْ : أنَّ هذا أمرٌ مشتبةٌ يلتبسُ على أكثرِ الخلقِ ؛ إذْ يمتزجُ غضبُكَ للهِ ٥٥٩ كتاب ذم الكبر ربع المهلكات في إنكارِ البدعةِ والفسقِ بكبْرِ النفسِ والإدلالِ بالعلمِ والورع ، فكمْ مِنْ عابدٍ جاهلٍ وعالمٍ مغرورٍ إذا رأى فاسقاً جلسَ بجنبِهِ .. أزعجَهُ مِنْ عندِهِ ، وتنَزَّهَ منهُ بكبْرٍ باطنٍ في نفسِهِ ، وهوَ ظانٌّ أنَّهُ قدْ غضبَ للهِ ؛ كما وقعَ لعابدٍ بني إسرائيلَ معَ خليعِهِمْ(١)، وذلكَ لأنَّ الكبْرَ على المطيع ظاهرٌ كونُهُ شرّاً ، والحذرُ منهُ ممكنٌ ، والكبْرُ على الفاسقِ والمبتدع يشبهُ الغضبَ للهِ وهوَ خيرٌ ؛ فإنَّ الغضبانَ أيضاً يتكبَّرُ على مَنْ غضبَ عليهِ ، والمتكبِّرُ يغضبُ ، وأحدُهُما يثمرُ الآخرَ ويوجبُهُ ، وهما ممتزجانِ ملتبسانٍ لا يميِّرُ بِينَهُما إلا الموفَّقونَ . والذي يخلصُكَ عنْ هذا : أنْ يكونَ الحاضرُ على قلبكَ عندَ مشاهدةِ المبتدع أو الفاسقِ أوْ عندَ أمرِهِما بالمعروفِ ونهيهِما عنِ المنكرِ ثلاثةَ أمورٍ : أحدُها : التفاتُكَ إلى ما سبقَ مِنْ ذنوبِكَ وخطاياكَ؛ ليصغرَ عندَ ذلكَ قدرُكَ في عينِكَ . والثاني : أنْ تكونَ ملاحظتُكَ لما أنتَ متميِّزٌ بهِ مِنَ العلمِ واعتقادِ الحقِّ والعملِ الصالحِ مِنْ حيثُ إنَّها نعمةٌ مِنَ اللهِ تعالى عليكَ، فلهُ المنَّةُ فِيهِ لا لكَ، فترىُ ذلكَ منهُ؛ حتَّى لا تعجبَ بنفسِكَ، وإذا لمْ تعجبْ .. لمْ تتكبَّرْ . (١) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص ٣٨٨)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٦/٢). ٥٦٠