النص المفهرس
صفحات 481-500
کتاب ذم الکبر ربع المهلكات وقالَ المغيرةُ : كَّ نهابُ إبراهيمَ النخعيَّ هيبةَ الأميرِ ، وكانَ يقولُ : إِنَّ زماناً صرتُ فيهِ فقيهَ الكوفةِ لزمانُ سوءٍ(١) . وكانَ عطاءُ السَّلَميُّ إذا سمعَ صوتَ الرعدِ .. قامَ وقعدَ ، وأخذَ ببطنِهِ كأنَّهُ امرأةٌ ماخضٌ، وقالَ : هذا مِنْ أجلي يصيبُكُمْ، لوْ ماتَ عطاءٌ .. لاستراحَ الناسُ(٢) . وكانَ بشرٌ الحافي يقولُ: ( سلِّموا على أبناءِ الدنيا بتركِ السلامِ عليهِمْ) (٣). ودعا رجلٌ لعبدِ اللهِ بنِ المباركِ فقالَ : أعطاكَ اللهُ ما ترجوهُ! فقالَ : إِنَّ الرجاءَ يكونُ بعدَ المعرفةِ ، فأينَ المعرفةُ ؟! وتفاخرَتْ قريشٌ عندَ سلمانَ الفارسيِّ رضيَ اللهُ عنهُ يوماً ، فقالَ سلمانُ : لكنِّي خُلقتُ مِنْ نطفةٍ قذرةٍ ، ثمَّ أعودُ جيفةً منتنةٌ ، ثم آتي الميزانَ ؛ فإنْ ثقُلَ .. فأنا كريمٌ، وإنْ خفَّ .. فأنا لئيمُ(٤). وقالَ أبو بكرٍ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( وجدنا الكرمَ في التقوى ، والغنى في اليقينِ ، والشرفَ في التواضع )(٥) ، نسألُ اللهَ الكريمَ حسنَ التوفيقِ . حق (١) قول النخعي رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٣/٤). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢١/٦، ٢٢٥) مفرقاً . (٣) الرسالة القشيرية (ص ٢٦٩). (٤) الخبر عند ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (٢٣٧/١) . (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (١١٥) عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً . ٤٨٨ حن ـ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر بيان حقيقة الكِبر وآفته اعلمْ : أنَّ الكبرَ ينقسمُ إلى ظاهرٍ وباطنٍ ، فالباطنُ هوَ خُلُقٌّ في النفسِ ، والظاهرُ هوَ أعمالٌ تصدرُ عنِ الجوارحِ . واسمُ الكبرِ بالخلُقِ الباطنِ أحُّ ، وأمَّا الأعمالُ .. فإنَّها ثمراتٌ لذلكَ الخُلُقِ، وخُلُقُ الكبرِ موجبٌ للأعمالِ ، ولذلكَ إذا ظهرَ على الجوارِحِ .. يُقالُ: تكبِّرَ ، وإذا لمْ يظهرْ .. يُقالُ: في نفسِهِ كبرٌ ، فالأصلُ هوَ الخلُقُ الذي في النفسِ ، وهوَ الاسترواحُ والركونُ إلى رؤيةِ النفسِ فوقَ المتكبّرِ عليهِ ، فإنَّ الكبرَ يستدعي متكبَّراً عليهِ ، ومتكبَّراً بهِ ، وبهِ ينفصلُ الكبرُ عنِ العجبِ كما سيأتي ، فإنَّ العجبَ لا يستدعي غيرَ المعجبِ ، بلْ لَوْ لمْ يُخلقِ الإنسانُ إلا وحدَهُ .. تُصوَّرَ أنْ يكونَ معجباً ، ولا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ متكبِّراً ، إلا أنْ يكونَ معَ غيرِهِ ، وهوَ يرىُ نفسَهُ فوقَ ذلكَ الغيرِ في صفاتِ الكمالِ ، فعندَ ذلكَ يكونُ متكبِّراً . ولا يكفي أنْ يستعظمَ نفسَهُ ليكونَ متكبِّراً ، فإنَّهُ قدْ يستعظمُ نفسَهُ ولكنْ يرىُ غيرَهُ أعظمَ مِنْ نفسِهِ أَوْ مثلَ نفسِهِ فلا يتكبِّرُ عليهِ . ولا يكفي أنْ يستحقرَ غيرَهُ فإنَّهُ معَ ذلكَ لوْ رأىُ نفسَهُ أحقرَ .. لمْ يتكبرْ ، ولوْ رأىُ غيرَهُ مثلَ نفسِهِ .. لمْ يتكبرْ ، بلْ ينبغي أنْ يرىُ لنفسِهِ مرتبةً ولغيرِهِ مرتبةً ، ثمَّ يرى مرتبةَ نفسِهِ فوقَ مرتبةٍ غيرِهِ . ٤٨٩ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات فعندَ هذهِ الاعتقاداتِ الثلاثةِ يحصلُ فيهِ خُلُقُ الكبرِ ، لا أنَّ هذهِ الرؤيةَ هيَ الكبرُ ، بلْ هذهِ الرؤيةُ وهذهِ العقيدةُ تنفخُ فيهِ ، فيحصلُ في قلبهِ اعتدادٌ ، وهزَّةٌ ، وفرحٌ، وركونٌ إلى ما اعتقدَهُ، وعزّ في نفسِهِ بسببٍ ذلكَ ، فتلكَ العِزَّةُ والهِزَّةُ والركونُ إلى العقيدةِ هوَ خُلُقُ الكِبْرِ ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أعوذُ بكَ مِنْ نفخةِ الكبرياءِ))(١)، ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أخشى أنْ تنتفخَ حتَّى تبلغَ الثريا ) للذي استأذنَةُ أنْ يعظَ بعدَ صلاةِ الصبحِ (٢). فكأنَّ الإنسانَ مهما رأىُ نفسَهُ بهذهِ العينِ ، وهو الاستعظامُ .. كبرَ وانتفخَ وتعزَّزَ ، فالكبْرُ عبارةٌ عنِ الحالةِ الحاصلةِ في النفسِ مِنْ هذهِ الاعتقاداتِ، وتُسمَّى أيضاً عزَّةٌ وتعظماً ؛ ولذلكَ قالَ ابنُ عباسٍ في قولِهِ تعالى: ﴿إِن فِي صُدُورِ هِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِفِيهِ﴾. قالَ عظمةٌ لمْ يبلغوها ، ففسَّرَ الكبرَ بتلكَ العظمةِ (٣). ثُمَّ هذهِ العزَّةُ تقتضي أعمالاً في الظاهرِ والباطنِ هيَ ثمرتُها ، ويُسمَّى (١) رواه أبو داوود (٧٦٤) ولفظه: ((أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه))، قال - عمرو بن مرة ، أحد الرواة -: ونفثه الشعر، وتفخه الكبر ، وهمزه المُؤْتَةً ، والموتة: الصرع أو الجنون، وعند الحاكم في ((المستدرك)) (٢٠٧/١) : « ونفخه الكبرياء)) . (٢) رواه الضياء في ((المختارة)) (١٠٦)، وأحمد في ((المسند)) (١٨/١) بنحوه. (٣) وقد رواه الطبري في ((تفسيره)) (٢٤/١٢/ ٩٤) عن مجاهد . ٤٩٠ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر ذلكَ تكبِّراً ، فإنَّهُ مهما عظَمَ عندَهُ قدرُهُ بالإضافةِ إلى غيرِهِ .. حقرَ مَنْ دُونَهُ وازدراهُ ، وأقصاهُ عنْ نفسِهِ وأبعدَهُ ، وترفَّعَ عنْ مجالستِهِ ومؤاكلتِهِ ، ورأى أنَّ حقّهُ أنْ يقومَ مائلاً بينَ يديهِ إِنِ اشتدَّ كبْرُهُ ، فإنْ كانَ أشدَّ مِنْ ذلكَ .. استنكفَ عنِ استخدامِهِ ولمْ يجعلْهُ أهلاً للقيامِ بينَ يديهِ ، ولا لخدمةِ عتبتِهِ ، وإنْ كانَ دونَ ذلكَ .. فيأنفُ عنْ مساواتِهِ ، وتقدَّمَ عليهِ في مضايقِ الطرقِ ، وارتفعَ عليهِ في المحافلِ ، وانتظرَ أنْ يبدأهُ بالسلام ، واستبعدَ تقصيرَهُ في قضاءِ حوائجِهِ ، وتعجَّبَ منهُ، وإنْ حاجَّ أَوْ ناظرَ .. أنفَ أنْ يردّ عليهِ ، وإنْ وُعِظَ .. استنكفَ مِنَ القبولِ، وإنْ وَعَظَ .. عنَّفَ في النصحِ، وإنْ رُدَّ عليهِ شيءٌ مِنْ قولِهِ .. غضبَ، وإنْ علَّمَ .. لمْ يرفُقْ بالمتعلمينَ، واستذلَّهُمْ وانتهرَهُمْ، وامتنَّ عليهِمْ واستخدمَهُمْ، وينظرُ إلى العامَّةِ كأنهُ ينظرُ إلى الحميرِ ؛ استجهالاً لهُمْ واستحقاراً . والأعمالُ الصادرةُ عنْ خُلُقِ الكبرِ كثيرةٌ ، وهيَ أكثرُ مِنْ أنْ تُحصى ؛ فلا حاجةَ إلى تعدادِها ، فإنَّها مشهورةٌ فهذا هوَ الكبرُ ، وآفتُهُ عظيمةٌ ، وغائلتُهُ هائلةٌ ، وفيهِ يهلكُ الخواصُّ مِنَ الخلقِ ، وقلَّما ينفكُ عنهُ العبّادُ والزهَّادُ والعلماءُ ، فضلاً عنْ عوامِ الناسِ . وكيفَ لا تعظمُ آفتُهُ وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يدخلُ الجنةَ مَنْ في قلبِهِ مثقال ذرةٍ مِنْ كبرٍ )) (١)؟! وإنَّما صارَ حجاباً دونَ الجنةِ ؛ لأنَّهُ يحولُ (١) رواه مسلم (٩١)، والترمذي ( ١٩٩٨). ٤٩١ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات بينَ العبدِ وبينَ أخلاقِ المؤمنينَ كلِّها ، وتلكَ الأخلاقُ هيَ أبوابُ الجنةِ ، والكبرُ وعزَّةُ النفسِ يغلقُ تلكَ الأبوابَ كلَّها ؛ لأنَّهُ لا يقدرُ على أنْ يحبَّ للمؤمنينَ ما يحبُّ لنفسِهِ وفيهِ شيءٌ مِنَ العزِّ ، ولا يقدرُ على التواضع - وهوَ رأسُ أخلاقِ المتقينَ - وفيهِ العزُّ ، ولا يقدرُ على تركِ الحقدِ وفيهِ العزّ ، ولا يقدرُ أنْ يدومَ على الصدقِ وفيهِ العزُّ ، ولا يقدرُ على تركِ الغضبِ وفیهِ العزُّ ، ولا يقدرُ على كظم الغيظِ وفيهِ العزُّ ، ولا يقدرُ على تركِ الحسدِ وفیهِ العزُّ ، ولا يقدرُ على النصحِ اللطيفِ وفيهِ العزُّ ، ولا يقدرُ على قبولٍ النصحِ وفيهِ العزُّ ، ولا يسلمُ مِنَ الإزراءِ بالناسِ ومِنَ اغتيابِهِمْ وفيهِ العزّ ، ولا معنىُ للتطويلِ ؛ فما مِنْ خلقٍ ذميمٍ إلا وصاحبُ العزِّ والكبْرِ مضطرٍّ إليهِ ؛ ليحفظَ بهِ عزَّهُ، وما مِنْ خُلُقٍ محمودٍ إلا وهوَ عاجزٌ عنهُ ؛ خوفاً مِنْ أنْ يفوتَهُ عزُّهُ . فعلى هذا ؛ لمْ يدخلِ الجنةَ مَنْ في قلبِهِ مثقال حبةٍ منهُ ، والأخلاقُ الذميمةُ متلازمةٌ ، والبعضُ منها داع إلى البعضِ لا محالَ . وشرُّ أنواع الكبرِ ما يمنعُ منِ استفادةِ العلمِ وقبولِ الحقِ والانقيادِ لهُ ، وفيهِ وردَتِ الآياتُ التي فيها ذمُّ الكبرِ والمتكبِّرِينَ ؛ قالَ اللهُ تعالى : ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكِكُمِّ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ : ﴿ أُدْ خُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى اُلْمُتَكَِّينَ﴾ ٠ ٤٩٢ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر ثُمَّ أخبرَ أنَّ أشدَّ أهلِ النارِ عذاباً أشدُّهُمْ عتياً على اللهِ تعالى فقالَ: ﴿ ثُمَّ لَنَفْزِعَبَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِيًّاً﴾ . ـدة وقال تعالى: ﴿قَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالَّخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لَوْلًاً أَنْتُمْ لَكُنَّاً مُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ﴾، قيلَ في التفسيرِ : ( سأرفعُ فهمَ القرآنِ مِنْ قلوبِهِمْ)(١) ، وفي بعضٍ التفاسيرِ : ( سأحجبُ قلوبَهُمْ عنِ الملكوتِ ) . وقالَ ابنُ جريجٍ : ( سأصرفُهُمْ عنْ أنْ يتفكّروا فيها ويعتبروا بها)(٢). ولذلكَ قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( إنَّ الزرعَ ينبتُ في السهلِ ولا ينبتُ على الصفا ، كذلكَ الحكمةُ تعملُ في قلبِ المتواضع ولا تعملُ في قلبٍ المتكبرِ ، ألا ترونَ أنَّ مَنْ شمخَ برأسِهِ إلى السقفِ .. شجَّهُ، ومَنْ تطأطاً .. أظلَّهُ وأكنَّهُ ؟ )(٣) . (١) رواه الطبري في تفسيره)) (٧٦/٩/٦) عن ابن عيينة . (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٩/٦ / ٧٧). (٣) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص ٣٧٦). ٤٩٣ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات فهذا مثلٌ ضربَهُ للمتكبِّرِينَ ، وأنَّهُمْ كيفَ يُحرمونَ الحكمةَ . ولذلكَ ذكرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جحودَ الحقِّ في حدِّ الکبْرِ والكشفِ عنْ حقيقتِهِ وقالَ: «مَنْ سَفِهَ الحقَّ وغمَصَ الناسَ))(١) . (١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٣٣/٤)، والبخاري في (( الأدب المفرد)) (٥٤٨)، وابن حبان في «صحيحه » ( ٥٤٦٧)، وهو عند مسلم ( ٩١) بلفظ: (( الكبر بطر الحق وغمط الناس)). ٤٩٤ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر بيان المتكبر عليه وورجائه وأقسامه وتمرات الكبر فيه اعلمْ : أنَّ المتكبِّرَ عليهِ هوَ اللهُ تعالى، أوْ رسلُهُ ، أَوْ سائرُ الخلقِ ، وقدْ خُلِقَ الإنسانُ ظلُوماً جهولاً؛ فتارةٌ يتكبَّرُ على الخلقِ، وتارةً يتكبّرُ على الخالقِ. فإذاً ؛ التكبرُ باعتبارِ المتكبَّرِ عليهِ ثلاثةُ أقسام : الأوَّلُ : التكبُُّ على اللهِ : وذلكَ هوَ أفحشُ أنواع الكبرِ ، ولا مثارَ لهُ إلا الجهلُ المحضُ والطغيانُ ؛ مثلَ ما كانَ مِنْ نمروذَ ، فإِنَّهُ كانَ يحدِّثُ نفسَهُ بأنْ يقاتلَ ربَّ السماءِ ، وكما يُحكى عنْ جماعةٍ مِنَ الجهلةِ ، بلْ ما يُحكى عنْ كلِّ مَنِ ادَّعى الربوبيَّةَ ؛ مثلَ فرعونَ وغيرِهِ ، فإنَّهُ لتكبُّرِهِ قالَ: ﴿ أَنَاْرَتُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، إِذِ استنكفَ أنْ يكونَ عبداً للهِ . ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَتَبِّكَةُ الْمُقْرَّبُونْ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. وقالَ تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أُسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ٠٤٠٠٠ وَزَادَهُمْ نَفُورًا﴾ . ٤٩٥ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات القسمُ الثاني : التكبُّرُ على الرسلِ : مِنْ حيثُ تعزّزُ النفسِ وترفُّعُها عنِ الانقيادِ لبشرٍ مثلٍ سائرِ الناسِ ، وذلكَ تارةً يصرفُ عنِ الفكرِ والاستبصارِ ، فيبقى في ظلمةِ الجهلِ بكبرِهِ ، فيمتنعُ عنِ الانقيادِ وهوَ ظانٌّ أنَّهُ محقٌّ فيهِ ، وتارةً يمتنعُ معَ المعرفةِ ، ولكنْ لا تطاوعُهُ نفسُهُ للانقيادِ للحقِّ والتواضع للرسلِ ؛ كما حكى اللهُ تعالى عنْ قولِهِمْ: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾، وقولِهِمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، وقولِهِمْ: ﴿وَلَيِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا﴾، ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاً أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾. وقالَ فرعونُ فيما أخبرَ اللهُ تعالى عنهُ: ﴿أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾، وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأُسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ اُلْحَقِّ﴾ فتكبرَ هوَ على اللهِ وعلى رسولِهِ جميعاً، قالَ وهبٌّ: قالَ لهُ موسى عليهِ السلامُ: آمنْ ولكَ ملكُكَ ، قالَ : حتَّى أشاورَ هامانَ ، فشاورَ هامانَ ، فقالَ هامانُ : بينما أنتَ ربٍّ تُعبَدُ إذْ صرْتَ عبداً تعبُدُ! فاستنكفَ عنْ عبوديّةِ اللهِ وعنِ اتباعٍ موسى عليهِ السلامُ(١). (١) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٧٩)، ورواه ابن أبي حاتم في (( تفسيره)) (١٩١٢٠) عن السدي، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق )) (٦٧/٦١) عن أبي هريرة رضي الله عنه . ٤٩٦ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر وقالَتْ قريشٌُ فيما أخبرَ اللهُ عزَّ وجلَّ عنهُمْ: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، قالَ قتادةُ: عظيمُ القريتينِ هوَ الوليدُ بنُ المغيرةِ وأبو مسعودٍ الثقفيُّ، طلبوا مَنْ هَو أعظمُ رئاسةٌ مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ إذْ قالُوا : غلامٌ يتيمٌ كيفَ بعثَهُ اللهُإلينا، فقالَ تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾(١). وقالَ اللهُ تعالى: ﴿لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا﴾ أي: استحقاراً لهُمْ واستبعاداً لتقدُّمِهِمْ . بجم وقالَتْ قريشٌ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : كيفَ نجلسُ إليكَ وعندَكَ هؤلاءِ ؟! أشاروا إلى فقراءِ المسلمينَ ، وازدرَوهُمْ بأعينِهِمْ لفقرِهِمْ ، وتكبّروا عنْ مجالستِهِمْ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾(٢)، وقولَهُ: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَالَكَ عَنْهُمْتُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنَا﴾. جن ثمَّ أخبرَ اللهُ تعالى عنْ تعجُّبِهِمْ حينَ دخلوا جهنَّمَ ؛ إذْ لمْ يرَوا الذينَ استرذلوهُمْ، فقالوا: ﴿ مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ﴾ قيلَ: يعنونَ: عماراً وبلالاً وصهيباً والمقدادَ رضيَ اللهُ عنهُمْ(٣). (١) انظر مجمل الروايات عند الطبري في ((تفسيره)) ( ٧٩/٢٥/١٣) وما بعدها ، وسياق المصنف عند صاحب ((الرعاية)) (ص ٣٨٠) . (٢) رواه مسلم ( ٢٤١٣) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وفيه : ( وكان المشركون قالوا له : تدني هؤلاء؟!)، وابن ماجه ( ٤١٢٨)، وفيه : ( قالت قريش ) . (٣) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٨١)، ورواه الطبري في ((تفسيره)) (٢٢٠/٢٣/١٢). ٤٩٧ -- کتاب ذم الکبر ربع المهلكات ثم كانَ منهُمْ مَنْ منعَهُ الكبرُ عنِ الفكرِ والمعرفةِ فجهلَ كونَهُ صلَّى اللهُ علیهِ وسلَّمَ محقّاً ، ومنهُمْ مَنْ عرفَ ومنعَهُ الكبرُ عنِ الاعترافِ ، قالَ اللهُ تعالى مخبراً عنهُمْ: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾، وقالَ: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾، وهذا الكبرُ قريبٌ مِنَ التكتُّرِ على اللهِ تعالى ، وإنْ كانَ دونَهُ ، ولكنَّهُ تكثُّرٌ عنْ قبولِ أمرِ اللهِ والتواضعِ لرسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . القسمُ الثالثُ : التكتُّرُ على العبادِ : .2 وذلكَ بأنْ يستعظمَ نفسَهُ ويستحقرَ غيرَهُ ؛ فتأبى نفسُهُ عنِ الانقيادِ لهُمْ ، وتدعوَهُ إلى الترفُّع عليهِمْ ؛ فيزدريَهُمْ ويستصغرَهُمْ ، ويأنفَ مِنْ مساواتِهِمْ ، وهذا وإنْ كانَ دونَ الأولِ والثاني .. فهوَ أيضاً عظيمٌ مِنْ وجهينِ : - أحدُهما : أنَّ الكبرَ والعزَّ والعظمةَ والعلاءَ لا يليقُ إلا بالملكِ القادرِ ، فأمَّا العبدُ المملوكُ الضعيفُ العاجزُ الذي لا يقدرُ على شيءٍ .. فمِنْ أينَ يليقُ بهِ الكبرُ؟! فمهما تكبِّرَ العبدُ .. فقدْ نازعَ اللهَ تعالى في صفةٍ لا تليقُ إلا بجلاله . ومثالُهُ : أنْ يأخذَ الغلامُ قَلَنْسُوةَ الملكِ ، فيضعَها على رأسِهِ ، ويجلسَ على سريرِهِ ، فما أعظمَ استحقاقَهُ للمقتِ ! وما أعظمَ تهُّفَهُ للخزي والنكالِ! وما أشدَّ استجراءَهُ على مولاهُ! وما أقبحَ ما تعاطاهُ! وإلى هذا ٤٩٨ ربع المهلكات كتاب ذم الكبر المعنى الإشارةُ بقولهِ تعالى: (« العظمةُ إزاري ، والكبرياءُ ردائي ؛ فمَنْ نازعَني فيهِما .. قصمتُهُ))(١) أيْ: إنَّهُ خاصٌّ صفتي، ولا يليقُ إلا بي ، والمنازعُ فيهِ منازعٌ في صفةٍ مِنْ صفاتي ، وإذا كانَ الكبرُ على عبادِهِ لا يليقُ إلا بهِ .. فمَنْ تكَبَّرَ على عبادِهِ .. فقدْ جنى عليهِ ؛ إذِ الذي يسترذلُ خواصَّ غلمانِ الملكِ ، ويستخدمُهُمْ ويترفّعُ عليهِمْ، ويستأثرُ بما حقُّ الملكِ أنْ يستأثرَ بهِ منْهُمْ .. فهوَ منازعٌ لهُ في بعضٍ أمرِهِ ، وإنْ لمْ تبلغْ درجتُهُ درجةَ مَنْ أرادَ الجلوسَ على سريرِهِ والاستبدادَ بملكِهِ ، فالخلقُ كلَّهُمْ عبادُ اللهِ ، ولهُ العظمةُ والكبرياءُ عليهِمْ؛ فمَنْ تكبَّرَ على عبدٍ مِنْ عبادِ اللهِ . . فقَدْ نازعَ اللهَ في حقُّهِ . نعم ؛ الفرقُ بينَ هذهِ المنازعةِ وبينَ منازعةِ نمروذَ وفرعونَ ما هوَ الفرقُ بينَ منازعةِ الملكِ في استصغارِ بعضٍ عبيدِهِ واستخدامِهِمْ ، وبينَ منازعتِهِ في أصلِ الملكِ . - الوجهُ الثاني الذي تعظمُ بهِ رذيلةُ الكبرِ : أنَّهُ يدعو إلى مخالفةِ اللهِ تعالى في أوامرِهِ ؛ لأنَّ المتكبِّرَ إذا سمعَ الحقَّ مِنْ عبدٍ مِنْ عبادِ اللهِ .. استنكفَ عنْ قبولِهِ ، وتشمَّرَ لجحدِهِ ، ولذلكَ ترى المناظرينَ في مسائلِ الدينِ يزعمونَ أنَّهُمْ يتباحثونَ عنْ أسرارِ الدينِ ، ثمَّ إنَّهُمْ يتجاحدونَ تجاحدَ المتكبِّرِينَ ، ومهما اتَّضحَ الحقُّ على لسانٍ واحدٍ منهُمْ .. أنفَ الآخرُ مِنْ قبولِهِ ، وتشمَّرَ (١) رواه مسلم (٢٦٢٠)، وأبو داوود ( ٤٠٩٠) واللفظ له. ٤٩٩ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات لجحدِهِ ، واحتالَ لدفعِهِ بما يقدرُ عليهِ مِنَ التلبيسِ ، وذلكَ مِنْ أخلاقِ الكافرينَ والمنافقينَ، إذْ وصفَهُمُ اللهُ تعالى فقالَ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَعْلِبُونَ﴾، فكلُّ مَنْ يناظرُ للغلبةِ والإِفحامِ، لا ليغتنمَ الحقَّ إذا ظفرَ بهِ .. فقدْ شاركَهُمْ في هذا الخُلُقِ . وكذلكَ يحملُ ذلكَ على الأنفةِ مِنْ قبولِ الوعظِ ؛ كما قالَ اللهُ تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَقَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِ﴾، ورُويَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قرأَها فقالَ : إنا للهِ وإنا إليه راجعونَ، قامَ رجلٌ يأمرُ بالمعروفِ فقُتلَ ، فقامَ آخرُ فقالَ : أتقتلونَ الذينَ يأمرونَ بالقسطِ مِنَ الناسِ ؟! فقتلَ المتكبِّرُ الذي خالفَهُ والذي أمرَهُ كِبراً(١) . وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( كفى بالرجلِ إثماً إذا قيلَ لهُ: اتقِ اللهَ .. قالَ: عليكَ نفسَكَ )(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لرجلٍ: ((كلْ بيمينِكَ))، قالَ : لا أستطيعُ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا استطعتَ!))، فما منعَهُ إلا الكبرُ، قالَ : فما رفعَها بعدَ ذلكَ ؛ أي : اعتلَّتْ يدُهُ(٣). (١) بنحوه رواه الطبري في ((تفسيره)) (٤٢٨/٢/٢). (٢) كذا في «الرعاية)) (ص ٣٨٢)، وروى النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٦١٩) من حديثه رضي الله عنه مرفوعاً: (( ... وإن أبغض الكلام إلى الله أن يقول الرجل للرجل : اتق الله ، فيقول : عليك نفسك)). (٣) رواه مسلم (٢٠٢١)، وقول: ( فما منعه إلا الكبر ) زيادة من الراوي لبيان موجب دعائه عليه الصلاة والسلام . ٥٠