النص المفهرس
صفحات 241-260
ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل تقطعُني عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١). يا قوم؛ فهؤلاءِ الأخيارُ بكَوا وجلاً أنْ تقطعَهُمْ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شربةٌ مِنْ حلالٍ . ويحَكَ ! أنتَ في أنواع النعمِ والشهواتِ مِنْ مكاسبِ السُّحتِ والشبهاتِ لا تخشى الانقطاعَ ، أفِّ لكَ ما أعظمَ جهلَكَ ! ويحَكَ ! فإنْ تخلفتَ في القيامةِ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ محمدٍ المصطفى .. لتنظرَنَّ إلى أهوالٍ جزعَتْ مِنْها الملائكةُ والأنبياءُ ، ولئنْ قصَّرتَ عنِ السباقِ .. فليطولَنَّ عليكَ اللَّحاقُ، ولئنْ أردتَ الكثيرَ .. لتصيرَنَّ إلى حسابٍ عسيرٍ ، ولئنْ لمْ تقنعْ بالقليلِ .. لتصيرَنَّ إلى وقوفٍ طويلٍ ، وصراخٍ وعويلٍ ، ولئنْ رضيتَ بأحوالِ المتخلفينَ .. لتنقطعَنَّ عنْ أصحابِ اليمينِ ، وعنْ رسولِ ربِّ العالمينَ ، ولتبطئَنَّ عنْ نعيمِ المتنعِّمينَ ، ولئنْ خالفتَ أحوالَ المتقينَ .. لتكونَنَّ مِنَ المحتبسينَ في أهوالِ يومِ الدينِ ، فتدبَّرْ - ويحَكَ - ما سمعتَ . جر وبعدُ : فإنْ زعمتَ أنَكَّ في مثل خيارِ السلفِ ؛ فَنِعٌ بالقليلِ ، زاهدٌ في الحلالِ ، بذولٌ لمالِكَ ، مؤثرٌ على نفسِكَ، لا تخشى الفقرَ ، ولا نذَّخرُ شيئاً لغدِكَ ، مبغضٌ للتكاثرِ والغنى، راضٍ بالفقرِ والبلا ، فرحٌ بالقلَّةِ (١) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (١١)، والبزار في ((مسنده)) (٤٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٠٩/٤)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ١٠٠٣٩)، وصاحب الخبر هو سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . ٢٤١ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات والمسكنةِ ، مسرورٌ بالذُّلِّ والضَّعةِ، كارةٌ للعلوِّ والرفعةِ ، قويٌّ في أمرِكَ ، لا يتغيّرُ عنِ الرشدِ قلبُكَ، قَدْ حاسبتَ نفسَكَ في اللهِ ، وأحكمتَ أمورَكَ كلَّها على ما وافقَ رضوانَ اللهِ ، ولنْ تُوقفَ في المسألةِ ولا يُحاسبُ مثلُكَ مِنَ المتقينَ ، وإنَّما تجمعُ المالَ الحلالَ للبذلِ في سبيلِ اللهِ .. ويحَكَ أيُّها المغرورُ! فتدبَرِ الأمرَ، وأحسنِ النظرَ ، أما علمتَ أنَّ تركَ الاشتغالِ بالمالِ ، وفراغَ القلبِ للذكرِ والتذكُّرِ والتذكارِ والفكرِ والاعتبارِ .. أسلمُ الدِّينِ ، وأيسرُ للحسابِ ، وأخفتُّ للمساءلةِ ، وآمنُ منْ روعاتِ القيامةِ ، وأجزلُ للثوابِ ، وأعلى لقدْرِكَ عندَ اللهِ تعالى أضعافاً ؟! بلغَنا عن بعضِ الصحابةِ أنَّهُ قالَ : ( لوْ أنَّ رجلاً في حجرِهِ دنانيرُ يعطيها والآخرُ يذكرُ اللهَ تعالى .. لكانَ الذاكرُ أفضلَ)(١). وسُئلَ بعضُ أهلِ العلمِ عنِ الرجلِ يجمعُ المالَ لأعمالِ البرِّ، قالَ: تركُهُ أبرّ بهِ (٢) . وبلغَنا أنَّ بعضَ خيارِ التابعينَ سُئلَ عنْ رجلينِ ، أحدُهُما طلبَ الدنيا حلالاً فأصابَها ، فوصلَ بها رحمَهُ، وقدَّمَ لنفسِهِ، وأمَّا الآخرُ .. فإنَّهُ جانبَها ، فلمْ يطلبْها ولمْ يبذُلْها، فأيهما أفضلُ؟ فقالَ: بعيدٌ واللهِ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣/٢) عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه. (٢) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢٢٤/٨): (رواه صاحب ((القوت)) عن الحسن ) . ٢٤٢ ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل ما بينَهُما ، الذي جانبَها أفضلُ ؛ كما بينَ مشارقِ الأرضِ ومغارِبِها(١) ويحَكَ ! فهذا الفضلُ لكَ بتركِ الدنيا علىُ مَنْ طلبَها ، ولكَ في العاجلِ إنْ تركتَ الاشتغالَ بالمالِ أنَّ ذلكَ أروحُ لبدنِكَ ، وأقلُّ لتعبِكَ ، وأنعمُ العيشِكَ، وأرضى لبالِكَ، وأقلُّ لهمومِكَ ، فما عذرُكَ في جمع المالِ وأنتَ بتركِ المالِ أفضلُ ممَّنْ طلبَ المالَ لأعمالِ البرِّ ؟! نعمْ ، وشغلُكَ بذكرِ اللهِ أفضلُ مِنْ بذلِ المالِ في سبيلِ اللهِ ، فاجتمعَ لكَ راحةُ العاجلِ معَ السلامةِ والفضلِ في الآجلِ . وبعدُ : فلوْ كانَ في جمع المالِ فضلٌ عظيمٌ .. لوجبَ عليكَ في مكارم الأخلاقِ أنْ تتأسَّى بنبيِّكَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ إذْ هداكَ اللهُ بهِ ، وترضى ما اختارَهُ لنفسِهِ مِنْ مجانبةِ الدنيا . ويحَكَ ! تدبَّرْ ما سمعتَ ، وكنْ على يقينٍ أنَّ السعادةَ والفوزَ في مجانبةٍ الدنيا ، فسرْ معَ لواءِ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سابقاً إلى جنَّةِ المأوى؛ فإنَّهُ بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((ساداتُ المؤمنينَ في الجنَّةِ مَنْ إذا تغذَّى .. لمْ يجدْ عشاءً، وإذا استقرضَ .. لمْ يجدْ قرضاً ، وليسَ لهُ فضلُ كسوةٍ إلا ما يواريهِ ، ولمْ يقدرْ على أنْ يكتسبَ ما يغنيهِ، يمسي معَ ذلكَ ويصبحُ راضياً عنْ ربِّهِ، ﴿فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ (١) قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٢٢٤/٨): (رواه صاحب ((القوت)) عن الحسن). ٢٤٣ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾(١) ألا يا أخي ؛ متى جمعتَ هذا المالَ مِنْ بعدِ هذا البيانِ .. فإِنَّكَ مبطلٌ فيما ادعيتَ أنَّكَ للبرِّ والفضلِ تجمعُهُ، لا، ولكنَّكَ خوفاً مِنَ الفقرِ تجمعُهُ ، وللتنقُّمِ والزينةِ والتكاثرِ والفخرِ والعلوِّ والرياءِ والسمعةِ والتعظّمِ والتكُّم تجمعُهُ ، ثمَّ تزعمُ أنَّكَ لأعمالِ البرِّ تجمعُ المالَ ! eG ويحَكَ ! راقبِ اللهَ واستحيٍ مِنْ دعواكَ أيُّها المغرورُ . ويحَكَ ! إنْ كنتَ مفتوناً بحبِّ المالِ والدنيا .. فكنْ مقرّاً أنَّ الخيرَ والفضلَ في الرِّضا بالبُلغةِ ومجانبةِ الفضولِ . نعمْ ، وكنْ عندَ جمع المالِ مزرياً على نفسِكَ ، معترفاً بإساءتِكَ ، وجلاً مِنَ الحسابِ ، فذلكَ أنجىُ لكَ، وأقربُ إلى الفضلِ مِنْ طلبِ الحججِ لجمعِ المالِ . إخواني ؛ اعلموا أنَّ دهرَ الصحابةِ كانَ الحلالُ فيهِ موجوداً ، وكانوا معَ ذلكَ منْ أورع الناسِ وَأزهدهِمْ في المباحِ ، ونحنُ في دهرِ الحلالُ فيه مفقودٌ، فكيفَ لنا مِنَ الحلالِ بمبلغ القوتِ وسترِ العورةِ ؟! فأمَّا جمعُ المالِ في دهرنا .. فأعاذَنا اللهُ وإِيَّاكُمْ منْ ذلكَ . 20 وبعدُ : فأينَ لنا بمثلِ تقوى الصحابةِ وورعِهِمْ، ومثلِ زهدِهِمْ واحتياطِهِمْ؟! وأينَ لنا مثلُ ضمائِرِهِمْ وحسنِ نياتِهِمْ ؟! دُهينا - ورِّ السماءِ (١) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٩٩/٧) ضمن حديث طويل عن أبي هريرة رضي الله عنه . ٢٤٤ .. ... ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل حر - بأدواءِ النفوس وأهوائِها ، وعنْ قريبٍ يكونُ الورودُ ، فيا لسعادةِ المخفِّينَ يومَ النشورِ ، وحزنٌ طويلٌ لأهلِ التكاثرِ والتخاليطِ ، وقدْ نصحتُ لكُمْ إِنْ قبلتُمْ ، والقابلونَ لهذا قليلٌ ، وفَّقَنا اللهُ وإياكُمْ لكلِّ خيرِ برحمتِهِ . هذا آخرُ كلامِهِ ، وفيهِ كفايةٌ في إظهارِ فضلِ الفقرِ على الغنى ، ولا مزيدَ عليهِ ، ويشهدُ لذلكَ جميعُ الأخبارِ التي أوردناها في كتابِ ذمُّ الدنيا ، وفي كتابِ الفقرِ والزهدِ . ويشهدُ لهُ أيضاً ما رُويَ عنْ أبي أمامةَ الباهليِّ: أنَّ ثعلبةَ بنَ حاطبٍ قالَ: يا رسولَ اللهِ؛ ادعُ اللهَ أنْ يرزقَني مالاً، قالَ: (( يا ثعلبةُ ؛ قليلٌ تؤدِّي شكرَهُ خيرٌ مِنْ كثيرٍ لا تطيقُهُ))، فقالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ ادعُ اللهَ أنْ يرزقَني مالاً، قالَ : (( يا ثعلبةُ؛ أما لكَ فيَّ أسوةٌ ؟ أما ترضى أنْ تكونَ مثلَ نبيِّ اللهِ ؟ أما والذي نفسِي بيدِهِ ؛ لَوْ شئتُ أنْ تسيرَ معيَ الجبالُ ذهباً وفضةً .. لسارَتْ))، قالَ: والذي بعثَكَ بالحقِّ؛ لئنْ دعوتَ اللهَ أنْ يرزقَني مالاً .. لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، ولأفعلَنَّ ولأفعلَنَّ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللَّهِمَّ ؛ ارزقْ ثعلبةَ مالاً)). فاتخذَ غنماً ، فنمَتْ كما ينمو الدودُ ، فضاقَتْ عليهِ المدينةُ ، فتنخَى عنها ، ونزلَ وادياً مِنْ أوديتِها ، حتَّى جعلَ يصلّي الظهرَ والعصرَ في الجماعةِ ، ويدعُ ما سواهُما، ثمَّ نمَتْ وكثرَتْ، فتنتَّى وتركَ الصلاةَ في الجماعةِ إلا الجمعةَ وهيَ تنمو كما ينمو الدودُ ، حتَّى تركَ الجمعةَ ، وطفقَ ٢٤٥ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات ـه يلقى الركبانَ يومَ الجمعةِ يسألُهُمْ عنِ الأخبارِ في المدينةِ . وسألَ عنهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (( ما فعلَ ثعلبةُ بنُ حاطبٍ؟ ))، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ اتخذَ غنماً، فضاقَتْ عليهِ المدينةُ ، وأُخبرَ بأمرِهِ كلِّهِ ، فقالَ: (( يا ويحَ ثعلبةَ ، يا ويحَ ثعلبةَ، يا ويحَ ثعلبةً)). قالَ : وأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، وأنزلَ اللهُ تعالىُ فرائضَ الصدقةِ ، فبعثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلاً مِنْ جهينةَ ورجلاً مِنْ بني سليمٍ على الصدقةِ ، وكتبَ لهُما كتاباً بأخذِ الصدقةِ (١) ، وأمرَهُما أنْ يخرجا فيأخذا الصدقةَ مِنَ المسلمينَ، وقالَ : (( مرَّا بثعلبةَ بنِ حاطبٍ وبفلانٍ - رجلٍ مِنْ بني سليمٍ - وخُذا صدقاتِهِما )). فخرجا حتَّى أتيا ثعلبةً، فسألاهُ الصدقةَ ، وأقرأاهُ كتابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ : ما هذهِ إلا جزيةٌ، ما هذهِ إلا أختُ الجزية ، انطلقا حتَّى تفرغا ثمَّ تعودا إليَّ ، فانطلقا نحوَ السليميِّ، فسمعَ بهما ، فقامَ إلى خيارِ أسنانِ إبلِهِ ، فعزلَها للصدقةِ ، ثمّ استقبلَهُما بها ، فلمَّا رأياهُ .. قالا: لا يجبُ عليكَ هذا، وما نريدُ أنْ نأخذَ هذا منكَ، قالَ: بلى ، خُذاها ، نفسي بها طيِّةٌ ، وإنَّما هيَ لتأخذاها . ـود فلمَّا فرغا مِنْ صدقاتِهِما .. رجعا حتَّى مرًّا بثعلبةَ، فسألاهُ الصدقةً، (١) بيَّن فيه أسنان الإبل والغنم. ((إتحاف)) (٢٢٥/٨). ٢٤٦ ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل فقالَ : أرياني كتابَكُما ، فنظرَ فيهِ فقالَ : هذهِ أختُ الجزيةِ ، انطلقا حتَّى أرىُ رأيي، فانطلقا حتَّى أتيا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فلمَّا رآهُما .. قالَ: (( يا ويحَ ثعلبةَ)) قبلَ أنْ يكلِّماهُ ، ودعا للسليميِّ ، فأخبراهُ بالذي صنع ثعلبةُ، وبالذي صنعَ السليميُّ، فأنزلَ اللهُ تعالى في ثعلبةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّذَقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ : فَلَمَآ ءَاتَّبُهُم مِن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم ◌ُعْرِضُونَ :لَا فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾، وعندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ مِنْ أقاربِ ثعلبةَ ، فسمعَ ما أنزلَ اللهُ فيهِ ، فخرجَ حتَّى أتىُ ثعلبةَ ، فقالَ: لا أمّ لكَ يا ثعلبةُ ، قدْ أنزلَ اللهُ فيكَ كذا وكذا . فخرجَ ثعلبةُ حتَّى أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فسألَهُ أنْ يقبلَ منهُ صدقتَهُ، فقالَ: ((إِنَّ اللهَ منعَني أنْ أقبلَ مِنْكَ صدقتَكَ))، فجعلَ يحثو الترابَ على رأسِهِ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هذا عملُكَ، أمرتُكَ فلمْ تطعْني)) ، فلمَّا أبى أنْ يقبلَ منهُ شيئاً .. رجعَ إلى منزِلِهِ . فلمَّا قُبضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. جاءَ بها إلى أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ ، فأبى أنْ يقبلَها منهُ ، وجاءَ بها إلى عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ ، فأبى أنْ يقبلَها منهُ ، وتُوفِّي ثعلبةُ بعدَ خلافةِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ(١). (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٢٣٦/١٠/٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٢١٨/٨)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة )) (٤٩٥/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٠٤٨)، = ٢٤٧ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات فهذا طغيانُ المالِ وشؤمُهُ ، وقدْ عرفتَهُ مِنْ ههذا الحديثِ . ولأجلٍ بركةِ الفقرِ وشؤمِ الغنى آثرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الفقرَ النفسِهِ ولأهلٍ بيتِهِ، حتَّى رُويَ عنْ عمرانَ بنِ حصينٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ : كانَتْ لي مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ منزلةٌ وجاهٌ، فقالَ: (( يا عمرانُ ؛ إنَّ لكَ عندَنا منزلةٌ وجاهاً، فهلْ لكَ في عيادةِ فاطمةً بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؟)) فقلتُ: نعمْ بأبي أنتَ وأمي يا رسولَ اللهِ، فقامَ وقمتُ معَهُ، حتَّى وقفَ ببابِ منزلٍ فاطمةً رضيَ اللهُ عنها، فقرعَ البابَ وقالَ: (( السلامُ عليكُمْ، أأدخلُ؟ » فقالَتِ : ادخلْ يا رسولَ اللهِ، قالَ: «أنا ومَنْ معي؟ )) قالَتْ: ومَنْ معَكَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((عمرانُ بنُ حُصين)»، قالَتْ: والذي بعثَكَ بالحقِّ نبياً ؛ ما عليَّ إلا عباءةٌ، قالَ: ((اصنعي بها هكذا وهكذا)) وأشارَ بيدِهِ، فقالَتْ: هذا جسدِي قدْ واريتُهُ، فكيفَ برأسِي ؟ فألقى إليها ملاءةٌ كانَتْ عليهِ خَلَقةً ، فقالَ: (( شدِّي بها على رأسِكِ)». ثُمَّ أَذَنَتْ لَهُ فدخلَ، فقالَ: ((السلامُ عليكِ يا بنتاهُ، كيفَ أصبحتِ ؟» فقالَتْ: أصبحتُ واللهِ وَجِعَةً ، وزادَني وجعاً على ما بي أنِّي لستُ أقدرُ على طعام آكلُهُ ، فقدْ أجهدَني الجوعُ، فبكى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقوله : ( وتوفى ثعلبة بعد خلافة عمر ) أي : في خلافة عثمان رضي الله عنه كما هو = مصرح به عندهم . بحر ٢٤٨ ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل وقالَ: (( لا تجزعي يا بنتاهُ، فواللهِ ؛ ما ذقتُ طعاماً منذُ ثلاثٍ، وإنِّي لأكرمُ على اللهِ منكِ، ولو سألتُ ربِّي .. لأطعمَني، ولكنْ آثرتُ الآخرةَ على الدنيا))، ثمَّ ضربَ بيدِهِ على مَنْكِبِها وقال لها: ((أبشري ، فواللهِ؛ إِنَّكِ لسيِّدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ )) ، فقالَتْ: فأينَ آسيةُ امرأةٌ فرعونَ ومريمُ بنتُ عمرانَ ؟ فقالَ : ((آسيةُ سيِّدةُ نساءِ عالمِها ، ومريمُ سيِّدةُ نساءٍ عالِمِها ، وخديجةُ سيِّدةُ نساءِ عالمِها ، وأنتِ سيِّدةُ نساءِ عالمِكِ ، إنَّكنَّ في بيوتٍ مِنْ قصبٍ لا أذى فيها ولا صخبَ))، ثمَّ قالَ لها: (( اقنعي بابنِ عمِّكِ ، فواللهِ؛ لقدْ زوَّجتُكِ سيِّداً في الدنيا سيِّداً في الآخرةِ)) (١). فانظرِ الآنَ إلى حالٍ فاطمةَ وهيَ بَضْعةٌ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيفَ آتْرَتِ الفقرَ ، وتركَتِ المالَ . ومَنْ راقبَ أحوالَ الأنبياءِ والأولياءِ وأقوالَهُمْ، وما ورَدَ مِنْ أخبارِهِمْ وآثارِهِمْ .. لمْ يشكّ في أنَّ فقدَ المالِ أفضلُ مِنْ وجودِهِ وإِنْ صُرِفَ إلى الخيراتِ ؛ إذْ أقلُّ ما فيهِ معَ أداءِ الحقوقِ ، والتوقِّي مِنَ الشبهاتِ ، والصرفِ إلى الخيراتِ .. اشتغالُ الهمِّ بإصلاحِهِ، وانصرافُهُ عنْ ذكرِ اللهِ ؛ إذْ لا ذكرَ إلا معَ الفراغِ ، ولا فراغَ معَ شغلِ المالِ . وقدْ رُوِيَ عنْ جَرِيرٍ ، عنْ ليثٍ قالَ : صحبَ رجلٌ عيسىُ بنَ مريمَ عليهِ (١) رواه الآجري في ((الشريعة)) (١٦٠٧)، ورواه مختصراً من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أحمدُ في ((المسند)) (٢٦/٥)، والطبراني في (( الكبير)) (٢٢٩/٢٠)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٢٦/٤٢). ٢٤٩ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات السلامُ، فقالَ : أكونُ معَكَ وأصحبُكَ ، فانطلقًا ، فانتهيا إلى شطِّ نهرٍ ، فجلسا يتغذَّيانِ ومعَهُمَا ثلاثةُ أرغفةٍ ، فأكلا رغيفينِ ، وبقيَ رغيفٌ ، فقامَ عيسىُ عليهِ السلامُ إلى النهرِ فشربَ، ثمَّ رجعَ فلمْ يجدِ الرغيفَ ، فقالَ للرَّجلِ : مَنْ أخذَ الرغيفَ ؟ قالَ : لا أدري . قالَ : فانطلَقَ ومعَهُ صاحبُهُ ، فرأى ظبيةً ومعَها خِشْفانٍ لها ، قالَ : فدعا أحدَهُما فأتاهُ ، فذبحَهُ واشتوى منهُ، فأكل هوَ وذلكَ الرجلُ ، ثمّ قالَ للخِشْفِ : قمْ بإذن اللهِ ، فقامَ فذهبَ ، فقالَ : للرجلِ : أسألُكَ بالذي أراكَ هذهِ الآيَةَ؛ مَنْ أخذَ الرغيفَ ؟ قالَ : لا أدري ، ثمْ انتهيا إلى وادي ماءٍ ، فأخذَ عيسى بيدِ الرجلِ فمشيًا على الماءِ ، فلمَّا جَاوزا .. قالَ : أسألكَ بالذي أراكَ هذهِ الآيةَ، مَنْ أخذَ الرغيفَ ؟ فقالَ : لا أدري . قالَ : فانتهيا إلى مفازةٍ ، فجلسا ، فأخذَ عيسىُ عليهِ السلامُ فجمعَ تراباً أوْ كثيباً ، ثمَّ قالَ : كنْ ذهباً بإذنِ اللهِ تعالى ، فصارَ ذهباً ، فقسمَهُ ثلاثةً أثلاثٍ ، فقالَ : ثلثٌ لي ، وثلثٌ لكَ، وثلثٌ لمَنْ أَخذَ الرغيفَ ، قالَ : أنا الذي أخذتُ الرغيفَ ، قالَ : فكلُّهُ لكَ ، وفارقَهُ عيسى عليهِ السلامُ . فانتهى إليهِ رجلانِ في المفازةِ ومعَهُ المالُ ، فأرادا أنْ يأخذاهُ منهُ ويقتلاهُ ، فقالَ: هوَ بينَا أثلاثاً ، فابعثوا أحدَكُمْ إلى القريةِ حتَّى يشتري لنا طعاماً نأكلُهُ ، فبعثوا أحدَهُمْ ، فقالَ الذي بُعِثَ : لأيِّ شيءٍ أقاسمُ هؤلاءِ هذا المالَ ، لكنِّي أضعُ في الطعام سمّاً فأقتلُهُما وآخذُ المالَ وحدي ، ٢٥٠ ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل قالَ : ففعلَ ، وقالَ ذانِكَ الرجلانِ : لأيِّ شيءٍ نجعلُ لهذا ثلثَ المالِ ، ولكنْ إذا رجَعَ .. قتلناهُ واقتسمنا المالَ بينَنا . قالَ : فلما رجعَ إليهِما .. قتلاهُ وأكلا الطعامَ فماتا ، فبقيَ ذلكَ المالُ في المفازةِ وأولئكَ الثلاثةُ قتلىُ عندَهُ ، فمرَّ بِهِمْ عيسىُ عليهِ السلامُ على تلكَ الحالةِ ، فقالَ لأصحابِهِ : هذهِ الدُّنيا فاحذروها(١) . وحُكِيَ أنَّ ذا القرنينِ أتى على أمةٍ مِنَ الأممٍ ليسَ في أيديهِمْ شيءٌ ممَّا يستمتعُ بهِ الناسُ مِنْ دنياهُمْ قدِ احتفروا قبوراً ، فإذا أصبحوا .. تعهَّدوا تلكَ القبورَ وكنسوها ، وصلَّوا عندَها، ورعَوُا البقلَ كما ترعى البهائمُ ، وقدْ قُيَّضَ لهُمْ في ذلكَ معايشُ مِنْ نباتِ الأرضِ ، فأرسلَ ذو القرنينِ إلى ملكِهِمْ ، فقالَ لهُ : أجبْ ذا القرنينِ ، فقالَ: ما لي إليهِ حاجةٌ، فإنْ كانَ لهُ حاجةٌ . . فليأتني ، فقالَ ذو القرنينِ : صدقَ ، فأقبلَ إليهِ ذو القرنينِ وقالَ : أرسلتُ إليكَ لتأتيَني فأبيتَ ، فهدأنا قدْ جئتُ ، فقالَ : لَوْ كانَ لي إليكَ حاجةٌ .. لأتيتُكَ، فقالَ لهُ ذو القرنينِ: ما لي أراكُمْ على الحالِ التي لمْ أَرَ أحداً مِنَ الأممِ عليها ، قالَ : وما ذاكَ ؟ قالَ : ليسَ لكُمْ دنيا ولا شيءٌ ، أفلا اتخذتُمُ الذهبَ والفضةَ فاستمتعتُمْ بهما؟ قالوا : إنَّما كرهناهُما لأنَّ أحداً لمْ يُعطَ منهما شيئاً إلا تاقَتْ نفسُهُ ودعَتْهُ إلى ما هوَ أفضلُ منهُ ، فقالَ : ما بالُكُمْ قدِ احتفرتُمْ قبوراً ، فإذا أصبحتُمْ تعهَّدتُموها ، فكنستموها وصلَّيْتُمْ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)» (١٧٧)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤٧ /٣٩٤ ) . ، روسىمنا ٢٥١ مة. كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات عندَها ؟ قالوا : أردنا إذا نظرنا إليها وأملنا الدنيا .. منعَتْا قبورُنا مِنَ الأملِ، a قالَ : وأراكُمْ لا طعامَ لكُمْ إلا البقلُ مِنَ الأرضِ ، أفلا اتخذتُمُ البهائمَ مِنَ الأنعام فاحتليتُموها وركبتُموها فاستمتعتُمْ بها ؟ فقالوا : كرهنا أنْ نجعلَ بطونَنَا قيوراً لها ، ورأينا في نباتِ الأرضِ بلاغاً ، وإنَّما يكفي ابنَ آدمَ أدنى العيشِ مِنَ الطعام ، وإنَّ ما جاوزَ الحنكَ مِنَ الطعام .. لمْ نجدْ لهُ طعماً كائناً ما كانَ مِنَ الطعام ، ثمَّ بسطَ ملكُ تلكَ الأرضِ يدَهُ خلفَ ذي القرنينِ فتناولَ جُمجُمةً فقالَ : يا ذا القرنينِ ؛ أتدري مَنْ هذا؟ قالَ : لا ، ومَنْ هوَ ؟ قالَ : ملكٌ مِنْ ملوكِ الأرضِ ، أعطاهُ اللهُ سلطاناً على أهلِ الأرضِ ، فغشمَ وظلمَ وعتا ، فلمَّا رأى اللهُ تعالى ذلكَ منهُ .. حسمَهُ بالموتِ ، فصارَ كالحجرِ الملقى، وقدْ أحصى اللهُ عليهِ عملَهُ حتَّى يجزيَهُ بهِ في آخرتِهِ ، ثمَّ تناولَ جُمجُمةٌ أخرى باليةٌ فقالَ : يا ذا القرنينِ ، هلْ تدري مَنْ هذا ؟ قالَ : لا ، ومَنْ هوَ؟ قالَ : هذا ملكٌ ملَّكَهُ اللهُ بعدَهُ ، قدْ كانَ يرى ما يصنعُ الذي قبلَهُ بالناسِ مِنَ الغَشْمِ والظلمِ والتجُّرِ ، فتواضعَ وخشعَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وأمرَ بالعدلِ في أهلِ مملكتِهِ ، فصارَ كما ترىُ ، قدْ أحصى اللهُ عليهِ عملَهُ حتَّى يجزيَّهُ بهِ في آخرِهِ ، ثمَّ أهوى إلى جمجمةِ ذي القرنينِ فقال : وهذهِ الجمجمةُ كأنْ قدْ صارَتْ كهاتينِ ، فانظرْ يا ذا القرنينِ ما أنتَ صانعٌ ، فقالَ لهُ ذو القرنينِ : هلْ لكَ في صحبتي فأتخذَكَ أخاً ووزيراً وشريكاً فيما آتّاني اللهُ مِنْ هذا المالِ ؟ قالَ : ما أصلحُ أنا وأنتَ في مكانٍ ، ولا أنْ تكونَ جميعاً ، قالَ ذو القرنينِ : ولِمَ ؟ قالَ : مِنْ أجلِ أنَّ الناسَ كلَّهُمْ لكَ عدوٌ ٢٥٢ ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل ولي صديقٌ ، قالَ : ولِمَ ؟ قالَ : يعادونَكَ لما في يديكَ مِنَ الملكِ والمالِ والدنيا ، ولا أجدُ أحداً يعاديني لرفضي لذلكَ ، ولما عندي مِنَ الحاجةِ وقلَّةِ الشيءِ ، قالَ : فانصرفَ عنهُ ذو القرنينِ متعجباً منهُ ومتَّعظاً به(١) . فهذهِ الحكاياتُ تدلُّكَ على آفاتِ الغنىُ معَ ما قدَّمناهُ مِنْ قبلُ ، واللهُ الموفقُ للصوابِ . تم كتاب ذ مّ المال والمجل وهو الكتاب التابع من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الذين بحمدالله وعونه، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وسلم يتلون كتاب ذم الجاه والزياء و٨. ٨٥. (١) رواه أبو الشيخ في ((العظمة)) (٩٥٨)، وابن الجوزي من طريق ابن أبي الدنيا في ((المنتظم)) (١/ ١٨٥). ٢٥٣ كِتَابُ حقَّ الجَاةِ وَالشََّائِ وهو الكتاب الثامن من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين ٢٥٥ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء كثا ب ذم الجاه والرياء بِسِْللهِ الرَّمْنِ الرَّحَيَّةِ الحمدُ للهِ علام الغيوبِ ، المطَّلع على سرائرِ القلوبِ ، المتجاوزِ عنْ كبائرِ الذنوبِ ، العالمٍ بما تُجِنَّهُ الضمائرُ مِنْ خفايا العيوبِ ، البصيرِ بسرائٍ النياتِ وخفايا الطوياتِ ، الذي لا يقبلُ مِنَ الأعمالِ إلا ما كمُلَ ووفى ، وخلُصَ مِنْ شوائبِ الرِّياءِ والشركِ وصفا ، فإنَّهُ المنفردُ بالملكوتِ والملكِ ، وهوَ أغنى الأغنياءِ عنِ الشركِ، والصلاةُ على محمدٍ وآلِهِ وأصحابِهِ المبرَّئينَ مِنَ الخيانةِ والإِفِكِ ، وسلَّمَ كثيراً . أما بعد: فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمَّتي الرياءُ والشهوةُ الخفيةُ))(١). والرياءُ مِنَ الشهوةِ الخفيةِ التي هيَ أخفى مِنْ دبيبِ النملةِ السوداءِ على الصخرةِ الصمَّاءِ في الليلةِ الظلماءِ ، ولذلكَ عجزَ عنِ الوقوفِ على غوائِلِها (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١١١٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٢٢/٧)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣١٦)، وروى ابن ماجه (٤٢٠٥) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله ؛ أما إني لست أقول : يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ، ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية)). ٢٥٧ جن: كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات سماسرةُ العلماءِ ، فضلاً عنْ عامَّة العبَّادِ والأتقياءِ ، وهوَ مِنْ أواخرِ غوائلٍ النفسِ ، وبواطنِ مكايدِها ، وإنَّما يُبتلى بهِ العلماءُ والعبَّدُ المشمِّرونَ عنْ ساقِ الجدِّ لسلوكِ سبيل الآخرةِ ؛ فإنَّهُمْ مهما قهروا أنفسَهُمْ وجاهدوها وفطموها عنِ الشهواتِ ، وصانوها عنِ الشبهاتِ ، وحملوها بالقهرِ على أصنافِ العباداتِ .. عجزَتْ نفوسُهُمْ عنِ الطمع في المعاصي الظاهرةِ الواقعةِ على الجوارحِ ، فطلبَتِ الاستراحةَ إلى التظاهرِ بالخيرِ ، وإظهارِ العملِ والعلمِ ، فوجدَتْ مخلصاً مِنْ مشقَّةِ المجاهدةِ إلى لذَّةِ القبولِ عندَ الخلقِ ، ونظرِهِمْ إليها بعينِ الوقارِ والتعظيمِ، فنازعَتْ إلى إظهارِ الطاعةِ(١)، وتوصَّلَتْ إلى اطّلاعِ الخلقِ ، ولمْ تقنَعْ باطّلاعِ الخالقِ ، وفرحَتْ بحمدٍ الناسِ ، ولمْ تقنعْ بحمدِ اللهِ وحدَهُ، وعلمَتْ أنَّهُمْ إذا عرفوا تركَها للشهواتِ ، وتوقِّيَّها للشبهاتِ، وتحمُّلَها لمشاقِّ العباداتِ .. أطلقوا ألسنتَهُمْ بالمدحِ والثناءِ ، وبالغوا في التقريظِ والإطراءِ ، ونظروا إليها بعينٍ التوقيرِ والاحترام ، وتبرَّكوا بمشاهدتِها ولقائِها ، ورغبوا في بركةِ دعائِها ، وحرصوا على اتباع رأيها ، وفاتحوها بالخدمةِ والسلام ، وأكرموها في المحافلِ غايةَ الإكرامِ ، وسامحوها في البيع والمعاملاتِ ، وقدَّموها في المجالسِ ، وآثروها بالمطاعم والملابسِ ، وتصاغروا لها متواضعينَ ، وانقادوا لها في أغراضِها موقِّرينَ ، فأصابَتِ النفسُ في ذلكَ لذَّةٌ هيَ أعظمُ (١) نازعت: اشتاقت، وفي (أ): (سارعت) بدل (نازعت ). ٢٥٨ حن ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء اللذَّاتِ ، وشهوةً هيَ أغلبُ الشهواتِ ، فاستحقرَتْ فيها تركَ المعاصي والهفواتِ ، واستلانَتْ خشونةَ المواظبةِ على العباداتِ ؛ لإدراكِها في الباطنِ لذَّةَ اللذاتِ ، وشهوةَ الشهواتِ . فهو يظنُّ أنَّ حياتَهُ باللهِ وبعبادتِهِ المرضيَّةِ ، وإنَّما حياتُهُ بهذِهِ الشهوةِ الخفيةِ ، التي تعمى عنْ دركِها العقولُ النافذةُ القويةُ ، ويرى أنَّهُ مخلصٌ في طاعةِ اللهِ ، ومجتنبٌ لمحارمِ اللهِ ، والنفسُ قدْ أبطنَتْ هذهِ الشهوةَ ؛ تزُناً للعبادِ ، وتصنُّعاً للخلقِ ، وفرحاً بما نالَتْ مِنَ المنزلةِ والوقارِ ، وأحبطَتْ بذلكَ ثوابَ الطاعاتِ وأجورَ الأعمالِ ، وقدْ أثبتَتْ اسمَهُ في جريدةِ المنافقينَ ، وهوَ يظُّ أنهُ عندَ اللهِ مِنَ المقربينَ . وهذهِ مكيدةٌ للنفسِ لا يسلمُ مِنْها إلا الصديقونَ ، ومهواةٌ لا يرقى عنها إلا المقربونَ ، ولذلكَ قيلَ : (آخرُ ما يخرجُ مِن رؤوسِ الصدِّيقينَ حبُّ الرئاسةِ)(١) . وإذا كانَ الرياءُ هوَ الداءَ الدفينَ ، الذي هوَ أعظمُ شبكةٍ للشياطينِ .. وجبَ شرحُ القولِ في سببهِ ، وحقيقتِهِ ، ودرجاتِهِ ، وأقسامِهِ ، وطرقٍ معالجتِهِ ، والحذرِ مِنْهُ ، ويتضحُ الغرضُ مِنْهُ في ترتيبِ الكتابِ على شطرينٍ . (١) كما نقله القشيري وصاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٣٢/٨). ٢٥٩ ـحر كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الشَّظِرُ الْأَوَّلُ في حبّ الجاه والشهرة وفيهِ بيانُ ذمّ الشهرةِ ، وبيانُ فضيلةِ الخمولِ ، وبيانُ ذمِّ الجاهِ ، وبيانُ معنى الجاهِ وحقيقتِهِ ، وبيانُ السببِ في كونِهِ محبوباً حبًّ أشدَّ مِنْ حُبِّ المالِ ، وبيانُ أنَّ الجاهَ كمالٌ وهميٍّ وليسَ بكمالٍ حقيقيٍّ ، وبيانُ ما يُحمدُ مِنْ حُبِّ الجاهِ وما يُذُّ ، وبيانُ السببِ في حبِّ المدحِ والثناءِ وكراهةِ الذمِّ ، وبيانُ العلاجِ في حُبِّ الجاهِ ، وبيانُ علاجٍ حبُّ المدحِ ، وبيانُ علاجٍ كراهةٍ الذمِّ ، وبيانُ اختلافِ أحوالِ الناسِ في المدحِ والذمِّ . فهيَ اثنا عشرَ فصلاً، منها تنشأُ معاني الرياءِ ، فلا بدَّ مِنْ تقديمِها ، واللهُ الموفِّقُ للصوابِ بلطفِهِ ومنِّهِ وكرمِهِ . بيان وم الشهرة وانتشار الصّيت اعلمْ : أنَّ أصلَ الجاهِ هوَ انتشارُ الصِّيتِ والاشتهارُ ، وهوَ مذمومٌ ، بلْ المحمودُ الخمولُ، إلا مَنْ شهرَهُ اللهُ تعالى لنشرِ دِينِهِ مِنْ غيرِ تكلّفِ طلبٍ الشهرةِ مِنْهُ . قالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حسبُ ٢٦٠ 1