النص المفهرس
صفحات 401-420
ربع المهلكات کتاب ذم الجاه والرياء وقدْ رُويَ في بعضِ الحديثِ : أنَّ عملَ السرِّ يُضاعفُ على عملِ العلانيةِ سبعينَ ضعفاً ، ويُضاعفُ عملُ العلانيةِ إذا استنَّ بعاملِهِ على عملِ السرِّ سبعينَ ضعفاً(١) . وهذا لا وجهَ للخلافِ فيهِ ؛ فإنَّهُ مهما انفكَ القلبُ عنْ شوائبِ الرياءِ ، وتمَّ الإخلاصُ على وجهٍ واحدٍ في الحالتينِ .. فما يُقتدى بهِ أفضلُ لا محالةَ ، وإنَّما يُخافُ مِنَ الظهورِ الرياءُ ، ومهما حصلَتْ شائبةُ الرياءِ .. لمْ ينفعْهُ اقتداءُ غيرِهِ ، وهلكَ بهِ ، فلا خلافَ في أنَّ السرَّ أفضلُ منهُ . ولكنْ علىْ مَنْ يظهرُ العملَ وظيفتانِ : إحداهما : أنْ يظهرَهُ حيثُ يعلمُ أنَّهُ يُقتدى بهِ ، أوْ يظنُّ ذلكَ ظناً ، ورُبّ رجلٍ يقتدي بهِ أهلُهُ دونَ جيرانِهِ ، وربَّما يقتدي بهِ جيرانُهُ دونَ أهلِ السوقِ ، وربَّما يقتدي بهِ أهلُ محلَّتِهِ ، وإنَّما العالمُ المعروفُ هوَ الذي يقتدي بهِ الناسُ كافَّةً ، فغيرُ العالمِ إذا أظهرَ بعضَ الطاعاتِ .. ربَّما نُسبَ إلى الرياءِ والنفاقِ ، وذمُّوهُ ولمْ يقتدوا بهِ ، فليسَ لهُ الإظهارُ مِنْ غيرِ فائدةٍ ، فإنَّما يصحُ الإظهارُ بنيةِ القدوةِ ممَّنْ هوَ في محلِّ القدوةِ على مَنْ هوَ في محلٌ الاقتداءِ بهِ . (١) الشطر الأول منه رواه البيهقي في (( الشعب)) (٦٣٩٤) عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، وروى أيضاً في ((الشعب)) (٦٦١٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: (( عمل السر أفضل من عمل العلانية ، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به )) . ٤ ٠ ١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات والثانيةُ : أَنْ يراقبَ قلبَهُ، فإنَّهُ ربَّما يكونُ فيهِ حبُّ الرياءِ الخفيِّ ، فيدعوهُ إلى الإظهارِ بعذرِ الاقتداءِ ، وإنَّما شهوتُهُ التجمُّلُ بالعملِ ، وبكونِهِ مقتدىٌ بهِ ، وهذا حالُ كلِّ مَنْ يظهرُ أعمالَهُ إلا الأقوياءَ المخلصينَ ، وقليلٌ ما هُمْ ، فلا ينبغي أنْ يخدعَ الضعيفُ نفسَهُ بذلكَ فيهلكَ وهوَ لا يشعرُ ، فإنَّ الضعيفَ مثالُهُ مثالُ الغريقِ الذي يحسنُ سباحةً ضعيفةً ، فنظرَ إلى جماعةٍ مِنَ الغرقىُ فرحمَهُمْ، فأقبلَ عليهِمْ حتى تشبّتوا بهِ ، فهلكوا وهلكَ ، والغرقُ بالماءِ في الدنيا ألمُهُ ساعةٌ ، وليتَ كانَ الهلاكُ بالرياءِ مثلَهُ ، لا بلْ عذابُهُ دائمٌ مدةٌ مديدةً ، وهذهِ مزلَّةُ أقدام العبَّادِ والعلماءِ ، فإنَّهُمْ يتشبَّهونَ بالأقوياءِ في الإظهارِ ، ولا تقوى قلوبُهُمْ على الإخلاصِ ، فتحبطُ أجورُهُمْ بالرياءِ . والتفُّنُ لذلكَ غامضٌ ، ومحُ ذلكَ: أنْ يعرضَ على نفسِهِ أنَّهُ لوْ قيلَ لهُ : أخفِ العملَ حتَّى يقتديَ الناسُ بعابدٍ آخرَ مِنْ أقرانِكَ ، ويكونَ لكَ في السرِّ مثلُ أجرِ الإعلانِ ؛ فإنْ مالَ قلبُهُ إلى أنْ يكونَ هوَ المقتدىُ بهِ ، وهوَ المظهرَ للعملِ .. فباعثُهُ الرياءُ دونَ طلبِ الأجرِ واقتداءِ الناسِ بهِ ورغبتِهِمْ في الخيرِ ، فإنَّهُمْ قدْ رغبوا في الخيرِ بالنظرِ إلى غيرِهِ ، وأجرُهُ قَدْ توفََّ عليهِ معَ إسرارِهِ ، فما بالُ قلبِهِ يميلُ إلى الإظهارِ لولا ملاحظتُّهُ لأعينِ الخلقِ ومراءاتِهِمْ ؟! فليحذرِ العبدُ خِدعَ النفسِ ؛ فإنَّ النفسَ خدوعٌ، والشيطانُ مترصِّدٌ ، وحبُّ الجاهِ على القلبِ غالبٌ، وقلَّما تسلمُ الأعمالُ الظاهرةُ عنِ الآفاتِ ، فلا ينبغي أنْ يعدلَ بالسلامةِ شيئاً ، والسلامةُ في الإخفاءِ ، وفي الإظهارِ مِنَ ٤٠٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء الأخطارِ ما لا يقوىُ عليهِ أمثالُنا ، فالحذرُ مِنَ الإظهارِ أولى بنا وبجميعٍ الضعفاءِ . القسمُ الثاني: أنْ يتحدَّثَ بما فعلَهُ بعدَ الفراغِ : وحكمُهُ حكمُ إظهارِ العملِ نفسِهِ ، والخطرُ في هذا أشدُّ ؛ لأنَّ مؤنةً النطقِ خفيفةٌ على اللسانِ ، وقدْ تجري في الحكايةِ زيادةٌ ومبالغةٌ ، وللنفسِ لذَّةٌ في إظهارِ الدعاوى عظيمةٌ ، إلا أنَّهُ لوْ تطرَّقَ إليهِ الرياءُ .. لمْ يؤثِّرْ في إفسادِ العبادةِ الماضيةِ بعدَ الفراغِ منها ، فهوَ مِنْ هذا الوجهِ أهونُ . والحكمُ فيهِ : أنَّ مَنْ قوِيَ قلبُهُ، وتمَّ إخلاصُهُ ، وصغرَ الناسُ في عينِهِ ، واستوىُ عندَهُ مدحُهُمْ وذقُّهُمْ، وذكرَ ذلكَ عندَ مَنْ يرجو الاقتداءَ بهِ والرغبةَ في الخيرِ بسببهِ .. فهوَ جائزٌ ، بلْ هوَ مندوبٌ إليهِ إِنْ صَفَتِ النيةُ ، وسلمَتْ عنْ جميع الآفاتِ ؛ لأنَّهُ ترغيبٌ في الخيرِ ، والترغيبُ في الخيرِ خيرٌ . وقدْ نُقُلَ مثلُ ذلكَ عنْ جماعةٍ مِنَ السلفِ الأقوياءِ ، قالَ سعدُ بنُ معاذٍ : ( ما صلَّيتُ صلاةٌ منذُ أسلمتُ فحدثتُ نفسي بغيرِها ، ولا تبعتُ جنازةٌ فحدَّثتُ نفسي بغيرِ ما هيَ قائلةٌ وما هوَ مقولٌ لها ، وما سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ قولاً قطُّ إلا علمتُ أنَّهُ حقٌّ)(١). (١) الرعاية (ص ٢٦١)، ورواه البيهقي في ((الشعب)) (٢٤٩٨) بنحوه . ٤٠٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما أبالي أصبحتُ على عسرٍ أوْ على يسرٍ ؛ لأنِّي لا أدري أيُّهما خيرٌ لي)(١) . وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما أصبحتُ على حالٍ فتمنَِّتُ أنْ أكونَ على غيرِها)(٢) . وقالَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما تغنَّيْتُ ، ولا تمنَّيتُ ، ولا مسستُ ذكرِي بيميني منذُ بايعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)(٣). وقالَ شدادُ بنُ أوس : ( ما تكلَّمتُ بكلمةٍ منذُ أسلمتُ حتَّى أزمَّها وأخطمَها غيرَ هذهِ ) ، وكانَ قدْ قالَ لغلامِهِ : ( ائتنا بالسُّفرةِ لنعبثَ بها حتَّى ندركَ الغداءَ ) (٤). وقالَ أبو سفيانَ الأهلِهِ حينَ حضرَهُ الموتُ : ( لا تبكوا عليّ ؛ فإنِّي ما أحدثتُ ذنباً منذُ أسلمتُ )(٥) . وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ تعالى: ( ما قضى اللهُ لي بقضاءٍ قطُّ فسرَّني أنْ يكونَ قضى لي بغيرِهِ ، وما أصبحَ لي هوىّ إلا في مواقع قدرِ اللهِ)(٦) . (١) الرعاية (ص ٢٦١)، وقال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٣٠٤/٨): (أخرجه الإسماعيلي في « مناقبه )) ) . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٥) من زيادات نعيم بن حماد . (٣) رواه ابن ماجه (٣١١). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤١٤). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (١٣٤). (٦) الرعاية (ص ٢٦٢)، وبنحوه رواه ابن أبي الدنيا في (( الرضا عن الله بقضائه)) (٤٦). ٤٠٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فهذا كلُّهُ إظهارٌ لأحوالٍ شريفةٍ ، وفيها غايةُ المراءاةِ إذا صدرَتْ ممَّنْ يرائي بها ، وفيها غايةُ الترغيبِ إذا صدرَتْ ممَّنْ يُقتدى بهِ ، فذلكَ على قصدٍ الاقتداءِ جائزٌ للأقوياءِ بالشروطِ التي ذكرناها ، فلا ينبغي أنْ يُسدَّ بابُ إظهارٍ الأعمالِ والطباعُ مجبولةٌ على حبِّ التشتُّهِ والاقتداءِ ، بلْ إظهارُ المرائي للعبادةِ إذا لمْ يعلمِ الناسُ أنَّهُ رياءٌ فيهِ خيرٌ كثيرٌ للناسِ ، ولكنَّهُ شرٌّ للمرائي ، فكمْ مِنْ مخلصٍ كانَ سببُ إخلاصِهِ الاقتداءَ بمَنْ هوَ مراءٍ عندَ اللهِ تعالى . وقدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يجتازُ الإنسانُ في سككِ البصرةِ عندَ الصبحِ ، فيسمِعُ أصواتَ المصلينَ بالقرآنِ مِنَ البيوتِ ، فصنَّفَ بعضُهُمْ كتاباً في دقائقِ الرياءِ ، فتركوا ذلكَ، وتركَ الناسُ الرغبةَ فيهِ ، فكانوا يقولونَ : ليتَ ذلكَ الكتابَ لمْ يُصنَّفْ(١) . فإظهارُ المرائي فيهِ خيرٌ كثيرٌ لغيرِهِ إذا لمْ يُعرفْ رياؤُهُ ، فإنَّ اللهَ يؤيِّدُ هذا الدينَ بالرجلِ الفاجرِ وبأقوامٍ لا خلاقَ لهُمْ كما وردَ في الأخبارِ(٢) ، وبعضُ المرائينَ ممَّن يُقتدى بهِ منهُمْ، والله تعالى أعلمُ . (١) نقله صاحبه ((القوت)). ((إتحاف)) (٣٠٥/٨). (٢) تقدم حديث: ((إن الله يؤيد هذا الدين ... )) الذي رواه البخاري ( ٤٢٠٣)، ومسلم (١١١) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وتقدم حديث: ((إن الله ليؤيد الدين بأقوام ... )) الذي رواه النسائي في ((الكبرى)) (٨٨٣٤). ٤٠٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان الرخصة في كتمان الذنوب وكراحة اطلاع الناس عليها وكراحة وفهم له اعلمْ : أنَّ الأصلَ في الإخلاصِ استواءُ السريرةِ والعلانيةِ ، كما قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ لرجلٍ : عليكَ بعملِ العلانيةِ ، قالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ وما عملُ العلانيةِ؟ قالَ : ما إذا اطُلِعَ عليكَ .. لمْ تستحيٍ مِنْهُ(١). وقالَ أبو مسلم الخولانيُّ : ( ما عملتُ عملاً أبالي أنْ يطَّلِعَ الناسُ علیهِ إلا إتياني أهلي، والبولَ، والغائطَ)(٢). إلا أنَّ هذهِ درجةٌ عظيمةٌ لا ينالُها كلُّ أحدٍ ، ولا يخلو الإنسانُ عنْ ذنوبٍ بقلبهِ أوْ بجوارحِهِ وهوَ يخفيها ويكرهُ اطلاعَ الناسِ عليها ، لا سيَّما ما تختلجُ بهِ الخواطرُ في الشهواتِ والأمانيِّ، واللهُ مطّلعٌ على جميع ذلكَ ، فإرادةُ العبدِ لإخفائها عن العبيدِ ربَّما يُظُّ أنَّهُ رياءٌ محظورٌ ، وليسَ كذلكَ ، بلِ المحظورُ أنْ يسترَ ذلكَ ليرى الناسُ أنَّهُ وَرِعٌ وأنَّهُ خائفٌ مِنَ اللهِ تعالىُ معَ أنَّهُ ليسَ كذلكَ . فهذا هوَ سترُ المرائي . (١) الرعاية (ص ٢٧٩)، وقال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٣٠٦/٨): (أخرجه الإسماعيلي في (( مناقبه )) ) . (٢) بنحوه رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٢) من زيادات نعيم بن حماد ، وبلفظه هو في («الرعاية)) (ص ٢٧٩) . ٤٠٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وأمَّا الصادقُ الذي لا يرائي .. فلهُ سترُ المعاصي ، ويصحُ قصدُهُ فيهِ ، ويصحُ اغتمامُهُ باطلاعِ الناسِ عليهِ مِنْ ثمانيةِ أوجهٍ : الأوَّلُ : هوَ أنْ يفرحَ بسترِ اللهِ عليهِ، وإذا افتضحَ .. اغتمَّ بهتكِ اللهِ سترَهُ، وخافَ أنْ يهتكَ سترَهُ في القيامةِ ؛ إذْ وردَ في الخبرِ : أنَّ مَنْ سترَ اللهُ عليهِ في الدنيا ذنباً .. سترَ عليهِ في الآخرةِ (١)، وهذا غمِّ ينشأُ مِنْ قوَّةِ الإيمانِ . الثاني : أنَّهُ قَدْ علمَ أنَّ اللهَ تعالى يكرهُ ظهورَ المعاصي ، ويحبُّ سترَها ؛ كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنِ ارتكبَ مِنْ هذهِ القاذوراتِ شيئاً .. فليستتر بسترِ اللهِ))(٢)، فهوَ وإنْ عصى اللهَ بالذنبِ فلمْ يخلُ قلبُهُ عنْ محبةٍ ما أحبَّهُ اللهُ ، وهذا ينشأُ مِنْ قوَّةِ الإيمانِ بكراهةِ اللهِ ظهورَ المعاصي ، وأثرُ الصدقِ فيهِ أنْ يكرهَ ظهورَ الذنبِ مِنْ غيرِهِ أيضاً ، ويغتمَّ بسببِهِ . الثالثُ : أنْ يكرهَ ذَّ الناسِ لهُ بهِ مِنْ حيثُ إنَّ ذلكَ يغقُّهُ ويشغلُ قلبَهُ وعقلَهُ عنْ طاعةِ اللهِ تعالى، فإنَّ الطبعَ يتأذَّى بالذمَّ ، وينازعُ العقلَ ، ويشغلُ عنِ الطاعةِ، وبهذهِ العلةِ أيضاً ينبغي أنْ يكره الحمدَ الذي يشغلُهُ عنِ ذكرِ اللهِ (١) رواه مسلم (٢٥٩٠) . (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٨٢٥/٢) عن زيد بن أسلم مرسلاً ، ورواه الحاكم في ((المستدرك)» (٣٨٣/٤) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً . ٤٠٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات تعالى، ويستغرقُ قلبَهُ ويصرفُهُ عنِ الذكرِ ، وهذا أيضاً مِنْ قوَّةِ الإيمانِ ؛ إذْ صدقُ الرغبةِ في فراغِ القلبِ لأجلِ الطاعةِ مِنَ الإِيمانِ . الرابعُ : أنْ يكونَ سترُهُ ورغبتُهُ فيهِ لكراهتِهِ لذمِّ الناسِ مِنْ حيثُ يتأذى طبعُهُ ، فإنَّ الذمَّ مؤلمٌ للقلبِ ، كما أنَّ الضربَ مؤلمٌ للبدنِ ، وخوفُ تألُم القلبِ بالذمِّ ليسَ بحرامٍ ، ولا الإنسانُ بهِ عاصٍ ، وإنَّما يعصي إذا جزِعَتْ نفسُهُ مِنْ ذمِّ الناسِ ودعَتْهُ إلى ما لا يجوزُ حذراً مِنْ ذَمِّهِمْ ، وليسَ يجبُ على الإنسانِ ألا يغتمَّ بذمِّ الخلقِ ولا يتألَّمَ بهِ . نعمْ ، كمالُ الصدقِ في أنْ تزولَ رؤيتُهُ للخلقِ ، فيستويَ عندَهُ ذاقُهُ ومادحُهُ؛ لعلمِهِ أنَّ الضارَّ والنافعَ هو اللهُ عزَّ وجلَّ، وأنَّ العبادَ كلَّهُمْ عاجزونَ ، وذلكَ قليلٌ جداً ، وأكثرُ الطباع تتألَّمُ بالذمِّ ؛ لما فيهِ مِنَ الشعورِ بالنقصانِ ، ورُبَ تألُم بالذمِّ محمودٌ إذا كانَ الذاُ مِنْ أهلِ البصيرةِ في الدينِ ، فإنَّهُمْ شهداءُ اللهِ ، وذمُّهُمْ يدلُّ علىُ ذمِّ اللهِ تعالىُ ، وعلىُ نقصانٍ في الدينِ ، فكيفَ لا يغتُ بهِ ؟! نعم ، الغمُّ المذمومُ هوَ أنْ يغتمَّ لفواتِ الحمدِ بالورع ؛ كأنَّهُ يحبُ أنْ يُحمدَ بالورع، ولا يجوزُ أنْ يحبّ أنْ يُحمدَ بطاعةِ اللهِ تعالى ، فيكونُ قَدْ طلبَ بطاعةِ اللهِ ثواباً مِنْ غيرِهِ ، فإنْ وجدَ ذلكَ في نفسِهِ .. وجبَ عليهِ أنْ يقابلَةُ بالكراهةِ والردِّ ، وأمَّا كراهتُهُ الذمَّ بالمعصيةِ مِنْ حيثُ الطبعُ .. ٤٠٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فليسَ بمذمومٍ ، فلهُ السترُ حذراً مِنْ ذلكَ . ويُتصوَّرُ أنْ يكونَ العبدُ بحيثُ لا يحبُّ الحمدَ ، ولكنْ يكرهُ الذمَّ، وإنَّما مرادُهُ أنْ يتركَهُ الناسُ حمداً وذمّاً ، فكمْ مِنْ صابرٍ عنْ لذَّةِ الحمدِ لا يصبرُ على ألمِ الذِّ ؛ إذِ الحمدُ يُطلبُ للذَّةِ، وعدمُ اللذَّةِ لا يؤلمُ، وأمَّا الذمُّ .. فإنَّهُ مؤلمٌ ، فحبُّ الحمدِ على الطاعةِ طلبُ ثوابٍ على الطاعةِ في الحالِ ، وأما كراهةُ الذمِّ على المعصيةِ .. فلا محذورَ فيهِ إلا أمرٌ واحدٌ ؛ وهوَ أنْ يشغلَهُ غمُّهُ باطلاع الناسِ على ذنبِهِ عنِ اطلاعِ اللهِ ، فإنَّ ذلكَ غايةُ النقصانِ في الدينِ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ غُّهُ باطلاعِ اللهِ وذمِّهِ لهُ أكثرَ(١). الخامسُ : أن يكرهَ الذَّ مِنْ حيثُ إنَّ الذاتَ قَدْ عصى اللهَ تعالى بهِ ، وهذا مِنَ الإيمانِ ، وعلامتُهُ : أَنْ يكرهَ ذمَّهُ لغيرِهِ أيضاً ، فهذا التوجُّعُ لا يُفرَّقُ بينَهُ وبينَ غيرِهِ ، بخلافِ التوجُّعِ مِنْ جهةِ الطبعِ . السادسُ : أنْ يسترَ ذلكَ كي لا يُقصدَ بشرٌّ إذا عُرِفَ ذنبُهُ، وهذا وراءَ ألم الذمِّ ، فإنَّ الذَّ مؤلمٌ مِنْ حيثُ يشعرُ القلبُ بنقصانِهِ وخستِهِ ، وإنْ كانَ (١) لأن شغله باطلاع الخلق لا يزيده إلا غماً، بخلاف شغله باطلاع الله ، فإنه يزيده رهبة ويجره إلى التوبة. ((إتحاف)) (٣٠٧/٨). ٤٠٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ممَّنْ يُؤمنُ شرُّهُ ، وقدْ يخافُ شرَّ مَنْ يطلعُ على ذنبهِ بسببٍ مِنَ الأسبابِ ، فلهُ أنْ يسترَ ذلكَ حذراً مِنْهُ . السابعُ : مجردُ الحياءِ ؛ فإنَّهُ نوعُ ألمٍ وراءَ ألمٍ الذمِّ والقصدِ بالشرِّ ، وهو خُلُقٌ كريمٌ يحدثُ في أوَّلِ الصِّبا مهما أشرقَ عليهِ نورُ العقلِ ، فيستحيِي مِنَ القبائحِ إذا شُوهدَتْ منهُ، وهوَ وصفٌ محمودٌ ؛ إذ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحياءُ خيرٌ كلُّهُ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحياءُ شعبةٌ مِنَ الإيمانِ))(٢) ٠ وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحياءُ لا يأتي إلا بخيرٍ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يحبُّ الحيَّ الحليمَ )) (٤) . فالذي يفسقُ ولا يبالي أنْ يظهرَ فسقُهُ للناسِ .. جمعَ إلى الفسقِ التهتُّكَ والوقاحةَ وفقدَ الحياءِ ، فهوَ أشدُّ حالاً ممَّنْ يستترُ ويستحيي . إلا أنَّ الحياءَ ممتزجٌ بالرياءِ ، ومشتبهٌ بهِ اشتباهاً عظيماً قلَّ مَنْ يتفطّنُ لهُ ، (١) رواه مسلم (٦١/٣٧). (٢) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥). ـجة (٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( الحلم)) (٥٤) مرسلاً من حديث عمرو بن دينار ، وعند مسلم (٢٩٦٥) مرفوعاً: ((إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)). (٤) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٩٦/١٠) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً سأل فاطمة رضي الله عنها فحدثته به . ٤١٠ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء ويدَّعي كلُّ مراءٍ أنَّهُ مستحي ، وأن سببَ تحسينِهِ العباداتِ هوَ الحياءُ مِنَ الناسِ ، وذلكَ كذبٌ، بلِ الحياءُ خُلُقٌ ينبعثُ مِنَ الطبع الكريمٍ ، وتهيجُ عقيبَهُ داعيةُ الرياءِ وداعيةُ الإخلاصِ ، ويُصوَّرُ أنْ يُخلَصَ معَهُ ، ويُصوَّرُ أنْ یُراءی معَهُ . وبيانُهُ : أَنَّ الرجلَ يطلبُ مِنْ صديقٍ لهُ قرضاً ونفسُهُ لا تسخو بإقراضِهِ ، إلا أنَّهُ يستحيي مِنْ ردِّهِ ، وعلمَ أنَّهُ لوْ راسلَهُ على لسانِ غيرِهِ .. لكانَ لا يستحيي ، ولا يقرضُ رياءً ولا لطلبِ الثوابِ، فلهُ عندَ ذلكَ أحوالٌ ، أحدُها : أنْ يشافهَ بالردِّ الصريح ولا يبالي ، فيُسبَ إلى قلَّةِ الحياءِ ، وهذا فعلُ مَنْ لا حياءَ لهُ، فإنَّ المستحييَ إمّا أنْ يتعلَّلَ أوْ يقرضَ ، فإنْ أعطى. فيُصوَّرُ لهُ ثلاثةُ أحوالٍ : أحدُها : أنْ يُمزجَ الرياءُ بالحياءِ ، بأنْ يهيجَ الحياءُ ، فيقبحَ عندَهُ الرذُ ، فيهيجَ خاطرُ الرياءِ ، ويقولَ: ينبغي أنْ تُعطيَ حتَّى يُثنيَ عليكَ ويحمدَكَ ، وينشرَ اسمَكَ بالسخاءِ ، أَوْ ينبغي أنْ تعطيَ حتَّى لا يذمَّكَ ولا ينسبَكَ إلى البخلِ ، فإذا أعطىُ .. فقدْ أعطى بالرياءِ، وكانَ المحرِّكُ للرياءِ هوَ هيجانَ الحياءِ . الثاني : أن يتعذَّرَ عليهِ الردُّ بالحياءِ ويبقى في نفسِهِ البخلُ ، فيتعذّرُ الإعطاءُ ، فيهيجُ باعثُ الإخلاصِ ويقولُ لهُ: إِنَّ الصدقةَ بواحدةٍ والقرضَ بثمانيةَ عشرَ ، ففيهِ أجرٌ عظيمٌ ، وإدخالُ سرورٍ على قلبِ صديقٍ ، وذلكَ ٤١١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات محمودٌ عندَ اللهِ تعالى، فتسخو النفسُ بالإعطاءِ لذلكَ ، فهذا مخلصٌ هیَّجَ الحياءُ إخلاصَهُ . CG الثالثُ : ألا يكونَ لهُ رغبةٌ في الثوابِ ، ولا خوفٌ مِنْ مذمَّتِهِ ، ولا حبُّ لمحمدتِهِ ؛ لأنَّهُ لوْ طلبَهُ مراسلةً .. لكانَ لا يعطيهِ، فأعطاهُ بمحضٍ الحياءِ، وهو ما يجدُهُ في قلبهِ مِنْ ألم الحياءِ ، ولولا الحياءُ .. لردَّهُ ، ولوْ جاءَهُ مَنْ لا يستحي منهُ مِنَ الأجانبِ أوِ الأراذلِ .. لكانَ يردُّهُ وإِنْ كَثُرَ الحمدُ والثوابُ فيهِ ، فهذا مجردُ الحياءِ ، ولا يكونُ هذا إلا في القبائح ؛ كالبخلِ ومقارفةِ الذنوبِ ، والمرائي يستحي مِنَ المباحاتِ أيضاً ، حتَّى إِنَّهُ يُرى مستعجلاً في المشي فيعودُ إلى الهدوءِ ، أَوْ ضاحكاً فيرجعُ إلى الانقباضِ ، ويزعمُ أنَّ ذلكَ حياءٌ ، وهوَ عينُ الرياءِ . وقدْ قِيلَ : إنَّ بعضَ الحياءِ ضعفٌ ، وهوَ صحيحٌ ، والمرادُ بهِ الحياءُ ممَّا ليسَ بقبيحِ ؛ كالحياءِ مِنْ وعظِ الناسِ ، وإمامةِ الناسِ في الصلاةِ ، وهوَ في النساءِ والصبيانِ محمودٌ ، وفي العقلاءِ غيرُ محمودٍ ، وقدْ تشاهدُ معصيةٌ مِنْ شيخٍ فتستحيي مِنْ شيبتِهِ أنْ تنكرَ عليهِ ؛ لأنَّ مِنْ إجلالِ اللهِ إجلالَ ذي الشيبةِ المسلمٍ ، وهذا الحياءُ حسنٌ ، وأحسنُ مِنْهُ أَنْ تستحييَ مِنَ اللهِ فلاَ تضيِّعَ الأمرَ بالمعروفِ ، فالقويُّ يؤثرُ الحياءَ مِنَ اللهِ على الحياءِ مِنَ الناسِ ، والضعيفُ قدْ لا يقدرُ عليهِ (١). (١) الرعاية (ص ٢٨٣). ٤١٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فهذهِ هيّ الأسبابُ التي يجوزُ لأجلِها سترُ القبائح والذنوبِ . الثامنُ : أنْ يخافَ مِنْ ظهورِ ذنبهِ أنْ يستجرىءَ عليهِ غيرُهُ ويقتديَ بهِ ، وهذهِ العلةُ الواحدةُ فقطْ هيَ الجاريةُ في إظهارِ الطاعةِ ، وهوَ القدوةُ ، ويختصُّ ذلكَ بالأئمةِ أو بمَنْ يُقتدى بهِ ، وبهذهِ العلَّةِ ينبغي أنْ يخفيَ العاصي أيضاً معصيتهُ عنْ أهلِهِ وولدِهِ ؛ لأنَّهُمْ يتعلَّمونَ منهُ . ففي سترِ الذنبِ هذهِ الأعذارُ الثمانيةُ ، وليسَ في إظهارِ الطاعةِ عذرٌ إلا هذا العذرُ الواحدُ ، ومهما قصدَ بسترِ المعصيةِ أنْ يخيِّلَ إلى الناسِ أنَّهُ ورِعٌ .. كانَ مرائياً ؛ كما إذا قصدَ ذلكَ بإظهارِ الطاعةِ . فإنْ قلتَ : فهلْ يجوزُ للعبدِ أنْ يحبَّ حمدَ الناسِ لهُ بالصلاحِ وحبَّهُمْ إِيَّاهُ بسببهِ، وقدْ قالَ رجلٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: دلَّني على عملٍ يحبُّني اللهُ عليهِ ويحبُّني الناسُ، قالَ: ((ازهدْ في الدنيا يُحبَّكَ اللهُ، وانبذْ إليهِمْ هذا الحطامَ يحبُّوكَ ))؟(١). فنقولُ : حبُّكَ لحبُّ الناس لكَ قدْ يكونُ مباحاً ، وقدْ يكونُ محموداً ، وقدْ يكونُ مذموماً ، فالمحمودُ : أنْ تحبَّ ذلكَ لتعرفَ بهِ حبَّ اللهِ لكَ ، (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٣٣). ٤١٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فإنَّهُ تعالى إذا أحبَّ عبداً .. حبَّبَهُ في قلوبِ عبادِهِ ، والمذمومُ : أنْ تحبَّ حبَّهُمْ وحمدَهُمْ على حجِّكَ وغزوِكَ وصلاتِكَ وعلى طاعةٍ بعينِها ، فإِنَّ ذلكَ طلبُ عوضٍ على طاعةِ اللهِ عاجلاً سوى ثوابِ اللهِ ، والمباحُ : أنْ تحبّ أنْ يحبُّوكَ لصفاتٍ محمودةٍ سوى الطاعاتِ المحمودةِ المعينةِ ، فحبُّكَ ذلكَ كحبِّكَ المالَ ؛ لأنَّ ملكَ القلوبِ وسيلةٌ إلى الأغراضِ كملكِ الأموالِ ، فلا فرقَ بينَهُما . ٤١٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء حز بيان ترك الطاعات خوفاً من الرياء ودخول الآفات اعلمْ : أنَّ مِنَ الناسِ مَنْ يتركُ العملَ خوفاً مِنْ أنْ يكونَ مرائياً بهِ ، وذلكَ غلطٌّ وموافقةٌ للشيطانِ ، بلِ الحقُّ فيما يُتركُ مِنَ الأعمالِ وما لا يُتركُ لخوفٍ الآفاتِ ما نذكرُهُ . وهوَ أنَّ الطاعاتِ تنقسمُ : إلىْ ما لا لذَّةَ في عينِهِ : كالصلاةِ والصوم والحجِّ والغزوِ ، فإنَّها مقاساة ومجاهداتٌ إنَّما تصيرُ لذيذةً مِنْ حيثُ إنَّها توصلُ إلى حمدِ الناسِ ، وحمدُ الناسِ لذيذٌ ، وذلكَ عندَ اطلاعِ الناسِ عليها . وإلى ما هوَ لذيذٌ: وهوَ أكثرُ ما لا يقتصرُ على البدنِ ، بلْ يتعلَّقُ بالخلقِ ؛ كالخلافةِ ، والقضاءِ ، والولاياتِ ، والحسبةِ ، وإمامةِ الصلاةِ ، والتذكيرِ ، والتدريسِ ، وإنفاقِ المالِ على الخلقِ ، وغيرِ ذلكَ ممَّا تعظمُ الآفةُ فيهِ ؛ لتعلُّقِهِ بالخلقِ ، ولما فيهِ مِنَ اللذّةِ . القسمُ الأولُ: الطاعاتُ اللازِمةُ للبدنِ التي لا تتعلَّقُ بالغيرِ ولا لذَّةَ في عينِها : كالصومِ ، والصلاةِ ، والحجِّ ، فخطراتُ الرياءِ فيها ثلاثٌ : إحداها : ما يدخلُ قبلَ العملِ ، فيبعثُ على الابتداءِ لرؤيةِ الناسِ ، وليسَ معَهُ باعثُ الدينِ ، فهذا ممّا ينبغي أنْ يُتركَ ؛ لأنَّهُ معصيةٌ لا طاعةَ ٤١٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فيهِ ، فإنَّهُ تدرُّعٌ بصورةِ الطاعةِ إلى طلبِ المنزلةِ ، فإنْ قدرَ الإنسانُ على أنْ يدفعَ عنْ نفسِهِ باعثَ الرياءِ ، ويقولَ لها : ألا تستحيينَ مِنْ مولاكِ ؟! لا تسخينَ بالعملِ لأجلِهِ وتسخينَ بالعملِ لأجلِ عبادِهِ ؟! حتَّى يندفعَ باعثُ الرياءِ وتسخوَ النفسُ بالعملِ للهِ ؛ عقوبةً للنفسِ على خاطرِ الرياءِ ، وكفارةً لهُ، فليشتغلْ بالعملِ . الثانيةُ : أنْ ينبعثَ لأجلِ اللهِ ولكنْ يعترضُ الرياءُ معَ عقدِ العبادةِ وأوَّلِها ، فلا ينبغي أنْ يتركَ العملَ ؛ لأنَّهُ وجدَ باعثاً دينياً ، فليشرعْ في العملِ ، وليجاهدْ نفسَهُ في دفع الرياءِ وتحصيلِ الإخلاصِ بالمعالجةِ التي ذكرناها ؛ مِنْ إلزام النفسِ كراهةَ الرياءِ والإباءِ عنِ القبولِ . الثالثةُ: أنْ يعقدَ على الإخلاصِ ، ثمَّ يطرأَ الرياءُ ودواعيهِ ، فينبغي أنْ يجاهدَ في الدفع ولا يتركَ العملَ ، لكنْ يرجعُ إلى عقدِ الإخلاصِ ، ویردُّ نفسَهُ إليهِ قهراً حتَّى يتِمَّ العملَ ؛ لأنَّ الشيطانَ يدعوكَ أوَّلاً إلى تركِ العملِ ، فإذا لمْ تجبْ واشتغلتَ .. فيدعوكَ إلى الرياءِ ، فإذا لمْ تجبْ ودفعتهُ .. يقولُ لكَ : هذا العملُ ليسَ بخالصٍٍ ، وأنتَ مُراءٍ ، وتعبُّكَ ضائعٌ ، فأيُّ فائدةٍ لكَ في عملٍ لا إخلاصَ فيهِ ؛ حتَّى يحملَكَ بذلكَ على تركِ العملِ ، فإذا تركتهُ .. فقد حصلَ غرضُهُ . ومثالُ مَنْ يتركُ العملَ لخوفِهِ أنْ يكونَ مرائياً ؛ كمَنْ سلَّمَ إليهِ مولاءُ حنطةً فيها زُوانٌ(١) وقالَ: خلِّصْها مِنَ الزوانِ ونقُّها منهُ تنقيةً بالغةً، فيتركُ أصلَ (١) وهو حبّ يخالط البُر فيكسبه الرداءة. ((إتحاف)) (٣١١/٨). ٤١٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء العملِ ويقولُ : أخافُ إنِ اشتغلتُ بهِ .. لمْ تخلصْ خلاصاً صافياً نقيّاً ، فيتركُ العملَ مِنْ أصلِهِ ، وهوَ ترٌ للإخلاصِ معَ أصلِ العملِ ، فلا معنى لهُ . ومِنْ هذا القبيلِ أنْ يتركَ العملَ خوفاً مِنَ الناسِ أنْ يقولوا : ( إنَّهُ مراءٍ ) فيعصونَ اللهَ بهِ ، فهذا مِنْ مكايدِ الشيطانِ ؛ لأنَّهُ أوَّلاً أساءَ الظِنَّ بالمسلمينَ ، وما كانَ مِنْ حقُِّ أنْ يظنَّ بِهِمْ ذلكَ، ثمّ إنْ كانَ .. فلا يضرُّهُ قولُهُمْ ، ويفوتُهُ ثوابُ العبادةِ ، وتركُ العملِ خوفاً مِنْ قولِهِمْ: ( إنَّهُ مراءٍ ) هوَ عينُ الرياءِ ، فلولا حبُّهُ لمحمدتِهِمْ وخوفُهُ مِنْ ذمِّهِمْ .. فما لهُ ولقولِهِمْ(١) ، قالوا: ( إنَّهُ مراءٍ) أوْ قالوا: ( إنَّهُ مخلصٌ ) ؟ فأيُّ فرقٍ بينَ أنْ يتركَ العملَ خوفاً مِنْ أنْ يُقالَ: ( إنَّهُ مُراءٍ )، وبينَ أنْ يحسنَ العملَ خوفاً مِنْ أنْ يُقالَ: (إِنَّهُ غافلٌ مقصِّرٌ) ؟! بلْ تركُ العملِ أشدُّ مِنْ ذلكَ . فهذهِ كلُّها مكايدُ الشيطانِ على العبادِ الجهَّالِ . ثمَّ كيفَ يطمعُ في أنْ يتخلَّصَ مِنَ الشيطانِ بأنْ يتركَ العملَ ، والشيطانُ لا يخليهِ ، بلْ يقولُ لهُ: ( الآنَ يقولُ الناسُ: إنَّكَ تركتَ العملَ لِيُقالَ : إِنَّكَ مخلصٌ لا تشتهي الشهرةَ ) ، فيضطرُّكَ بذلكَ إلى أنْ تهربَ ، فإنْ هربتَ ودخلتَ سرباً تحتَ الأرضِ .. ألقى في قلبكَ حلاوةَ معرفةِ الناسِ (١) في هامش ( ب) : ( نسخة : لما سأل عنهم ، فما له ولقولهم) . ٤١٧ کتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بتزهُّدِكَ وهربِكَ منهُمْ ، وتعظيمِهِمْ لكَ بقلوبِهِمْ على ذلكَ ، فكيفَ تتخلَّصُ ؟ بلْ لا نجاةَ منهُ إلا بأنْ تلزِمَ قلبَكَ معرفةَ آفةِ الرياءِ ، وهوَ أنَّهُ ضررٌ في الآخرةِ ولا نفعَ فيهِ في الدنيا ؛ لتلزِمَ الكراهةَ والإباءَ قلبَكَ ، وتستمرَّ معَ ذلكَ على العملِ ولا تبالي وإنْ نزِغَ العدوُّ ونازعَ الطبعُ ؛ فإنَّ ذلكَ لا ينقطعُ ، وتركُ العملِ لأجلِ ذلكَ يجرُّ إلى البطالةِ وتركِ الخيراتِ . فما دمتَ تجدُ باعثاً دينياً على العملِ فلا تتركِ العملَ ، وجاهدْ خاطرَ الرياءِ ، وألزمْ قلبَكَ الحياءَ مِنَ اللهِ تعالى إذا دعتْكَ نفسُكَ إلى أنْ تستبدلَ بحمدِهِ حمدَ المخلوقينَ وهوَ مطلعٌ على قلبِكَ ، ولوِ اطلعَ الخلقُ علىُ قلِكَ وأنتَّ تريدُ حمدَهُمْ .. لمقتوكَ ، بلْ إنْ قدرتَ على أنْ تزيدَ في العملِ حياءً مِنْ ربِّكَ وعقوبةً لنفسِكَ .. فافعلْ، فإنْ قالَ لكَ الشيطانُ: أنتَ مراءٍ .. فاعلمْ كذبَهُ وخدعَهُ بما تصادفُ في قلبكَ مِنْ كراهةِ الرياءِ وإبائِهِ ، وخوفِكَ منهُ وحيائِكَ مِنَ اللهِ تعالى . وإنْ لمْ تجدْ في قلبكَ لهُ كراهيةً ومنهُ خوفاً ولمْ يبقَ باعثُ دينيٌّ ، بلْ تجرَّدَ باعثُ الرياءِ .. فاتركِ العملَ عندَ ذلكَ، وهوَ بعيدٌ ممَّنْ شرعَ في العملِ للهِ ، فإنَّهُ لا بدَّ أنْ يبقى معَهُ أصلُ قصدِ الثوابِ . فإنْ قلتَ : فقدْ نُقُلَ عنْ أقوام تركُ العملِ مخافةَ الشهرةِ ، رُوِيَ أنَّ إبراهيمَ النخعيَّ دخلَ عليهِ إنسانٌ وهوَ يقرأُ ، فأطبقَ المصحفَ وتركَ القراءةَ ٤١٨ ق ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وقالَ : ( لا يرى هذا أنَّا نقرأُ كلَّ ساعةٍ)(١). وقالَ إبراهيمُ التيميُّ: ( إذا أعجبَكَ الكلامُ .. فاسكتْ، وإذا أعجبَكَ السكوتُ .. فتكلَّمْ)(٢) . وقالَ الحسنُ : ( إنْ كانَ أحدُهُمْ ليمرُّ بالأذى على الطريقِ ما يمنعُهُ مِنْ رفعِهِ إلا كراهةُ الشهرةِ ، وكانَ أحدُهُمْ يأتيهِ البكاءُ فيصرفُهُ إلى الضحكِ مخافةَ الشُّهرةِ )(٣) . وقدْ وردَ في ذلكَ آثارٌ كثيرةٌ . قلنا : هذا يعارضُهُ ما وردَ في إظهارِ الطاعاتِ ممَّا لا يُحصى ، وإظهارُ الحسنِ البصريِّ هذا الكلامَ في معرض الوعظِ أقربُ إلى خوفِ الشهرةِ مِنَ البكاءِ ، وإماطةُ الأذى عنِ الطريقِ نفلٌ، ثمَّ لمْ يتركْهُ(٤) . وبالجملةِ : تركُ النوافلِ جائزٌ ، والكلامُ في الأفضلِ ، والأفضلُ إنَّما يقدرُ عليهِ الأقوياءُ دونَ الضعفاءِ ، فالأفضلُ أنْ يتمَّ العملَ ويجتهدَ في الإخلاصِ ، ولا يتركَهُ ، وأربابُ الأعمالِ قدْ يعالجونَ أَنفسَهُمْ بخلافٍ الأفضلِ ؛ لشدَّةِ الخوفِ ، والاقتداءُ ينبغي أنْ يكونَ بالأقوياءِ . (١) الرعاية (ص٢٦٦). (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤٦٩٨) عن بشر بن الحارث الحافي . :2 (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٨). (٤) أي: لم يثبت عنه الترك، وفي نسخة الحافظ الزبيدي (٣١٢/٨): ( يقل ) بدل ( نفل ) . ٤١٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وأمَّا إطباقُ إبراهيمَ النخعيِّ المصحفَ .. فيمكنُ أنْ يكونَ لعلمِهِ بأنَّهُ سيحتاجُ إلى تركِ القراءةِ عندَ دخولِهِ واستئنافِها بعدَ خروجِهِ ؛ للاشتغالِ بمكالمتِهِ ، فرأى ألا يراهُ في القراءةِ أبعدَ عنِ الرياءِ ، وهوَ عازمٌ على التركِ للاشتغالِ بهِ حتَّى يعودَ إليهِ بعدَ ذلكَ . وأمَّا تركُ رفعِ الأذى عن الطريقِ .. فذلكَ ممَّنْ يخافُ على نفسِهِ آفةً الشهرةِ ، وإقبالَ الناسِ عليهِ ، وشغلَهَمْ إِيَّاهُ عنْ عباداتٍ هيَ أكبرُ مِنْ رفع خشبةٍ مِنَ الطريقَ ، فيكونُ تركُهُ للمحافظةِ على عباداتٍ هيَ أعظمُ منهُ ، لا لمجرَّدِ خوفِ الرياءِ . وأمَّا قولُ التيميِّ: (إذا أعجبكَ الكلامُ .. فاسكتْ ) فيجوزُ أنْ يكونَ قدْ أرادَ بهِ مباحاتِ الكلامِ ؛ كالفصاحةِ في الحكاياتِ وغيرِها ، فإنَّ ذلكَ يورثُ العجبَ ، وكذلكَ العجبُ بالسكوتِ المباحِ محذورٌ، فهوَ عدولٌ مِنْ مباحٍ إلى مباحٍ ؛ حذراً مِنَ العجبِ ، فأمَّا الكلامُ الحقُّ المندوبُ إليهِ .. فلمْ ينصَّ عليهِ على أنَّ الآفةَ ممَّا تعظمُ في الكلامِ ؛ فهوَ واقعٌ في القسمِ الثاني ، وإنَّما كلامُنا في العباداتِ الخاصَّةِ ببدنِ العبدِ ممَّا لا يتعلَّقُ بالناسِ ، ولا تعظمُ فيهِ الآفاتُ ، ثمَّ كلامُ الحسنِ في تركِهِمُ البكاءَ وإماطةَ الأذى ؛ لخوفِ الشهرةِ ربَّما كانَ حكايةَ أحوالِ الضعفاءِ الذينَ لا يعرفونَ الأفضلَ ، ولا يدركونَ هذهِ الدقائقَ، وإنَّما ذكرَهُ تخويفاً للناسِ مِنْ آفةِ الشهرةِ ، وزجراً عنْ طلبها . ٤٢٠