النص المفهرس
صفحات 301-320
ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء بيان علاج حبّ الجاه اعلمْ : أنَّ مَنْ غلبَ على قلبهِ حتُّ الجاهِ .. صارَ مقصورَ الهمّ على مراعاةِ الخلقِ ، مشغوفاً بالتوذُّدِ إليهِمْ والمراءاةِ لأجلِهِمْ ، ولا يزالُ في أقوالِهِ وأفعالِهِ وأعمالِهِ ملتفتاً إلى ما يعظَمُ منزلتَهُ عندَهُمْ، وذلكَ بذرُ النفاقِ وأصلُ الفسادِ ، ويجرُّ ذلكَ - لا محالةَ - إلى التساهلِ في العباداتِ والمراءاةِ بها ، وإلى اقتحام المحظوراتِ للتوصُّلِ إلى اقتناصِ القلوبِ . ولذلكَ شبَّهَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حبَّ الشرفِ والمالِ وإفسادَهُما للدِّينِ بذئبينِ ضاريينِ ، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّهُ ينبتُ النِّفَاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقلَ ))(١) إذِ النفاقُ هوَ مخالفةُ الظاهرِ للباطنِ بالقولِ أوٍ الفعلِ ، وكلُّ مَنْ طلبَ المنزلةَ في قلوبِ الناسِ فيُضطرُّ إلى النفاقِ معَهُمْ ، وإلى التَّظاهرِ بخصالٍ حميدةٍ هوَ خالٍ عنها ، وذلكَ هوَ عينُ النفاقِ . فحبُّ الجاهِ إذاً مِنَ المهلكاتِ ، فيجبُ علاجُهُ وإزالتُهُ عنِ القلبِ ، فإنَّهُ طبعٌ جُبِلَ القلبُ عليهِ كما جُبلَ على حبِّ المالِ ، وعلاجُهُ مركَّبٌ مِنْ علم وعملٍ : (١) رواه الديلمي من حديث أبي هريرة بلفظ: ( حبُّ الغنى ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب) («إتحاف)) (٦/ ٢٥٢). ٣٠١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات أمَّا العلمُ : فهوَ أنْ يعلمَ السببَ الذي لأجلِهِ أحبَّ الجاهَ ، وهوَ كمالُ القدرة على أشخاصِ الناسِ وعلى قلوبِهِمْ، وقدْ بيَّنا أنَّ ذلكَ إنْ صفا وسلمَ .. فَآخرُهُ الموتُ ، فليسَ مِنَ الباقياتِ الصالحاتِ ، بَلْ لوْ سجدَ لكَ كلُّ مَنْ على بسيطِ الأرضِ مِنَ المشرقِ إلى المغربِ فإلى خمسينَ سنةً .. لا يبقى الساجدُ ولا المسجودُ لهُ، ويكونُ حالُكَ كحالٍ مَنْ ماتَ قبلَكَ مِنْ ذوي الجاهِ معَ المتواضعينَ لهُ، فهذا لا ينبغي أنْ يُتركَ بهِ الدينُ الذي هوَ الحياةُ الأبديَّةُ التي لا انقطاعَ لها . ومَنْ فِهِمَ الكمالَ الحقيقيَّ والكمالَ الوهميَّ كما سبقَ .. صغُرَ الجاهُ في عينِهِ ، إلا أنَّ ذلكَ إنَّما يصغرُ في عينٍ مَنْ ينظرُ إلى الآخرةِ كأنَّهُ يشاهدُها ، ويستحقرُ العاجلةَ ، ويكونُ الموتُ كالحاصلِ عندَهُ، ويكونُ حالُهُ كحالٍ الحسنِ البصريِّ إذْ كتبَ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِما : ( أما بعدُ : فكأنَّكَ بآخرِ مَنْ كُتبَ عليهِ الموتُ قدْ ماتَ ، فانظر كيفَ مدَّ نظرَهُ نحوَ المستقبلِ وقدَّرَهُ كائناً ) ، وكذلكَ حالُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ حينَ كتبَ في جوابِهِ : ( أما بعدُ : فكأنَّكَ بالدنيا لمْ تكنْ، وكأنَّكَ بالآخرةِ لمْ تزلْ)(١) . فهؤلاءِ كانَ التفاتُهُمْ إلى العاقبةِ ، فكانَ عملُهُمْ لها بالتقوى ؛ إذْ علموا أنَّ العاقبةَ للمتقينَ ، فاستحقروا الجاهَ والمالَ في الدنيا ، وأبصارُ أكثرٍ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٢٦). .... ٣٠٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء الخلقِ ضعيفةٌ مقصورةٌ على العاجلةِ لا يمتدُّ نورُها إلى مشاهدةِ العواقبِ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاَ : وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وقالَ: ﴿ كَلَّابَلْ تُحِبُّونَ الْعَاِلَةَ: ٤١: وَذَرُونَ الْآَخِرَةَ﴾. فمَنْ هذا حدُّهُ فينبغي أنْ يعالجَ قلبَهُ في حبِّ الجاهِ بالعلمِ بالآفاتِ العاجلةِ، وهوَ أنْ يتفكَّرَ في الأخطارِ التي يستهدفُ لها أربابُ الجاهِ في الدنيا ، فإنَّ كلَّ ذي جاهٍ محسودٌ ومقصودٌ بالإيذاءِ ، وخائفٌ على الدوام على جاهِهِ ، ومحترزٌ مِنْ أنْ تتغيَّرَ منزلتُهُ في القلوبِ ، والقلوبُ أشدُّ تغيراً مِنَ القِدْرِ في غليانِها ، وهيَ متردِّدةٌ بينَ الإقبالِ والإعراضِ ، فكلُّ ما يُينى على قلوبِ الخلقِ يضاهي ما يُبنى على أمواجِ البحرِ ، فإِنَّهُ لا ثباتَ لهُ ، والاشتغالُ بمراعاةِ القلوبِ ، وحفظِ الجاهِ ، ودفع كيدِ الحسادِ ، ومنع أذى الأعداءِ .. كُّ ذلكَ غمومٌ عاجلةٌ ، ومكدِّرةٌ للذّةِ الجاهِ ، فلا يفي في الدنيا مرجوُّها بمَخُوفِها ، فضلاً عمَّا يفوتُ في الآخرةِ ، فبهذا ينبغي أنْ تُعالِجَ البصيرةُ الضعيفةُ . وأمَّا مَنْ نفذَتْ بصيرتُهُ، وقويَ إيمانُهُ .. لمْ يلتفتْ إلى الدنيا ، فهذا هوَ العلاجُ مِنْ حيثُ العلمُ . وأمَّا مِنْ حيثُ العملُ : فإسقاطُ الجاهِ عنْ قلوبِ الخلقِ بمباشرةِ أفعالٍ يُلامُ عليها ؛ حتَّى يسقطَ مِنْ أعينِ الخلقِ ، وتفارقَهُ لذَّهُ القبولِ ، ويأنسَ ٣٠٣ كتاب ذم الجاه والرياء قطـ ربع المهلكات بالخمولِ ، ويردَّ الخلقَ ، ويقنعَ بالقبولِ مِنَ الخالقِ . وهذا هوَ منهجُ المَلَامَتِيّةِ (١)؛ إذ اقتحموا الفواحشَ في صورتِها ؛ ليسقطوا أنفسَهم عنْ أعينِ الناسِ ، فيسلموا مِنْ آفةِ الجاهِ ، وهذا غير جائزٍ لمَنْ يُقتدى بهِ ، فإنَّهُ يوهنُ الدينَ في قلوبِ المسلمينَ ، وأمَّا الذي لا يُقتدى بهِ .. فلا يجوزُ لهُ أنْ يقدمَ على محظورٍ لأجلِ ذلكَ ، بلْ لهُ أنْ يفعلَ مِنَ المباحاتِ ما يسقطُ قدرَهُ عند الناسِ ؛ كما رُويَ أنَّ بعضَ الملوكِ قصدَ بعضَ الزُّهَّادِ ، فلمَّا علمَ بقربِهِ منهُ .. استدعى طعاماً وبقلاً وأخذَ يأكلُ بشَرَهٍ ، ويعظمُ اللَّقَمَ ، فلمَّا نظرَ إليهِ الملكُ .. سقطَ مِنْ عِينِهِ وانصرفَ ، فقالَ الزاهدُ : الحمدُ للهِ الذي صرفَكَ عنِّي (٢) . ومنهُمْ مَنْ شربَ شراباً حلالاً في قدح لونُهُ لونُ الخمرِ ، حتَّى يُظنَّ بهِ أنَّهُ يشربُ الخمرَ فيسقطَ مِنَ الأعينِ ، وهذا في جوازِهِ نظرٌ مِنْ حيثُ الفقهُ ، إلا أنَّ أربابَ الأحوالِ ربَّما يعالجونَ أَنفسَهُمْ بما لا يفتي بهِ الفقيهُ مهما رأَوا صلاحَ قلوبِهِمْ فيهِ ، ثمَّ يتداركونَ ما فرطَ منهُمْ فيهِ مِنْ صورةِ التقصيرِ ؛ كما فعلَ بعضُهُمْ، فإنَّهُ عُرِفَ بالزهدِ ، وأقبلَ الناسُ عليهِ ، فدخلَ حماماً ، (١) نسبة إلى الملامة؛ إذ لا ينفكون عن لوم أنفسهم ، والأصل أن يقال لهم : المَلاميّة ، وهو مستعمل، وقد يقال لهم : الأمناء ، وهم - كما سيبين المصنف - قوم يعمرون بواطنهم ويخربون ظواهرهم ، من أعظم أئمتهم الشيخ عبد الله بن منازل والشيخ حمدون القصار رضي الله عنهما ، انظر طرفاً من بيان صفات الملامية للعلامة الحافظ عبد الملك الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)» ( ص ٦٥ ). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤ /٤٨) بنحوه . ٣٠٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء ولبسَ ثيابَ غيرِهِ وخرجَ ، ووقفَ في الطريقِ حتَّى عرفوهُ، فأخذوهُ وضربوهُ، واستردُّوا منهُ الثيابَ، وقالوا: إنَّهُ طرَّارٌ وهجرُوهُ(١). وأقوى الطرقِ في قطعِ الجاهِ : الاعتزالُ عنِ الناسِ ، والهجرةُ إلى موضع الخمولِ ، فإنَّ المعتزلَ في بيتِهِ في البلدةِ التي هوَ بها مشهورٌ ، لا يخلو عنْ حبِّ المنزلةِ التي تترسَّخُ لهُ في القلوبِ بسببٍ عزلتِهِ ، وربَّما يظنُّ أنَّهُ ليسَ محبّاً لذلكَ الجاهِ ، وهوَ مغرورٌ، وإنَّما سكنَتْ نفسُّهُ لأنَّها قدْ ظفرَتْ بمقصودِها ، ولوْ تغيَّرَ الناسُ عمَّا اعتقدوهُ فيهِ ؛ فذهُّوهُ أَوْ نسبوهُ إلى أمرٍ غيرِ لائقٍ بهِ .. جزعَتْ نفسُهُ وتألَّمَتْ، وربَّما توصَّلَتْ إلى الاعتذارِ عنْ ذلكَ ، وإماطةِ ذلكَ الغبارِ عنْ قلوبِهِمْ ، وربَّما يحتاجُ في إزالةِ ذلكَ عنْ قلوبِهِمْ إلى كذبٍ وتلبيسٍ ، ولا يبالي بهِ ، وبهِ يتبيَّنُ أنَّهُ محبٌّ للجاهِ والمنزلةِ ، ومَنْ أحبَّ الجاهَ والمنزلةَ .. فهوَ كمَنْ أحبَّ المالَ، بلْ هوَ شرٌّ منهُ، فإنَّ فتنةً الجاهِ أعظمُ ، ولا يمكنُهُ ألا يحبَّ المنزلةَ في قلوبِ الناسِ ما دامَ يطمعُ في الناسِ ، فإذا أحرزَ قوتَهُ مِنْ كسبِهِ أوْ مِنْ جهةٍ أخرى ، وقطعَ طمعَهُ عنِ الناسِ رأساً .. أصبحَ الناسُ كلُّهُمْ عندَهُ كالأرذالِ(٢) ، فلا يبالي أكانَتْ لهُ منزلةٌ في قلوبِهِمْ أمْ لمْ تكنْ ؛ كما لا يبالي بذلكَ في قلوبِ الذينَ هُمْ منهُ في أقصى (١) وهو إبراهيم الخواص رضي الله عنه، ونُعت بعد هذه الحادثة بـ( لص الحمام)، فقال لنفسه : ههنا طاب المقام ، وانظر القصة ومثيلاتها وأجوبة الفقهاء في بيان جوازها عند اليافعي في (( نشر المحاسن الغالية)) (ص ٣٠٣). (٢) في (ب): ( كالجمادات) . ٣٠٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الشرقِ ؛ لأنَّهُ لا يراهُمْ ولا يطمعُ فِيهِمْ . ولا يُقطعُ الطمعُ عنِ الناسِ إلا بالقناعةِ، فَمَنْ قنعَ .. استغنى عنِ الناسِ ، وإذا استغنىُ .. لمْ يشتغلْ قلبُهُ بالناسِ ، ولمْ يكنْ لقيامِ منزلتِهِ في القلوبِ عندَهُ وزنٌ ، ولا يتمُّ تركُ الجاهِ إلا بالقناعةِ وقطع الطمع ، ويستعينُ على جميع ذلكَ بالأخبارِ الواردةِ في ذمِّ الجاهِ ومدحِ الخمولِ والذلِّ ، مثلَ قولِهِمْ: ( المؤمنُ لا يخلو مِنْ ذَلَّةٍ، أو قلَّةٍ، أَوْ علَّةٍ)(١)، وينظرُ في أحوالِ السلفِ وإيثارِهِمْ للذلِّ على العزِّ ، ورغبتِهِم في ثوابِ الآخرةِ ، رضيَ اللهُ عنهُمْ أجمعينَ . (١) وهو قول مشهور على ألسنة الناس. ((إتحاف)) (٢٥٥/٨)، ومعناه في الحديث الآتي . ٣٠٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء بيان وجد العلاج لحبّ الموح وكراهة الدم اعلمْ : أَنَّ أكثرَ الناسِ إنَّما هلكوا بخوفِ مذمَّةِ الناسِ وحبِّ مدحِهِمْ ، فصارَتْ حركاتُهُمْ كلُّها موقوفةً على ما يوافقُ رضا الناسِ ؛ رجاءً للمدحِ وخوفاً مِنَ الذمِّ ، وذلكَ مِنَ المهلكاتِ ، فيجبُ معالجتُهُ . وطريقُهُ : ملاحظةُ الأسبابِ التي لأَجلِها يُحبُّ المدحُ ويُكرِهُ الذُّ . أمَّا السببُ الأوَّلُ وهوَ استشعارُ الكمالِ بسببٍ قولِ المادح : فطريقُكَ فيهِ أنْ ترجعَ إلى عقلِكَ وتقولَ لنفسِكَ : هذهِ الصفةُ التي يمدحُكَ بها أنتَ متصفٌ بها أمْ لا ؟ فإنْ كنتَ متصفاً بها .. فهيَ إِمَّا صفةٌ تستحقُّ بها المدحَ ؛ كالعلمِ والورع، وإمَّا صفةٌ لا تستحقُّ بها المدحَ ؛ كالثروةِ والجاهِ والأغراضِ الدنيويَّةِ . فإنْ كانَتْ مِنَ الأغراضِ الدنيويَّةِ .. فالفرحُ بها كالفرحِ بنباتِ الأرضِ الذي يصيرُ على القربِ هشيماً تذروهُ الرياحُ ، وهذا مِنْ قلّةِ العقلِ ، بلٍ العاقلُ يقولُ كما قالَ المتنبي(١): [من الوافر] أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ تَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ أَنْتِقِالا (١) انظر ((ديوانه بشرح العكبري)) (٢٢٤/٣). ٣٠٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فلا ينبغي أنْ يفرحَ الإنسانُ بعروضِ الدنيا ، وإنْ فرحَ .. فلا ينبغي أنْ يفرحَ بمدحِ المادحِ بها ، بلْ بوجودِها ، والمدحُ ليسَ هوَ سببَ وجودِها . وإنْ كانَتِ الصفةُ ممَّا يستحقُّ الفرحَ بها ؛ كالعلمِ والورعِ .. فينبغي ألا يفرحَ بها ؛ لأنَّ الخاتمةَ غيرُ معلومةٍ ، وهذا إنَّما يقتضي الفرحَ لأنَّهُ يقرِّبُ عندَ اللهِ زُلفى، وخطرُ الخاتمةِ باقٍ ، ففي الخوفِ مِنْ سوءِ الخاتمةِ شغلٌ عنِ الفرحِ بكلِّ ما في الدنيا ، بلِ الدنيا دارُ أحزانٍ وغمومٍ ، لا دارُ فرحٍ وسرور . ثُمَّ إنْ كنتَ تفرحُ بها على رجاءِ حسنِ الخاتمةِ .. فينبغي أنْ يكونَ فرحُكَ بفضْلِ اللهِ تعالىُ عليكَ بالعلمِ والتقوى ، لا بمدحِ المادحِ ، فإنَّ اللذَّةَ في استشعار الكمالِ ، والكمالُ موجودٌ مِنْ فضْلِ اللهِ لا مِنَ المدحِ ، والمدحُ تابعٌ لُهُ، فلِمَ ينبغي أنْ تفرحَ بالمدحِ والمدحُ لا يزيدُكَ فضلاً ؟ وإنْ كانَتِ الصفةُ التي مُدحتَ بها أنتَ خالٍ عنها .. ففرحُكَ بالمدح غايةٌ الجنونِ ، ومثالُكَ مثالُ مَنْ يهزأُ بهِ إنسانٌ ويقولُ لهُ : سبحانَ اللهِ! ما أكثرَ العطرَ الذي في أحشائِهِ ! وما أطيبَ الروائحَ التي تفوحُ منهُ إذا قضى حاجتهٌ ! وهوَ يعلمُ ما تشتملُ عليهِ أمعاؤُهُ مِنَ الأقذارِ والأنتانِ ، ثمَّ يفرحُ بذلكَ ، فكذلكَ إذا أثنَوا عليكَ بالصلاحِ والورعِ ، ففرحتَ بهِ ، واللهُ مطّلعٌ على خبائثٍ باطنِكَ ، وغوائلِ سريرتِكَ ، وأقذارِ صفاتِكِ .. كانَ ذلكَ مِنْ غايةِ الجهلِ . فإذاً؛ المادحُ إنْ صدقَ .. فليكُنْ فرحُكَ بصفتِكَ التي هيَ مِنَ فَضْلِ اللهِ ٣٠٨ ربع المهلكات عبـ كتاب ذم الجاه والرياء عليكَ؛ وإنْ كذبَ .. فينبغي أنْ يغمَّكَ ذلكَ ولا تفرحَ بهِ . وأمَّا السببُ الثاني وهوَ دلالةُ المدح على تسخيرِ قلبِ المادحِ ، وكونه سبباً لتسخيرِ قلبٍ آخرَ : فهذا يرجعُ إلى حبِّ الجاهِ والمنزلةِ في القلوبِ ، وقدْ سبقَ وجهُ معالجتِهِ ، وذلكَ بقطع الطمع عنِ الناسِ ، وطلبِ المنزلةِ عندَ اللهِ ، وبأنْ تعلمَ أنَّ طلبَكَ المنزلةَ في قلوبِ الناسِ وفرحَكَ بها يسقطَ منزلتكَ عندَ الله تعالی ، فکیفَ تفرحُ بهِ ؟! وأمَّا السببُ الثالثُ وهوَ الحشمةُ التي اضطرَّتِ المادحَ إلى المدح : فهوَ أيضاً يرجعُ إلى قدرةٍ عارضةٍ لا ثباتَ لها ولا تستحقُّ الفرحَ ، بلْ ينبغي أنْ يغمَّكَ مدحُ المادحِ وتكرهَهُ وتغضبَ بهِ ، كما نُقُلَ ذلكَ عنِ السلفِ ؛ لأنَّ آفةً المدحِ على الممدوحِ عظيمةٌ ، كما ذكرناها في كتابِ آفاتِ اللسانِ . وقالَ بعضُ السلفِ : ( مَنْ فرحَ بمدحٍ .. فقدْ مكَّنَ الشيطانَ مِنْ أنْ يدخلَ في بطنِهِ)(١) . وقالَ بعضُهُمْ: ( إذا قيلَ لكَ: نعمَ الرجلُ أنتَ ، فكانَ أحبَّ إليكَ مِنْ أنْ يُقالَ لكَ: بئسَ الرجلُ أنتَ .. فأنتَ واللهِ بئسَ الرجلُ)(٢). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ٣٦٤) عن مالك بن دينار . (٢) أورده صاحب ((القوت)) (١٧٣/١) عن سفيان الثوري بنحوه . ٣٠٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ورُوِيّ في بعضِ الأخبارِ - فإنْ صحَّ .. فهوَ قاصمٌ للظهورِ - : أنَّ رجلاً أثنى على رجلٍ خيراً عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لوْ كانَ صاحبُكَ حاضراً فرضيَ الذي قلتَ فماتَ على ذلكَ .. دخلَ النارَ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرةً للمادح : (( ويحَكَ! قطعتَ ظهرَهُ ، لوْ سمعَكَ .. ما أفلحَ إلى يومِ القيامةِ))(٢) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( ألا لا تمادحوا، وإذا رأيتُمُ المدَّاحينَ .. فاحثوا في وجوهِهِمُ الترابَ)» (٣). فلهذا كانَ الصحابةُ رضوانُ اللهِ عليهم أجمعينَ علىُ وَجَلٍ عظيمٍ مِنَ المدحِ وفتنتِهِ ، وما يدخلُ على القلبٍ مِنَ السُّرورِ العظيمِ بهِ ، حتَّى إِنَّ بعضَ الخلفاءِ الراشدينَ سألَ رجلاً عنْ شيءٍ فقالَ : أنتَ يا أميرَ المؤمنينَ خيرٌ منِّي وأعلمُ ، فغضبَ وقالَ: إنِّي لمْ آمرْكَ أنْ تزكِّيَتِي!(٤). وقيلَ لبعضِ الصحابةِ : لا يزالُ الناسُ بخيرِ ما أبقاكَ اللهُ، فغضبَ وقالَ : إِنِّي لأحسبُكَ عراقياً(٥) . (١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٢٥٦/٨). (٢) رواه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠) بنحوه . (٣) رواه مسلم (٦٩/٣٠٠٢) دون قوله: ( ألا لا تمادحوا ) . (٤) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨٢/٥) قاله أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لأربد وقد مدحه بهذا . (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٤) من زيادات نعيم بن حماد ، والصحابي = ٣١٠ ربع المهلكات في كوكي كو كتاب ذم الجاه والرياء وقالَ بعضُهُمْ لمَّا مُدِحَ : ( اللَّهُمَّ؛ إنَّ عبدَكَ تقرَّبَ إليَّ بمقتِكَ ، فأشهدُكَ على مقتِهِ)(١) . وإنَّما كرهوا المدحَ خيفةَ أنْ يفرحوا بمدحِ الخلقِ وهمْ ممقوتونَ عندَ الخالقِ، فكانَ اشتغالُ قلويِهِمْ بحالِهِمْ عندَ اللهِ يُبغَّضُ إليهِمْ مدحَ الخلقِ ؛ لأنَّ الممدوحَ على الحقيقةِ هوَ المقرَّبُ إلى اللهِ ، والمذمومَ على الحقيقةِ هوَ المبعَدُ مِنَ اللهِ الملقَى في النارِ معَ الأشرارِ ، فهذا الممدوحُ إنْ كانَ عندَ اللهِ مِنْ أهلِ النَّارِ .. فما أعظمَ جهلَّهُ إذا فرحَ بمدحٍ غيرِهِ ! وإنْ كانَ مِنْ أهلِ الجنةِ .. فلا ينبغي أنْ يفرحَ إلا بفضْلِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى وثنائِهِ عليهِ ؛ إذْ ليسَ أمرُهُ بيدِ الخلقِ، ومهما علمَ أنَّ الآجالَ والأرزاقَ بيدِ اللهِ تعالى .. قلَّ التفاتُهُ إلى مدح الخلقِ وذمِّهِمْ ، وسقطَ مِنْ قلبِهِ حتُّ المدحِ ، واشتغلَ بما يهمُّهُ مِنْ أمرِ دينِهِ ، واللهُ الموفِّقُ للصوابِ برحمتِهِ . هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٠٢). ٣١١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان علاج كرامة الذَّم قد سبقَ أنَّ العلةَ في كراهةِ الذِّ هيَ ضدُّ العلةِ في حبِّ المدحِ ، فعلاجُهُ أيضاً يُفهمُ منهُ . والقولُ الوجيزُ فيهِ : أنَّ مَنْ ذمَّكَ لا يخلو مِنْ ثلاثةِ أحوالٍ : إمَّا أنْ يكونَ قدْ صدقَ فيما قالَ وقصدَ بهِ النصحَ والشفقةَ، وإمَّا أنْ يكونَ صادقاً ولكنْ قصدُهُ الإيذاءُ والتعثُّتُ ، وإمَّا أنْ يكونَ كاذباً . فإنْ كانَ صادقاً وقصدُهُ النصحُ .. فلا ينبغي أنْ تذمَّهُ وتغضبَ عليهِ وتحقدَ بسبِهِ، بلْ ينبغي أنْ تتقلَّدَ منَتَّهُ ؛ فإنَّ مَنْ أهدى إليكَ عيوبَكَ .. فقدْ أرشدَكَ إلى المهلِكِ لكَ حتَّى تتقيَهُ ، فينبغي أنْ تفرحَ بهِ ، وتشتغلَ بإزالةِ الصفةِ المذمومةِ عنْ نفسِكَ إنْ قدرتَ عليها ، فأمَّا اغتمامُكَ بسببهِ وكراهتُكَ لهُ وذمُّكَ إِيَّاهُ .. فإنَّهُ غايةُ الجهلِ . وإنْ كانَ قصدُهُ التعنُّتَ .. فأنتَ قدِ انتفعتَ بقولِهِ ؛ إذْ أرشدَكَ إلى عيبكَ إنْ كنتَ جاهلاً بهِ ، أوْ ذكَّرَكَ عِيبَكَ إنْ كنتَ غافلاً عنهُ، أو قبَّحَهُ في عينِكَ لينبعثَ حرصُكَ على إزالتِهِ إنْ كنتَ قدِ استحسنتَهُ، وكلُّ ذلكَ أسبابُ سعادتِكَ، وقدٍ استفدتَهُ منهُ ، فاشتغلْ بطلبِ السعادةِ ، فقدْ ٣١٢ با ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء أُتيِحَ لكَ أسبابُها بسببٍ ما سمعتَهُ مِنَ المذمَّةِ . فمهما قصدتَ الدخولَ على ملكٍ وثوبُكَ ملوثٌ بالْعَذِرَةِ وأنتَ لا تدري ، ولوْ دخلتَ عليهِ كذلكَ لخفتَ أنْ يحزَّ رقبتَكَ لتلويثِكَ مجلسَهُ بالعذرةِ ، فقالَ لكَ قائلٌ : أيُّها الملوَّثُ بالعذرةِ ؛ طهِّرْ نفسَكَ .. فينبغي أنْ تفرَحَ بهِ ؛ لأنَّ تَنتُّهَكَ بقولِهِ غنيمةٌ ، وجميعُ مساوىءِ الأخلاقِ مهلكةٌ في الآخرةِ ، والإنسانُ إنَّما يعرفُها مِنْ قولِ أعدائِهِ ، فينبغي أنْ تغتنمَهُ . من وأمَّا قصدُ العدوِّ التعنُّتَ .. فجنايةٌ منهُ على دينِ نفسِهِ ، وهوَ نعمةٌ منهُ عليكَ ، فِلِمَ تغضبُ عليهِ بفعلِ انتفعتَ بهِ أنتَ وتضرَّرَ هوَ بهِ ؟! الحالةُ الثالثةُ : أنْ يفتريَ عليكَ بما أنتَ بريءٌ منهُ عندَ اللهِ تعالى : فينبغي ألا تكرهَ ذلكَ ، ولا تشتغلَ بذمِّهِ ، بلْ تتفكّرَ في ثلاثةِ أمورٍ : أحدُها : أنَّكَ إنْ خلوتَ مِنْ ذلكَ العيبِ .. فلا تخلو مِنْ أمثالِهِ وأشباهِهِ ، وما سترَ اللهُ مِنْ عيوبِكَ أكثرُ ، فاشكرِ اللهَ تعالى إذْ لمْ يطلعْهُ على عيوبِكَ ، ودفعَهُ عنكَ بذكرٍ ما أنتَ بريءٌ منهُ . والثاني : أنَّ ذلكَ كفاراتٌ لبقيةِ مساوئِكَ وذنوبِكَ ، فكأنَّهُ رماكَ بعيبٍ أنتَ بريءٌ منهُ، وطهَّرَكَ عنْ ذنوبٍ أنتَ ملوثٌ بها، وكلُّ مَنِ اغتابَكَ فقدْ أهدى إليكَ حسناتِهِ ، وكلُّ مَنْ مدحَكَ فقدْ قطعَ ظهرَكَ ، فما بالكَ تفرحُ ٣١٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بقطع الظهرِ ، وتحزنُ بهدايا الحسناتِ التي تقرِّبُكَ إلى اللهِ تعالى ، وأنتَ تزعمُ أنَّكَ تحبُّ القرْبَ مِنَ اللهِ ؟ وأمَّا الثالثُ: فهوَ أَنَّ المسكينَ قدْ جنى على دينِهِ حتَّى سقطَ مِنْ عينِ اللهِ تعالى، وأهلَكَ نفسَهُ بافترائِهِ ، وتعرَّضَ لعقابِهِ الأليمٍ ، فلا ينبغي أنْ تغضبَ عليهِ معَ غضبِ اللهِ عليهِ ، فتشمِتَ الشيطانَ بهِ ، وتقولَ : اللهمَّ ؛ أهلكْهُ ، بلْ ينبغي أنْ تقول : اللهمَّ ؛ أصلحْهُ ، اللهمَّ ؛ تبْ عليهِ ، اللهمَّ ؛ ارحمْهُ ، كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ اغفرْ لقومي، اللهمَّ؛ اهدِ قومي ، فإنَّهُمْ لا يعلمونَ))(١) لمّا أنْ كسروا ثنيَتَهُ، وشُوا وجهَهُ، وقتلُوا عمَّهُ حمزةَ يومَ أحدٍ . ودعا إبراهيمُ بنُ أدهمَ لمَنْ شجَّ رأسَهُ بالمغفرةِ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ : أعلمُ أنِّي مأجورٌ بسببهِ ، وما نالَني منهُ إلا خيرٌ ، فلا أرضى أن يكونَ هو معاقباً بسببي (٢). وممَّا يهوِّنُ عليكَ كراهةَ المذمَّةِ : قطعُ الطمع ؛ فإنَّ مَنِ استغنيتَ عنهُ مهما ذمَّكَ .. لمْ يعظَمْ أثرُ ذلكَ في قلبِكَ، وأصلُ الدينِ القناعةُ ، وبها (١) رواه البخاري (٣٤٧٧)، ومسلم ( ١٧٩٢) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٣٣٥)، والقشيري في ((رسالته)) (ص ٤١٤). ٣١٤ ـكن ربع المهلكات أحـ كتاب ذم الجاه والرياء ينقطعُ الطمعُ عنِ الجاهِ والمالِ ، وما دامَ الطمعُ قائماً كانَ حبُّ الجاهِ والمدحِ في قلبٍ مَنْ طمعتَ فيهِ غالباً ، وكانَتْ همتُكَ إلى تحصيلِ المنزلةِ في قلبِهِ مصروفةً ، ولا يُنالُ ذلكَ إلا بهدم الدينِ ، فلا ينبغي أنْ يطمعَ طالبُ المالِ والجاهِ ومحبُّ المدحِ ومبغضُ الذِّ في سلامةِ دينِهِ ، فإنَّ ذلكَ بعيدٌ جداً . حجو ـحر ٣١٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان اختلاف أحوال الناس في المدح والذّمَ اعلمْ : أنَّ للناسِ أربعةَ أحوالٍ بالإضافةِ إلى الذَّامِّ والمادحِ : الحالةُ الأولى: أنْ يفرحَ بالمدحِ ويشكرَ المادحَ ، ويغضبَ مِن الذَّمِّ ويحقدَ على الذَّامِّ ، ويكافئَهُ أوْ يحبَّ مكافأتَهُ ، وهذا حالُ أكثرِ الخلقِ ، وهوَ غايةُ درجاتِ المعصيةِ في هذا البابِ . الحالةُ الثانيةُ : أنْ يمتعضَ في الباطنِ على الذَّامِ ، ولكنْ يمسكُ لسانَهُ وجوارحَهُ عنْ مكافأتِهِ ، ويفرحَ باطنُهُ ويرتاحَ للمادحِ ، ولكنْ يحفظُ ظاهرَهُ عنْ إظهارِ السرورِ ، وهذا مِنَ النقصانِ ، إلا أنَّهُ بالإضافةِ إلى ما قبلَهُ كمالٌ . ـجر الحالةُ الثالثةُ - وهيَ أوَّلُ درجاتِ الكمالِ - : أنْ يستويَ عندَهُ ذامُّهُ ومادحُهُ ، فلا تغمُّهُ المذمَّةُ ، ولا تسرُّهُ المِدْحَةُ ، وهذا قدْ يظنُّهُ بعضُ العِبَّادِ بنفسِهِ ، ويكونُ مغروراً إنْ لمْ يمتحنْ نفسَهُ بعلاماتِهِ ، وعلاماتُهُ : ألا يجدَ في نفسِهِ استثقالاً للذَّامِّ عندَ تطويلِهِ الجلوسَ عندَهُ أكثرَ ممَّا يجدُهُ في المادحِ ، وألا يجدَ في نفسِهِ زيادةَ هِزَّةٍ ونشاطٍ في قضاءِ حوائجِ المادحِ فوقَ ما يجدُهُ في قضاءِ حوائج الذَّامٌّ ، وألا يكونَ انقطاعُ الذَّامّ عنْ مجلسِهِ أهونَ عليهِ مِنِ ٣١٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء انقطاع المادحِ ، وألا يكونَ موتُ المادحِ المطري لهُ أشدَّ نكايةً في قلبِهِ مِنْ موتِ الذَّامِّ ، وألا يكونَ غُّهُ بمصيبةِ المادحِ وما ينالُهُ مِنْ أعدائِهِ أكثرَ ممَّا يكونُ بمصيبةِ الذَّامِّ ، وألا تكونَ زلَّةُ المادحِ أخفَّ على قلبِهِ وفي عينِهِ مِنْ زلَّةِ الذَّامِّ ، فمهما خفَّ الذَّاتُ على قلبِهِ كما خفَّ المادحُ ، واستويا مِنْ كلِّ وجهٍ .. فقدْ نالَ هذهِ الرتبةَ، وما أبعدَ ذلكَ وما أشدَّهُ على القلوبِ ! وأكثرُ العبَّادِ فرحُهُمْ بمدحِ الناسِ لهُمْ مستبطنٌ في قلوبِهِمْ وهمْ لا يشعرونَ ؛ حيثُ لا يمتحنونَ أنفسَهُمْ بهذِهِ العلاماتِ ، وربَّما يشعرُ العابدُ بميلٍ قلبِهِ إلى المادحِ دونَ الذَّامِّ ، والشيطانُ يحسِّنُ لهُ ذلكَ ويقولُ: الذَّامُ قَدْ عصى اللهَ بمذمَّتِكَ ، والمادحُ قَدْ أطاعَ اللهَ بمدحِكَ ، فكيفَ تسوِّي بِينَهُما ؟! وإنَّما استثقالُكَ للذَّامِّ مِنَ الدِّينِ المحضِ . وهذا محضُ التَّلبيسِ؛ فإنَّ العابدَ لوْ تفكّرَ .. علمَ أنَّ في الناسِ مَنِ ارتكبَ مِنْ كبائرِ المعاصي أكثرَ ممَّا ارتكبَهُ الذَّامُ في مذمَّتِهِ ، ثمَّ إنَّهُ لا يستثقلُهُمْ ولا ينفرُ عنهُمْ، ويعلمُ أنَّ المادحَ الذي مدحَهُ لا يخلو عنْ مذمَّةٍ غيرِهِ ، ولا يجدُ في نفسِهِ نفرةً عنهُ لمذمَّةٍ غيرِهِ ؛ كما يجدُ لمذمَّةِ نفسِهِ ، والمذمَّةُ مِنْ حيثُ إنَّها معصيةٌ لا تختلفُ بأنْ يكونَ هوَ المذمومَ أو غيرَهُ . فإِذاً ؛ العابدُ المغرورُ لنفسِهِ يغضبُ ، ولهواهُ يمتعضُ ، ثمَّ الشيطانُ يخيّلُ إليهِ أنَّهُ مِنَ الدينِ حتَّى يعتدَّ على اللهِ بهواهُ ، فيزيدُهُ ذلكَ بُعداً مِنَ اللهِ ، ٣١٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ومَنْ لمْ يطَّلعْ على مكايدِ الشيطانِ وآفاتِ النفوسِ .. فأكثرُ عباداتِهِ تعبٌّ ضائعٌ ، يفوِّتُ عليهِ الدنيا ، ويخسرُ في الآخرةِ ، وفيهِمْ قالَ اللهُ تعالى : ﴿ قُلّ هَلْ نُكُِّ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا ﴿هَ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ . الحالةُ الرابعةُ - وهيَ الصدقُ في العبادةِ - : أنْ يكرهَ المدحَ ويمقتَ المادحَ ؛ إذْ يعلمُ أنَّهُ فتنةٌ عليهِ قاصمةٌ للظهرِ ، مضرةٌ لهُ في الدِّينِ ، وأنْ يحبَّ الذَّامَ؛ إذْ يعلمُ أنَّهُ مهدٍ إليهِ عيوبَهُ، ومرشدٌ لهُ إلى مهمِّهِ ، ومهدٍ إليهِ حسناتِهِ ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رأسُ التَّواضُعِ أنْ تكرةَ أنْ تُذُكرَ بالبرِّ والتقوى)) (١) . وقدْ رُويَ في بعضٍ الأخبارِ ما هوَ قاصمٌ لظهورِ أمثالِنا إنْ صحَّ ؛ إذْ رُويَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( ويلٌ للصائمِ، وويلٌ للقائمِ ، وويلٌ لصاحبِ الصوفِ إلا)»(٢)، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ إلا مَنْ؟ فقالَ: ((إلا مَنْ (١) رواه هناد في ((الزهد)) (٨٠٧) موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه، ولفظه : ( إن من رأس التواضع أن تبدأ من لقيت بالسلام ، وأن ترضى بالدون من شرف المجلس ، وتكره المدحة والسمعة والرياء بالبرّ ) ، وأورده مرفوعاً من حديث علي رضي الله عنه المتقي الهندي في (( كنز العمال)) (٨٥٠٦) ونسب روايته للعسكري ، أما بلفظ المصنف .. فقال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٢٥٩/٨). (٢) في (ج): ( إلا من ) بدل ( إلا) وحدها . ٣١٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء تنزَّهَتْ نفسُهُ عنِ الدنيا، وأبغضَ المِدْحةَ، واستحبَّ المذمَّةَ))(١) ، وهذا شديدٌ جداً . مـ وغايةُ أمثالِنا الطمعُ في الحالةِ الثانيةِ ، وهوَ أنْ يضمِرَ الفرحَ والكراهةَ للذَّامِّ والمادحِ ولا يظهرَ ذلكَ بالقولِ والعملِ ، وأمَّا الحالةُ الثالثةُ، وهيَ التسويةُ بينَ المادحِ والذامِّ .. فلسنا نطمعُ فيها ، ثمّ إنْ طالبنا أنفسَنا بعلاماتٍ الحالةِ الثانيةِ .. فإنَّها لا تفي بها ؛ فإنَّها لا بدّ وأنْ تتسارعَ إلى إكرامِ المادحِ وقضاءِ حاجاتِهِ ، وتتثاقلَ عنْ إكرامِ الذَّامِّ والثناءِ عليهِ وقضاءِ حوائجِهِ ، ولا نقدرُ على أنْ نسوِّيَ بينَهُما في الفعلِ الظاهرِ ، كما لا نقدرُ عليهِ في سريرةِ القلبِ ، ومَنْ قدرَ على التسويةِ بينَ الذَّامِّ والمادحِ في ظاهرِ الفعلِ .. فهوَ جديرٌ بأنْ يُتخذّ قدوةً في هذا الزمانِ إنْ وُجدَ ، فإنَّهُ الكبريتُ الأحمَرُ يُتحدَّثُ بهِ ولا يُرىُ ، فكيفَ بما بعدَهُ مِنَ المرتبتينِ ؟! وكلُّ واحدةٍ مِنْ هُذهِ الرُّتبِ أيضاً فيها درجاتٌ ، أمَّا الدرجاتُ في المدحِ .. فهيَ أنَّ مِنَ الناسِ مَنْ يتمنَّى المِدْحةَ والثناءَ وانتشارَ الصِّيتِ ، فيتوصلُ إلى نيلِ ذلكَ بكلِّ ممكنٍ ، حتى يرائي بالعباداتِ ، ولا يبالي بمقارفةِ المحظوراتِ ؛ لاستمالةِ قلوبِ الناسِ ، واستنطاقِ ألسنتِهِمْ بالمدحِ ، وهذا مِنَ الهالكينَ . (١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده هكذا، وذكر صاحب ((الفردوس)) من حديث أنس : (( ويل لمن لبس الصوف فخالف فعله قوله))، ولم يخرجه ولده في مسنده) . ((إتحاف)) ( ٢٥٩/٨) . ٣١٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ومنهُمْ مَنْ يريدُ ذلكَ ويطلبُهُ بالمباحاتِ ، ولا يطلبُهُ بالعباداتِ ، ولا يباشرُ المحظوراتِ ، وهذا على شفا جُرفٍ هارِ، فإنَّ حدودَ الكلام الذي يستميلُ بهِ القلوبَ وحدودَ الأعمالِ لا يمكنُهُ أنْ يضبطَها ، فيوشكُ أنْ يقعَ فيما لا يحلُّ لنيلِ الحمدِ ، فهوَ قريبٌ مِنَ الهالكينَ جداً . ومنهُمْ مَنْ لا يريدُ المِدْحةَ ولا يسعى لطلبها، ولكنْ إذا مُدحَ .. سبقَ السرورُ إلى قلبهِ، فإنْ لمْ يقابلْ ذلكَ بالمجاهدةِ ، ولمْ يتكلَّفِ الكراهةَ .. فهوَ قريبٌ مِنْ أنْ يستجرَّهُ فرطُ السرورِ إلى الرتبةِ التي قبلَها ، وإنْ جاهدَ نفسَهُ في ذلكَ ، وكلَّفَ قلبَهُ الكراهةَ ، وبغَّضَ السرورَ إليهِ بالتفكُّرِ في آفاتِ المدحِ .. فهوَ في خطرِ المجاهدةِ ، فتارةً تكونُ اليدُ لهُ ، وتارةً تكونُ عليهِ . ومنهُمْ مَنْ إذا سمعَ المدحَ .. لمْ يُسرَّ ولمْ يغتمَّ ، ولكنْ لمْ يؤثرْ فيهِ ، وهذا على خيرٍ ، وإنْ كانَ قدْ بقيَ عليهِ بقيةٌ مِنَ الإِخلاصِ (١). ومنهُمْ مَنْ يكرهُ المدحَ إذا سمعَهُ ، ولكنْ لا ينتهي بهِ إلى أنْ يغضبَ على المادحِ وينكرَ عليهِ . وأقصى درجاتِهِ أنْ يكرَهَ ويغضبَ ، ويُظهِرَ الغضبَ وهوَ صادقٌ فيهِ ، لا أنْ يُظهِرَ الغضبَ وقلبُهُ محبٌّ للمدح ، فإنَّ ذلكَ عينُ النفاقِ ؛ لأنَّهُ يريدُ أنْ يَظْهِرَ مِنْ نفسِهِ الإخلاصَ والصدقَ ، وهوَ مفلسٌ منهُ . وكذلكَ بالضِّدِّ مِنْ هذا تتفاوتُ الأحوالُ في حقِّ الذَّامٌ ، وأولُ درجاتِهِ (١) بسبب عدم اغتمامه. ((إتحاف)) (٢٦٠/٨). ٣٢٠