النص المفهرس
صفحات 521-540
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
بيان البواعث على الكبر وأسبابه المنتجة له
اعلمْ : أنَّ الكبْرَ خُلُقٌ باطنٌ ، وأمَّا ما يظهرُ مِنَ الأخلاقِ والأفعالِ ..
فهيَ ثمرتُهُ ونتيجتُهُ ، وينبغي أنْ تُسمَّى تكبِّراً ، ويُخصُّ اسمُ الكبرِ بالمعنى
الباطنِ الذي هوَ استعظامُ النفسِ ورؤيةُ قدرِها فوقَ قَدْرِ الغيرِ .
وهذا الباطنُ لهُ موجبٌ واحدٌ ، وهوَ العُجْبُ الذي يتعلَّقُ بالمتكبِّرِ كما
سيأتي معناهُ ، فإنَّهُ إذا أُعجِبَ بنفسِهِ ، وبعلمِهِ وعملِهِ ، أوْ بشيءٍ من
أسبابِهِ .. استعظمَ نفسَهُ وتكبَّرَ .
وأمَّا التكبُّرُ الظاهرُ .. فأسبابُهُ ثلاثةٌ: سببٌ في المتكبِّرِ ، وسببٌ في
المتكبِّرِ عليهِ ، وسببٌ فيما يتعلَّقُ بغيرِهِما .
أمَّا السببُ الذي في المتكبِّرِ .. فهوَ العجْبُ ، والذي يتعلَّقُ بالمتكبِّرِ عليهِ
هوَ الحقدُ والحسدُ، والذي يتعلَّقُ بغيرِهِما هوَ الرياءُ ؛ فتصيرُ الأسبابُ بهذا
الاعتبارِ أربعةً : العجبُ ، والحقدُ ، والحسدُ ، والرياءُ .
أمَّا العُجْبُ .. فقد ذكرنا أنَّهُ يورثُ الكبْرَ الباطنَ، والكبرُ الباطنُ يثمرُ
التكتُّرَ الظاهرَ في الأعمالِ والأقوالِ والأحوالِ .
وأمَّا الحقدُ .. فإنَّهُ قدْ يحملُ على التكتُّرِ مِنْ غيرِ عجبٍ ؛ كالذي يتكبُّ
على مَنْ يرى أنَّهُ مثلُهُ أَوْ فوقَهُ ، ولكنْ قدْ غضبَ عليهِ بسببٍ سبقَ منهُ ،
فأورثَهُ الغضبُ حقداً ، ورسخَ في قلبهِ بغضُهُ؛ فهوَ لذلكَ لا تطاوعُهُ نفسُهُ أنْ
٥٢١
کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
يتواضعَ لهُ وإنْ كانَ عندَهُ مستحقاً للتواضع ، فكمْ مِنْ رَذْلٍ لا تطاوعُهُ نفسُهُ
على التواضع لواحدٍ مِنَ الأكابرِ لحقدِهِ عليهِ ، أو بغضِهِ لهُ ، ويحملُهُ ذلَكَ
على ردِّ الحقِّ إذا جاءَ مِنْ جهتِهِ ، وعلى الأنفةِ مِنْ قبولِ نصحِهِ ، وعلى أنْ
يجتهدَ في التقدُّم عليهِ وإنْ علمَ أنَّهُ لا يستحقُّ ذلكَ، وعلى ألاَّ يستحلَّهُ وإنْ
ظلمَهُ ، ولا يعتذرَ إليهِ وإنْ جنى عليهِ ، ولا يسألَهُ عمَّا هوَ جاهلٌ بهِ .
وأمَّا الحسدُ .. فإنَّهُ أيضاً يوجبُ البغضَ للمحسودِ وإنْ لمْ يكنْ مِنْ جهتِهِ
إيذاءٌ وسببٌ يقتضي الغضبَ والحقدَ ، ويدعو الحسدُ أيضاً إلى جحدٍ
الحقِّ ، حتَّى يمتنعُ مِنْ قبولِ النصحِ وتعلُّمِ العلمِ ، فكمْ مِنْ جاهلٍ يشتاقُ إلى
العلمِ وقدْ بقيَ في رذيلةِ الجهلِ ؛ لاستنكافِهِ أنْ يستفيدَ مِنْ واحدٍ مِنْ أهلِ
بلدِهِ أوْ أقاربِهِ ؛ حسداً وبغياً عَلَيهِ ، فهوَ يعرضُ عنهُ ويتكبّرُ عليهِ معَ معرفتِهِ
بأنَّهُ يستحقُّ التواضعَ بفضلٍ علمِهِ، ولكنَّ الحسدَ يبعثُهُ على أنْ يعاملَهُ
بأخلاقِ المتكبِّرِينَ وإنْ كانَ في باطنِهِ ليسَ يرى نفسَهُ فوقَهُ .
وأمَّا الرياءُ .. فهوَ أيضاً يدعو إلى أخلاقِ المتكبِّرِينَ، حتَّى إنَّ الرجلَ
ليناظرُ مَنْ يعلمُ أنَّهُ أفضلُ منهُ، وليسَ بينَهُ وبينَهُ معرفةٌ ولا محاسدةٌ
ولا حقدٌ ، ولكنْ يمتنعُ مِنْ قبولِ الحقِّ منهُ، ولا يتواضعُ لهُ في الاستفادةِ ؛
خيفةً مِنْ أَنْ يقولَ الناسُ : إنَّهُ أفضلُ منهُ ، فيكونُ باعتُهُ على التكتُّرِ علیهِ
الرياءَ المجرَّدَ ، ولوْ خلا معَهُ بنفسِهِ .. لكانَ لا يتكبَّرُ عليهِ، وأمَّا الذي يتكبّرُ
بالعجبِ أوِ الحسدِ أوِ الحقدِ .. فإنَّهُ يتكبِّرُ أيضاً عندَ الخلوةِ بهِ مهما لمْ يكنْ
معَهُما ثالثٌ ، وكذلكَ قدْ ينتمي إلى نسبٍ شريفٍ كاذباً وهوَ يعلمُ أنَّهُ كاذبٌ
٥٢٢
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
ثُمَّ يتكبِّرُ بهِ على مَنْ ليسَ ينتسبُ إلى ذلكَ النسبِ ، ويترفَّعُ عليهِ في
المجالسِ ، ويتقدَّمُ عليهِ في الطرقِ ، ولا يرضىُ بمساواتِهِ في الكرامةِ
والتوقيرِ ، وهوَ عالمٌ باطناً بأنَّهُ لا يستحقُّ ذلكَ ، ولا كبْرَ في باطنِهِ ؛ لمعرفتِهِ
بأنَّهُ كاذبٌ في دعوى النسبِ ، ولكنْ يحملُهُ الرياءُ على أفعالِ المتكبِّرِينَ .
وكأنَّ اسمَ المتكبِّرِّ إنَّما يُطلقُ في الأكثرِ على مَنْ يفعلُ هذِهِ الأفعالَ عنْ
كبْرٍ في الباطنِ صادرٍ عَنِ العُجْبِ والنظرِ إلى الغيرِ بعينِ الاستحقارِ ، وهوَ إنْ
سُمِّيَ متكبِّراً فلأجلِ التشتُّهِ بأفعالِ المتكبِّرِينَ ، نسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ ، واللهُ
تعالى أعلمُ .
٥٢٣
کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
بيان أخلاق المتواضعين ومجامع ما يظهر في أثر التواضع والأكبر
اعلمْ : أنَّ التكبِّرَ يظهرُ في شمائلِ الرجلِ ؛ كصَعَرٍ في وجهِهِ ، ونظرِهِ
شَزْراً ، وإطراقِهِ رأسَهُ ، وجلوسِهِ متربِّعاً أو متكئاً ، وفي أقوالِهِ حتَّى في
صوتِهِ ونغمتِهِ ، وصيغتِهِ في الإيرادِ ، ويظهرُ في مِشْيتِهِ وتبخترِهِ ، وقيامِهِ
وجلوسِهِ ، وفي حركاتِهِ وسكناتِهِ ، وفي تعاطيِهِ لأفعالِهِ ، وفي سائرٍ تقلُّباتِهِ
في أحوالِهِ وأقوالِهِ وأعمالِهِ .
فمِنَ المتكبرينَ مَنْ يجمعُ ذلكَ كلَّهُ ، ومنهُمْ مَنْ يتكبِّرُ في بعضٍ ويتواضعُ
في بعضٍ .
فمنها : التكبُّرُ بأنْ يحبّ قيامَ الناسِ لهُ أوْ بينَ يديهِ ، وقدْ قالَ عليّ
كرمَ اللهُ وجهَهُ : ( مَنْ أرادَ أنْ ينظرَ إلى رجلٍ مِنْ أهلِ النارِ .. فلينظرْ إلى
رجلٍ قاعدٍ وبينَ يدِهِ قومٌ قيامٌ ) .
وقالَ أنسٌ : لمْ يكنْ شخصٌ أحبّ إليهِمْ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، وكانوا إذا رأَوهُ .. لمْ يقوموا لهُ؛ لما يعلمونَ مِنْ كراهتِهِ
لذلكَ)(١).
(١) رواه الترمذي (٢٧٥٤) .
٥٢٤
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
ومنها : ألاَّ يمشيَ إلا ومعَهُ غيرُهُ يمشي خلفَهُ ، قَالَ أبو الدرداءِ : ( لا
يزالُ العبدُ يزدادُ مِنَ اللهِ بُعداً ما مُشيَ خلفَهُ)(١) .
بهـ
وكانَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ لا يُعرفُ مِنْ عبيدِهِ ؛ إذْ كانَ لا يتميَّزُ عنهُمْ
في صورةٍ ظاهرةٍ .
ومشى قومٌ خلفَ الحسنِ البصريِّ، فمنعَهُمْ وقالَ : ( ما يُبقي هذا مِنْ
قلبِ العبدِ ؟ ) .
وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بعضِ الأوقاتِ يمشي معَ بعضٍ
الأصحابِ ، فيأمرُهُمْ بالتقدُّم، ويمشي في غمارهِمْ(٢)؛ إِمَّا لتعليمِ غيرِهِ،
أوْ لينفيَ عنْ نفسِهِ وساوسَ الشيطانِ بالكبْرِ والعجبِ ، كما خلعَ الثوبَ
الجديدَ في الصلاةِ وأبدلَهُ بالخليعِ(٣)؛ لأحدِ هذينِ المعنيينِ .
ومنها : ألاَّ يزورَ غيرَهُ وإنْ كانَ يحصلُ مِنْ زيارتِهِ خيرٌ لغيرِهِ في الدينِ ،
وهوَ ضدُّ التواضع، رُويَ أنَّ سفيان الثوريَّ قدمَ الرملةَ ، فبعثَ إليهِ
إبراهيمُ بنُ أدهمَ : أَنْ تعالَ فحدِّثْنا ، فجاءهُمْ سفيانُ ، فقيلَ لهُ : يا أبا
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٩٤).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٤٥).
(٣) قال الحافظ العراقي : ( المعروف نزع الشراك الجديد ورد الشراك الخلق ، أو نزع
الخميصة ولبس الأنبجانية). ((إتحاف)) (٣٧٨/٨ - ٣٧٩). قلت: أما الأول ..
فرواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٠٢)، وأما الثاني .. فرواه البخاري (٣٧٣)،
ومسلم ( ٥٥٦/ ٦٢) .
٥٢٥
کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
إسحاقَ ؛ تبعثُ إليهِ بمثل هذا؟! فقالَ : أردتُ أنْ أنظرَ كيفَ تواضعُهُ(١) .
ومنها : أن يستنكفَ مِنْ جلوسِ غيرِهِ بالقربِ منهُ إلاَّ أنْ يجلسَ بينَ
يديهِ ، والتواضعُ خلافُهُ، قالَ ابنُ وهبٍ : جلستُ إلى عبدِ العزيزِ بنِ
أبي رَوَّادٍ ، فمسَّ فخذي فخذَهُ ، فنخَّيتُ نفسي عنهُ ، فأخذ ثيابي فجرَّني
إلى نفسِهِ وقالَ لي : لمَ تفعلونَ بي ما تفعلونَ بالجبابرةِ ، وإنِّي لا أعرفُ
رجلاً منكُمْ شرّاً منِّي ؟!
وقالَ أنسٌ : كانَتِ الوليدةُ مِنْ ولائِدِ المدينةِ تأخذُ بيدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ فلا ينزعُ يدَهُ مِنْ يدِها حتَّى تذهبَ بهِ حيثُ شاءَتْ(٢) .
ومنها : أنْ يتوقَّى مجالسةَ المرضى والمعلولينَ ، ويتحاشى عنهُمْ ، وهوَ
مِنَ الكبرِ ؛ دخلَ رجلٌ عليهِ جدرٌّ قدْ تقشَّرَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ وعندَهُ ناسٌ منْ أصحابِهِ يأكلونَ ، فما جلسَ إلى أحدٍ إلاَّ قامَ مِنْ
جنبهِ ، فأجلسَهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بجنِهِ(٣).
وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما لا يحبسُ عنْ طعامِهِ مجذوماً
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ٣٦٧).
(٢) رواه البخاري (٦٠٧٢) معلقاً، ورواه ابن ماجه ( ٤١٧٧) موصولاً ، ولفظه هنا رواه
ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ١٢٢ ).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٥٠٢٥)، وابن أبي الدنيا في ((التواضع
والخمول )) ( ٨١ ) .
٥٢٦
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
ولا أبرصَ ولا مبتلىّ إلا أقعدَهُمْ على مائدتِهِ(١).
ومنها : ألاَّ يتعاطى بيدِهِ شغلاً في بيتِهِ ، والتواضعُ خلافُهُ ؛ رُويَ أنَّ
عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أتاهُ ليلةً ضيفٌ وكانَ يكتبُ ، فكادَ السراجُ يطفأُ ، فقالَ
الضيفُ : أقومُ إلى المصباح فأصلحَهُ ؟ فقالَ : ليسَ مِنْ كرم الرجلِ أنْ
يستخدمَ ضيفَهُ ، قالَ : أفأنّهُ الغلامَ؟ قالَ : هيَ أوَّلُ نومةٍ نامَها ، فقامَ وأخذَ
البطَّةَ وملأَ المصباحَ زيتاً(٢)، فقالَ الضيفُ : قمتَ أنتَ بنفسِكَ يا أميرَ
المؤمنينَ ؟! فقالَ : ذهبتُ وأنا عمرُ، ورجعتُ وأنا عمرُ، ما نقصَ منِّي
شيءٌ، وخيرُ الناسِ مَنْ كانَ عندَ اللهِ متواضعاً(٣).
ومنها : ألاَّ يأخذَ متاعَهُ ويحملَهُ إلى بيتِهِ ، وهوَ خلافُ عادةِ
المتواضعينَ ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يفعلُ ذلكَ (٤)، وقالَ عليّ
كرَّمَ اللهُ وجهَهُ :
[من الرجز]
لا يَنْقُصُ الْكَامِلَ مِنْ كمالِهِ ما جَرَّ مِنْ نَفْعِ إلى عيالِهِ(٥)
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦١١).
(٢) البطة : إناء كالقارورة .
(٣) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٩١٩٤).
(٤) روى ذلك أبو يعلى في ((مسنده)) (٦١٦٢)، والطبراني في ((الأوسط)) ( ٦٥٩٠).
(٥) وسياق الخبر في ((القوت)) (٢٣٣/٢): (وعلي رضي الله عنه كان يحمل التمر =
٥٢٧
...
کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
وكانَ أبو عبيدة بنُ الجراح وهوَ أميرٌ يحملُ سطلاً لهُ مِنْ خشبٍ إلى
الحمام(١) .
وقالَ ثابتُ بنُ أبي مالكِ : رأيتُ أبا هريرةَ أقبلَ مِنَ السوقِ يحملُ حزمةَ
خطبٍ وهوَ يومئذٍ خليفةٌ لمروانَ ، فقالَ : أوسع الطريقَ للأميرِ يا بنَ
أبي مالكٍ(٢).
وعنِ الأصبغ بن نباتةَ قالَ : ( كأنِّي أنظرُ إلى عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ
عنهُ معلِّقاً لحماً في يدِهِ اليسرى، وفي يدِهِ اليمنى الدِّرَّةُ يدورُ في الأسواقِ
حتّى دخلَ رحلَةُ)(٣) .
وقالَ بعضُهُمْ : رأيتُ علياً رضيَ اللهُ عنهُ اشترى لحماً بدرهم فحملَهُ في
ملحفتِهِ ، فقلتُ لهُ : أحملُ عنكَ يا أميرَ المؤمنينَ ؟ قالَ : لا ؛ أبو العيالِ
أحقُّ أنْ يحملَ (٤).
حن جن .. من شن
والملح في ثوبه وبده ويقول ... ) وذكر البيت ، وانظر ( ديوان سيدنا علي))
=
(ص٢١٢)، ورواه ابن أبي الدنيا في (( العيال)) (٣١) عن محمد بن أبي محمد بن
كناسة، وانظر « الأغاني)، ( ١٣ / ٤٨٥١).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في (( التواضع والخمول)) ( ٩٧).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٤/١)، ونبّه الحافظ الزبيدي في «إتحافه "
(٨/ ٣٨٠) إلى أن ابن أبي مالك هو ثعلبة، وليس ثابتاً.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ٩٩).
تن
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)( (١٠٢)، وفيه: ( تمراً) بدل (لحماً).
٥٢٨
من حن
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
ومنها : اللباسُ ؛ إذْ يظهرُ بهِ التكبُّرُ والتواضعُ، وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: ((البذاذةُ مِنَ الإيمانِ))(١).
من
قالَ هارونُ : سألتُ مَعْناً عنِ البذاذةِ فقالَ : هوَ الدونُ مِنَ اللباسِ (٢).
وقالَ زيدُ بنُ وهبٍ : ( رأيتُ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ خرجَ إلى
السوقِ وبيدِهِ الدُرَّةُ وعليهِ إزارٌ فيهِ أربعَ عشرةَ رقعةٌ بعضُها مِنْ أدمٍ)(٣).
وُوتبَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ في إزارٍ مرفوع فقالَ: (يقتدي بهِ المؤمنُ ،
ويخشعُ لُهُ القلبُ)(٤) .
جني جن
مان
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( جودةُ الثيابِ خيلاءُ القلبِ )(٥).
وقالَ طاووسٌ: ( إنِّي لأغلُ تَوْبيَّ هذينٍ، فأنكرُ قلبي ما داما
نقيَينِ ) (٦) .
ويُروى أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ كانَ قبلَ أنْ يُستخلَفَ تُشترى لهُ
الحلَّةُ بألفِ دينارٍ فيقولُ: ما أجودَها ! لولا خشونةٌ فيها، فلمَّا استُخلِفَ ..
(١) رواه أبو داوود (٤١٦١)، وابن ماجه ( ٤١١٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ١٢٩) عقب روايته للحديث.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (١٣٠).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في (التواضع والخمول)) ( ١٣٣).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في (التواضع والخمول)) (١٤٥).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في ( التواضع والخمول؟ (١٤٦).
٥٢٩
شن حي حنجن
کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
كان يُشترى لهُ الثوبُ بخمسةِ دراهمَ فيقولُ: ما أجودَهُ! لولا لينُهُ، فقيلَ
لهُ: أينَ لباسُكَ ومركبُكَ وعطرُكَ يا أميرَ المؤمنينَ؟ فقالَ: إنَّ لي نفساً
دوَّاقةً تواقةً ، وإنَّها لمْ تذقْ مِنَ الدنيا طبقةً إلا تاقَتْ إلى الطبقةِ التي فوقَها ،
حتَّى إِذا ذاقَتِ الْخلافةً وهيَ أرفعُ الطبقاتِ .. تاقَتْ إلى ما عندَ اللهِ عزَّ
(١)
وجلَّ(١) .
وقالَ سعيدُ بنُّ سويدٍ : صلَّى بنا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ الجمعةَ، ثمَّ جلسَ
وعليهِ قميصٌ مرفوعُ الجيبِ مِنْ بينِ يديهِ ومِنْ خلفِهِ ، فقالَ لهُ رجلٌ : يا أميرَ
المؤمنينَ؛ إنَّ اللهَ تعالى قدْ أعطاكَ فلوْ لبستَ، فنكسَ رَأْسَهُ مليّاً، ثمَّ
رفعَ رأسَهُ فقالَ : إنَّ أفضلَ القصدِ عندَ الجِدَةِ ، وإنَّ أفضلَ العفوِ عندَ
القدرة (٢) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ تركَ زينةَ الدنيا ووضعَ ثياباً
حسنةً تواضعاً للهِ وابتغاءَ وجهِهِ .. كانَ حقّاً على اللهِ تعالى أنْ يدَّخرَ لهُ مِنْ
عبقريّ الجنَّةِ ))(٣)
٩٠
ئن.
ـن
فإنْ قلتَ : فقدْ قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( جودةُ الثياب خيلاءُ
(١) رواه أبو نعيم في الحلية)) (٣٢٣/٥، ٣٣٢).
حر
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ( التواضع والخمول)) ( ١٥١).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول: (١٥٦)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٨/ ٤٤ ) .
ـدر
٥٣٠
D
ربع المهلكات
روميهـــه
کتاب ذم الکبر
القلبِ)(١) ، وقدْ سُئلَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الجمالِ في الثيابِ هلْ
هوَ مِنَ الكبرِ؟ فقالَ: ((لا، ولكنْ مَنْ سَفِهَ الحقَّ وَغَمَصَ الناسَ))(٢)،
فكيفَ طريقُ الجمع بينَهُما ؟
﴾
فاعلمْ : أنَّ الثوبَ الجيّدَ ليسَ مِنْ ضرورتِهِ أنْ يكونَ مِنَ التكتُّرِ في حقِّ
كلِّ أحدٍ في كلِّ حالٍ ، وهوَ الذي أشارَ إليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
وهوَ الذي عرفَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ حالٍ ثابتِ بنِ قِيسٍ ؛ إذْ
٥
قالَ: إنِّي امرؤٌ حُبِّبَ إليَّ مِنَ الجمالِ ما ترى(٣)، فعرفَ أَنَّ ميلَهُ إلى النظافةِ
وجودةِ الثيابٍ ، لا ليتكَبَّرَ على غيرِهِ ، فإنَّهُ ليسَ مِنْ ضرورتِهِ أنْ يكونَ مِنَ
الكبْرِ ، وقد يكونُ ذلكَ مِنَ الكبرِ ؛ كما أنَّ الرضا بالثوبِ الدونِ قدْ يكونُ مِنْ
التواضع .
وعلامةُ المتكبِّرِ : أنْ يطلبَ التجمُّلَ إذا رآهُ الناسُ ، ولا يباليَ إذا انفرد
بنفسِهِ كيفَ كانَ، وعلامةُ طلبِ الجمالِ : أنْ يحبَّ الجمالَ في كلِّ شيءٍ ولوْ
في خلوتِهِ، وحتَّى في سُتُورٍ دارِهِ ، فذلكَ ليسَ مِنَ التكتُّرِ .
فإِذا انقسمَتِ الأحوالُ .. نُزِّلَ قولُ عيسىُ عليهِ السلامُ على بعضٍ
(١) تقدم قريباً .
(٢) رواه أحمد في «المسند» (١٣٣/٤)، والبخاري في (( الأدب المفرد)؟ ( ٥٤٨)،
وابن حبان في «صحيحه» ( ٥٤٦٧)، وهو عند مسلم (٩١) بلفظ: ((الكبر بطر
الحق وغمط الناس ».
(٣) هو الحديث المذكور قبله .
٥٣١
... جن .
جرحى- حى حن
بصں
كتاب ذم الكبر
ربع المهلكات
الأحوالِ ؛ على أنَّ قولَهُ: ( هوَ خيلاءُ القلبِ ) يعني : قدْ تورثُ خيلاءَ في
القلبِ، وقولَ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّهُ ليسَ مِنَ الكبرِ)) يعني: أنَّ
الكبرَ لا يوجبُهُ، ويجوزُ ألَّ يوجبَهُ الكِبْرُ، ثمَّ يكونُ هوَ مورثاً للكبْرِ .
وبالجملةِ : فالأحوالُ تختلفُ في مثلِ هذا ، والمحبوبُ الوسطَ مِنَ
اللباسِ ، الذي لا يوجبُ شهرةٌ بالجودةِ ولا بالرداءةِ ، وقد قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : « كلوا واشربوا والْبَسوا وتصدَّقوا في غيرِ سَرَفٍ ولا مَخِيلَةٍ، إِنَّ اللهَ
يحبُّ أنْ يرى أثرَ نعمتِهِ على عبدِهِ)) (١).
وقالَ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المزنيُّ: ( الْبَسوا ثيابَ الملوكِ، وأميتوا قلوبَكُمْ
بالخشية)(٢)، وإنَّما خاطبَ بهذا قوماً يطلبونَ التكبِّرَ بثيابِ أهلِ الصلاحِ ،
وقدْ قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( ما لكم تأتوني وعليكُمْ ثيابُ الرهبانِ
وقلوبُكُمْ قلوبُ الذئابِ الضواري ؟! الْبَسوا ثيابَ الملوكِ، وألينوا قلوبَكُمْ
بالخشية)(٣).
ومنها (٤) : أنْ يتواضعَ بالاحتمالِ إذا سُبَّ وأُوذيَ وأُخِذَ حقُّهُ ، فذلكَ هوَ
٤٠
٤٠
(١) رواه بتمامه الحاكم في ((المستدرك)) (١٣٥/٤)، وصدره رواه النسائي (٧٩/٥)،
وابن ماجه (٣٦٠٥).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ١٥٨).
ش
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ١٥٣).
مشنے
(٤) أي: من أخلاق المتواضعين. ((إتحاف" (٣٨٣/٨).
ء
ق
٥٣٢
دی
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
الأصلُ وقدْ أوردنا ما نُقِلَ عنِ السلفِ مِنِ احتمالِ الأذى في كتابِ الغضبِ
والحسد .
حن
وبالجملةِ : فمجامعُ حسنِ الأخلاقِ والتواضع سيرةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ، فبهِ ينبغي أنْ يُقتدى ، ومنهُ ينبغي أنْ يُتعلَّمَ .
وقدْ قالَ أبو سلمةً(١) : قلتُ لأبي سعيد الخدريِّ: ما ترى فيما أحدثَ
الناسُ مِنَ الملبسِ والمشربِ والمركبِ والمطعمِ ؟
ببه
2?
فقالَ : يا بنَ أخي ؛ كُلُّ للهِ، واشربْ للهِ ، والبَنْ للهِ، وكلُّ شيءٍ مِنْ
ذلكَ دخلَهُ زهوٌ أوْ مباهاةٌ أو رياءٌ أو سمعةٌ . . فهوَ معصيةٌ وسرَفٌ ، وعالجْ في
بيتِكَ مِنَ الخدمةِ ما كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يعالجُ في بيتِهِ ، كانَ
يعلفُ الناضجَ، ويعقلُ البعيرَ ، ويقمُّ البيتَ، ويحلبُ الشاةَ ، ويخصِفُ
النعلَ ، ويرفعُ الثوبَ ، ويأكلُ معَ خادمِهِ ، ويطحنُ عنهُ إذا أعيا ، ويشتري
الشيءَ مِنَ السوقِ، ولا يمنعُهُ الْحياءُ أنْ يعلِّقَهُ بيدِهِ ، أوْ يجعلَهُ في طرفٍ
ثوبِهِ ، وينقلبُ إلى أهلِهِ ، يصافحُ الغنيَّ والفقيرَ ، والصغيرَ والكبيرَ، ويسلِّمُ
مبتدئاً على كلِّ مَنِ استقبلَهُ ؛ مِنْ صغيرٍ أوْ كبيرٍ ، أسودَ أوْ أحمرَ ، حرٍّ أوْ عبدٍ
مِنْ أهلِ الصلاةِ ، ليسَتْ لهُ حُلَّةٌ لمدخلهِ وحلةٌ لمخرجِهِ ، لا يستحيي مِنْ أَنْ
يجيبَ إذا دُعيَ وإنْ كانَّ أشعثَ أغبرَ ، ولا يحقرُ ما دُعِيَ إليهِ وإنْ لمْ يجدْ إلا
ني
ـوة
(١) في النسخ : ( ابن أبي سلمة)، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف كما سيأتي .
٥٣٣
كتاب ذم الكبر
ربع المهلكات
حَشَفَ الدَّقَلِ ، لا يرفعُ غداءً لعشاءٍ ، ولا عشاءً لغداءٍ ، هيِّنُ المؤنةِ، لِيِّنُ
الخُلُقِ ، كريمُ الطبيعةِ ، جميلُ المعاشرةِ ، طليقُ الوجهِ ، بسَّاءٌ مِنْ غيرِ
ضحكٍ ، محزونٌ مِنْ غيرِ عبوسٍ ، شديدٌ مِنْ غيرِ عنفٍ ، متواضعٌ مِنْ غيرٍ
مذلَّةٍ ، جوادٌ مِنْ غيرِ سَرَفٍ ، رحيمٌ لكلِّ ذي قربى ومسلمٍ ، رقيقُ القلبِ ،
دائمُ الإِطراقِ، لم يبشَمْ(١) قطُّ مِنْ شبعٍ ، ولمْ يمدَّ يدَهُ إِلى طمعٍ .
قالَ أبو سلمةً : فدخلتُ على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، فحدَّثتُها بما قالَ
أبو سعيدٍ في زهدٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَتْ: ما أخطأ منهُ
حرفاً، ولقدْ قصَّرَ ؛ إذْ ما أخبركَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لَمْ يمتلىءُ
قطّ شبعاً ، ولمْ يبثَّ إلى أحدٍ شكوى، وإنْ كانَتِ الفاقةُ لأحبَّ إليهِ مِنَ اليسارِ
والغنى ، وإنْ كانَ ليظلُّ جائعاً يلتوي ليلتَهُ حتَّى يصبحَ ، فما يمنعُهُ ذلكَ عنْ
صيام يومِهِ ، ولَوْ شاءَ أنْ يسألَ ربَّهُ فَيُؤتى بكنوزِ الأرضِ وثمارِها ورغدٍ عيشِها
مِنْ مشارقِها ومغاربها .. لفعلَ، وربَّما بكيتُ رحمةً لهُ ممَّا أُوتِي مِنَ الجوع ،
فأمسحُ بطْنَهُ بيدي، وأقولُ : نفسي لكَ الفداءُ؛ لوْ تبلَّغتَ مِنَ الدنيا بقدْرِ
ما يقوتُكَ ويمنعُكَ مِنَ الجوع، فيقولُ: (( يا عائشةُ؛ إخواني مِنْ أولي العزم
مِنَ الرسلِ قدْ صيروا على ما هوَ أشدُّ مِنْ هذا ، فمضوا على حالِهِمْ ، وقدموا
على ربِّهِمْ ، فأكرمَ مَآبَهُمْ، وأجزلَ ثوابَهُمْ، فأجدُني أستحبي إنْ ترفَّهتُ في
معيشتي أنْ يقصرَ بي دونَهُمْ ، فأصبرُ أياماً يسيرةً أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ ينقصَ حظّي
-كن
مكن
-گر۔۔
(١) في (د، ك): (لم يتجشأ) بدل (لم يبشم).
٥٣٤
حن
ثن
ربع المهلكات
جن
كتاب ذم الكبر
غداً في الآخرةِ ، وما مِنْ شيءٍ أحبَّ إليَّ مِنَ اللحوقِ بإخواني وأخلائي" ،
قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : فواللهِ؛ ما استكملَ بعدَ ذلكَ جمعةٌ حتَّى قبضَهُ اللهُ
عز وجلَّ (١) .
فمَا نُقُلَ مِنْ أحوالِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يجمعُ جملةً أخلاقِ
المتواضعينَ ، فَمَنْ طَلَبَ التواضعَ .. فليقتدِ بهِ ، ومَنْ رأىُ نفسَهُ فوقَ محلِّهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولمْ يرضَ لنفسِهِ بما رضيَ هوَ بهِ .. فما أشدَّ جهلَهُ !!
فلقَدْ كانَ أعظمَ خلقِ اللهِ منصباً في الدنيا والدينِ ، فلا عزَّ ولا رفعةً إلا في
الاقتداءِ بهِ، ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: (إنا قومٌ أعزَّنَا اللهُ بالإسلام ،
فلا نطلبُ العزَّ في غيرِهِ ) لمَّا عُوتبَ في بذاذةِ هيئتِهِ عندَ دخولِهِ الشامَ(٢).
ثن.
وقالَ أبو الدرداءِ : ( اعلمْ أنَّ للهِ عباداً يُقالُ لهُمُ الأبدالُ، خلفٌ مِنّ
الأنبياءِ ، همْ أوتادُ الأرضِ، فلمَّ انقضَتِ النبوةُ .. أبدلَ اللهُ مكانَهُمْ قوماً مِنْ
أَمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، لمْ يفضلوا الناسَ بكثرةِ صومٍ ولا صلاةٍ
ولا حسنِ حليةٍ، ولكنْ بصدقِ الورع، وحسنِ النية ، وسلامة الصدر
لجميع المسلمينَ ، والنصيحةِ لهُمْ؛ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ، بصبرٍ حسنٍ(٣)،
(١) ساق الخبر بتمامه ومرفوعه الحافظ الشامي في ((سبل الهدى والرشاد)» ( ٦٧/٧) عن
أبي الحسن بن الضحاك، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وقال : ( في
سنده ميسرة بن عبد ربه ) .
(٢) رواه الحاكم في المستدرك)) (٦١/١).
(٣) في ( ب): ( بغير تجبر) ، وفي ( ب ، ك، م): ( بصير ثخين ) بدل (بصبر
حسن ) .
حن . حن
٥٣٥
کتاب ذم الكبر
ربع المهلكات
وتواضع في غيرِ مذلَّةٍ، وهمْ قومٌ اصطفاهُمُ اللهُ واستخلصَهُمْ لنفسِهِ ، وهمْ
أربعونَ صدِّيقاً، أوْ ثلاثونَ رجلاً، قلوبُهُمْ على مِثْلِ يقينِ إبراهيمَ خليل
الرحمنِ عليهِ السلامُ ، لا يموتُ الرجلُ منهُمْ حتَّى يكونَ اللهُ قد أنشأَ مَنْ
يخلفُهُ .
واعلمْ يا بنَ أخي أنَّهُمْ لا يلعنونَ شيئاً، ولا يؤذونَهُ، ولا يحقرونهُ،
ولا يتطاولونَ عليهِ ، ولا يحسدونَ أحداً ، ولا يحرصونَ على الدنيا ، همْ
أطيبُ الناسِ خُبْراً ، وألينُهُمْ عريكةً، وأسخاهُمْ نفساً، علامتُهُمُ السخاءُ ،
وسجيتهُمُ البشاشةُ ، وصفتُهُمُ السلامةُ ، ليسوا اليومَ في خشيةٍ وغداً في
غفلةٍ ، ولكنْ دائمونَ على حالِهِمُ الظاهرِ ، وهمْ فيما بينَهُمْ وبينَ ربِّهِمْ
لا تدركُّهُمُ الرياحُ العواصفُ، ولا الخيلُ المجراةُ ، قلوبُهُمْ تصعدُ ارتياحاً
إلى اللهِ، واشتياقاً إليه، وقدماً في استباقِ الخيراتِ ﴿ أُوْلََّ حِبُ اللهِ أَلَّ إِنَّ
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
قالَ الراوي : فقلتُ : يا أبا الدرداءِ ؛ ما سمعتُ بصفةٍ أشدَّ عليَّ مِنْ
هذهِ الصفةِ، فكيفَ لي أنْ أبلغَها ؟ فقالَ : ما بينَكَ وبينَ أنْ تكونَ في
أوسعِها إلا أنْ تبغضَ الدنيا؛ فإنَّكَ إذا أبغضتَ الدنيا .. أقبلتَ على حبِّ
الآخرةِ، وبقدرٍ حبِّكَ للآخرةِ تزهدُ في الدنيا، ويقدرِ ذلكَ تبصرُ
ما ينفعُكَ، وإذا علمَ اللهُ مِنْ عبدٍ حسنَ الطلبِ .. أفرعَ عليهِ السدادَ ،
واكتنفَهُ بالعصمةِ، واعلمْ يا بنَ أخي أنَّ ذلكَ في كتابِ اللهِ المنزَّلِ: ﴿إِنَّ اللَّهُ
مَعَ الَّذِينَ أَثَّقَواْ قَالَّذِينَ هُمْ تُخْسِنُونَ﴾.
حن.
طر حن
. حن
حن حن حن
٥٣٦
حر
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
قالَ يحيىُ بنُ كثيرٍ : فنظرنا في ذلكَ، فما تلذَّذَ المتلذذونَ بمثل حبِّ اللهِ
وطلبٍ مرضاتِهِ (١) .
محن .. مدن
اللهمَّ؛ اجعلْنا منْ محبِّي المحبِّينَ لكَ يا ربّ العالمينَ؛ فإنَّهُ لا يصلحُ
لحبِّكَ إلا مَنِ ارتضيتَهُ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبهِ
وسنّمَ .
حن حنحن
(١) الخير عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٦٩) بتمامه، وأما حديث
الأبدال .. فقد أورد تخريجه وطرقه الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٣٨٥/٨).
٥٣٧
من
کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
بيسان الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع
اعلمْ: أَنَّ الكَبْرَ مِنَ المهلكاتِ ، ولا يخلو أحدٌ مِنَ الخلْقِ عنْ شيءٍ
منهُ، وإزالتُهُ فرضُ عينٍ ، ولا يزولُ بمجرَّدِ التمنِّي ، بلْ بالمعالجةِ
واستعمالِ الأدويةِ القامعةِ لهُ .
وفي معالجتهِ مقامانِ :
قه
أحدُهُما : استئصالُ أصلِهِ مِنْ سِنْخِهِ ، وقلعُ شجرتِهِ مِنْ مغرسِها في
القلبِ .
والثاني : دفعُ العارضِ منهُ بالأسبابِ الخاصةِ التي بها يتكبّرُ الإنسانُ على
غيرهِ .
حر
عدن
المقامُ الأولُ : في استئصالِ أصلِهِ :
٢٠
وعلاجُهُ : علميٌّ وعمليٍّ، ولا يتمُّ الشفاءُ إلا بمجموعِهِما .
أُمَّا العلميُّ : فهوَ أَنْ يعرفَ نفسَهُ ، ويعرفَ ربَّهُ تعالى ، ويكفيهِ ذلكَ في
إزالةِ الكبرِ ، فإنَّهُ مهما عرفَ نفسَهُ حقَّ المعرفةِ .. علمَ أنَّهُ أذلُّ مِنْ كلِّ
ذليلٍ ، وأقلُّ مِنْ كلِّ قليلٍ ، وأَنَّهُ لا يليقُ بهِ إلا التواضعُ والذلَّةُ والمهانةُ ،
وإذا عرفَ ربَّةُ .. علمَ أنَّهُ لا تليقُ العظمةُ والكبرياءُ إلا باللهِ .
٥٣٨
ذر
ربع المهلكات
کتاب ذم الکبر
أما معرفتُهُ ربَّهُ وعظمتَهُ ومجدَهُ .. فالقولُ فيهِ يطولُ ، وهو منتهى علمٍ
المكاشفة .
-«ن
تر
وأمَّا معرفتُهُ نفسَهُ .. فهوَ أيضاً يطولُ، ولكنَّا نذكرُ مِنْ ذلكَ ما ينفعُ في
إثارةِ التواضع والمذلَّةِ ، ويكفيهِ أنْ يعرفَ معنى آيةٍ واحدةٍ في كتابِ اللهِ ،
فإنَّ في القرآنِ علمَ الأولينَ والآخرينَ لمَنْ فُتَحَتْ بصيرتُهُ ، وقدْ قالَ تعالى :
﴿قُئِلَ آلْإَِؤُّ مَآ أَكْفَرَمُ " .. مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ :: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَذَّرَمُ . ... ثُمَّ السَّبِيلَ يَسْرَعُ
ثُمَّأَمَهُ فَأَقْبَُ:٤. ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾.
حز
-تن خن حن من مون
فقدْ أشارَتِ الآيةُ إلى أوَّلِ خلقِ الإنسانِ، وإلى آخرِ أمرِهِ ، وإلى
وسطِهِ ، فلينظرِ الإنسانُ ذلكَ ليفهمَ معنى هذهِ الآيةِ .
أمَّا أوَّلُ الإنسانِ .. فهوَ أنَّهُ لمْ يكنْ شيئاً مذكوراً، وقدْ كانَ في حيِّرِ العدمِ
دهوراً ، بلُ لمْ يكنْ لعدمِهِ أوَّلٌ، وأيُّ شيءٍ أخسُّ وأقلُّ مِنَ المحوِ
والعدم ؟! وقدْ كانَ كذلكَ في القدم ، ثمَّ خلقَهُ اللهُ مِنْ أذلِّ الأشياءِ، ثمَّ مِنْ
أقذرِها ؛ إذ قدْ خلقَهُ مِنْ ترابٍ ، ثمَّ مِنْ نطفةٍ، ثُمَّ مِنْ علقةٍ، ثمَّ مِنْ
مضغةٍ ، ثمَّ جعلَهُ عظماً، ثمّ كا العظمَ لحماً ، فقدْ كانَ هذا بدايةً
وجودِهِ ، حيثُ صارَ شيئاً مذكوراً ، فما صارَ شيئاً مذكوراً إلا وهوَ على أخسِّ
الأوصافِ والنعوتِ ؛ إذْ لمْ يُخلقْ في ابتدائِهِ كاملاً ، بلْ خلقَةُ جماداً ميتاً
لا يسمعُ ولا يبصرُ ، ولا يحسُ ولا يتحركُ، ولا ينطقُ ولا يبطشُ،
ولا يدركُ ولا يعلمُ، فبدأ بموتِهِ قبلَ حياتِهِ ، وبضعفِهِ قبلَ قوتِهِ ، وبجهلِهِ
٥٣٩
کتاب ذم الکبر
ربع المهلكات
و
قبلَ علمِهِ ، وبعماهُ قبلَ بصرِهِ ، وبصممِهِ قبلَ سمعِهِ ، وببكمِهِ قبلَ نطْقِهِ ،
وبضلالتِهِ قبلَ هداهُ ، وبفقرِهِ قبلَ غناهُ ، وبعجزِهِ قبلَ قدرتِهِ .
فهذا معنى قولِهِ: ﴿مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ:{يَ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ، ومعنى
قوله : ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنْسَنِ حِينٌّ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ( ٤: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ مِن
تُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ تَّبْتَلِهِ﴾، كذلك خلقه أوَّلاً، ثمَّ امتنَّ عليهِ فقالَ: ﴿ ثُمَّ اُلَيْلَ
يَسْرَهُ﴾، وهذا إشارةٌ إلى ما تيسَّرَ لهُ في مدَّةِ حياتِهِ إلى الموتِ.
وكذلكَ قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ( *: إِنَّا هَدَيْنَهُ
السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، ومعناهُ: أنَّهُ أحياهُ بعدَ أنْ كانَ جماداً ميتاً ؛
تراباً أوَّلاً ، ونطفةً ثانياً ، وأسمعَهُ بعدَما كانَ أصمَّ ، وبصَّرَهُ بعدَما كانَ فاقداً
للبصرِ ، وقوَّاهُ بعدَ الضعفِ ، وعلَّمَهُ بعدَ الجهلِ ، وخلقَ لهُ الأعضاءَ بما
فيها مِنَ العجائبِ والآياتِ بعدَ الفقدِ لها ، وأغناهُ بعدَ الفقرِ وأشبعَهُ بعدَ
الجوعِ ، وكساهُ بعدَ العرْىٍ ، وهداهُ بعدَ الضلالِ .
فانظرْ كيفَ دبَّرَهُ وصوَّرَهُ ، وإلى السبيلِ كيفَ يسَّرَهُ ، وإلى طغيانٍ
الإنسانِ ما أكفرَهُ، وإلى جهلِ الإنسانِ كيفَ أظهرَهُ، فقالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ
اُلْإِنسَانُ أَنَا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيٌ مُّبِينٌ﴾، ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن
تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
ب
فانظرْ إلى نعمةِ اللهِ عليهِ كيفَ نقلَهُ مِنْ تلكَ الذلَّةِ والقلَّةِ والخسَّةِ والقذارةِ
إلى هذهِ الرفعةِ والكرامةِ ، فصارَ موجوداً بعدَ العدم ، وحيّاً بعدَ الموتِ ،
٥٤٠
٥