النص المفهرس
صفحات 341-360
ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء الغضبِ للمنكراتِ ، وإظهارِ الأسفِ على مقارفةِ الناسِ للمعاصي ، وتضعيفِ الصوتِ في الكلامِ ، وترقيقِ الصوتِ بقراءةِ القرآنِ ؛ ليدلَّ بذلكَ على الحزنِ والخوفِ ، وادعاءِ حفظِ الحديثِ ، ولقاءِ الشيوخ ، والردٌ على مَنْ يروي الحديثَ ببيانٍ خللٍ في لفظِهِ ؛ ليُعرفَ أنَّهُ بصيرٌ بالأحاديثِ ، والمبادرةِ إلى أنَّ الحديثَ صحيحٌ أَوْ غيرُ صحيحٍ ؛ لإظهارِ الفضلِ فيهِ ، والمجادلةِ على قصدِ إفحام الخصمِ ؛ ليظهِرَ للناسِ قوَّتَهُ في علمِ الدينِ . والرِّياءُ بالقولِ كثيرٌ وأبوابُهُ لا تنحصرُ . وأمَّا أهلُ الدنيا .. فمراءاتُهُمْ بالقولِ بحفظِ الأشعارِ والأمثالِ ، والتفاصحِ في العباراتِ ، وحفظِ النحوِ الغريبِ ؛ للإغرابِ على أهلِ الفضلِ ، وإظهارِ التودُّدِ إلى الناسِ لاستمالةِ القلوبِ . الرابعُ : الرياءُ بالعملِ : كمراءاةِ المصلِّي بطولِ القيام ومدِّ الظهرِ ، وتطويلِ السجودِ والركوع ، وإطراقِ الرأسِ ، وتركِ الالتفاتِ ، وإظهارِ الهدوءِ والسكونِ ، وتسويةٍ القدمينِ واليدينِ ، وكذلكَ بالصومِ ، والغزوٍ ، والحجِّ ، وبالصدقةِ ، وبإطعام الطعام ، وبالإخباتِ في المشي عندَ اللقاءِ ؛ كإرخاءِ الجفونِ ، وتنكيسِ الرأسِ ، والوقارِ في الكلام ، حتَّى إِنَّ المرائيَ قدْ يسرعُ في المشيٍ ٣٤١ کتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات إلى حاجتِهِ ، فإذا اطلعَ عليهِ واحدٌ مِنْ أهلِ الدينِ .. رجعَ إلى الوقارِ وإطراقٍ الرأسِ ؛ خوفاً مِنْ أن ينسبَهُ إلى العجلةِ وقلَّةِ الوقارِ ، فإنْ غابَ الرجلُ .. عادَ إلى عجلتِهِ ، فإذا رآهُ .. عادَ إلى خشوعِهِ، ولمْ يحضرْهُ ذكرُ اللهِ حتَّى يكونَ يجددُ الخشوعَ لهُ ، بلْ هوَ لاطلاع إنسانٍ عليهِ يخشَى ألا يعتقدَ فيهِ أنَّهُ مِنَ العُبَّادِ والصلحاءِ . ومنهُمْ مَنْ إذا سمعَ هذا .. استحيا مِنْ أنْ تخالفَ مِشْيتُهُ في الخلوةِ مِشْيتَهُ بمرأىّ مِنَ الناسِ ، فيكلِّفُ نفسَهُ المِشْيَةَ الحسنةَ في الخلوةِ ، حتَّى إذا رآهُ الناسُ .. لمْ يفتقر إلى التغييرِ، ويظنُّ أنَّهُ يتخلَّصُ بهِ عنِ الرياءِ ، وقدْ تضاعفَ بهِ رياؤُهُ ، فإنَّهُ صارَ في خلوتِهِ أيضاً مرائياً ، فإنَّهُ إنَّما يحسِّنُ مشيتَهُ في الخلوةِ ؛ ليكونَ كذلكَ في الملأِ ، لا لخوفٍ مِنَ اللهِ وحياءٍ مِنْهُ . وأمَّا أهلُ الدنيا .. فمراءاتُهُمْ بالتبخترِ والاختيالِ ، وتحريكِ اليدينِ وتقريبِ الخُطا، والأخذِ بأطرافِ الذيلِ ، وإدارةِ العطفينِ ؛ ليدلُّوا بذلكَ على الجاهِ والحشمةِ . الخامسُ : المراءاةُ بالأصحابِ والزائرينَ والمخالطينَ : كالذي يتكلَّفُ أنْ يستزيرَ عالماً مِنَ العلماءِ ؛ ليُقالَ : إِنَّ فلاناً قدْ زارَ فلاناً ، أوْ عابداً مِنَ العبَّادِ ؛ ليُقالَ: إنَّ أهلَ الدينِ يتبزَّكونَ بزيارتِهِ ، ويتردّدونَ إليهِ ، أوْ ملكاً مِنَ الملوكِ، أوْ عاملاً مِنْ عمَّالِ السلطانِ ؛ لِيُقالَ : ٣٤٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء إِنَّهُمْ يتبرَّكونَ بهِ ؛ لعظمٍ رتبتِهِ في الدينِ ، وكالذي يكثرُ ذكرَ الشيوخِ ؛ ليُرى أنَّهُ لقيَ شيوخاً كثيرةً واستفادَ منهُمْ ، فيباهي بشيوخِهِ ، ومباهاتُهُ ومراءاتُهُ تترشَّحُ منهُ عندَ مخاصمتِهِ ، فيقولُ لغيرِهِ : ومَنْ لقيتَ مِنَ الشيوخ ؟ وأنا قدْ لقيتُ فلاناً وفلاناً ، ودرتُ البلادَ ، وخدمتُ الشيوخَ ، وما يجري مجراهُ . فهذهِ مجامعُ ما يرائي بهِ المراؤونَ ، وكلُّهُمْ يطلبونَ بهِ الجاهَ والمنزلةَ في قلوبِ العبادِ . ومنھُمْ مَنْ یقنعُ بحسنِ الاعتقاداتِ فیهِ ، فکمْ مِنْ راهبِ انزوی إلی دیرِهِ سنينَ كثيرةً ، وكمْ مِنْ عابدٍ اعتزلَ إلى قُلَّةِ جبلٍ مدةً مديدةً ، وإنَّما حياتُهُ مِنْ حيثُ علمُهُ بقيامِ جاهِهِ في قلوبِ الخلقِ ، ولوْ عرفَ أنَّهُمْ نسبوهُ إلى جريمةٍ في ديرِهِ أَوْ صومعتِهِ .. لتشوَّشَ قلبُهُ، ولمْ يقنعْ بعلمِ اللهِ تعالىُ ببراءةِ ساحتِهِ ، بلْ يشتدُّ لذلكَ غُّهُ ، ويسعىُ بكلِّ حيلةٍ في إزالةِ ذلكَ مِنْ قلوبِهِمْ ، معَ أنَّهُ قطعَ طمَعَهُ عنْ أموالِهِمْ، ولكنَّهُ يحبُّ مجرَّدَ الجاهِ ، فإنَّهُ لذيذٌ كما ذكرناهُ في أسبابِهِ ، فإنَّهُ نوعُ قدرةٍ وكمالٍ في الحالِ ، وإن كانَ سريعَ الزوالِ ، لا يغترُّ بهِ إلا الجَّالُ، ولكنَّ أكثرَ الناسِ جِهَّالٌ . ومِنَ المرائينَ مَنْ لا يقنعُ بقيامِ منزلتِهِ ، بلْ يلتمسُ معَ ذلكَ إطلاقَ اللسانِ بالثناءِ والحمدِ . ومنهُمْ مَنْ يريدُ انتشارَ الصِّيتِ في البلادِ ؛ لتكثرَ الرحلةُ إليهِ . ٣٤٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ومنهُمْ مَنْ يريدُ الاشتهارَ عندَ الملوكِ؛ لتُقبلَ شفاعتُهُ، وتنجزَ الحوائجُ على يديهِ فيقومَ لهُ بهِ جاهٌ عندَ العامَّةِ . ومنهُمْ مَنْ يقصدُ التوصُّلَ بذلكَ إلى جمع حطامٍ ، وكسبٍ مالٍ ولوْ مِنَ الأوقافِ وأموالِ اليتامىُ وغيرِ ذلكَ مِنَ الحرام ، وهؤلاءِ شرٌّ طبقاتِ المرائينَ الذينَ یراؤونَ بالأسبابِ التي ذكرناها . فهذهِ حقيقةُ الرِّياءِ وما بهِ يقعُ الرياءُ . فإنْ قلتَ : فالرياءُ حرامٌ ، أو مكروهٌ ، أَوْ مباحٌ ، أوْ فيهِ تفصيلٌ ؟ فأقولُ: فيهِ تفصيلٌ ؛ فإنَّ الرياءَ هوَ طلبُ الجاهِ، وهوَ إمّا أنْ يكونَ بالعباداتِ أوْ بغيرِ العباداتِ ، فإنْ كانَ بغير العباداتِ .. فهوَ كطلبِ المالِ ؛ فلا يحرمُ مِنْ حيثُ إنَّهُ طلبُ منزلةٍ في قلوبِ العبادِ ، ولكنْ كما يمكنُ كسبُ المالِ بتلبيساتٍ وأسبابٍ محظورةٍ .. فكذلكَ الجاهُ ، وكما أنَّ كسبَ قليلٍ مِنَ المالِ وهوَ ما يحتاجُ إليهِ الإنسانُ محمودٌ .. فكسبُ قليلٍ مِنَ الجاهِ وهوَ ما يسلمُ بهِ عنِ الآفاتِ أيضاً محمودٌ ، وهوَ الذي طلبَهُ يوسفُ عليهِ السلامُ حيثُ قالَ : ﴿إِنِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾، وكما أنَّ المالَ فيهِ سمٌّ ناقعٌ ودرياقٌ نافعٌ(١) .. فكذلكَ الجاهُ، وكما أنَّ كثيرَ المالِ يُلهي ويُطغي، ويُنسي (١) الدرياق والترياق بمعنىّ. ٣٤٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء ذكرَ اللهِ تعالى والدارَ الآخرةِ .. فكذلكَ كثرةُ الجاهِ ، بلْ إنَّ فتنةَ الجاهِ أعظمُ مِنْ فتنةِ المالِ ، وكما أنَّا لا نقولُ : تملُّكُ المالِ الكثيرِ حرامٌ ، فلا نقولُ أيضاً : تملُّكُ القلوبِ الكثيرةِ حرامٌ ، إلا إذا حملَتْهُ كثرةُ المالِ وكثرةُ الجاهِ على مباشرةٍ ما لا يجوزُ . نعم ، انصرافُ الهمِّ إلى سعةِ الجاهِ مبدأُ الشرورِ ؛ كانصرافِ الهمِّ إلى كثرةِ المالِ ، ولا يقدرُ محبُّ الجاهِ والمالِ على تركِ معاصي القلبِ واللسانِ وغيرها . وأمَّا سعةُ الجاهِ مِنْ غيرِ حرصٍ منكَ على طلبِهِ ، ومِنْ غيرِ اغتمامِ بزوالِهِ إن زالَ .. فلا ضررَ فيهِ؛ فلا جاهَ أوسعُ مِنْ جاهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وجاهِ الخلفاءِ الراشدينَ ، ومَنْ بعدَهُمْ مِنْ علماءِ الدينِ ، ولكنَّ انصرافَ الهمِّ إلى طلبِ الجاهِ نقصانٌ في الدينِ ، ولا يُوصفُ بالتحريمِ . فعلى هذا نقولُ : تحسينُ الثوبِ الذي يلبسُهُ الإنسانُ عندَ الخروج إلى الناسِ مراءاةٌ ، وهوَ ليسَ بحرام ؛ لأنَّهُ ليسَ رياءٌ بالعبادةِ ، بلْ بالدنيا ، وقسْ على هذا كلَّ تجمُّلٍ للناسِ وتزيُنٍ لَهُمْ . والدليلُ عليهِ : ما رُويَ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أرادَ أن يخرجَ يوماً على الصحابةِ ، فكانَ ينظرُ في حُبِّ الماءِ ، ويسوِّي عِمامتَهُ وشعرَهُ ، فقالَتْ : أَوَتفعلُ ذلكَ يا رسولَ اللهِ ؟ قالَ : ٣٤٥ کتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات (( نعمْ ، إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ مِنَ العبدِ أنْ يتزيَّنَ لإخوانِهِ إِذا خرِجَ إليهِمْ))(١) . نعمْ ، هذا كانَ مِنْ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عبادةً ؛ لأنَّهُ كانَ مأموراً بدعوةِ الخلقِ ، وترغيِهِمْ في الاتباعِ ، واستمالةِ قلوبِهِمْ ، ولوْ سقطَ مِنْ أعينِهِمْ .. لمْ يرغبوا في اتباعِهِ ، فكانَ يجبُ عليهِ أنْ يُظهِرَ لهُمْ محاسنَ أحوالِهِ ؛ لكيلا تزدريَهُ أعينُهُمْ، فإنَّ أعينَ عوامِّ الخلقِ تمتدُّ إلى الظواهرِ دونَ السرائرِ ، فكانَ ذلكَ قصدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . ولكنْ لوْ قصدَ قاصدٌ أنْ يحسِّنَ نفسَهُ في أعينِهِمْ ؛ حذراً مِنْ ذمِّهِمْ ولومِهِمْ ، واسترواحاً إلى توقيرِهِمْ واحترامِهِمْ .. كانَ قدْ قصدَ أمراً مباحاً ؛ إذْ للإنسانِ أن يحذرَ من ألمِ المذمَّةِ ، ويطلبَ راحةَ الأُنسِ بالإخوانِ ، ومهما استثقلوهُ واستقذروهُ .. لمْ يأنسْ بِهِمْ . فإذاً ؛ المراءاةُ بما ليسَ مِنَ العباداتِ قدْ تكونُ مباحةٌ ، وقدْ تكونُ طاعةٌ ، وقدْ تكونُ مذمومةً ، وذلكَ بحسبِ الغرضِ المطلوبِ بها ، ولذلكَ نقولُ : الرجلُ إذا أنفقَ مالَهُ على جماعةٍ مِنَ الأغنياءِ ، لا في معرضِ العبادةِ والصدقةِ ، ولكنْ ليعتقدَ الناسُ أنَّهُ سخيٌّ .. فهذهِ مراءاةٌ وليسَتْ بحرامٍ ، وكذلكَ أمثالُهُ . (١) قال العراقي: ( أخرجه ابن عدي في ((الكامل))). ((إتحاف)) (٣٩٦/٢)، والحُبُّ : الخابية ، لفظة فارسية معربة . ٣٤٦ ربع المهلكات کتاب ذم الجاه والرياء أمّا العباداتُ ؛ كالصدقةِ ، والصلاةِ ، والصيام ، والغزوِ ، والحجِّ .. فللمرائي فیه حالتانِ : إحداهما(١) : ألا يكونَ لهُ قصدٌ إلا الرياءُ المحضُ دونَ الأجرِ ، وهذا يبطلُ عبادتَهُ ؛ لأنَّ الأعمال بالنياتِ ، وهذا ليسَ يقصدُ العبادةَ ، ثمّ لا يقتصرُ على إحباطِ عبادتِهِ حتَّى نقولَ: صارَ كما كانَ قبلَ العبادةِ ، بلْ يعصي بذلكَ ويأثمُ ، كما دلَّتْ عليهِ الأخبارُ والآياتُ ، والمعنيُّ فيهِ أمرانِ : أحدُهُما : يتعلَّقُ بالعبادِ ، وهوَ التلبيسُ والمكرُ ؛ لأنَّهُ خَيَّلَ إليهِمْ أنَّهُ مخلصٌ مطيعٌ للهِ ، وأنَّهُ مِنْ أهلِ الدينِ ، وليسَ كذلكَ ، والتلبيسُ أيضاً في أمرِ الدنيا حرامٌ ، حتَّى لوْ قضى دينَ جماعةٍ وخيّلَ للناسِ أنَّهُ متبرِّعٌ عليهِمْ ؛ ليعتقدوا سخاوتَهُ .. أثمَ بهِ ؛ لما فيهِ مِنَ التلبيسِ وتملّكِ القلوبِ بالخداع والمكرِ . والثاني : يتعلقُ باللهِ عزَّ وجلَّ، وهوَ أنَّهُ مهما قصدَ بعبادةِ اللهِ تعالى خلقَ اللهِ .. فهوَ مستهزىءٌ باللهِ ، ولذلكَ قالَ قتادةُ: ( إذا راءى العبدُ .. قالَ اللهُ تعالى لملائكتِهِ: انظروا إلى عبدي كيفَ يستهزىءُ بي)(٢)، ومثالُهُ : أَنْ يمْثُلَ بينَ يدي ملكٍ مِنَ الملوكِ طولَ النهارِ ؛ كما جرَتْ عادةٌ الخدمةِ ، وإنَّما وقوفُهُ لملاحظةِ جاريةٍ مِنْ جواري الملكِ ، أوْ غلامٍ مِنْ (١) والحالة الثانية ستأتي آخر هذا البيان عند قوله: ( فأما إذا قصد الأجر والحمد جميعاً ... ) . (٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٢٩٣). ٣٤٧ كتاب نم الجاه والرياء ربع المهلكات غلمانِهِ ، فإنَّ هذا استهزاءٌ بالملكِ؛ إذْ لمْ يقصدِ التقرُّبَ إلى الملكِ بخدمتِهِ ، بلْ قصدَ بهِ عبداً مِنْ عبيدِهِ ، فأيُّ استحقارٍ يزيدُ على أن يقصدَ العبدُ بطاعةِ اللهِ تعالى مراءاةَ عبدٍ ضعيفٍ لا يملكُ لهُ ضرّاً ولا نفعاً ؟! وهلْ ذلكَ إلا لأنَّهُ ظنَّ أنَّ ذلكَ العبدَ أقدرُ على تحصيلِ أغراضِهِ مِنَ اللهِ تعالى، وأنَّهُ أولى بالتقرُّبِ إليهِ مِنَ اللهِ تعالى؛ إذْ آثرَهُ على ملكِ الملوكِ، فجعلَهُ مقصودَ عبادتِهِ ؟! وأيُّ استهزاءٍ يزيدُ على رفع العبدِ فوقَ المولى ؟! فهذا مِنْ كبائرِ المهلكاتِ ، ولهذا سماهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : الشرك الأصغرَ(١). نعمْ ، بعضُ درجاتِ الرياءِ أشدُّ من بعضٍ كما سيأتي بيانُهُ في درجاتٍ الرياءِ إن شاءَ اللهُ تعالى، ولا يخلو شيءٌ منهُ عنْ إثمٍ غليظٍ أوْ خفيفٍ ، بحسبٍ ما بهِ المراءاةٌ ، ولو لمْ يكنْ في الرياءِ إلا أنَّهُ يسجدُ ويركعُ لغيرِ اللهِ . . لكانَ فيهِ كفايةٌ ؛ فإنَّهُ وإنْ لمْ يقصدِ التقرُّبَ إلى اللهِ . . فقدْ قصدَ غيرَ اللهِ ، ولعمري ؛ لوْ عظّمَ غيرَ اللهِ بالسجودِ .. لكفرَ كفراً جليّاً ، إلا أنَّ الرياءَ هوَ الكفرُ الخفيُّ ؛ لأنَّ المرائيَ عظَّمَ في قلبِهِ الناسَ ، فاقتضَتْ تلكَ العظمةُ أنْ يسجدَ ويركعَ لهُمْ ، فكانَ الناسُ همُ المعظمونَ بالسجودِ مِنْ وجهٍ ، ومهما زالَ قصدُ تعظيمِ اللهِ بالسجودِ وبقيَ تعظيمُ الخلقِ .. كانَ ذلكَ قريباً مِنَ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٢٨/٥)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٥٣/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٤١٢). ٣٤٨ ديعدامه ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء الشركِ، إلا أنَّهُ إنْ قصدَ تعظيمَ نفسِهِ في قلبٍ مَنْ عظمَ عندَهُ بإظهارِهِ مِنْ نفسِهِ صورةَ التعظيمِ اللهِ .. فمِنْ هذا كانَ شركاً خفيّاً لا شركاً جليّاً ، وذلكَ غايةٌ الجهلِ ، ولا يقدِمُ عليهِ إلا مَنْ خدعَهُ الشيطانُ، وأوهمَ عندَهُ أنَّ العبادَ يملكونَ مِنْ نفعِهِ وضرِّهِ ورزقِهِ وأجلِهِ ومصالح حالِهِ ومَآلِهِ أكثرَ ممَّا يملكُهُ اللهُ تعالى ، فلذلكَ عدلَ بوجهِهِ عنِ اللهِ تعالى إليهِمْ ، وأقبلَ بقلبِهِ عليهِمْ ؛ ليستميلَ بذلكَ قلوبَهُمْ، ولوْ وكَلَهُ اللهُ تعالى إليهِمْ في الدنيا والآخرةِ .. لكانَ ذلكَ أقلَّ مكافأةٍ لَهُ على صنيعِهِ ؛ فإنَّ العبادَ كلَّهُمْ عاجزونَ عنْ أنفسِهِمْ، لا يملكونَ لأنفسِهِمْ ضرّاً ولا نفعاً، فكيفَ يملكونَ لغيرِهِمْ؟! هذا في الدنيا ، فكيفَ في يومٍ لا يجزي والدٌ عنْ ولِهِ ، ولا مولودٌ هوَ جازٍ عنْ والدِهِ شيئاً ، بلْ تقولُ الأنبياءُ فيهِ : نفسِي نفسِي ؟! فكيفَ يستبدلُ الجاهلُ عنْ ثوابِ الآخرةِ ونيلِ القربِ عندَ اللهِ تعالى ما يرتقبُّهُ بطمعِهِ الكاذبِ في الدنيا مِنَ الناسِ ؟! فلا ينبغي أنْ نشكّ في أنَّ المرائيَ بطاعةِ اللهِ في سخطِ اللهِ مِنْ حيثُ النقلُ والقياسُ جميعاً ، هذا إذا لمْ يقصدِ الأجرَ . فأمّا إذا قصدَ الأجرَ والحمدَ جميعاً في صدقتِهِ أوْ صلاتِهِ .. فهذا الشركُ الذي يناقضُ الإخلاصَ ، وقدْ ذكرنا حكمَهُ في كتابِ الإخلاصِ ، ويدلُّ ما نقلناهُ في الآثارِ مِنْ قولِ سعيدِ بنِ المسيبِ وعبادةَ بنِ الصامتِ أنَّهُ لا أجرَ لهُ فيهِ أصلاً . ٣٤٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان درجات الزياء اعلمْ : أَنَّ بعضَ أبوابِ الرياءِ أشدُ وأغلظُ مِنْ بعضٍ ، واختلافُهُ باختلافِ أركانِهِ وتفاوتِ الدرجاتِ فیهِ . وأركانُهُ ثلاثةٌ : المراءى بهِ ، والمراءى لأجلِهِ ، ونفسُ قصدِ الرياءِ . الركنُ الأوَّلُ : نفسُ قصدِ الرياءِ : وذلكَ لا يخلو إمّا أنْ يكونَ مجرَّداً دونَ إرادةِ عبادةِ اللهِ تعالى والثوابِ ، وإمَّا أنْ يكونَ معَ إرادةِ الثوابِ ، فإنْ كانَ كذلكَ .. فلا يخلو إمّا أنْ تكونَ إرادةُ الثوابِ أقوى وأغلبَ ، أوْ أضعفَ ، أَوْ مساويةً لإرادةِ العبادةِ ، فتكونُ الدرجاتُ أربعاً : الدرجةُ الأولى : - وهيَ أغلظُها - : ألا يكونَ مرادُهُ الثوابَ أصلاً ؛ كالذي يصلِّي بينَ أَظْهُرِ الناسِ ، ولوِ انفردَ .. لكانَ لا يصلِّي ، بلْ ربَّما يصلِّي مِنْ غيرِ طهارةٍ معَ الناسِ ، فهذا جرَّدَ قصدَهُ إلى الرياءِ ؛ فهوَ الممقوتُ عندَ اللهِ تعالى ، وكذلكَ مَنْ يخرجُ الصدقةَ خوفاً مِنْ مذمَّةِ الناسِ وهوَ لا يقصدُ الثوابَ، ولو خلا بنفسِهِ .. لما أدَّاها ، فهذهِ الدرجةُ العُليا مِنَ الرياءِ . الدرجةُ الثانيةُ : أن يكونَ لهُ قصدُ الثوابِ أيضاً ، ولكنْ قصداً ضعيفاً ؛ بحيثُ لوْ كانَ في الخلوةِ .. لكانَ لا يفعلُهُ ، ولا يحملُهُ ذلكَ القصدُ على ٣٥٠ ربع المهلكات کتاب ذم الجاه والرياء العملِ ، ولوْ لمْ يكنْ قصدَ الثوابَ .. لكانَ قصدُ الرِّياءِ يحملُهُ على العملِ ، فهذا قريبٌ ممَّا قبلَهُ ، وما فيهِ مِنْ شائبةِ قصدِ ثوابٍ لا يستقلُّ بحملِهِ على العملِ .. لا ينفي عنهُ المقتَ والإثمَ . الدرجةُ الثالثةُ : أنْ يكونَ قصدُ الثوابِ وقصدُ الرياءِ متساويينِ ، بحيثُ لوْ كانَ كلُّ واحدٍ منهُما خالياً عنِ الآخرِ .. لمْ يبعثُهُ على العملِ ، فلمَّا اجتمعا .. انبعثَتِ الرَّغبةُ، أوْ كانَ كلُّ واحدٍ منهُما لوِ انفردَ .. لاستقلَّ بحملِهِ على العملِ ، فهذا قدْ أفسدَ مثلَ ما أصلحَ ، فنرجو أنْ يسلمَ رأساً برأسٍ ، لا لهُ ولا عليهِ ، أَوْ يكونَ لهُ مِنَ الثوابِ مثلُ ما عليهِ مِنَ العقابِ ، وظواهرُ الأخبارِ تدلُّ على أنَّهُ لا يسلمُ ، وقدْ تكلَّمنا عليهِ في كتابِ الإخلاصِ . الدرجةُ الرابعةُ : أنْ يكونَ اطلاعُ الناسِ مرجِّحاً ومقوياً لنشاطِهِ ، ولوْ لمْ يكنْ .. لكانَ لا يتركُ العبادةَ، ولوْ كانَ قصدَ الرياءَ وحدَهُ .. لما أقدمَ عليهِ، فالذي نظنُّهُ - والعلمُ عندَ اللهِ - أنَّهُ لا يحبطُ أصلَ الثوابِ ، ولكنَّهُ ينقصُ منهُ، أوْ يُعاقبُ على مقدارِ قصدِ الرياءِ ، ويُثابُ على مقدارِ قصدِ الثوابِ . وأمَّا قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: يقولُ اللهُ تعالى: (( أنا أغنى الأغنياءِ عنِ الشركِ))(١) .. فهوَ محمولٌ على ما إذا تساوى القصدانِ ، أَوْ كانَ قصدُ الریاءِ أرجحَ . (١) رواه مسلم ( ٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢) بنحوه . ٣٥١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الر كنُ الثاني : المراءی بهِ : وهوَ الطاعاتُ ، وذلكَ ينقسمُ إلى الرياءِ بأصولِ العباداتِ ، وإلى الرياءِ بأوصافِها : القسمُ الأولُ - وهوَ الأغلظُ - : الرياءُ بالأصولِ ، وهوَ على ثلاثٍ درجاتٍ : الأولىُ : الرياءُ بأصلِ الإيمانِ : وهذا أغلظُ أبوابِ الرياءِ ، وصاحبُهُ مخلَّدٌ في النارِ ، وهوَ الذي يظهرُ كلمتي الشهادةِ وباطنُهُ مشحونٌ بالتكذيبِ ، ولكنَّهُ يرائي بظاهرِ الإسلام ، وهوَ الذي ذكرَهُ اللهُ تعالى في كتابِهِ في مواضعَ شتَّى ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿إِذَا جَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ أيْ: في دلالتِهِمْ بقولِهِمْ على ضمائرِهِمْ . وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ :﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ... ) الآيةَ. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ ءَمَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ اٌلْفَيَظِ﴾ . وقال تعالى: ﴿يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ مُذَبَذَ بِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ . والآياتُ فيهِمْ كثيرةٌ ، وكانَ النفاقُ يكثرُ في ابتداءِ الإسلامِ ممَّنْ يدخلُ في ظاهرِ الإسلامِ ابتداءً لغرضٍ (١)، وذلكَ ممَّا يقلُّ في زمانِنا، ولكنْ يكثرُ نفاقُ (١) كحماية النفس والمال والعرض وكالطمع في الدنيا وغير ذلك. ((إتحاف)) (٢٧٦/٨). ٣٥٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء مَنْ ينسلُّ عنِ الدينِ باطناً ، فيجحدُ الجنةَ والنارَ والدارَ الآخرةَ ؛ ميلاً إلى قولِ الملحدةِ (١)، أوْ يعتقدُ طيَّ بساطِ الشرع والأحكامِ، ميلاً إلى أهلٍ الإباحةِ(٢)، أوْ يعتقدُ كفراً أوْ بدعةً وهوَ يظهرُ خلافَهُ ، فهؤلاءِ مِنَ المنافقينَ المرائينَ المخلَّدينَ في النارِ ، وليسَ وراءَ هذا الرياءِ رياءٌ ، وحالُ هؤلاءٍ أشدُّ من حالِ الكفارِ المجاهرينَ ؛ لأنَّهُمْ جمعوا بينَ كفرِ الباطنِ ونفاقٍ الظاهرِ . الدرجةُ الثانيةُ : الرياءُ بأصولِ العباداتِ معَ التصديقِ بأصلِ الدينِ : وهذا أيضاً عظيمٌ عندَ اللهِ تعالى، ولكنَّهُ دونَ الأولِ بكثيرٍ ، ومثالُهُ : أنْ يكونَ مالُ الرجلِ في يدِ غيرِهِ ، فيأمرُهُ بإخراج الزكاةِ ؛ خوفاً مِنْ ذمِّهِ ، واللهُ يعلمُ مِنْهُ أنَّهُ لوْ كانَ في يدِهِ .. لما أخرجَها ، أوْ يدخلُ وقتُ الصلاةِ وهوَ في جمعٍ ، فيصلي معَهُمْ، وعادتُهُ تركُ الصلاةِ في الخلوةِ ، وكذلكَ يصومُ رمضانَ وهوَ يشتهي خلوةً مِنَ الخلقِ ليفطرَ ، وكذلكَ يحضرُ الجمعةَ ولولا خوفُ المذمَّةِ .. لكانَ لا يحضرُها ، أو يصلُ رحمَهُ ويبرُ والديهِ لا عنْ رغبةٍ ، ولكنْ خوفاً مِنَ الناسِ ، أَوْ يغزو أوْ يحجُّ كذلكَ. فههذا مراءٍ معَهُ أصلُ الإيمانِ باللهِ تعالى، يعتقدُ أنَّهُ لا معبودَ سواهُ ، ولو (١) وهم في زمن المصنف عرفوا بالباطنية ، يدعون أن للقرآن ظاهراً وباطناً ، وأنه مخالف الظاهر ، وأنهم يعلمون الباطن ، فأحالوا بذلك الشريعة ؛ لأنهم تأوَّلوا بما يخالف العربية التي نزل بها القرآن. ((إتحاف)) (٢٧٦/٨). (٢) القائلين بسقوط التكليف عن العبد إذا بلغ مقام اليقين. ((إتحاف)) (٢٧٦/٨). ٣٥٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات كُلِّفَ أنْ يعبدَ غيرَ اللهِ أَوْ يسجدَ لغيرِ اللهِ .. لمْ يفعلْ، ولكنَّهُ يتركُ العباداتِ للكسلِ ، وينشطُ عندَ اطلاع الناسِ ، فتكونُ منزلتُهُ عندَ الخلقِ أحبَّ إليهِ مِنْ منزلتِهِ عندَ الخالقِ ، وخوفُهُ مِنْ مذمَّةِ الناسِ أعظمَ مِنْ خوفِهِ مِنْ عقابِ اللهِ ، ورغبتُهُ في محمدِهِمْ أشدَّ مِنْ رغبتِهِ في ثوابِ اللهِ تعالىُ ، وهذا غايةٌ الجهلِ ، وما أجدرَ صاحبَهُ بالمقتِ وإنْ كانَ غيرَ منسلٌّ عنْ أصلِ الإِيمانِ مِنْ حيثُ الاعتقادُ ! الدرجةُ الثالثةُ : ألا يرائيَ بالإيمانِ ولا بالفرائضِ ، ولكنَّهُ يرائي بالنوافلِ والسننِ التي لوْ تركَها لا يعصي ، ولكنَّهُ يكسلُ عنها في الخلوةِ ؛ لفتورِ رغبتِهِ في ثوابِها ، ولإيثارِ لذَّةِ الكسلِ على ما يرجِّي مِنَ الثوابِ ، ثمَّ يبعثُهُ الرياءُ على فعلِها ، وذلكَ كحضورِ الجماعةِ في الصلاةِ ، وعيادةِ المرضى ، واتباع الجنائزِ، وغسلِ الموتى ، وكالتهجدِ بالليلِ ، وصيام يوم عرفةً وعاشوراءَ ، ويومِ الاثنينِ والخميسِ ، فقدْ يفعلُ المرائي جملةَ ذلكَ ؛ خوفاً مِنَ المذمَّةِ ، أوْ طلباً للمحمدةِ ، ويعلمُ اللهُ تعالى منهُ أنَّهُ لوْخلا بنفسِهِ .. لما زادَ على أداءِ الفرائض . فهذا أيضاً عظيمٌ، ولكنَّهُ دونَ ما قبلَهُ، فإنَّ الذي قبلَهُ آثرَ حمدَ الخلقِ على حمدِ الخالقِ ، وهذا أيضاً قدْ فعلَ ذلكَ، واتَّقَى ذمَّ الخلقِ دونَ ذِّ الخالقِ ، فكانَ ذُّ الخلقِ أعظمَ عندَهُ مِنْ عقابِ اللهِ ، وأمَّ هذا .. فلمْ يفعلْ ذلكَ ؛ لأنَّهُ لمْ يخفْ عقاباً على تركِ النافلةِ لوْ تركَها ، وكأنَّهُ على الشطرِ من الأوَّلِ ، وعقائُهُ نصفُ عقابِهِ . ٣٥٤ مثل ن ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فهذا هوَ الرياءُ بأصولِ العباداتِ . القسمُ الثاني : الرياءُ بأوصافِ العباداتِ لا بأصولِها ، وهوَ أيضاً على ثلاثٍ درجاتٍ : الدرجةُ الأولى : أنْ يرائيَ بفعلٍ ما في تركِهِ نقصانُ العبادةِ ؛ كالذي عزمُهُ أنْ يخفِّفَ الركوعَ والسجودَ ، ولا يطوِّلَ القراءةَ، فإذا رآهُ الناسُ .. أحسنَ الركوعَ والسجودَ ، وتركَ الالتفاتَ، وتمَّمَ القعودَ بينَ السجدتينِ ، وقَدْ قالَ ابنُ مسعودٍ : ( مَنْ فعلَ ذلكَ .. فهوَ استهانةٌ يستهينُ بها ربَّهُ عزَّ وجلَّ)(١) أيْ : أَنَّهُ ليسَ يبالي باطلاع اللهِ عليهِ في الخلوةِ ، فإذا اطلعَ آدميٌّ عليهِ .. أحسنَ الصلاةَ ، ومَنْ جلسَ بينَ يدي إنسانٍ متربِّعاً أوْ متَّكئاً ، فدخلَ غلامُهُ ، فاستوى وأحسنَ الجلسةَ .. كانَ ذلكَ منهُ تقديماً للغلام على السيدِ ، واستهانةٌ بالسيدِ لا محالةَ ، وهذا حالُ المرائي بتحسينِ الصلاةِ في الملأِ دونَ الخلوةِ . وكذلكَ الذي يعتادُ إخراجَ الزكاةِ مِنَ الدنانيرِ الرديئةِ ، أَوْ مِنَ الحبِّ الرديءٍ ، فإذا اطَّلِعَ عليهِ غيرُهُ .. أخرجَها مِنَ الجيِّدِ ؛ خوفاً مِنْ مذمَّتِهِ . وكذلكَ الصائمُ يصونُ صومَهُ عنِ الغيبةِ والرفثِ ؛ لأجلِ الخلقِ ، لا إكمالاً لعبادةِ الصوم ؛ خوفاً مِنَ المذمَّةِ ، فهذا أيضاً مِنَ الرياءِ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨٤٩٠) ولفظه: ( من صلى صلاة والناس يرونه .. فليصلّ إذا خلا مثلها ، وإلا .. فإنما هي استهانة يستهين بها ربه ) . ٣٥٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات المحظورِ ؛ لأنَّ فيهِ تقديماً للمخلوقِ على الخالقِ ، ولكنَّهُ دونَ الرياءِ بأصولٍ التطوعاتِ . فإنْ قالَ المرائي : إنَّما فعلْتُ ذلكَ صيانةً لألسنتِهِمْ عنِ الغيبةِ ؛ فإنَّهُمْ إذا رأَوا تخفيفَ الركوع والسجودِ وكثرةَ الالتفاتِ .. أطلقوا اللسانَ بالذمّ والغيبةِ، وإنَّما قصدتُ صيانتَهُمْ عنْ هذهِ المعصيةِ .. فيُقالُ لهُ: هذهِ مكيدةٌ مِنَ الشيطانِ وتلبيسٌ ، وليسَ الأمرُ كذلكَ ؛ فإنَّ ضررَكَ مِنْ نقصانٍ صلاتِكَ - وهيَ خدمةٌ مِنكَ لمولاكَ - أعظمُ مِنْ ضررِكَ مِنْ غيبةٍ غيرِكَ ، فلوْ كانَ باعثُكَ الدينَ .. لكانَتْ شفقتُكَ على نفسِكَ أكثرَ، وما أنتَ في هذا إلا كمَنْ يهدِي وصيفةً إلى ملكِ لينالَ مِنْهُ فضلاً وولايةً يتقلَّدُها، فيهديها إليهِ وهيَ عوراءُ قبيحةٌ مقطوعةُ الأطرافِ ، ولا يبالي بهِ إذا كانَ الملكُ وحدَهُ ، وإذا كانَ عندَهُ بعضُ غلمانِهِ .. امتنعَ ؛ خوفاً مِنْ مذمَّةِ غلمانِهِ ، وذلكَ محالٌ ، بلْ مَنْ يراعي جانبَ غلامِ الملكِ .. ينبغي أنْ تكونَ مراقبتُهُ للملكِ أكثرَ . نعمْ ، للمرائي فيهِ حالتانِ : إحداهما : أنْ يطلبَ بذلكَ المنزلةَ والمحمدةَ عندَ الناسِ ، وذلكَ حرامٌ قطعاً . والثانيةُ : أنْ يقولَ : ليسَ يحضرُني الإخلاصُ في تحسينِ الركوعِ والسجودِ ، ولوْ خففتُ .. كانَتْ صلاتي عندَ اللهِ ناقصةٌ ، وآذاني الناسُ بذمِّهِمْ وغيبتِهِمْ ، فأستفيدُ بتحسينِ الهيئةِ دفعَ مذمَّتِهِمْ، ولا أرجو عليهِ ٣٥٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء ثواباً ، فهوَ خيرٌ مِنْ أَنْ أتركَ تحسينَ الصلاةِ ، فيفوتَ الثوابُ وتحصلَ المذمَّةُ ، فهذا فيهِ أدنى نظرٍ ، والصحيحُ : أنَّ الواجبَ عليهِ أنْ يحسنَ ويخلصَ ، فإنْ لمْ تحضرْهُ النيةُ .. فينبغي أنْ يستمرَّ على عادتِهِ في الخلوةِ ، فليسَ لهُ أنْ يدفعَ الذَّ بالمراءاةِ بطاعةِ اللهِ ؛ فإنَّ ذلكَ استهزاءٌ كما سبقَ . الدرجةُ الثانيةُ : أنْ يرائيَ بفعلٍ ما لا نقصانَ في تركِهِ ، ولكنْ فعلُهُ في حكم التكملةِ والتتمةِ لعبادتِهِ ؛ كالتطويلِ في الركوع والسجودِ ، ومدِّ القيامِ ، وتحسينِ الهيئةِ في رفع اليدينِ ، والمبادرةِ إلى التكبيرةِ الأولى ، وتحسينِ الاعتدالِ ، والزيادةِ في القراءةِ على السورةِ المعتادةِ ، وكذلكَ كثرةُ الخلوةِ في صوم رمضانَ ، وطولِ الصمتِ ، وكاختيارِ الأجودِ على الجيدِ في الزكاةِ ، وإعتاقِ الرقبةِ الغاليةِ في الكفارةِ ، وكلُّ ذلكَ ممَّا لَوْ خلا بنفسِهِ .. لكانَ لا يقدِمُ عليهِ . الدرجةُ الثالثةُ : أنْ يرائيَ بزياداتٍ خارجةٍ عنْ نفسِ النوافلِ أيضاً ؛ كحضورِ الجماعةِ قبلَ القوم ، وقصدِهِ للصفِّ الأوَّلِ، وتوجُّهِهِ إلى يمينِ الإمام ، وما يجري مجراهُ ، وكلُّ ذلكَ ممَّا يعلمُ اللهُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ خلا بنفسِهِ .. لكانَ لا يبالي أينَ وقفَ ، ومتى أحرمَ بالصلاةِ . :5 فهذهِ درجاتُ الرياءِ بالإضافةِ إلى ما يُراءىُ بهِ ، وبعضُهُ أشدُّ مِنْ بعضٍ ، والكلُّ مذمومٌ . ٣٥٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الركنُ الثالثُ : المراءى لأجلِهِ : فإنَّ للمرائي مقصوداً لا محالةَ ، وإنَّما يرائي لإدراكِ مالٍ أوْ جاهٍ أوْ غرضٍ مِنَ الأغراضِ لا محالةَ ، ولهُ أيضاً ثلاثُ درجاتٍ : الدرجةُ الأولىُ - وهيَ أشدُّها وأعظمُها ــ : أنْ يكونَ مقصدُهُ التمكُّنَ مِنْ معصيةِ اللهِ ؛ كالذي يرائي بعباداتِهِ ، ويظهرُ التقوى والورعَ بكثرةِ النوافلِ والامتناع عنْ أكلِ الشبهاتِ ، وغرضُهُ أنْ يُعرفَ بالأمانةِ، فيُولَّى القضاءَ ، أوِ الأوقافَ ، أوِ الوصايا ، أوْ مالَ الأيتام ؛ فيأخذَها ، أَوْ يُسلَّمَ إليهِ تفرقةُ الزكواتِ أوِ الصدقاتِ ؛ ليستأثرَ بما يقدرُ عليهِ منها ، أوْ يُودعَ الودائعَ فيأخذَها ويجحدَها ، أوْ تُسلَّمَ إليهِ الأموالُ التي تُنْفقُ في طريقِ الحجِّ ، فيختزلَ بعضَها أوْ كلَّها ، أوْ يتوصَّلَ بها إلى استتباع الحجيجِ ، ويتوصَّلَ بقوَّتِهِمْ إلى مقاصدِهِ الفاسدةِ في المعاصي . وقدْ يظهرُ بعضُهُمْ زيَّ التصوفِ ، وهيئةَ الخشوع ، وكلامَ الحكمةِ على سبيلِ الوعظِ والتذكيرِ ، وإنَّما قصدُهُ التحبُّبُ إلى امرأةٍ أوْ غلامٍ لأجلِ الفجور ، وقدْ يحضرونَ مجالسَ العلمِ والتذكيرِ ، وحِلقَ القرآنِ ، يظهرونَ الرغبةَ في سماع العلمِ والقرآنِ ، وغرضُهُمْ ملاحظةُ النسوانِ والصبيانِ ، أوْ يخرجُ إلى الحجِّ ومقصودُهُ الظفرُ بمَنْ في الرفقةِ مِنِ امرأةٍ أوْ غلامٍ ، وهؤلاءٍ أبغضُ المرائينَ إلى اللهِ تعالى؛ لأنَّهُمْ جعلوا طاعةَ ربِّهِمْ سلَّماً إلى معصيتِهِ ، واتخذوها آلةٌ ومتجراً وبضاعةً لهُمْ في فسقِهِمْ . ٣٥٨ ربع المهلكات کتاب ذم الجاه والرياء ويقربُ مِنْ هؤلاءِ وإنْ كانَ دونَهُمْ مَنْ هوَ مقترفٌ جريمةً اتُّهمَ بها ، وهوَ مصرٍّ عليها ويريدُ أن ينفيَ التهمةَ عنْ نفسِهِ ، فيظهرُ التقوى ؛ لينفيَ التهمةَ؛ كالذي جحدَ وديعةً واتَّهمَهُ الناسُ بها ، فيتصدَّقُ بالمالِ ؛ ليُقالَ : إِنَّهُ يتصدقُ بمالِ نفسِهِ ، فكيفَ يستحلُّ مالَ غيرِهِ ؟! وكذلكَ مَنْ يُنسبُ إلى فجورِ بامرأةٍ أوْ غلام ، فيدفعُ التهمةَ عنْ نفسِهِ بالخشوع وإظهارِ التقوى . الدرجةُ الثانيةُ : أنْ يكونَ غرضُهُ نيلَ حظّ مباحٍ مِنْ حظوظِ الدنيا ؛ مِنْ مالٍ ، أوْ نكاح امرأةٍ جميلةٍ أوْ شريفةٍ ؛ كالذي يظهرُ الحزنَ والبكاءَ ، ويشتغلُ بالوعظِ والتذكيرِ ؛ لتُبذلَ لهُ الأموالُ ، وترغبَ في نكاحِهِ النساءُ ، فيقصدُ إمَّا امرأةً بعينِها لينكحَها ، أوِ امرأةً شريفةً على الجملةِ ، وكالذي يرغبُ في أنْ يتزوَّجَ بنتَ عالمٍ عابدٍ، فيظهرُ لهُ العلمَ والعبادةَ ؛ ليرغبَ في تزويجِهِ ابنتهُ ، فهذا رياءٌ محظورٌ ؛ لأنَّهُ طلبَ بطاعةِ اللهِ متاعَ الحياةِ الدنيا ، ولكنَّهُ دونَ الأوَّلِ ، فإنَّ المطلوبَ بهذا مباحٌ في نفسِهِ . الدرجةُ الثالثةُ: ألا يقصدَ نيلَ حظّ وإدراكَ مالٍ أوْ نكاحِ ، ولكنْ يظهرُ عبادتَهُ ؛ خيفةً مِنْ أنْ يُنظرَ إليهِ بعينِ النقصِ ، فلا يُعدَّ مِنَ الخاصَّةِ والزهَّادِ ، ويُعتقدَ أنَّهُ مِنْ جملةِ العامَّةِ ؛ كالذي يمشي مستعجلاً فيطلعُ عليهِ الناسُ ، فيحسنُ المشيَ ويتركُ العجلةَ ؛ كي لا يُقالَ : إنَّهُ مِنْ أهلِ اللَّهوِ والسَّهرِ ، لا مِنْ أهلِ الوقارِ ، وكذلكَ يسبقُ إلى الضحكِ ، أوْ يبدرُ منهُ المزاحُ ، فيخافُ أنْ يُنظرَ إليهِ بعينِ الاحتقارِ ، فيتبعُ ذلكَ بالاستغفارِ ، وتنفُسِ الصعداءِ ، وإظهارِ ٣٥٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الحزنِ ، ويقولُ : ما أعظمَ غفلةَ الآدميِّ عنْ نفسِهِ! واللهُ يعلمُ منهُ أنَّهُ لَوْ كانَ في خلوةٍ .. لما كانَ يثقلُ عليهِ ذلكَ، وإنَّما يخافُ أنْ يُنظرَ إليهِ بعينِ الاحتقارِ لا بعينِ التوقيرِ . وكالذي يرى جماعةً يصلونَ التراويحَ ، أو يتهجَّدونَ ، أوْ يصومونَ الاثنينَ والخميسَ ، أو يتصدَّقونَ ، فيوافقُهُمْ خيفةَ أنْ يُنسبَ إلى الكسلِ ويُلحقَ بالعوامِّ ، ولوْ خلا بنفسِهِ .. لكانَ لا يفعلُ شيئاً مِنْ ذلكَ ، وكالذي يعطشُ يومَ عرفةً أوْ عاشوراءَ ، أوْ في الأشهرِ الحرمِ .. فلا يشربُ ؛ خوفاً مِنْ أنْ يعلمَ الناسُ أنَّهُ غيرُ صائمٍ ، فإذا ظنُّوا بهِ الصومَ .. امتنعَ عنِ الأكلِ لأجلِهِمْ، أَوْ يُدْعى إلى طعامٍ فيمتنعُ ؛ ليُظنَّ أنَّهُ صائمٌ، وقدْ لا يصرِّحُ بأنَّهُ صائمٌ ، ولكنْ يقولُ: لي عذرٌ، وهوَ جمعٌ بينَ خبيثينِ ؛ فإنَّه يُري أنَّهُ صائمٌ، ثمَّ يُري أنَّهُ مخلصٌ ليسَ بمراءٍ ، وأنَّهُ يحترزُ مِنْ أنْ يذكرَ عبادتَهُ للناسِ فيكونَ مرائياً ، فيريدُ أنْ يُقالَ: إِنَّهُ ساترٌ لعبادتِهِ، ثمّ إنِ اضطرَّ إلى شربٍ .. لمْ يصبرْ عنْ أنْ يذكرَ لنفسِهِ فيهِ عذراً ، تصريحاً أوْ تعريضاً ؛ بأنْ يتعلَّلَ بمرضٍ يقتضي فرطَ العطشِ ، ويمنعُ مِنَ الصومِ ، أوْ يقولَ : أفطرتُ تطبيباً لقلبٍ فلانٍ ، ثمَّ قدْ لا يذكرُ ذلكَ متصلاً بشربِهِ ؛ كي لا يُظنَّ بهِ أنَّهُ يعتذرُ رياءً، ولكنَّهُ يصبرُ ، ثمّ يذكرُ عذرَهُ في معْرِضٍ حكايةٍ عرضاً ، مثلَ أنْ يقولَ : إنَّ فلاناً محبٌّ للإخوانِ ، شديدُ الرغبةِ في أنْ يأكلَ الإنسانُ مِنْ طعامِهِ ، وقدْ ألخَّ عليَّ اليومَ ولمْ أجدْ بدّاً مِنْ تطييبٍ قلبِهِ ، ومثلَ أنْ يقولَ : إنَّ أمِّي ضعيفةُ القلبِ ، مشفقةٌ عليَّ ، تظنُّ أَنِّي لوْ صمتُ يوماً .. مرضتُ ، فلا تدعُني أصومُ . ٣٦٠