النص المفهرس
صفحات 421-440
ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء القسمُ الثاني : ما يتعلَّقُ بالخلقِ ، وتعظمُ فيهِ الآفاتُ والأخطارُ : وأعظمُها الخلافةُ، ثمَّ القضاءُ ، ثمَّ التذكيرُ والتدريسُ والفتوىُ ، ثُمُّ إنفاقُ المالِ . أمَّا الخلافةُ والإمارةُ .. فهيَ مِنْ أفضلِ العباداتِ إذا كانَتْ معَ العدلِ والإخلاصِ، وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لَيَومٌ مِنْ إمامِ عادلٍ خيرٌ مِنْ عبادةِ الرجلِ وحدَهُ ستينَ عاماً)) (١) ، فأعظمْ بعبادةٍ يوازي يومٌ منها عبادةَ ستينَ سنةً ! وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أوَّلُ مَنْ يدخلُ الجنَّةَ ثلاثةٌ))، الإمامُ المقسطُ أحدُهُمْ (٢). وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهُمْ)) الإمامُ العادلُ أحدُهُمْ (٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أقربُ الناسِ منّي مجلساً يومَ القيامةِ إمامٌ عادلٌ))، رواهُ أبو سعيد الخدريُّ(٤) . فالإمارةُ والخلافةُ مِنْ أعظمِ العباداتِ ، ولمْ يزلِ المتقونَ يحترزونَ منها (١) تقدم قريباً . (٢) رواه مسلم (٢٨٦٥)، وليس فيه ذكر الأولية ، بل هي عند الإمام المحاسبي في (( الرعاية)) (ص٢٧٤) . (٣) رواه الترمذي (٢٥٢٦)، وابن ماجه (١٧٥٢ ) . (٤) رواه الترمذي ( ١٣٢٩) . ٤٢١ کتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ويتركونَها ويهربونَ مِنْ تقلُّدِها ؛ وذلكَ لما فيهِ مِنْ عظم الخطرِ ؛ إذْ تتحرَّكُ بها الصفاتُ الباطنةُ ، ويغلبُ على النفسِ حتُّ الجاهِ ولذَّهُ الاستيلاءِ ونفاذُ الأمرِ ، وهوَ أعظمُ ملاذٌّ الدنيا ، فإذا صارَتِ الولايةُ محبوبةً .. كانَ الوالي ساعياً في حظّ نفسِهِ ، ويوشكُ أنْ يتَّبَعَ هواهُ ، فيمتنعَ مِن كلِّ ما يقدحُ في جاهِهِ وولايتِهِ وإنْ كانَ حقّاً ، ويقدمُ على ما يزيدُ في مكانتِهِ وإنْ كانَ باطلاً ، وعندَ ذلكَ يهلكُ ، ويكونُ يومٌ مِنْ سلطانٍ جائرٍ شرّاً مِنْ فسقِ ستِّينَ سنةً ؛ بمفهومِ الحديثِ الذي ذكرناهُ ! ولههذا الخطرِ العظيمِ كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( مَنْ يأخذُها بما فيها ؟!)(١). وكيفَ لا وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما مِنْ والي عشرةٍ إلا جاءَ يومَ القيامةِ مغلولةً يداهُ إلى عنقهِ ، أطلقَهُ عدلُهُ أَوْ أوبقَهُ جورُهُ))، رواهُ معقلُ بنُ يسارٍ (٢). (١) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢/ ٨٠) ضمن خبر طويل. (٢) رواه ابنُ أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٣٢٢٢) عن معقل بن يسار رضي الله عنه بلفظ : ((ليس من وال يلي أمة قلَّت أو كثرت لا يعدل فيها .. إلا أكبَّهُ الله على وجهه في النار))، وأصله عند البخاري (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢)، ولفظه: (( ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة .. إلا لم يجد رائحة الجنة)). والحديث بلفظ المصنف رواه أحمد في ((مسنده)) (٤٣١/٢)، وأبو يعلى في ((مسنده» (٦٥٧٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١١٨/٦) من حديث ثوبان رضي الله عنه، ورواه أحمد في ((مسنده» (٢٨٤/٥) من حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه . ٤٢٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وولاَّهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ ولايةٌ(١) ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ أشرْ عليَّ، قالَ: اجلسْ واكتمْ عليّ(٢). وروى الحسنُ أنَّ رجلاً ولاَّهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: خِرْ لي، قالَ: ((اجلسْ))(٣). وكذلكَ حديثُ عبدِ الرحمانِ بنِ سمرةً ؛ إذْ قالَ لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا عبدَ الرحمانِ ؛ لا تسألِ الإمارةَ ، فإنَّكَ إنْ أُوتِيتَها مِنْ غيرِ مسألةٍ .. أُعنتَ عليها، وإنْ أُوتِيتَها عنْ مسألةٍ .. وُكلتَ إليها))(٤). وقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لرافع بنِ عمرَ : ( لا تأمَّرْ على اثنينِ )، ثمَّ وليَ هوَ الخلافةَ، فقامَ بها، فقالَ لهُ رافعٌ : ألمْ تقلْ لي : ( لا تأمَّرْ على اثنينِ ) وأنتَ قدْ وليتَ أمرَ أمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟! فقالَ : بلى ، وأنا أقولُ لكَ ذلكَ ؛ فمَنْ لمْ يعدلْ فيها .. فعليهِ بهلةُ اللهِ ؛ يعني : لعنةَ اللهِ(٥) . ولعلَّ القليلَ البصيرةِ يرى ما وردَ في فضلِ الإمارةِ معَ ما وردَ مِنَ النهي (١) أي: معقل بن يسار رضي الله عنه، وفي ((الرعاية)) (ص٢٧٢): (وولى عمر رجلاً ) . (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٣٢١٦) ولم يصرح باسم المؤمَّر . (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٣٢١٧). (٤) رواه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم ( ١٦٥٢). (٥) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢١/٥). ٤٢٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات عنها متناقضاً ، وليسَ كذلكَ ، بل الحقُّ فيهِ : أنَّ الخواصَّ الأقوياءَ في الدينِ لا ينبغي أنْ يمتنعوا مِنْ تقلُّدِ الولاياتِ ، وأنَّ الضعفاءَ لا ينبغي أنْ يدوروا بها فيهلكوا ، وأعني بالقويِّ : الذي لا تميلُهُ الدنيا ، ولا يستفزُّهُ الطمعُ ، ولا تأخذُهُ في اللهِ لومةُ لائمٍ ، وهمُ الذينَ سقطَ الخلقُ مِنْ أعينِهِمْ ، وزهدوا في الدنيا وتبرّموا بها وبمخالطةِ الخلقِ ، وقهروا أَنفسَهُمْ وملكوها ، وقمعوا الشيطانَ فأيسَ منهُمْ ، فهؤلاءِ لا يحركُهُمْ إلا الحقُّ ، ولا يسكنُهُمْ إلا الحقُّ ، ولوْ زهقَتْ فيهِ أرواحُهُمْ ، فَهُمْ أهلُ نيلِ الفضلِ في الإمارةِ والخلافةِ ، ومَنْ علمَ أنَّهُ ليسَ بهذهِ الصفةِ .. فيحرمُ عليهِ الخوضُ في الولاياتِ . ومَنْ جِرَّبَ نفسَهُ فرآها صابرةً على الحقِّ ، كافَّةً عنِ الشهواتِ في غيرِ الولايةِ، ولكنْ خافَ عليها أنْ تتغيّرَ إذا ذاقَتْ لذَّةَ الولايةِ ، وأنْ تستحليَ الجاهَ وتستلذَّ نفاذَ الأمرِ فتكرهَ العزلَ ، فيداهنَ خيفةً مِنَ العزلِ .. فهذا قدِ اختلفَ العلماءُ في أنَّهُ هلْ يلزمُهُ الهربُ مِنْ تقلُّدِ الولايةِ ؟ فقالَ قائلونَ : لا يجبُ ؛ لأنَّ هذا خوفُ أمرٍ في المستقبلِ ، وهوَ في الحالِ لمْ يعهدْ نفسَهُ إلا قويّاً في ملازمةِ الحقِّ وتركِ لذاتِ النفسِ . والصحيحُ : أَنَّ عليهِ الاحترازَ ؛ لأنَّ النفسَ خدَّاعةٌ ، مدَّعيةٌ للحقِّ ، واعدةٌ بالخيرِ ، فلوْ وعدَتْ بالخيرِ جزماً .. لكانَ يُخافُ عليها أنْ تتغيّرَ عندَ الولايةِ ، فكيفَ إذا أظهرَتِ التردُّدَ ؟ والامتناعُ عنْ قبولِ الولايةِ أهونُ مِنَ العزلِ بعدَ الشروع ، فالعزلُ مؤلمٌ ، وهوَ كما قيلَ : طلاقُ الرجالِ ، فإذا ٤٢٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء شرعَ .. لا تسمحُ نفسُهُ بالعزلِ، وتميلُ نفسُهُ إلى المداهنةِ وإهمالِ الحقِّ ، وتهوي به في قعرِ جهنَّمَ ، ولا يستطيعُ النزوعَ منها إلى الموتِ ، إلا أنْ يُعزلَ قهراً ، وكانَ فيهِ عذابٌ عاجلٌ على كلِّ مَنْ يحبُّ الولايةَ ، ومهما مالَتِ النفسُ إلى طلبِ الولايةِ، وحملَتْ على السؤالِ والطلبِ .. فهوَ أمارةُ الشرِّ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّا لا نولِّي أمرَنا مَنْ سألَنَا))(١). فإذا فهمتَ اختلافَ حكمِ القويِّ والضعيفِ .. عرفتَ أنَّ نهيَ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لرافعٍ عنِ الولايةِ ثمَّ تقلَّدَهُ لها ليسَ بمتناقضٍ . وأمَّا القضاءُ .. فهوَ وإنْ كانَ دونَ الخلافةِ والإمارةِ فهوَ في معناهُما ، فإنَّ كلَّ ذي ولايةٍ أميرٌ ؛ أيْ : لهُ أمرٌ نافذٌ، والإمارةُ محبوبةٌ بالطبع ، والثوابُ في القضاءِ عظيمٌّ معَ اتباع الحقِّ ، والعقابُ فيهِ أيضاً عظيمٌ معَ العدولِ عنِ الحقِّ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((القضاةُ ثلاثةٌ، واحدٌ في الجنةِ ، واثنانِ في النارِ))(٢). وقالَ : ((مَنِ اسْتُقُضيَ .. فقدْ ذُبحَ بغيرِ سكينٍ))(٣). (١) رواه البخاري (٧١٤٩)، ومسلم ( ١٧٣٣). (٢) رواه أبو داوود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢/م)، والنسائي في (( الكبرى)) ( ٥٨٩١)، وابن ماجه (٢٣١٥). (٣) كذا في (( الرعاية)) (ص٢٧٣)، وبلفظه رواه محمد بن خلف في (( أخبار القضاة )) (١٣/١)، وبنحوه رواه أبو داوود (٣٥٧١)، والترمذي (١٣٢٥)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٥٨٩٢)، وابن ماجه (٢٣٠٨). ٤٢٥ کتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فحكمُهُ حكمُ الإمارةِ ، ينبغي أنْ يتركَهُ الضعفاءُ وكلُّ مَنْ للدنيا ولذاتِها وزنٌّ في عينِهِ ، وليتقلدْهُ الأقوياءُ الذينَ لا تأخذُهُمْ في اللهِ لومةُ لائمٍ . ومهما كانَ السلاطينُ ظلمةً ولمْ يقدرِ القاضي على القضاءِ إلا بمداهنتِهِمْ وإهمالِ بعضِ الحقوقِ لأجلِهِمْ ولأجلِ المتعلِّقينَ بِهِمْ؛ إذْ يعلمُ أنَّهُ لوْ حكمَ عليهِمْ بالحقِّ لعزلوهُ، أوْ لمْ يطيعوهُ .. فليسَ لهُ أنْ يتقلَّدَ القضاءَ ، وإنْ تقلَّدَهُ .. فعليهِ أنْ يطالبَهُمْ بالحقوقِ ، ولا يكونُ خوفُ العزلِ عذراً مرخِّصاً لهُ في الإهمالِ أصلاً ، بلْ إذا عُزِلَ .. سقطَتِ العُهدةُ عنهُ ، فينبغي أنْ يفرحَ بالعزلِ إنْ كانَ يقضي اللهِ ، فإنْ لمْ تسمحْ نفسُهُ بذلكَ .. فهوَ إذاً يقضي لاتباع الهوى والشيطانِ ، فكيفَ يرتقبُ عليهِ ثواباً وهوَ معَ الظلمةِ في الدركِ الأسفلِ مِنَ النارِ ؟! وأمَّا الوعظُ ، والفتوى ، والتدريسُ ، وروايةُ الحديثِ ، وجمعُ الأسانيدِ العاليةِ، وكلُّ ما يتسعُ بسبِهِ الجاهُ ، ويعظمُ بهِ القدرُ .. فآفتُّهُ أيضاً عظيمةٌ مثلُ آفةِ الولاياتِ . وقدْ كانَ الخائفونَ مِنَ السلفِ يتدافعونَ الفتوى ما وجدوا إليهِ سبيلاً . وكانوا يقولونَ: ( ((حدثَنَا)) بابٌ مِنْ أبوابِ الدنيا، ومَنْ قالَ: ((حدثَنَا)) .. فقدَ قالَ: أوسعوالي)(١) . ودفنَ بشرٌ كذا وكذا قمطرةً مِنَ الحديثِ ، وقالَ : ( يمنعُنِي مِنَ الحديثِ (١) قوت القلوب (١٣٥/١)، والقائل هو بشر بن الحارث. ٤٢٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء أنِّي أشتهي أنْ أحدِّثَ، ولوِ اشتهيتُ ألا أحدثَ .. لحدثتُ)(١). والواعظُ يجدُ في وعظِهِ وتأثّرِ قلوبِ الناسِ بهِ وتلاحقٍ بكائِهِمْ وزَعَقَاتِهِمْ وإقبالِهِمْ عليهِ لذةً لا توازيها لذةٌ ، فإذا غلبَ ذلكَ على قلبهِ .. مالَ قلبُهُ إلى كلِّ كلامٍ مزخرفٍ يروجُ عندَ العوامُّ وإنْ كانَ باطلاً، ويفرُ عنْ كلِّ كلام يستثقلُهُ العوامُ وإنْ كانَ حقّاً ، ويصيرُ مصروفَ الهمةِ بالكليّةِ إلى ما يحرِّكُ قلوبَ العوامِّ ، ويعظمُ منزلتَهُ في قلوبِهِمْ، فلا يسمعُ حديثاً وحكمةً إلا ويكونُ فرحُهُ بها مِنْ حيثُ إنَّهُ يصلحُ لأنْ يذكرَهُ على رأسِ المنبرِ ، وكانَ ينبغي أنْ يكونَ فرحُهُ بها مِنْ حيثُ إنَّهُ عرفَ طريقَ السعادةِ ، وطريقَ سلوكِ سبيلِ الدينِ ؛ ليعملَ بهِ أوَّلاً، ثمَّ يقولَ : إذا أنعمَ اللهُ عليَّ بهذهِ النعمةِ ، ونفعَني بهذهِ الحكمةِ .. فأقصُّها ؛ ليشاركَني في نفعِها إخواني المسلمونَ . فهذا أيضاً ممَّا يعظمُ فيهِ الخوفُ والفتنةُ، فحكمُهُ حكمُ الولاياتِ ؛ فمَنْ لا باعثَ له إلا طلبُ الجاهِ والمنزلةِ والأكلُ بالدينِ والتفاخرُ والتكاثرُ بهِ .. فينبغي أنْ يتركَهُ ويخالفَ الهوىُ فيهِ إلى أنْ ترتاضَ نفسُهُ ، وتقوى في الدين مُنَّهُ، ويأمنَ على نفسِهِ الفتنةَ ، فعندَ ذلكَ يعودُ إليهِ . فإنْ قلتَ : مهما حُكمَ بذلكَ على أهلِ العلمِ .. تعطلَتِ العلومُ واندرسَتْ ، وعمَّ الجهلُ كافةَ الخلقِ . (١) قوت القلوب (١٥٦/١). ٤٢٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فنقولُ: قدْ نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ طلبِ الإمارةِ وتوعَّدَ عليها ، حتَّى قالَ: (( إنَّكمْ تحرصونَ على الإمارةِ، وإنَّها حسرةٌ يومَ القيامةِ وندامةٌ، إلا مَنْ أخذَها بحقِّها)» (١)، وقالَ: (( نعمَتِ المرضعةُ وبئسَتِ الفاطمةُ))(٢)، ومعلومٌ أنَّ السلطنةَ والإمارةَ لوْ تعطلَتْ .. لبطلَ الدينُ والدنيا جميعاً ، وثارَ القتالُ بينَ الخلقِ ، وزالَ الأمنُ وخربَتِ البلادُ، وبطلَتِ المعايشُ ، فِلِمَ نُهِيَ عنها معَ ذلكَ ؟ وضربَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ أبيّ بن كعبٍ حينَ رأى قوماً يتبعونَهُ وهوَ في ذلكَ يقولُ : ( أَبيِّ سيدُ المسلمينَ )(٣)، وكانَ يقرأُ عليهِ القرآنَ ، فمنعَ مِنْ أنْ يتبعوهُ، وقالَ : ( ذلكَ فتنةٌ على المتبوعِ ومذلَّةٌ على التابع)(٤) ، وعمرُ كانَ بنفسِهِ يخطبُ ويعظُ ولا يمتنعُ منهُ . واستأذنَ رجلٌ عمرَ أنْ يعظَ الناسَ إذا فرِغَ مِنْ صلاةِ الصبحِ فمنعَهُ ، فقالَ : أتمنعُني مِنْ نصح الناسِ ؟ فقالَ : أخشى أنْ تنتفخَ حتَّى تبلغَ الثريا(٥) ؛ إذْ رأى فيهِ مخايلَ الرغبةِ في جاهِ الوعظِ وقبولِ الخلقِ . (١) رواه البخاري (٧١٤٨)، وليس فيه: ((إلا من أخذها بحقها))، وهي عند مسلم (١٨٢٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه . (٢) هو قطعة من الحديث المتقدم عند البخاري ( ٧١٤٨)، وفصلهما المصنف تبعاً لصاحب (( الرعاية)) ( ص٢٧١). (٣) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) ( ٤٧٦). (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٨) برواية نعيم بن حماد، والبيهقي في (( الزهد الكبير)) ( ٣٠٣) . (٥) رواه الضياء في ((المختارة)) (١٠٦)، وأحمد في (( المسند)) (١٨/١) بنحوه. ٤٢٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء والقضاءُ والخلافةُ ممَّا يحتاجُ الناسُ إليهِ في دينِهِمْ ؛ كالوعظِ والتدريسِ والفتوى ، وفي كلٌّ واحدٍ منهُما فتنةٌ ولذةٌ ، فلا فرقَ بينَهُما . فأمَّا قولُ القائلِ : نهيُكَ عنْ ذلكَ يؤدي إلى اندراسِ العلمِ .. فهوَ غلطٌ ؛ إذْ نهيُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ القضاءِ لمْ يؤدِّ إلى تعطيلٍ القضاءِ (١) ، بلِ الرئاسةُ وحبُّها يضطرُّ الخلقَ إلى طلبها، وكذلكَ حبُّ الرئاسةِ لا يتركُ العلومَ تندرسُ، بلْ لَوْ حُبسَ الناسُ وقُيِّدوا بالسلاسلِ والأغلالِ عنْ طلبِ العلومِ التي فيها القبولُ والرئاسةُ .. لأفلتوا مِنَ الحبسِ وقطعوا السلاسلَ وطلبوها، وقدْ وعدَ اللهُ أنْ يؤيِّدَ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خَلاقَ لهُمْ، فلا تشغلْ قلبَكَ بأمرِ الناسِ ، فإنَّ اللهَ لا يضيِّعُهُمْ، وانظرْ لنفسِكَ . ثُمَّ إني أقولُ معَ هذا : إذا كانَ في البلدِ جماعةٌ يقومونَ بالوعظِ مثلاً .. فليسَ في النهي عنهُ إلا امتناعُ بعضِهِمْ، وإلا .. فيُعلمُ أنَّ كلَّهَمْ لا يمتنعونَ ، ولا يتركونَ لذَّةَ الرئاسةِ ، فإنْ لمْ يكنْ في البلدِ إلا واحدٌ، وكانَ وعظُهُ نافعاً للناسِ مِنْ حيثُ حسنُ كلامِهِ ، وحسنُ سمتِهِ في الظاهرِ ، وتخييلُهُ إلى العوامِّ أنَّهُ إِنَّما يريدُ اللهَ بوعظِهِ ، وأنَّهُ تاركٌ للدنيا ومعرضٌ عنها .. فلا نمنعْهُ منهُ، ونقولُ لهُ : اشتغلْ وجاهدْ نفسَكَ ، فإنْ قالَ : لستُ أقدرُ على نفسي ، فنقولُ لهُ: اشتغلْ وجاهدْ؛ لأنَّا نعلمُ أنَّهُ لوْ تركَ ذلكَ .. لهلكَ الناسُ (١) إذ روى مسلم (١٨٢٦) من حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعاً: (( لا تأمرن على اثنين ، ولا تولينَّ مال يتيم». ٠٠. ٠ ٠٠٠٠٠ ٤٢٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات كلُّهُمْ؛ إذْ لا قائمَ بهِ غيرُهُ، ولوْ واظبَ وغرضُهُ الجاهُ .. فهوَ الهالكُ وحدَهُ، وسلامةُ دينِ الجميع أحبُّ عندَنا مِنْ سلامةِ دينِهِ وحدَهُ ، فنجعلُهُ فداءً للقومِ، ونقولُ: لعلَّ هذا هوَ الذي قالَ فيهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يُؤْيِّدُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهُمْ))(١). ثمَّ الواعظُ هوَ الذي يرغِّبُ في الآخرةِ ، ويزهِّدُ في الدنيا بكلامِهِ وبظاهرِ سيرتِهِ ، فأمَّا ما أحدثَةُ الوعَّاظُ في هذهِ الأعصارِ ؛ مِنَ الكلماتِ المزخرفةِ ، والألفاظِ المسجعةِ المقرونة بالأشعارِ ، ممَّا ليسَ فيهِ تعظيمٌ لأمرِ الدينِ وتخويفٌ للمسلمينَ ، بلْ فيهِ الترجيةُ والتجرئةُ على المعاصي بطيَّاراتِ النُّكتِ (٢) .. فيجبُ إخلاءُ البلادِ منهُمْ؛ فإنَّهُمْ نوَّابُ الدجالِ وخلفاءُ الشيطانِ، وإنَّما كلامُنا في واعظٍ حسنِ الوعظِ ، جميلِ الظاهرِ ، يبطنُ في نفسِهِ حبَّ القبولِ ولا يقصدُ غيرَهُ . وفيما أوردناهُ في كتابِ العلمِ مِنَ الوعيدِ الواردِ في حقِّ علماءِ السوءِ ما يبيِّنُ لزومَ الحذرِ مِنْ فتنِ العلمِ وغوائِلِهِ ، ولقدْ قالَ عيسىُ عليهِ السلامُ : ( يا علماءَ السوءِ؛ تصومونَ وتصلونَ وتتصدقونَ ، ولا تفعلونَ ما تأمرونَ ، وتدرُّسونَ ما لا تعملونَ ، فيا سوءَ ما تحكمونَ ، تتوبونَ بالقولِ والأمانيِّ ، ـدة (١) رواه النسائي في ((الكبرى)) (٨٨٣٤). (٢) طيارات النكت : النكت النوادر الغريبة المهيجة للأوصاف المستكنة في الضمائر، مما يكون باعثاً على آفاته غرض شيطاني. ((إتحاف)) (٣١٨/٨). ٤٣٠ ربع المهلكات کتاب ذم الجاه والرياء محر وتعملونَ بالهوى ، وما يغني عنكمْ أنْ تنقُّوا جلودَكُمْ وقلوبُكُمْ دنسةٌ ؟! بحقِّ أقولُ لكُمْ: لا تكونوا كالمُنْخُلِ ؛ يخرجُ منهُ الدقيقُ الطيبُ ويبقى فيهِ النُّخالةُ ، كذلكَ أنْتُمْ تخرجونَ الحكمَ مِنْ أفواهِكُمْ ويبقى الغلُّ في صدورِكُمْ . يا عبيدَ الدنيا، كيفَ يدركُ الآخرةَ مَنْ لا تنقضي مِنَ الدنيا شهوتُهُ ، ولا تنقطعُ منها رغبتُهُ ؟! بحقِّ أقولُ لكمْ : إنَّ قلوبَكُمْ تبكي مِنْ أعمالِكُمْ ، جعلتُمُ الدنيا تحتَ ألسنتِكُمْ ، والعملَ تحتَ أقدامِكُمْ . بحقِّ أقولُ لكمْ : أفسدتُمْ آخرتَكُمْ بصلاح دنیاکُمْ ، فصلاحُ الدنیا أحبُّ إليكُمْ مِنْ صلاحِ الآخرةِ ، فأيُّ ناسِ أخسٌّ منكُمْ؟! لوْ تعلمونَ ، ويلَكُمْ ، حتَّى متى تصفونَ الطريقَ للمدلجينَ وتقيمونَ في محلَّةِ المتجبِّرِينَ ؛ كأنَّكُمْ تدعونَ أهلَ الدنيا ليتركوها لكُمْ ، مهلاً مهلاً ويلَكُمْ، ماذا يُغني عنِ البيتِ المظلمِ أنْ يُوضعَ السراجُ فوقَ ظهرِهِ وجوفُهُ وحِشٌ مظلمٌ؟! كذلكَ لا يغني عنكُمْ أنْ يكونَ نورُ العلمِ بأفواهِكُمْ وأجوافُكُمْ مِنْهُ وَحِشةٌ معطلةٌ . يا عبيدَ الدنيا؛ لا كعبيدٍ أتقياءَ ، ولا كأحرارِ كرام ، توشكُ الدنيا أنْ تقلعَكُمْ عنْ أصولِكُمْ فتلقيَكُمْ على وجوهِكُمْ ، ثمَّ تكبِّكُمْ على مناخرِكُمْ ، ثمّ تأخذُ خطاياكُمْ بنواصيكُمْ؛ ثمَّ يدفعُكُمُ العلمُ مِنْ خلفِكُمْ، ثم يسلمُكُمْ إلى ٤٣١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الملكِ الدیانِ حفاة عراةً فرادى ، فيوقفُكُمْ على سوءاتِكُمْ، ثمَّ يجزيكُمْ بسوءِ أعمالِكُمْ )(١) . وقدْ روى الحارثُ المحاسبيُّ هذا الحديثَ في بعضٍ كتبهِ ، ثمَّ قالَ : ( هؤلاءِ علماءُ السوءِ ، شياطينُ الإنسِ ، وفتنةٌ على الناسِ ، رغبوا في عرضٍ الدنيا ورفعتِها ، وآثروها على الآخرةِ ، وأذلُّوا الدينَ للدنيا ، فَهُمْ في العاجلِ عارٌ وشَينٌ ، وفي الآخرةِ هم الخاسرونَ ) . فإنْ قلتَ : فهذهِ الآفاتُ ظاهرةٌ ، ولكنْ وردَ في العلمِ والوعظِ رغائبُ كثيرةٌ، حتَّى قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجلاً خيرٌ لكَ مِنَ الدنيا وما فيها))(٢)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أيُّما داع دعا إلى هدىّ واتَبعَ عليهِ .. كانَ لهُ أجرُهُ وأجرُ مَنْ اتَّبْعَهُ))(٣) ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ فضائلِ العلمِ ، فينبغي أنَّ يُقالَ للعالمِ : اشتغلْ بالعلمِ واتركْ مراءاةَ الخلقِ ، كما يُقالُ لمَنْ خالجَهُ الرياءُ في الصلاةِ : لا تتركِ العملَ ، ولكنْ أتممِ العملَ وجاهدْ نفسَكَ . (١) مجمل أقوال سيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام رواها ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٥٩/٦٨)، ( ٤٧ /٤٦٠). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٧٥) بلفظه، وأصله في ((البخاري)) ( ٣٧٠١)، و (( مسلم)) (٢٤٠٦). (٣) رواه ابن ماجه (٢٠٥) . ٤٣٢ ـن فا ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فاعلمْ : أنَّ فضلَ العلمِ كثيرٌ، وخطرَهُ عظيمٌ ؛ كفضلِ الخلافةِ والإمارةِ ، ولا نقولُ لأحدٍ مِنْ عبادِ اللهِ : اتركِ العلمَ ؛ إذْ ليسَ في نفسِ العلم آفةٌ، وإنَّما الآفةُ في إظهارِهِ بالتصدِّي للوعظِ والتدريسِ وروايةٍ الأحاديثِ ، ولا نقولُ لهُ أيضاً : اتركْهُ ما دامَ يجدُ في نفسِهِ باعثاً دينياً ممزوجاً بباعثِ الرياءِ . فأمَّا إذا لمْ يحرِّكْهُ إلا الرياءُ .. فتركُ الإظهارِ أنفعُ لهُ وأسلمُ ، وكذلكَ نوافلُ الصلواتِ إذا تجرَّدَ فيها باعثُ الرياءِ .. وجبَ تركُها ، أمَّا إذا خطرَتْ لهُ وساوسُ الرياءِ في أثناءِ الصلاةِ وهوَ لها كارهٌ .. فلا يتركُ الصلاةَ؛ لأنَّ آفةً الرياءِ في العباداتِ ضعيفةٌ ، وإنَّما تعظمُ في الولاياتِ ، وفي التصدي للمناصبِ الكبيرةِ في العلمِ . وبالجملةِ : فالمراتبُ ثلاثٌ : الأولى : الولاياتُ، والآفاتُ فيها عظيمةٌ، وقدْ تركَها جماعةٌ مِنَ السلفِ خوفاً مِنَ الآفةِ . الثانيةُ : الصومُ ، والصلاةُ ، والحجُّ ، والغزوُ، وقدْ تعرَّضَ لها أقوياءُ السلفِ وضعفاؤُهُمْ ، ولمْ يُؤثرْ عنهُمُ التركُ لخوفِ الآفةِ ، وذلكَ لضعفٍ الآفاتِ الداخلةِ فيها ، والقدرةِ على نفيِها معَ إتمامِ العملِ للهِ بأدنى قوةٍ . الثالثةُ : وهيَ متوسطةٌ بينَ الرتبتينِ ، وهيَ التصدي لمنصبِ الوعظِ ٤٣٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات والفتوى والروايةِ والتدريسِ ، والآفاتُ فيها أقلُّ ممَّا في الولاياتِ وأكثرُ ممَّا في الصلواتِ ؛ فالصلاةُ ينبغي ألا يتركَها الضعيفُ والقويُّ ، ولكنْ يدفعُ خاطرَ الرياءِ ، والولاياتُ ينبغي أنْ يتركَها الضعفاءُ رأساً دونَ الأقوياءِ ، ومناصبُ العلمِ بينَهُما ، ومَنْ جرَّبَ آفاتِ منصبِ العلمِ .. علمَ أنَّهُ بالولاياتِ أشبهُ، وأنْ الحذرَ منهُ في حقِّ الضعيفِ أسلمُ ، واللهُ أعلمُ . وهلهنا رتبةٌ رابعةٌ: وهيَ جمعُ المالِ وأخذُهُ للتفرقةِ على المستحقينَ ، فإنَّ في الإنفاقِ وإظهارِ السخاءِ استجلاباً للثناءِ ، وفي إدخالِ السرورِ على قلوبِ الناسِ لذةً للنفسِ ، والآفاتُ فيها أيضاً كثيرةٌ ، ولذلكَ سُئلَ الحسنُ عنْ رجلٍ طلبَ القوتَ ثمَّ أمسكَ، وآخرَ طلبَ فوقَ قوتِهِ ثمَّ تصدَّقَ بهِ ، فقالَ : (القاعدُ أفضلُ)(١) ؛ لما يعرفونَ مِنْ قلَّةِ السلامةِ في الدنيا، وأنَّ مِنَ الزُّهدِ تركَها قربةً إلى الله تعالى . وقالَ أبو الدرداءِ : ( ما يسرُّني أنِّي أقمتُ على درج مسجدٍ دمشقَ أصيبُ كلَّ يومٍ خمسينَ ديناراً أتصدقُ بها ، أما إنِّي لا أحرِّمُ البيع والشراءَ ، ولكنّي أريدُ أنْ أكونَ مِنَ الذينَ لا تلهيهِمْ تجارةٌ ولا بيعٌ عنْ ذكرِ اللهِ﴾(٢) . وقدِ اختلفَ العلماءُ (٣) ؛ فقالَ قومٌ: إذا طلبَ الدنيا مِنَ الحلالِ وسلمَ منها وتصدَّقَ بها .. فهوَ أفضلُ مِنْ أنْ يشتغلَ بالعباداتِ والنوافلِ ، وقالَ (١) كذا في ((الرعاية)) (ص ٢٧٣). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٨٤٧) . (٣) أورد الخلاف الإمام المحاسبي في ((الرعاية)) (ص ٢٧٥). ٤٣٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء قومٌ : الجلوسُ في دوام ذكرِ اللهِ أفضلُ، والأخذُ والعطاءُ يشغلُ عَنْ ذكرِ اللهِ ، وقدْ قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( يا طالبَ الدنيا لتبرَّ بها ؛ تركُكَ لها أبرٌ) (١) ، وقالَ: أقلُّ ما فيهِ أنَّهُ يشغلُهُ إصلاحُهُ عنْ ذكرِ اللهِ ، وذكرُ اللهِ أفضلُ وأكبرُ ، وهذا فيمَنْ سلمَ مِنَ الآفاتِ . فأمَّا مَنْ يتعرَّضُ لاَفةِ الرياءِ .. فتركُهُ لها أبرُ، والاشتغالُ بالذكرِ لا خلافَ في أَنَّهُ أفضلُ . وبالجملةِ : ما يتعلَّقُ بالخلقِ وللنفسِ فيهِ لذَّةٌ .. فهوَ مثارُ الآفاتِ، والأحبُّ أنْ يعملَ ويدفعَ الآفةَ، فإنْ عجزَ .. فلينظرُ وليجتهدْ ، وليستفتِ قلبَهُ ، وليزنْ ما فيهِ مِنَ الخيرِ بما فيهِ مِنَ الشرِّ ، وليفعلْ ما يدلُّ عليهِ نورُ العلمِ دونَ ما يميلُ إليهِ الطبعُ . وبالجملةِ : ما يجدُهُ أخفَّ على قلبهِ فهوَ في الأكثرِ أضرُّ عليهٍ ؛ لأنَّ النفسَ لا تشيرُ إلا بالشرِّ، وقلَّما تستلذُّ الخيرَ وتميلُ إليهِ ، وإنْ كانَ لا يبعدُ ذلكَ أيضاً في بعضِ الأحوالِ ، وهذهِ أمورٌ لا يمكنُ الحکمُ على تفاصيلها بنفي وإثباتٍ ، فهوَ موكولٌ إلى اجتهادِ القلبِ لينظرَ فيهِ لدينِهِ ، ويدعَ ما يريبُهُ إلى ما لا يريبُهُ . ثمَّ قدْ يقعُ ممّا ذكرناهُ غرورٌ للجاهلِ ، فيمسكُ المالَ ولا ينفقُهُ خيفةٌ مِنَ (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)). ((إتحاف)) (٩٠/٨)، والمعنى: يا من يطلب الدنيا ليكون بارّاً ببذلها ، فهو لا يطلبها لذاتها ؛ إن تركك لها أبرُّ من برِّك بها . ٤٣٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الآفةِ ، وهوَ عينُ البخلِ ، ولا خلافَ في أنَّ تفرقةَ المالِ في المباحاتِ فضلاً عنِ الصدقاتِ أفضلُ مِنْ إمساكِهِ ، وإنَّما الخلافُ فيمَنْ يحتاجُ إلى الكسبِ أنَّ الأفضلَ الكسبُ(١) والإنفاقُ أوِ التجردُ الذِّكرِ ، وذلكَ لما في الكسبِ مِنَ الآفاتِ ، فأمَّا المالُ الحاصلُ مِنَ الحلالِ .. فتفرقتُهُ أفضلُ مِنْ إمساكِهِ بكلِّ حالٍ . فإنْ قلتَ : فبأيِّ علامةٍ تعرفُ العالمَ والواعظَ أنَّهُ صادقٌ مخلصٌ في وعظِهِ غيرُ مريدٍ رياءَ الناسِ ؟ فاعلمْ : أنَّ لذلكَ علاماتٍ : إحداها : أنَّهُ لوْ ظهرَ مَنْ هو أحسنُ منهُ وعظاً أوْ أغزرُ منهُ علماً والناسُ لهُ أشدُّ قبولاً .. فرحَ بهِ ولمْ يحسدْهُ، نعمْ، لا بأسَ بالغبطةِ ، وهوَ أنْ يتمنَّى لنفسِهِ مثلَ علمِهِ . والأخرىُ: أنَّ الأكابرَ إذا حضروا مجلسَهُ .. لمْ يتغيرْ كلامُهُ . بلْ بقيَ كما كانَ عليهِ ، فينظرُ إلى الخلقِ بعينٍ واحدةٍ . والأخرى : ألا يحبّ اتباعَ الناسِ لهُ في الطريقِ والمشيَ خلفَهُ في الأسواقِ . ولذلكَ علاماتٌ كثيرةٌ يطولُ إحصاؤها . (١) في غير (د): (الأفضل ترك الكسب). ٤٣٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وقدْ رُويَ عنْ سعيدِ بنِ أبي مروانَ أنَّهُ قالَ : كنتُ جالساً إلى جنبٍ الحسنِ ، إذْ دخلَ علينا الحجاجُ مِنْ بعضٍ أبوابِ المسجدِ ومعَهُ الحرسُ وهوَ على برذونٍ أصفرَ ، فدخلَ المسجدَ على برذونِهِ ، فجعلَ يلتفتُ في المسجدِ ، فلمْ يرَ حلقةً أحفلَ مِنْ حلقةِ الحسنِ ، فتوجَّهَ نحوَها حتَّى بلغَ قريباً منها ، ثمَّ ثنى وركَهُ ، فنزلَ ومشى نحوَ الحسنِ ، فلمَّا رآهُ الحسنُ متوجهاً إليهِ .. تجافى لهُ عنْ ناحيةِ مجلسِهِ ، قالَ سعيدٌ: وتجافيتُ لهُ أيضاً عنْ ناحيةٍ مجلسي ، حتَّى صارَ بيني وبينَ الحسنِ فرجةٌ ومجلسٌ للحجاجِ ، فجاءَ الحجاجُ حتَّى جلسَ بيني وبينَهُ ، والحسنُ يتكلَّمُ بكلام لهُ يتكلّمُ بهِ في كلِّ يومٍ ، فما قطعَ الحسنُ كلامَهُ . قالَ سعيدٌ : فقلتُ في نفسي : لأبلونَّ الحسنَ اليومَ ، ولأنظرَنَّ هلْ يحملُ الحسنَ جلوسُ الحجاجِ إليهِ أنْ يزيدَ في كلامِهِ يتقرَّبُ إليهِ ، أوْ تحملُهُ هيبةُ الحجاج أنْ ينقصَ مِنْ كلامِهِ ؟ فتكلَّمَ الحسنُ كلاماً واحداً نحواً ممَّا كانَ يتكلّمُ بهِ في كلِّ يومٍ ، حتَّى انتهى إلى آخرِ كلامِهِ ، فلمَّا فرغَ الحسنُ مِنْ كلامِهِ وهوَ غيرُ مكترثٍ بهِ .. رفعَ الحجاجُ يدَهُ فضربَ بها علىَ مَنْكِبٍ الحسنِ ، ثمَّ قالَ : صدقَ الشيخُ وبرَّ، فعليكمْ بهذهِ المجالسِ وأشباهِها فاتخذوها خُلقاً وعادةً ؛ فإنَّهُ بلغَني عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أنَّ مجالسَ الذكرِ رياضُ الجنةِ (١)، ولولا ما حُمِّلْنَاهُ مِنْ أمرِ الناسِ .. ما غلبتُمونا على هذهِ المجالسِ ؛ لمعرفتِنا بفضلِها، قالَ : ثمَّ افترَّ الحجاجُ (١) رواه الترمذي (٣٥١٠) . ٤٣٧ کتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فتكلَّمَ حتَّى عجبَ الحسنُ ومَنْ حضرَ مِنْ بلاغتِهِ ، فلمَّا فرغَ .. طفقَ فقامَ . فجاءَ رجلٌ مِنْ أهلِ الشامِ إلى مجلسِ الحسنِ حِينَ قامَ الحجاجُ ، فقالَ : عبادَ اللهِ المسلمينَ ؛ ألا تعجبوا أنِّي رجلٌ شيخٌ كبيرٌ ، وأنّي أُغَزَّى، فأُكلَّفُ فرساً وبغلاً ، وأُكلَّفُ فسطاطاً ، وأنِّي لي ثلاثُ مئةِ درهمٍ مِنَ العطاءِ ، وأنَّ لي سبعَ بناتٍ مِنَ العيالِ! فشكا مِنْ حالِهِ حتَّى رقَّ لهُ الحسنُ وأصحابُهُ ، والحسنُ مكبّ ، فلمَّا فرغَ الرجلُ مِنْ كلامِهِ .. رفعَ الحسنُ رأسَهُ فقالَ : ما لهُمْ قاتلَهُمُ اللهُ! اتخذوا عبادَ اللهِ خولاً، ومالَ اللهِ دولاً ، وقتلوا الناسَ على الدينارِ والدرهمٍ ، فإذا غزا عدوُّ اللهِ .. غزا في الفساطيطِ الهيّابةِ ، وعلى البغالِ السَّاقةِ، وإذا أغزى أخاهُ .. أغزاهُ طاوياً راجلاً، فما فترَ الحسنُ حتَّى ذكرَهُمْ بأقبحِ العيبِ وأشدِّهِ . فقامَ رجلٌ مِنْ أهلِ الشامِ كانَ جالساً إلى الحسنِ ، فسعىُ بهِ إلى الحجاجِ ، وحكى لهُ كلامَهُ ، فلمْ يلبثِ الحسنُ أنْ أتتْهُ رسلُ الحجاجِ ، فقالوا : أجبِ الأميرَ ، فقامَ الحسنُ ، وأشفقنا عليهِ مِنْ شدةِ كلامِهِ الذي تكلَّمَ بهِ ، فلمْ يلبثِ الحسنُ أنْ رجعَ إلى مجلسِهِ وهوَ يتبسَّمُ، وقلَّما رأيتُهُ فاغراً فاهُ يضحكُ ، إنَّما كانَ يتبسَّمُ ، فأقبلَ حتَّى قعدَ في مجلسِهِ ، فعظَّمَ الأمانةَ، وقالَ : إنَّما تجالسونَ بالأمانةِ ؛ كأنَّكُمْ تظنُّونَ أنَّ الخيانةَ ليسَتْ إلا في الدينارِ والدرهمِ ، إنَّ الخيانةَ أشدَّ الخيانةِ أنْ يجالسَنا الرجلُ ، فنطمئنَّ إلى ناحيتِهِ ، ثمَّ ينطلقُ فيسعى بنا إلى شرارةٍ مِنْ نارٍ ، إنِّي أتيتُ هذا الرجلَ ، فقالَ : أقصرْ عليكَ مِنْ لسانِكَ وقولِكَ : إذا غزا عدوُّ اللهِ .. غزا ٤٣٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء كذا ، وإذا أغزى أخاهُ .. أغزاهُ كذا، لا أبا لكَ؛ تحرِّضُ علينا الناسَ ؟! أما إنَّا على ذلكَ لا نتهمُ لنصيحتِكَ، فأقصرُ عليكَ مِنْ لسانِكَ، قالَ : فدفعَهُ اللهُ عَنِّي . وركبَ الحسنُ حماراً يريدُ المنزلَ ، فبينما هوَ يسيرُ إِذِ التفتَ فرأى قوماً يتبعونَهُ ، فوقفَ فقالَ : هلْ لكمْ مِنْ حاجةٍ أوْ تسألونَ عنْ شيءٍ ؟ وإلا .. فارجعوا ، فما يبقي هذا مِنْ قلبِ العبدِ ؟! فبهذهِ العلاماتِ وأمثالِها تتبيَّنُ سريرةُ الباطنِ ، ومهما رأيتَ العلماءَ يتغايرونَ ويتحاسدونَ ، ولا يتوانسونَ ولا يتعاونونَ .. فاعلمْ أنَّهُمْ قَدِ اشترَوُا الحياةَ الدنيا بالآخرةِ ، فهُمُ الخاسرونَ ، اللهمَّ؛ ارحمْنا بلطفِكَ يا أرحمَ الراحمينَ . ٤٣٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان ما صح من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية الخلق ومالا بيضتح اعلمْ : أنَّ الرجلَ قدْ ببيتُ معَ القومِ في موضعٍ ، فيقومونَ للتهجُّدِ أوْ يقومُ بعضُهُمْ فيصلُّونَ الليلَ كلَّهُ أَوْ بعضَهُ، وهوَ ممَّنْ يقومُ في بيتِهِ ساعةً قريبةٌ ، فإذا رآهُمُ .. انبعثَ نشاطُهُ للموافقةِ ، حتَّى يزيدُ على ما كانَ يعتادُهُ أوْ يصلِّي معَ أنَّهُ كانَ لا يعتادُ الصلاةَ بالليلِ أصلاً . وكذلكَ قدْ يقعُ في موضعٍ يصومُ فيهِ أهلُ الموضع ، فينبعثُ لهُ نشاطٌ في الصومِ ، ولولاهُمْ .. لما انبعثَ هذا النشاطُ . فهذا ربَّما يُظْنُّ أنَّهُ رياءٌ، وأنَّ الواجبَ تركُ الموافقةِ . منه. وليسَ كذلكَ على الإطلاقِ ، بلْ لهُ تفصيلٌ ؛ لأنَّ كلَّ مؤمنٍ راغبٌ في عبادةِ اللهِ تعالى ، وفي قيامِ الليلِ وصيامِ النهارِ ، ولكنْ قدْ تعوقُهُ العوائقُ ، ويمنعُهُ الاشتغالُ ، ويغلبُهُ التمكنُ مِنَ الشهواتِ ، أَوْ تستهويهِ الغفلةُ، فربَّما تكونُ مشاهدةُ الغيرِ سببَ زوالِ الغفلةِ ، أَوْ تندفعُ العوائقُ والأشغالُ في بعضٍ المواضعِ ، فينبعثُ النشاطُ ، فقدْ يكونُ الرجلُ في منزِلِهِ ، فتقطعُهُ الأسبابُ عنِ التهجّدِ ؛ مثلَ تمكنِهِ مِنَ النومِ على فراشٍ وثيرٍ ، أو تمكنِهِ مِن التمتُّعِ بزوجتِهِ ، أوِ المحادثةِ معَ أهلِهِ وأقاربِهِ ، أَوِ الاشتغالِ بأولادِهِ ، أَوْ مطالعةٍ حسابٍ لهُ معَ معامليهِ ، فإذا وقعَ في منزلٍ غريبٍ .. اندفعَتْ عنهُ هذهِ الشواغلُ التي تفترُ رغبتَهُ عنِ الخيرِ ، وحصلَتْ لهُ أسبابٌ باعثةٌ على الخيرِ ؛ ٤٤٠