النص المفهرس

صفحات 221-240

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
واحدٍ ثلاثُ درجاتٍ ، أدنى وأوسطُ وأعلى، وما دامَ مائلاً إلى جانبِ القَلَّةِ
ومتقرِّباً مِنْ حدِّ الضرورةِ .. كانَ مخفّاً ، ويجيءُ مِنْ جملةِ المخفِّينَ ، وإنْ
جاوزَ ذلكَ .. وقعَ في هاويةٍ لا آخرَ لعمقِها ، وقدْ ذكرنا تفصيلَ هذهِ
الدرجاتِ في كتابِ الزهدِ .
الرابعةُ : أنْ يراعيّ جهةَ المخرجِ ، ويقتصدَ في الإنفاقِ ؛ غيرَ مبذِّرِ
ولا مقتِّرٍ ؛ كما ذكرناهُ ، فيضعُ ما اكتسبَهُ مِنْ حِلَّهِ في حقِّهِ ، ولا يضعُهُ في
غيرِ حقِّهِ ، فإنَّ الإثمَ في الأخذِ مِنْ غيرِ حقِّهِ والوضعِ في غيرِ حقِّهِ سواءٌ .
الخامسةُ : أنْ يصلحَ نيَتَّهُ في الأخذِ والتركِ ، والإنفاقِ والإمساكِ ،
فيأخذَ ما يأخذُ ليستعينَ بهِ على العبادةِ ، ويتركَ ما يتركُ زهداً فيهِ واستحقاراً
لهُ، فإذا فعلَ ذلكَ .. لمْ يضرُهُ وجودُ المالِ .
ولذلكَ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لوْ أنَّ رجلاً أخذَ جميعَ ما في الأرضِ
وأرادَ بهِ وجهَ اللهِ تعالى .. فهوَ زاهدٌ، ولوْ أنَّهُ تركَ الجميعَ ولمْ يردْ بهِ
وجهَ اللهِ تعالىُ .. فليسَ بزاهدٍ ) .
فلتكنْ جميعُ حركاتِكَ وسكناتِكَ اللهِ تعالى مقصورةً على عبادةٍ ، أوْ
ما يعينُ على العبادةِ ؛ فإنَّ أبعدَ الحركاتِ عنِ العبادةِ الأكلُ وقضاءُ الحاجةِ ،
2G
٢٢١

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وهما معينانِ على العبادةِ ، فإذا كانَ ذلكَ قصدَكَ بهما .. صارَ ذلكَ عبادةٌ في
حقِّكَ ، وكذلكَ ينبغي أنْ تكونَ نِيَتُكَ في كلِّ ما تحفظُ ؛ مِنْ قميصٍ وإزارٍ
وفراشٍ وآنيةٍ ؛ لأنَّ كلَّ ذلكَ ممَّا قَدْ يُحتاجُ إليهِ في الدِّينِ ، وما فضلَ مِنَ
الحاجةِ .. ينبغي أنْ يُقصدَ بهِ أنْ ينتفعَ بهِ عبدٌ مِنْ عبادِ اللهِ ، فلا يمنعُهُ منهُ عندَ
حاجتِهِ ، فمَنْ فعلَ ذلكَ .. فهوَ الذي أخذَ مِنْ حيَّةِ المالِ جوهرَها وترياقَها
واتقى سمَّها ، فلا تضرُّهُ كثرةُ المالِ ، ولكنْ لا يتأتى ذلكَ إلا لمَنْ رسخَ في
الدينِ قدمُهُ ، وعظمَ فيه علمُهُ ، والعاميُّ إذا تشبَّهَ بالعالمٍ في الاستكثارِ مِنَ
المالِ، وزعمَ أنَّهُ يشبهُ أغنياءَ الصحابةِ .. شابةَ الصبيَّ الذي يرى المعزُّمَ
الحاذقَ يأخذُ الحيةَ ويتصرَّفُ فيها فيُخِرِجُ ترياقَها ، فيقتدي بهِ ، ويظُّ أنَّهُ
أخذَها مستحسناً صورتَها وشكلَها ، ومستليناً جلدَها ، فيأخذُها اقتداءً بهِ ،
فتقتلُهُ في الحالِ ، إلا أنَّ قتيلَ الحيةِ يدري أنَّهُ قتيلٌ ، وقتيلُ المالِ قَدْ
لا يعرفُ، وقدْ شُبِّهتِ الدُّنيا بالحيَّةِ، فقيلَ(١):
[من الخفيف]
هِيَ دُنْيا كَحَيَّةٍ تَنْفِثُ السُّمَّ وَإِنْ كانَتِ الْمَجَسَّةُ لَانَتْ
C
وكما يستحيلُ أنْ يتشبَّةَ الأعمىُ بالبصيرِ في تخطِّ قُلَلِ الجبالِ ، وأطرافِ
البحارِ ، والطرقِ المشوكةِ ؛ فمحالٌ أنْ يتشبَّهَ العاميُّ بالعالمِ الكاملِ في
تناولِ المالِ .
(١) البيت لأبي العتاهية في (( ديوانه)) (ص ٧٥).
٢٢٢

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
بيان وقم الحسنى ومدح الفقه
اعلمْ : أنَّ الناسَ قدِ اختلفوا في تفضيلِ الغنيِّ الشاكرِ على الفقيرِ
الصابرِ ، وقدْ أوردنا ذلكَ في كتابِ الفقرِ والزهدِ ، وكشفنا عنْ تحقيقِ الحقِّ
فيهِ .
ولكنَّا في هذا الكتابِ ندلُّ على أنَّ الفقرَ أفضلُ وأعلىُ مِنَ الغنى على
الجملةِ ، مِنْ غيرِ التفاتِ إلى تفصيلِ الأحوالِ .
ونقتصرُ فيهِ على حكايةِ فصلِ ذكرَهُ الحارثُ المحاسبيُّ رضيَ اللهُ عنهُ في
بعضٍ كتبِهِ في «الردِّ على بعضِ العلماءِ مِنَ الأغنياءِ ، حيثُ احتجَّ بأغنياءِ
الصحابةِ، وبكثرةِ مالِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضيَ اللهُ عنهُ))، وشبَّهَ نفسَهُ
بِهِمْ ، والمحاسبيُّ رحمَهُ اللهُ حَبْرُ الأمةِ في علمِ المعاملةِ(١) ، ولهُ السبقُ على
جميعِ الباحثينَ عنْ عيوبِ النفسِ ، وآفاتِ الأعمالِ ، وأغوارِ العباداتِ ،
وكلامُهُ جديرٌ بأنْ يُحكى على وجهِهِ .
وقدْ قالَ بعدَ كلام لهُ في الردِّ على علماءِ السوءِ :
بلغَنا أنَّ عيسى عليهِ السلامُ قالَ : ( يا علماءَ السوءِ ؛ تصومونَ ،
وتصلُّونَ ، وتصدَّقونَ ، ولا تفعلونَ ما تُؤْمرونَ ، وتدرِّسونَ ما لا تعملونَ ،
(١) في (ج): (خير) بدل ( حبر ) .
مصر
٢٢٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
G:
فيا سوءَ ما تحكمونَ ، تتوبونَ بالقولِ والأمانيِّ ، وتعملونَ بالهوى ،
وما يغني عنكمْ أنْ تنقُّوا جلودَكُمْ وقلوبُكُمْ دنسةٌ .
بحقِّ أقولُ لكُمْ : لا تكونوا كالمنخلِ ، يخرجُ منهُ الدقيقُ الطيِّبُ ،
وتبقى فيهِ النخالةُ ، كذلكَ أنتمْ تخرجونَ الحكمَ مِنْ أفواهِكُمْ ، ويبقى الغلُّ
في صدورِكُمْ .
يا عبيدَ الدنيا ؛ كيفَ يدركُ الآخرةَ مَنْ لا تنقضي مِنَ الدنيا شهوتُهُ ،
ولا تنقطعُ منها رغبتُهُ ؟!
بحقِّ أقولُ لكُمْ : إنَّ قلوبَكُمْ تبكي مِنْ أعمالِكُمْ ، جعلتُمُ الدنيا تحتَ
ألسنتِكُمْ ، والأعمالَ تحتَ أقدامِكُمْ .
بحثُّ أقولُ لكُمْ : أفسدتُمْ آخرتَكُمْ، فصلاحُ الدنيا أحبُّ إليكُمْ مِنْ
صلاح الآخرةِ ، فأيُّ الناسِ أخسرُ منكُمْ لوْ تعلمونَ ؟!
ويلَكُمْ! حتى متى تصفونَ الطريقَ للمدْلِجِينَ وتقيمونَ في محلٌ
المتحيرينَ(١) ؛ كأنَّكُمْ تدعونَ أهلَ الدنيا ليتركوها لكُمْ؟ مهلاً مهلاً .
ويلَكُمْ ! ماذا يغني عنِ البيتِ المظلمِ أنْ يُوضعَ السراجُ فوقَ ظهرِهِ وجوفُهُ
وحِشٌْ مظلمٌ؟ كذلكَ لا يغني عنكُمْ أنْ يكونَ نورُ العلمِ بأفواهِكُمْ وأجوافُكُمْ
منهُ وحشةٌ معطّلةٌ .
يا عبيدَ الدنيا ؛ لا كعبيدٍ أتقياءَ، ولا كأحرارِ كرام ، توشكُ الدنيا أنْ
(١) في ((الوصايا)) (٧٥): (المتحبِّرِين ) بدل ( المتحيِّرِين ) .
٢٢٤
ء
فا

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
تقلعَكُمْ عنْ أُصولِكُمْ فتلقيَكُمْ على وجوهِكُمْ ، ثمَّ تكتّكُمْ على مناخرِكُمْ ، ثمّ
تأخذَ خطاياكُمْ بنواصيكُمْ، ثمَّ يدفعَكُمُ العلمُ مِنْ خلفِكُمْ حتَّى يسلمَكُمْ إلى
الملكِ الديانِ عُراةً فُرادى، فيوقفَكُمْ على سَوْءَاتِكُمْ ثمَّ يجزيَكُمْ بسوءِ
أعمالِكُمْ)(١) .
ثُمَّ قالَ الحارثُ رحمَهُ اللهُ :
إخواني ؛ فهؤلاءِ علماءُ السوءِ ، شياطينُ الإنسِ ، وفتنةٌ على الناسِ ،
رغبوا في عَرَضِ الدنيا ورفعتِها ، وآثروها على الآخرةِ ، وأذلُّوا الدينَ
للدنيا ، فهُمْ في العاجلِ عارٌ وشَينٌ ، وفي الآخرةِ همُ الخاسرونَ أوْ يعفوَ
الکریمُ بفضلِهِ .
٠٥٨٥٠٦
وبعدُ : فإنِّي رأيتُ الهالكَ المؤثرَ للدنيا سرورُهُ ممزوجٌ بالتنغيصِ ،
فيتفجّرُ عنهُ أنواعُ الهموم وفنونُ المعاصي ، وإلى التلفِ والبوارِ مصيرُهُ ،
فيعودُ فرحُ الهالكِ ترحاً ، فلمْ تبقَ لهُ دنياهُ ، ولمْ يسلَمْ لهُ دینُهُ ، خسر الدنيا
والآخرةَ ، ذلكَ هوَ الخسرانُ المبينُ .
فيا لها مِنْ مصيبةٍ ما أفظعَها ! ورزيَّةٍ ما أجلَّها ! ألا فراقبوا اللهَ إخواني ،
ولا يغرّنكُمُ الشيطانُ وأولياؤُهُ من الأنسِ بالحجج الداحضةِ عندَ اللهِ ؛ فإنَّهُمْ
(١) مجمل أقوال سيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام رواها ابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) ( ٥٩/٦٨)، ( ٤٧ /٤٦٠).
٠٠ جة
٢٢٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
يتكالبونَ على الدنيا ، ثمَّ يطلبونَ لأَنفسِهِمُ المعاذيرَ والحججَ ، ويزعمونَ أنَّ
أصحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَتْ لَهُمْ أموالٌ ، فيتزيَّنُ
المغرورونَ بذكرِ الصحابةِ ؛ ليعذرَهُمُ الناسُ على جمع المالِ ، ولقدْ دهاهُمُ
الشيطانُ وما يشعرونَ .
ويحَكَ أيُّها المفتونُ ! إنَّ احتجاجَكَ بمالِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ مكيدةٌ
مِنَ الشيطانِ ينطقُ بها على لسانِكَ لتهلكَ ؛ لأنَّكَ متى زعمتَ أنَّ أخيارَ
الصحابةِ أرادوا المالَ للتكاثرِ والشرفِ والزينةِ .. فقدِ اغتبتَ السادةَ ،
ونسبتَهُمْ إلى أمرٍ عظيمٍ !
ومتى زعمتَ أنَّ جمعَ المالِ الحلالِ أعلى وأفضلُ مِنْ تركِهِ .. فقَدْ أزريتَ
بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والمرسلينَ ، ونسبتَهُمْ إلى قلَّةِ الرغبةِ والزهدِ
في هذا الخيرِ الذي رغبتَ فيهِ أنتَ وأصحابُكَ مِنْ جمع المالِ ، ونسبتَهُمْ
إلى الجهلِ ؛ إِذْ لمْ يجمعوا المالَ كما جمعتَ !
ومتى زعمتَ أنَّ جمعَ المالِ الحلالِ أعلىُ مِنْ تركِهِ .. فقدْ زعمتَ أنَّ
رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ ينصح الأمَّةَ؛ إذْ نهاهُمْ عنْ جمعِ المالِ ،
وقدْ علمَ أنَّ جمعَ المالِ خيرٌ للأمةِ ؛ فقدْ غشَّهُمْ بزعمِكَ حينَ نهاهُمْ عنْ جمع
المالِ ، كذبتَ ورِّ السماءِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، لقدْ كانَ
للأمّةِ ناصحاً ، وعليهِمْ مشفقاً ، وبِهِمْ رؤوفاً .
ومتى زعمتَ أنَّ جمعَ المالِ أفضلُ .. فقدْ زعمتَ أنَّ اللهَ تعالى لمْ ينظرُ
٢٢٦

حز
كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
لعبادِهِ حينَ نهاهُمْ عنْ جمع المالِ وقدْ علمَ أنَّ جمعَ المالِ خيرٌ لَهُمْ ، أوْ
زعمتَ أنَّ اللهَ تعالى لمْ يعلمْ أنَّ الفضلَ في الجمع ؛ فلذلكَ نهاهُمْ عنهُ ،
وأنتَ عليمٌ بما في المالِ مِنَ الخيرِ والفضلِ ، فلذلكَ رغبتَ في الاستكثارِ ؛
كأنَّكَ أعلمُ بموضع الخيرِ والفضلِ مِنْ ربِّكَ ، تعالى اللهُ عنْ جهلِكَ .
أيُّها المفتونُ ؛ تدبَرْ ما دهاكَ بهِ الشيطانُ حينَ زيَّنَ لكَ الاحتجاجَ بمالٍ
الصحابةِ ، ويحَكَ ! ما ينفعُكَ الاحتجاجُ بمالِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وقدْ
وذَّ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ في القيامةِ أنَّهُ لمْ يُؤتَ مِنَ الدنيا إلا قوتاً ؟! ولقدْ
بلغني أنَّهُ لما تُوفيَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رضيَ اللهُ عنهُ .. قالَ أناسٌ مِنْ
أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّا نخافُ على عبدِ الرحمانِ فيما
تركَ ، فقالَ كعبٌ : سبحانَ اللهِ! وما تخافونَ على عبدِ الرحمنِ ؟ كسبَ
طيباً ، وأنفقَ طيباً ، وتركَ طيباً ، فبلغَ ذلكَ أبا ذرٍّ، فخرجَ مُغضَباً يريدُ
كعباً ، فمرَّ بعظمٍ لحي بعيرٍ ، فأخذَهُ بيدِهِ ، ثمَّ انطلقَ يطلبُ كعباً ، فقيلَ
لكعب : إنَّ أبا ذرٍّ يطلبُكَ، فخرجَ هارباً، حتَّى دخلَ على عثمانَ رضيَ اللهُ
عنهُ يستغيثُ بهِ ، وأخبرَهُ الخبرَ ، وأقبلَ أبو ذرٍّ يقتصُّ الأثرَ في طلبٍ كعبٍ ،
حتَّى انتهى إلى دارٍ عثمانَ ، فلمَّا دخلَ .. قامَ كعبٌ فجلسَ خلفَ عثمانَ
هارباً مِنْ أبي ذرٍّ، فقالَ لَهُ أبو ذرٍّ: هيهِ يا بنَ اليهوديةِ ؛ تزعمُ أنْ لا بأسَ بما
تركَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ؟! لقدْ خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
يوماً نحوَ أَحُدٍ وأنا معَهُ ، فقالَ : (( يا أبا ذرِّ)) ؛ قلتُ : لبيكَ يا رسولَ اللهِ ،
فقالَ: ((الأكثرونَ همُ الأقلُّونَ يومَ القيامةِ ، إلا مَنْ قالَ هكذا وهكذا عَنْ
٢٢٧

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
. وإلي
يمينهِ وشمالِهِ وقدَّامِهِ وخلفِهِ، وقليلٌ ما هُمْ))، ثمّ قالَ: (( يا أبا ذرٍّ))؛
قلتُ : نعمْ يا رسولَ الله ؛ بأبي أنتَ وأمي ، قالَ : (( ما يسرّني أنَّ لي مثلَ
أُحدٍ ذهباً أنفقُهُ في سبيلِ اللهِ ، أموتُ يومَ أموتُ وأتركُ منهُ قيراطينٍ )) ،
قلتُ: أوْ قنطارينِ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((بلْ قيراطانِ))، ثمَّ قالَ: (( يا أبا
ذرّ؛ أنتَ تريدُ الأكثرَ وأنا أريدُ الأقلَّ؟!))، فرسولُ اللهِ يريدُ هذا وأنتَ
تقولُ يا بنَ اليهوديةِ : لا بأسَ بما تركَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ؟! كذبتَ
وكَذَبَ مَنْ قالَ ، فلمْ يردَّ عليهِ حرفاً حتَّى خرجَ (١) .
وبلغَنا أنَّ عبدَ الرحمانِ بنَ عوفٍ قدمَتْ عليهِ عيرٌ مِنَ اليمنِ ، فضجَّتٍ
المدينةُ ضجةٌ واحدةٌ ، فقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ما هذا؟ فقيلَ : عيرٌ
قدمَتْ لعبدِ الرحمنِ ، قالَتْ: صدقَ اللهُ ورسولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فبلغَ ذلكَ عبدَ الرحمنِ ، فسألَها ، فقالَتْ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنِّي رأيتُ الجنَّةَ، فرأيتُ فقراءَ المهاجرينَ والمسلمينَ
(١) الحديث المرفوع الذي ورد ضمن بلاغ الحارث رحمه الله تعالى رواه البخاري
(٦٤٤٤)، ومسلم (٩٤)، كتاب الزكاة ، باب الترغيب في الصدقة ، ولقاء أبي ذر
بعثمان رضي الله عنهما وحديثهما عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه رواه أحمد
في ((المسند)) (٦٣/١) وفيه: أن أبا ذر جاء يستأذن على عثمان بن عفان رضي الله
عنه ، فأذن له وبيده عصاه ، فقال عثمان رضي الله عنه : يا كعب ؛ إن عبد الرحمن
توفي وترك مالاً ، فما تری فیه ؟ فقال : إن کان یصل فهي حق الله .. فلا بأس عليه ،
فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعباً وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(( ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهباً أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي منه ست أواق))،
أنشدك الله يا عثمان ؛ أسمعته ؟ ثلاث مرات ، قال : نعم .
٢٢٨

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
يدخلونَ سعياً ولمْ أرَ أحداً مِنَ الأغنياءِ يدخُلُها معَهُمْ إلا عبدَ الرحمنِ بنَ
عوفٍ، رأيتُهُ يدخلُها معَهُمْ حبواً))، فقالَ عبدُ الرحمنِ: ((إنَّ العيرَ وما عليها
في سبيلِ اللهِ، وإنَّ أرقَّاءَها أحرارٌ، لعلِّي أدخلُها معَهُمْ سعياً))(١) .
وبلغَنا أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لعبدِ الرحمانِ بنِ عوفٍ: ((أمَا
إِنَّكَ أوَّلُ مَنْ يدخلُ الجنَّةَ مِن أغنياءِ أُمَّتي وما كدتَ أنْ تدخلَها إلا حبواً)» (٢).
ويحَكَ أيُّها المفتونُ ! فما احتجاجُكَ بالمالِ وهذا عبدُ الرحمنِ بن
عوفٍ في فضلِهِ وتقواهُ ، وصنائعِهِ المعروفةِ ، وبذلِهِ الأموالَ في سبيلِ اللهِ ،
معَ صُحبتِهِ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وبشراهُ بالجنةِ(٣) .. يُوقَفُ في
عرْصَةِ القيامةِ وأهوالِها بسببِ مالٍ كسبهُ مِنْ حلالٍ للتعقُّفِ ، ولصنائع
المعروفِ، وأنفقَ منهُ قصداً ، وأعطى في سبيلِ اللهِ سحّاً ، مُنِعَ مِنَ السعيِ
إلى الجنةِ معَ فقراءِ المهاجرينَ ، وصارَ يحبو في آثارِهِمْ حبواً! فما ظنُّكُمْ
بأَمثالنا الغرقى في فتنِ الدنيا ؟!
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١١٥/٦) دون ذكر فقراء المهاجرين والمسلمين .
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١١/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٠٦٤)
ولفظه: (( يا بن عوف؛ إنك من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إلا زحفاً ... ))، وروى
أبو نعيم في (( فضائل الخلفاء الراشدين)) (١١٩) من حديث أنس رضي الله عنه
مرفوعاً: (( أول من يدخل علينا من أغنياء الجنة عبد الرحمن بن عوف)).
(٣) بشراه صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالجنة مع بقية العشرة
رواه أبو داوود (٤٦٤٩)، والترمذي (٣٧٤٨)، فضلاً عن الأحاديث التي أوردها
المصنف رحمه الله تعالى .
٢٢٩

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وبعدُ : فالعجبُ كلُّ العجبِ لكلِّ مفتونٍ تمرَّغَ في تخاليطِ الشبهاتِ
والسحتِ ، وتكالبَ على أوساخ الناسِ ، وهوَ يتقلَّبُ في الشهواتِ والزينةِ
والمباهاةِ ، ويتقلبُ في فتنِ الدنيا ، ثم يحتجُّ بعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ،
وتزعمُ أنَّكَ إنْ جمعتَ المالَ .. فقدْ جمعَهُ الصحابةُ ؟! كأنَّكَ أشبهتَ السلفَ
وفعلَهُمْ ، ويحَكَ ! إنَّ هذا مِنْ قياسٍ إبليسَ ، ومِن فُتْيَاهُ لأوليائِهِ .
وسأصفُ لكَ أحوالَكَ وأحوالَ السلفِ؛ لتعرفَ فضائحَكَ وفضلَ الصحابةِ .
ولعمري ؛ لقدْ كانَ لبعضٍ الصحابةِ أموالٌ أرادوها للتعفُّفِ والبذلِ في
سبيلِ اللهِ ، فكسبوا حلالاً ، وأكلوا طيباً ، وأنفقوا قصداً ، وقدَّموا فضلاً ،
ولمْ يمنعوا منها حقّاً ، ولمْ يبخلوا بها ، لكنَّهُمْ جادوا للهِ بأكثرِها ، وجادَ
بعضُهُمْ بجميعِها ، وفي الشدَّةِ آثروا اللهَ على أنفسِهِمْ كثيراً ، فيا للهِ ! أكذلكَ
أنتَ ؟! واللهِ ؛ إنَّكَ لبعيدُ الشبهِ بالقومِ .
وبعدُ : فإنَّ أخيارَ الصحابةِ كانوا للمسكنةِ محبِّينَ ، ومِنْ خوفِ الفقرِ
آمنينَ ، وباللهِ في أرزاقِهِمْ واثقينَ ، وبمقاديرِ اللهِ مسرورينَ ، وفي البلاءِ
راضينَ ، وفي الرخاءِ شاكرينَ ، وفي الضرَّاءِ صابرينَ ، وفي السرَّاءِ
حامدينَ ، وكانوا للهِ متواضعينَ ، وعنْ حبِّ العلوِّ والتكاثرِ ورعينَ ، لَمْ
ينالوا مِنَ الدنيا إلا المباحَ لهُمْ، ورضوا بالبُلْغةِ منها ، ورفضوا الدنيا ،
وصبروا على مكارِهِها ، وتجرَّعوا مرارتها ، وزهدوا في نعيمِها وزهرتِها ،
فيا للهِ ! أكذلكَ أنتَ ؟!
٢٣٠

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
ولقدْ بلغَنا أنَّهُمْ كانوا إذا أقبلَتِ الدنيا عليهِمْ .. حزنوا ، وقالوا : ذنبٌ
عُجِّلَتْ عقوبتُهُ مِنَ اللهِ تعالى، وإذا رأَوا الفقرَ مقبلاً .. قالوا : مرحباً بشعارٍ
.(١)
الصالحين
وبلغَنا أنَّ بعضَهُمْ كانَ إذا أصبحَ وعندَ عيالِهِ شيءٌ .. أصبحَ كئيباً حزيناً ،
وإذا لمْ يكنْ عندَهُمْ شيءٌ .. أصبحَ فرحاً مسروراً، فقيلَ لهُ : إِنَّ الناسَ إذا
لمْ يكنْ عندَهُمْ شيءٌ .. حزنوا، وإذا كانَ عندَهُمْ شيءٌ .. فرحوا، وأنتَ
لستَ كذلكَ ، فقالَ: إنِّي إذا أصبحتُ وليسَ عندَ عيالي شيءٌ .. فرحتُ ؛
إذْ كانَ لي بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أسوةٌ ، وإذا كانَ عندَ عيالي شيءٌ ..
اغتممتُ ؛ إذْ لمْ يكنْ لي بآلِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أسوةٌ .
وبلغَنا أنَّهُمْ كانوا إذا سُلكَ بهِم سبيلُ الرخاءِ .. حزنوا وأشفقوا ،
وقالوا : ما لنا وللدنيا وما يُراد بها ؟ فكأنَّهُمْ على جناح خوفٍ ، وإذا سُلكَ
بِهِمْ سبيلُ البلاءِ .. فرحوا واستبشروا، وقالوا: الآنَ تعاهدَنا ربُّنا .
فهذهِ أحوالُ السلفِ ونعتُهُمْ ، وفيهِمْ مِنَ الفضلِ أكثرُ ممَّا وصفنا ، فيا
اللهِ! أكذلكَ أنتَ ؟! إِنَّكَ لبعيدُ الشبهِ بالقومِ .
وسأصفُ لكَ أحوالَكَ - أيُّها المفتونُ - ضدّاً لأحوالِهِمْ، وذلكَ أنَّكَ
تطغى عندَ الغنى، وتبطَرُّ في الرخاءِ ، وتمرحُ عندَ السرَّاءِ ، وتغفُلُ عنْ شكرِ
ـون
(١) كما روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٥/٦) عن كعب قال: (إن الرب تعالى قال لموسى
عليه السلام : يا موسى ؛ إذا رأيت الغنى مقبلاً .. فقل : ذنب عجلت عقوبته، وإذا
رأيت الفقر مقبلاً .. فقل : مرحباً بشعار الصالحين ) ، وقد تقدم .
٢٣١
@r

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
ذي النعماءِ، وتقنطُ عندَ الضرّاءِ، وتسخطُ عندَ البلاءِ ، ولا ترضى بالقضاءِ،
نعمْ ، وتبغضُ الفقرَ ، وتأنفُ مِنَ المسكنةِ ، وذلكَ فخرُ المرسلينَ ، وأنتَ
تأنفُ مِنْ فخرِهِمْ ، وتدخرُ المالَ وتجمعُهُ ؛ خوفاً مِنَ الفقرِ ، وذلكَ مِنْ سوءِ
الظنِّ باللهِ عزَّ وجلَّ وقلَّةِ اليقينِ بضمانِهِ ، وكفى بهِ إثماً .
وعساكَ تجمعُ المالَ لنعيمِ الدنيا وزهرتها ، وشهواتِها ولذاتِها ، ولقد
بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( شرارُ أمَّتي الذينَ غُذوا
بالنعيمِ ونبتَتْ عليهِ أجسامُهُمْ)) (١) .
وبلغَنا أنَّ بعضَ أهلِ العلمِ قالَ : ليجيئنَّ يومَ القيامةِ قومٌ يطلبونَ حسناتٍ
لُهُمْ، فيُقالُ لهُمْ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيَِّتِّكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا﴾، وأنتَ في
غفلةٍ قدْ حُرمتَ نعيم الآخرةِ بسببٍ نعيمِ الدنيا ، فيالَها حسرةً ومصيبةً !
نعمْ ، وعساكَ تجمعُ المالَ للتكاثرِ والعلوِّ والفخرِ والزينةِ في الدنيا ،
وقدْ بلغَنا أنَّ مَنْ طلبَ الدنيا للتكاثرِ أوْ للتفاخرِ .. لقيَ اللهَ وهوَ عليهِ
غضبانُ(٢)، وأنتَ غيرُ مكترثٍ بما حلَّ بكَ مِنْ غضبِ اللهِ حينَ أردتَ التكاثرَ
والعلوَّ .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٥٠)، وابن عدي في ((الكامل))
(٣١٨/٥) من حديث السيدة فاطمة رضي الله عنها، ورواه الطبراني في (( الكبير))
(١٠٧/٨)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٦/ ٩٠) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٢٦٢٥)، وابن أبي الدنيا في ((العيال))
(٣٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٠٩/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٨٩٠) من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً .
٢٣٢

ربع المهلكات
محد
كتاب ذم المال والبخل
نعمْ، وعساكَ المكثُ في الدنيا أحبُّ إليكَ مِنَ النُّقْلةِ إلى جوارِ اللهِ
تعالى ؟! وأنتَ تكرهُ لقاءَ اللهِ، واللهُ للقائِكَ أكرَهُ، وأنتَ في غفلةٍ .
وعساكَ تأسفُ على ما فاتَكَ مِنْ عرضِ الدنيا، وقدْ بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ قالَ : ((مَن أَسِفَ علىْ دُنيا فاتَتْهُ .. اقترَبَ مِنَ النارِ مسيرةَ شهرٍ ،
وقيلَ : سنةٍ ))(١)، وأنتَ تأسفُ على ما فاتَكَ غيرَ مكترثٍ بقرِكَ مِنْ عذابِ اللهِ .
نعمْ ، ولعلَّكَ تخرجُ مِنْ دينِكَ أحياناً لتوفيرِ دنياكَ ، وتفرحُ بإقبالِ الدنيا
عليكَ ، وترتاحُ لذلكَ سروراً بها ، وقدْ بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ قالَ: (( مَنْ أحبَّ الدنيا وسُزَّ بها .. ذهبَ خوفُ الآخرةِ مِنْ
قلبهِ))(٢).
وبلغَنا أنَّ بعضَ أهلِ العلم قالَ : إنَّك مُحاسبٌ على التحزُّنِ على ما فاتَكَ
مِنَ الدنيا ، ومُحاسبٌ بفرحِكَ في الدنيا إذا قدَرتَ عليها ، وأنت فرحٌ بدنياكَ
وقدْ سُلبتَ الخوفَ مِنَ اللهِ تعالى .
(١) قال الحافظ العراقي: (رويناه في كتاب (( القربة)) لأبي حفص العتكي من رواية
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: (( مسيرة ألف سنة)) ، وإسناده ضعيف ،
ورويناه في الجزء الثاني عشر من ((فوائد الخلعي)) من هذا الوجه). ((إتحاف))
(٢١٩/٨)، وذكره المتقي الهندي في (( كنز العمال)) (٦١٤٧) وعزاه للرازي في
مشيخته عن ابن عمر رضي الله عنهما .
(٢) قد رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (١٦٩) عن الحسن، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٧٩/٧) عن سفيان الثوري، وقال الحافظ العراقي: ( لم أجده إلا بلاغاً للحارث بن
أسد كما ذكره المصنف عنه). ((إتحاف)) ( ٢١٩/٨).
٢٣٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وعساكَ تُعنى بأمورِ دُنياكَ أضعافَ ما تُعنى بأمورٍ آخرتِكَ .
وعساكَ ترى أنَّ مصيبتكَ في معاصيكَ أهونُ مِنْ مصيبتِكَ في انتقاصٍ
دُنياكَ ، نعمْ، وخوفَكَ مِنْ ذهابِ مالِكَ أكثرُ مِنْ خوفِكَ مِنَ الذنوبِ .
وعساكَ تبذلُ للناسِ ما جمعتَ مِنَ الأوساخ كلُّها للعلوِّ والرفعةِ في
الدنيا ، وعساكَ تُرضي المخلوقينَ بمساخطِ اللهِ تعالى كيما تُكرَّمَ وتُعَّمَ ؛
ويحَكَ! فكأنَّ احتقارَ اللهِ تعالىُ لكَ في القيامةِ أهونُ عليكَ مِنِ احتقارِ الناسِ
إِيَّاكَ .
وعساكَ تخفي مِنَ المخلوقينَ مساوئَكَ ولا تكترثُ باطلاعِ اللهِ عليكَ
فيها ، فكأنَّ الفضيحةَ عندَ اللهِ تعالى أهونُ عليكَ مِنَ الفضيحةِ عندَ الناسِ ،
فكأنَّ العبيدَ أعلى عندَكَ قدراً مِنَ اللهِ ، تعالى اللهُ عنْ جهلِكَ !
فكيفَ تنطقُ عندَ ذوي الألبابِ وهذهِ المثالبُ فيكَ ؟! أفِّ لكَ، متلوّثٌ
بالأقذارِ وتحتجُّ بمالِ الأبرارِ ؟!
هيهاتَ هيهاتَ! ما أبعدَكَ مِنَ السلفِ الأخيارِ ! واللهِ ؛ لقدْ بلغَني أنَّهُمْ
كانوا فيما أُحلَّ لهُمْ أزهدَ منكُمْ فيما حُرِّمَ عليكُمْ ، إنَّ الذي لا بأسَ بهِ عندَكُمْ
كانَ مِنَ الموبقاتِ عندَهُمْ(١) ، وكانوا للزَّلَّةِ الصغيرةِ أشدَّ استعظاماً منكُمْ لكبائرِ
المعاصي ، فليتَ أطيبَ مالِكَ وأحلَّهُ مثلُ شبهاتِ أموالِهِمْ ، وليتَكَ أشفقتَ
(١) ففي ((القوت)) (٢٥٥/١) عن الحسن : ( رأيت سبعين بدرياً كانوا - والله - فيما
أحل الله تعالى لهم أزهد منكم فيما حرم الله تعالى عليكم ) .
٢٣٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
مِن سيئاتِكَ كما أشفقوا مِنْ حسناتِهِمْ ألا تُقُبلَ منهُمْ ، وليتَ صومَكَ على مثلٍ
إفطارِهِمْ، وليتَ اجتهادَكَ في العبادةِ مثلُ فتورِهِمْ ونومِهِمْ ، وليتَ جمیعَ
حسناتكِ مثلُ واحدةٍ مِنْ حسناتِهِمْ ، وقدْ بلغَني عنْ بعضِ الصحابةِ أنَّهُ قالَ :
( غنيمةُ الصدِّيقينَ ما فاتَهُمْ مِنَ الدنيا ، ونهمتُهُمْ ما زُويَ عنْهُمْ مِنْها ، فمَنْ
لمْ يكنْ كذلكَ .. فليسَ معَهُمْ في الدنيا ، ولا معَهُمْ في الآخرِةِ ﴾ .
فسبحانَ اللهِ ! كمْ بينَ الفريقينِ مِنَ التفاوتِ ، فريقُ خيارِ الصحابةِ في
العلوِّ عندَ اللهِ، وفريقُ أمثالِكُمْ في السفالةِ (١) أوْ يعفوَ اللهُ الكريمُ بفضلِهِ .
وبعدُ : فإنَّكَ إنْ زعمتَ أَنَّكَ متأسٌّ بالصحابةِ بجمع المالِ للتعقُّفِ
والبذلِ في سبيلِ اللهِ .. فتدبرْ أمرَك، ويحَكَ! هلْ تجدُ مِنَ الحلالِ في
دهرِكَ كما وجدوا في دهرِهِمْ؟ أوَتحسبُ أنَّكَ محتاطٌ في طلبِ الحلالِ كما
احتاطوا ؟!
لقدْ بلغَني أنَّ بعضَ الصحابةِ قالَ : ( كنَّا ندعُ سبعينَ باباً مِنَ الحلالِ
مخافةَ أنَّ نقعَ في بابٍ مِنَ الحرامِ )(٢) ، أفتطمعُ مِنْ نفسِكَ في مثلِ هذا
الاحتياطِ ؟! لا وربّ الكعبةِ ؛ ما أحسبُكَ كذلكَ .
ويحَكَ ! كنْ على يقينٍ أنَّ جمعَ المالِ لأعمالِ البرِّ مكرٌ مِنَ الشيطانِ
ليوقعَكَ بسببِ البرِّ في كتسابِ الشبهاتِ الممزوجةِ بالسحتِ والحرامِ ، وقَدْ
(١) وعبارة الإمام المحاسبي: ( فريق مع خيار الصحابة ... ، وفريق مع أمثالهم في
الأسفلين ) .
(٢) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص ٢١٠) عن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
٢٣٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
بلَغَنا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( مَن اجترأَّ على الشبهاتِ ..
أوشكَ أنْ يقعَ في الحرامِ))(١) .
أيُّها المغرورُ ؛ أما علمتَ أنَّ خوفَكَ مِنِ اقتحام الشبهاتِ أعلى وأفضلُ
وأعظمُ لقذْرِكَ عندَ اللهِ مِنِ اكتسابِ الشبهاتِ وبذلِها في سبيلِ اللهِ تعالى
وسبيلِ البرِّ؟ بلغَنا ذلكَ عنْ بعضِ أهلِ العلمِ، قالَ: ( لأَنْ تدعَ درهماً
واحداً مخافةً ألا يكونَ حلالاً خيرٌ لكَ مِنْ أنْ تتصدَّقَ بألفِ دينارٍ مِنْ شبهةٍ
لا تدري أيحلُ لكَ أمْ لا ) .
فإنْ زعمتَ أَنَّكَ أتقى وأورعُ مِنْ أنْ تتلبّسَ بالشبهاتِ ، وإنَّما تجمعُ المالَ
بزعمِكَ مِنَ الحلالِ للبذلِ في سبيلِ اللهِ تعالى ، ويحَكَ ! إنْ كنتَ كما زعمتَ
بالغاً في الورع .. فلا تتعرضْ للحسابِ ؛ فإِنَّ خيارَ الصحابةِ خافوا
المسألةَ، وقدْ بلغَنا أنَّ بعضَ الصحابةِ قالَ : ( ما سرَّني أنْ أكتسبَ كلَّ يومٍ
ألفَ دينارٍ مِنْ حلالٍ وأنفقَها في طاعةِ اللهِ ولمْ يشغلني الكسبُ عنْ صلاةِ
الجماعةِ ، قالوا : ولمَ ذلكَ رَحمَكَ اللهُ؟ قالَ : لأنِّي غنيٌّ عنْ مقامِ يومَ
القيامةِ ، فيقولُ : عبدي ؛ مِنْ أينَ اكتسبتَ؟ وفي أيُّ شيءٍ أنفقتَ؟ )(٢)
(١) رواه البخاري (٢٠٥١) ولفظه عنده: ( ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم ..
أوشك أن يواقع ما استبان ) ، ومسلم ( ١٥٩٩ ) بنحوه ، وقد تقدم .
(٢) روى أبو نعيم في «الحلية)) (٢٠٩/١) عن عمرو بن مرة قال : قال أبو الدرداء : بعث
النبي صلى الله عليه وسلم وأنا تاجر ، فأردت أن تجتمع لي العبادة والتجارة ، فلم
يجتمعا ، فرفضت التجارة وأقبلت على العبادة ، والذي نفس أبي الدرداء بيده ؛
ما أحب أن لي اليوم حانوتاً على باب المسجد لا يخطئني فيه صلاة ، أربح فيه كل يوم =
٢٣٦

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
فهؤلاءِ المتقونَ كانوا في جدَّةِ الإسلام(١)، والحلالُ موجودٌ لديهمْ ..
تركوا المالَ وجلّاً مِنَ الحسابِ ؛ مخافةَ ألا يقومَ خيرُ المالِ بشرِّهِ ، وأنتَ مِنْ
نفايةِ الأمةِ، والحلالُ في دهرِكَ مفقودٌ .. تتكالبُ على الأوساخِ ، ثُمَّ تزعمُ
أنَّكَ تجمعُ المالَ مِنَ الحلالِ ، ويحَكَ! وأينَ الحلالُ فتجمعَهُ ؟!
وبعدُ : فلوْ كانَ الحلالُ موجوداً لديكَ .. أما تخافُ أنْ يتغيرَ عندَ الغنى
قلبُكَ ؟ وقدْ بلغَنا أنْ بعضَ الصحابةِ كانَ يرثُ المالَ الحلالَ فيتركُهُ ؛ مخافةً
أنْ يفسِدَ قلبَهُ ، أفتطمعُ أنْ يكونَ قلبُكَ أتقىُ مِنْ قلوبِ الصحابةِ ، فلا يزولَ
عن شيءٍ مِنَ الحقِّ في أمرِكَ وأحوالِكَ؟! لئنْ ظَنتَ ذلكَ .. لقدْ أُحسنتَ
الظنَّ بنفسِكَ الأمارةِ بالسوءِ.
ويحَكَ ! إنِّي لكَ ناصحٌ ، أرى لكَ أنْ تقنعَ بالبُلْغَةِ ، ولا تجمعَ المالَ
لأعمالِ البرِّ، ولا تتعرَّضَ للحسابِ، فإنَّهُ بلغَنا عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((مَنْ نُوقشَ الحسابَ .. عُذِّبَ))(٢)، وقالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((يُؤتى برجلٍ يومَ القيامةِ وقدْ جمعَ مالاً مِنْ حرامٍ ، فأنفقَهُ في
حرام ، فيُقالُ : اذهبوا بهِ إلى النارِ ، ويُؤتى برجلٍ قدْ جمعَ مالاً مِنْ حلالٍ
وأنفقَهُ في حرام ، فيُقالُ : اذهبوا بهِ إلى النارِ ، ويُؤتَى برجلٍ قدْ جمعَ مالاً
= أربعين ديناراً وأتصدق بها كلها في سبيل الله ، قيل له : يا أبا الدرداء ؛ وما تكره من
ذلك ؟ قال : شدة الحساب .
(١) أي: في أوَّله ونشاطه. ((إتحاف)) (٢٢١/٨).
(٢) رواه البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦).
٢٣٧

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
مِنْ حرامٍ وأنفقَهُ في حلالٍ ، فيُقالُ : اذهبوا بهِ إلى النارِ ؛ ويُؤتى برجلٍ قدْ
جمعَ مالاً مِنْ حلالٍ وأنفقَهُ في حلالٍ ؛ فيُقالُ لهُ : قفْ ؛ لعلَّكَ أضررتَ في
طلب هذا بشيءٍ ممَّا فرضتُ عليكَ ؛ مِنْ صلاةٍ لمْ تصلُّها لوقتِها ، أوْ فَرَّطتَ
في شيءٍ مِنْ ركوعِها وسجودِها ووضوئِها ، فيقولُ : لا يا ربِّ ؛ كسبتُ مِنْ
حلالٍ وأنفقتُ في حلالٍ ، ولمْ أضيِّعْ شيئاً ممَّا فرضتَ عليَّ، فيُقالُ : لعلَّكَ
اختلتَ في هذا المالِ في شيءٍ مِنْ مركبٍ أوْ ثوبٍ باهيتَ بهِ ، فيقولُ : لا يا
ربِّ ؛ لمْ أختلْ ، ولمْ أباهِ في شيءٍ ، فيُقالُ: لعلَّكَ منَعتَ حقَّ أحدٍ أمرتُكَ
أنْ تعطيَهُ مِنْ ذوي القربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ ، فيقولُ : لا یا
ربِّ؛ كسبتُ مِنْ حلالٍ ، وأنفقتُ في حلالٍ ، ولمْ أضيِّعْ شيئاً ممَّا فرضتَ
عليَّ، ولمْ أختلْ، ولمْ أباهِ ، ولمْ أمنعْ حقَّ أحدٍ أمرتَنَي أنْ أعطيَهُ ، قالَ :
فيجيءُ أولئكَ فيخاصمونَهُ ، فيقولونَ: يا ربِّ ؛ أعطيتَهُ وأغنيتَهُ، وجعلتَهُ
بينَ أظهرِنا ، وأمرتَهُ أنْ يعطيَنا ، فإنْ كانَ أعطاهُمْ، وما ضيّع معَ ذلكَ شيئاً
مِنَ الفرائضِ ، ولمْ يختلْ في شيءٍ .. فيُقالُ: قفِ الآنَ ، هاتِ شكرَ كلِّ
نعمةٍ أنعمتُها عليكَ مِنْ أكلةٍ أوْ شربةٍ أوْ لذَّةٍ، فلا يزالُ يُسألُ))(١).
ويحَكَ ! فمَنِ الذي يتعرَّضُ لهذهِ المساءلةِ التي كانَتْ لهذا الرجلِ الذي
تقلَّبَ في الحلالِ ، وقامَ بالحقوقِ كلُّها ، وأدَّى الفرائضَ بحدودِها ؛
حُوسِبَ هذهِ المحاسبةَ؟! فكيفَ تراهُ يكونُ حالُ أمثالِنا ؛ الغرقى في فتنِ
(١) كذا أورده المحاسبي في ((الوصايا)) (ص ٨٦)، قال الحافظ العراقي: ( الحديث
بطوله لم أقف له على أصل). ((إتحاف)) (٢٢١/٨).
٢٣٨

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
الدنيا وتخاليطِها وشبهاتِها وشهواتِها وزينتِها ؟!
ويحَكَ ! لأجلِ هذه المساءلةِ يخافُ المتقونَ أنْ يتلبَّسوا بالدنيا ، فرضوا
بالكفافِ منها ، وعملوا بأنواع البرِّ مِنْ كسبِ المالِ، فلكَ ـ ويحَكَ - بهؤلاءِ
الأخيار أسوةٌ ، فإنْ أبيتَ ذلكَ، وزعمتَ أنَّكَ بالغٌّ في الورع والتقوى ، ولمْ
تجمع المالَ إلا مِنْ حلالٍ - بزعمِكَ - للتعفُّفِ والبذلِ في سبيلِ اللهِ ، ولمْ
تنفقُ شيئاً مِنَ الحلالِ إلا بحقِّ ، ولمْ يتغيَّرْ بسببِ المالِ قلبُكَ عمَّا يحبُّ اللهُ،
ولمْ تسخِطِ اللهَ في شيءٍ مِنْ سرائرِكَ وعلانيتِكَ، ويحَكَ ! فإنْ كنتَ كذلكَ -
ولستَ كذلكَ - فقَدْ ينبغي لكَ أنْ ترضىُ بالبُلغةِ ، وتعتزلَ ذوي الأموالِ إذا
وُقفوا للسؤالِ ، وتسبقَ معَ الرعيلِ الأوَّلِ في زمرةِ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ لا حبسَ عليكَ للمساءلةِ والحسابِ ، فإمَّا سلامةٌ وإمَّا عطبٌ ، فإنَّهُ
بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: « يدخلُ صعاليكُ المهاجرينَ
قبلَ أغنيائِهِمُ الجنَّةَ بخمس مئة عام))(١)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
« يدخلُ فقراءُ المؤمنينَ الجنَّةَ قبلَ أغنيائِهِمْ، فيتمتعونَ ويأكلونَ والآخرونَ
جناةٌ على ركبهِمْ، فيقولُ اللهُ: قبلكُمْ طُلْبتي، أَنتُمْ حَكَّامُ النَّاسِ وملوكُهُمْ،
فأروني ماذا صنعتُمْ فيما أعطيتُكُمْ؟))(٢).
(١) رواه أبو داوود (٣٦٦٦) ولفظه: ((أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور
التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم ، وذاك خمس مئة
سنة )) .
(٢) الحديث بهذا اللفظ وتمامه أورده المحاسبي في ((الوصايا)) ( ص ٨٨)، وقال الحافظ
العراقي: ( لم أر له أصلاً). ((إتحاف)) (٢٢٢/٨)، وصدره وهو قوله صلى الله =
٢٣٩

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وبلغَنا أنَّ بعضَ أهلِ العلم قالَ : ما يسرُّني أنَّ لي حمرَ النَّعم ولا أكونُ
في الرعيلِ الأوَّلِ معَ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وحزِهِ (١) .
يا قوم ؛ فاستبقوا السباقَ معَ المخفِّينَ في زمرةِ المرسلينَ ، وكونوا
وجلينَ مِنَ التخلُّفِ والانقطاع عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كما وجِلَ
المتقونَ .
وقدْ بلغَنا أنَّ بعضَ الصحابةِ عطشَ فاستسقىُ ، فأَتَيَ بشربةٍ مِنْ ماءِ
وعسلٍ ، فلمَّا ذاقَهُ .. خنقَتْهُ العَبرةُ، ثمَّ بكى وأبكى، ثمَّ مسحَ الدموعَ عنْ
وجهِهِ ، وذهبَ ليتكلَّمَ ، فعادَ في البكاءِ ، فلمَّا أكثرَ البكاءَ .. قيلَ لهُ : أكلُّ
هذا مِنْ أجلِ هذهِ الشربةِ ؟ قالَ : نعمْ ، بينا أنا يوماً عندَ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وما معَهُ في البيتِ أحدٌ غيرِي ، فجعلَ يدفعُ عنْ نفسِهِ
ويقولُ : ((إليكِ عنِّي))، فقلتُ لهُ: فداكَ أبي وأمّي ؛ ما أرىُ بينَ يديكَ
أحداً ، فمَنْ تخاطبُ ؟ فقالَ: (( هذهِ الدنيا تطاولَتْ إليَّ بعنُقِها ورأسِها ،
فقالَتْ لي : يا محمَّدُ ؛ خذْني ، فقلتُ : إليكِ عنِّي ، فقالَتْ : إنْ تنجُ مِنِّي
يا محمدُ .. فإنَّهُ لا ينجو مِنِّي مَنْ بعدَكَ))، فأخافُ أنْ تكونَ هذهِ قَدْ لحقَتْي
حن:
عليه وسلم: (( يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم)) رواه الترمذي (٢٣٥٤)
=
وزاد: ((بنصف يوم، وهو خمس مئة عام))، وروى أحمد في ((الزهد)) (١٦٤٨) عن
الحسن قوله : ( يحشر الأمراء والأغنياء ، فيقول لهم : إنكم كنتم حكام المسلمين ،
وأهل الغنى قبلكم طلبتي ) ، وفي (ج): ( مثلكم ) بدل ( قبلكم ) .
(١) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢٢٢/٨): (رواه صاحب ((القوت)) عن
سعيد بن عامر ، عن جذيم رضي الله عنه نحوه ) .
٢٤٠