النص المفهرس

صفحات 181-200

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وأنشدَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ لنفسِهِ (١):
[من البسيط]
يا لَهْفَ قَلْبِي عَلَى مالٍ أُفَرَّقُهُ عَلَى الْمُقِلِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءاتِ
مَا لَيْسَ عِنْدِي لَمِنْ إِحْدَى الْمُصِيباتِ
إِنَّ اعْتِذَارِي إِلَى مَنْ جاءَ يَسْأَلُنِي
وعنِ الربيع بن سليمانَ قالَ: أخذَ رجلٌ بركابِ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ ،
فقالَ: يا ربيعُ ؛ أعطِهِ أربعةَ دنانيرَ واعتذر إليهِ عنِّي(٢) .
ميت
وقالَ الربيعُ : سمعتُ الحميديَّ يقولُ : قدمَ الشافعيُّ مِنْ صنعاءَ إلى مكةَ
بعشرةِ آلافٍ دينارٍ ، فضربَ خباءَهُ في موضع خارجاً مِنْ مكةَ ، فنثرَها على
ثوبٍ ، ثمَّ أقبلَ على كلِّ مَنْ دخلَ عليهِ يقبضُ قبضةً ويعطيهِ حتَّى صلَّى
الظهرَ ، ونفضَ الثوبَ وليسَ عليهِ شيءٍ(٣).
وعنْ أبي ثورٍ قالَ : أرادَ الشافعيُّ الخروجَ إلى مكةَ ومعَهُ مالٌ ،
وكانَ قلَّما يمسكُ شيئاً مِنْ سماحتِهِ ، فقلتُ لهُ : ينبغي أنْ تشتريَ بهذا
المالِ ضيعةً تكونُ لكَ ولولدِكَ ، قالَ : فخرجَ، ثمَّ قدمَ علينا، فسألتُهُ
عنْ ذلكَ المالِ ، فقالَ : ما وجدتُ بمكةً ضيعةً يمكنُني أنْ أشتريَها ؛
لمعرفتي بأصلِها، وقدْ وُقفَ أكثرُها، ولكنِّي بنيتُ بمنىّ مضرباً
(١) ديوان الإمام الشافعي (ص ٤٣).
(٢) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٢٠/٢).
(٣) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٢٠/٢)، والخركوشي في ( تهذيب الأسرار )»
( ص ٤٤٣ ) .
١٨١

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
یکونُ لأصحابنا إذا حُّوا أَنْ ینزلوا فیهِ(١)
[من الوافر]
وأنشدَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ (٢):
يُقَصِّرُ دُونَ مَبْلَغِهِنَّ مالِي
أَرَىْ نَفْسِي تَنَّوقُ إِلَى أُمُورِ
وَمَالِي لا يُبَلَّغْنِي فِعالي
فَنَفْسِي لا تُطَاوِعُنِي بِبُخْلٍ
وقالَ محمدُ بنُ عبادِ المهلبيُّ : دخلَ أبي على المأمونِ ، فوصلَهُ بمئةٍ
ألفٍ درهمٍ ، فلمَّا قامَ مِنْ عندِهِ .. تصدَّقَ بها ، فأُخبرَ بذلكَ المأمونُ ، فلمَّا
عادَ إليهِ .. عاتبَهُ المأمونُ في ذلكَ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ منعُ الموجودِ
سوء ظنٍّ بالمعبودِ ، فوصلَهُ بمئة ألفٍ أخرى(٣).
وقامَ رجلٌ إلى سعيدِ بنِ العاصِ فسألَهُ ، فأمرَ لهُ بمئةِ ألفِ درهمٍ ،
فبكى، فقالَ لهُ سعيدٌ: ما يبكيكَ ؟ قالَ : أبكي على الأرضِ أنْ تأكلَ
مثلَكَ ، فأمرَ لهُ بمئةِ ألفٍ أخرى (٤) .
ودخلَ أبو تمامٍ على إبراهيمَ بنِ شكلةَ بأبياتٍ امتدحَهُ بها ، فوجدَهُ
عليلاً ، فقبِلَ منهُ المِدْحَةَ ، وأمرَ حاجبَهُ بنيلِهِ ما يصلحُهُ ؛ وقالَ : عسى أنْ
(١) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٢٣/٢).
(٢) البيتان مما نسب إلى الإمام الشافعي في ((ديوانه)) ( ص ١١٤) ، ولعبد الله بن معاوية
في (( ديوانه)) ( ص ٦٧ ) .
(٣) كذا هو عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٤٤)، ورواه بنحوه الخطيب في
((تاريخ بغداد)) ( ١٧٦/٣).
(٤) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص٤٤٦)، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) ( ٢١ / ١٣٢ ) .
١٨٢
te

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
أقومَ مِنْ مرضي فأكافئَهُ ، فأقامَ شهرينٍ ، فأوحشَهُ طولُ المقام ، فكتبَ إليهِ
يقولُ(١):
[من المنسرح]
إِنَّ حَراماً قَبُولُ مِدْحَتِنا وَتَرْكُ مَا نَرْتَجِي مِنَ الصَّفَدِ
كَما الذَّنانِيرُ وَالدَّراهِمُ فِي الـ ـَيْعِ حَرامٌ إِلَّ يَداً بِيَدٍ
فلمَّا وصلَ البيتانِ إلىُ إبراهيمَ .. قالَ لحاجبِهِ : كمْ أقامَ بالبابِ ؟ قالَ :
شهرينٍ ، قالَ: أعطِهِ ثلاثينَ ألفاً ، وجئْني بدَواةٍ ، فكتبَ إليهِ (٢): [من الكامل]
قُلٌّ وَلَوْ أَمْهَلْتَنَا لَمْ نُقْلِلِ
أَعْجَلْتَنَا فَأَتَاكَ عاجِلُ بِرِّنا
وَنَكُونُ نَحْنُ كَأَنَّنَا لَمْ نَفْعَلِ
فَخُذِ الْقَلِيلَ وَكُنْ كَأَنَّكَ لَمْ تَقُلْ
ويُروى أنَّهُ كانَ لعثمانَ على طلحةَ رضيَ اللهُ عنهُما خمسونَ ألف درهمٍ ،
فخرجَ عثمانُ يوماً إلى المسجدِ ، فقالَ لهُ طلحةُ : قدْ تهياً مالُكَ فاقبضْهُ ،
فقالَ : هوَ لكَ يا أبا محمدٍ معونةً لكَ على مروءَتِكَ (٣).
وقالَتْ سُعدى بنتُ عوفٍ : دخلتُ على طلحةَ ، فرأيتُ منهُ ثقلاً ،
فقلتُ : ما لكَ؟ فقالَ : اجتمعَ عندي مالٌ وقدْ غمَّني ، فقلتُ :
وما يغمُّكَ ؟! ادعُ قومَكَ، فقالَ: يا غلامُ ؛ عليَّ بقومي ، فقسَّمَهُ فيهم ،
(١) البيتان ليسا في ((ديوان أبي تمام)) انظر ((المحاسن والمساوىء)) (ص ٢٤٩)،
و((التمثيل والمحاضرة)) ( ص ١٦٩) .
(٢) البيتان منسوبان إلى غير واحد، وهما في ((المنصف)) لابن وكيع (١٠٨/١)، وانظر
تخريجها ئمة .
(٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٠٣/٢٥).
١٨٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
فسألتُ الخادمَ : كمْ كانَ؟ قالَ : أربعَ مئة ألفٍ (١).
وجاءَ أعرابيٌّ إلى طلحةَ ، فسألَّهُ وتقرَّبَ إليهِ برحم ، فقالَ : إنَّ هذهِ
الرَّحمَ ما سألَني بها أحدٌ قبلَكَ ، إنَّ لي أرضاً قدْ أعطاني بها عثمانُ ثلاثَ مئةٍ
ألفٍ ، فإنْ شئتَ .. فاقبضْها، وإنْ شئتَ .. بعتُها مِنْ عثمانَ ، ودفعتُ إليكَ
الثمنَ ، فقالَ : الثمنُ ، فباعَها مِنْ عثمانَ ، ودفعَ إليهِ الثمنَ(٢).
وقيلَ : بكى عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يوماً ، فقيلَ لهُ : ما يبكيكَ ؟ فقالَ : لِمْ
يأتني ضيفٌ منذُ سبعة أيامٍ، أخافُ أنْ يكونَ اللهُ قدْ أهاني(٣).
وأتى رجلٌ صديقاً لهُ ، فذَّق عليهِ البابَ ، فقالَ : مَا جاءَ بكَ ؟ قالَ :
عليَّ أربعُ مئةِ درهمٍ دينٌّ ، فوزنَ أربعَ مئةِ درهمٍ وأخرجَها إليهِ ، وعادَ
يبكي ، فقالَتْ لهُ امرأتُهُ: لمَ أعطيتَهُ إذْ شقَّ عليكَ ؟ فقالَ : إنَّما أبكي لأنِّي
لمْ أتفقدْ حالَهُ حتَّى احتاجَ إِلى مفاتحَتي بهِ (٤)، فرحمَ اللهُ مَنْ هذهِ صِفاتُهُمْ ،
وغفرَ لهُمْ أجمعينَ .
(١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٢٠١/٣).
(٢) رواه أبو بكر الشافعي في ((الغيلانيات)) ( ١٠٨٣).
(٣) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٢٢٤) .
(٤) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٤٢١).
١٨٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
بيان وم الحمل
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَ اتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْا لَهُمَّ
بَلَّ هُوَ شَرِّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُونَ
مَآ ءَاتَلَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
من
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إيّاكُمْ والشُّحَّ؛ فإنَّهُ أهلكَ مَنْ
كانَ قبلَكُمْ ، حملَهُمْ على أنْ يسفكوا دماءَهُمْ، واستحلُّوا محارمَهُمْ))(١)
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إِيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فإنَّهُ دعا مَنْ كانَ قبلَكُمْ
فسفكوا دماءَهُمْ، ودعاهُمْ فاستحلُّوا محارمَهُمْ، ودعاهُمْ فقطعوا
أرحامَهُمْ))(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا يدخلُ الجنَّةَ بخيلٌ ، ولا خَبٌّ ،
ولا خائنٌ، ولا سيِّىءُ المَلَكَةِ » .
وفي روايةٍ: ((ولا جبارٌ))، وفي روايةٍ: ((ولا منَّانٌ))(٣).
ـي.
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٣٨)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٥٥٦).
(٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٥٦).
(٣) كذا رواه بروايته هنا الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٦١ - ٣٦٢)، ونحوه عند
الترمذي ( ١٩٦٣ ) .
١٨٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ثلاثٌ مهلكاتٌ: شخٌّ مطاعٌ ، وهوىّ
متَبعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِهِ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ تعالى يبغضُ ثلاثةً: الشَّيخَ
الزَّانِيَ، والبخيلَ المنَّانَ، والمعيلَ المختالَ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مثلُ المنفقِ والبخيلِ كمثلٍ رجلينِ عليهِما
جُبَّانِ مِنْ حديدٍ مِنْ لدنْ تُدِيِّهِما إلى تراقِيهما، فأمَّا المنفقُ .. فلا ينفقُ شيئاً
إلا سبَغَتْ أو وَفَرَتْ على جلدِهِ حتَّى تُخْفِيَ بنانَهُ، وأمَّا البخيلُ .. فلا يريدُ أنْ
ينفقَ شيئاً إلا قلصَتْ ولزمَتْ كلُّ حَلقةٍ مكانَها حتَّى أَخذَتْ بتراقيهِ ، فهوَ
يوسِّعُها ولا تتَسعُ))(٣) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( خصلتانِ لا تجتمعانٍ في مؤمنٍ :
البخلُ، وسوءُ الخلقِ ))(٤) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ البُخلِ ، وأعوذٌ
(١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٦٩)، والطبراني في «الأوسط))
(٥٤٤٨)، والبيهقي في (( الشعب)) (٧٣١)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٢ /٣٤٣ ) .
(٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ٣٧٥).
(٣) رواه الخرائطى فى ((مساوىء الأخلاق)) (٣٧٦)، وأصله عند البخاري (١٤٤٤)،
ومسلم ( ١٠٢١ ) .
(٤) رواه الترمذي (١٩٦٢)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٧٧).
١٨٦

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
بكَ مِنَ الجبْنِ، وأعوذُ بكَ أنْ أُردَّ إلى أرذلِ العُمُر))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِيَّكُمْ والظُّلمَ؛ فإنَّ الظُلمَ ظلماتٌ يومَ
القيامةِ، وإِيَّاكُمْ والفُحْشَ ؛ فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الفاحشَ ولا المتفخِّشَ ،
وإِيَّاكُمْ والشُّخَّ؛ فإنَّما أهلكَ مَنْ كانَ قبلَكُمُ الشُّخُ ، أمرَهُمْ بالكذبِ فكذبوا ،
وأمرَهُمْ بالفُّلمِ فظلموا، وأمرَهُمْ بالقطيعةِ فقطعوا)»(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((شرُّ ما في الرَّجلِ شخٌّ هالعٌ، وجبنٌ
خالعٌ))(٣) .
وقُتِلَ شَهيدٌ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فبكتُهُ باكيةٌ ،
فقالَتْ: واشهيداهُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما يدريكِ أنَّهُ
شهيدٌ ؟! فلعلَّهُ كانَ يتكلَّمُ فيما لا يعنيهِ، أوْ يبخلُ بما لا ينقصُهُ)) (٤) .
وقالَ جبيرُ بنُ مطعمٍ : بينا نحنُ نسيرُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
ومعَهُ الناسُ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنينٍ .. علقَتْ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
الأعرابُ يسألونَهُ، حتَّى اضطرُّوه إلى سَمُرةٍ، فخطفَتْ رداءَهُ، فوقفَ
ـجيـ
(١) رواه البخاري (٦٣٦٥)، وهو عند الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ٣٨١).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٧٠٥٥).
(٣) رواه أبو داوود (٢٥١١)، وهالع: جازع ؛ يعني : شحاً يحمل على الحرص على
المال ، والجزع على ذهابه ، وقيل : هو ألا يشبع ، كلما وجد شيئاً .. بلعه ، ولا قرار
له ، وخالع: شديد؛ كأنه يخلع فؤاده من شدة خوفه من الخلق. انظر (( الإتحاف ))
(٨/ ١٩٤ ) .
(٤) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٦٤٦)، وقريب منه عند الترمذي (٢٣١٦).
١٨٧

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ((أعطونِي ردائِي، فوالّذي نفسِي
بيدِهِ ؛ لوْ كانَ لي عددُ هذهِ العِضاهِ نَعماً .. لقسمتُهُ بينَكُمْ، ثمَّ لا تجدوني
بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً))(١).
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : قسمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَسْماً ،
فقلتُ : غيرُ هؤلاءِ كانوا أحقَّ بهِ منهُمْ، فقالَ: (( إنَّهُمْ يخيِّروني بينَ أن
يسألوني بالفحشِ، أو يبخِّلوني ولستُ بياخلٍ ))(٢).
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ رضيَ اللهُ عنهُ : دخلَ رجلانِ على رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فسألاهُ ثمنَ بعيرٍ ، فأعطاهُما دينارينٍ ، فخرجا مِنْ
عندِهِ ، فلقيَهُما عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ ، فأثنيا وقالا معروفاً ،
وشكرا ما صنعَ بهما ، فدخلَ عمرُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فأخبرَهُ بما قالا، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لكنْ فلانٌ أعطيتُهُ ما بينَ
عشرةٍ إلى مئةٍ ولمْ يقلْ ذلكَ ، إنَّ أحدَكُمْ ليسأَلُني فينطلقُ في مسألتِهِ متَأْبَطَها
وهيَ نارٌ))، فقالَ عمرُ: فِلِمَ تعطيهمْ ما هوّ نارٌ؟ فقالَ: ((يأبونَ إلا أنْ
يسألوني، ويأبى اللهُ لي البخلَ))(٣).
وعنِ ابنِ عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الجودُ مِنْ
جُودِ اللهِ تعالى، فجودوا .. يجُدِ اللهُ عليكُمْ، ألا إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ
(١) رواه البخاري (٢٨٢١).
(٢) رواه مسلم (١٠٥٦) .
(٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٣٢٧)، وبنحوه عند أحمد في ((المسند)) ( ٤/٣).
١٨٨

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
الجُودَ فجعلَهُ في صورةِ رجلٍ ، وجعلَ أُسَّهُ راسخاً في أصلٍ شجرةٍ طُوبى ،
وشدَّ أغصانَها بأغصانِ سِدرةِ المُنتهى ، ودلَّى بعضَ أغصانِها إلى الدنيا ،
فمَنْ تعلَّقَ بغصنِ منها .. أدخلَهُ الجنَّةَ، ألا إنَّ السَّخاءَ مِنَ الإيمانِ ،
والإيمانُ في الجنَّةِ ، وخلقَ البخلَ مِنْ مقتِهِ ، وجعلَ أصلَهُ راسخاً في أصلِ
شجرةِ الزَّقُومِ ، ودلَّى بعضَ أغصانِها إلى الدنيا ؛ فمَنْ تعلَّقَ بغصْنٍ منها ..
أدخلَهُ النَّارَ، ألا إنَّ البخلَ من الكفرِ، والكفرُ في النارِ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((السخاءُ شجرةٌ تنبتُ في الجنَّةِ ؛ فلا يلجُ
الجنَّةَ إلا سخيٌّ ، والبخلُ شجرةٌ تنبتُ في النارِ ؛ فلا يلجُ النار إلا
بخيلٌ))(٢) .
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لوفدٍ بني لِحيانَ:
(( مَنْ سيِّدُكُمْ يا بني لِحيانَ؟ » قالوا: سيدُنا جَدُّ بنُ قِيسٍ، إلا أنَّهُ رجلٌ فيهِ
بخلٌ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((وأيُّ داءٍ أدوأُ مِنَ البخلِ ، ولكنْ
سيِّدُكُمْ عمرُو بنُ الجموحِ))(٣) ، وفي روايةٍ: أنَّهُمْ قالوا: سيدُنا جَدُّ بنُ
قيسٍ، فقالَ: ((بمَ تسوِّدونَةُ؟))، قالوا: إنَّهُ أكثرُنا مالاً، وإنَّا على ذلكَ
(١) قال المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (١٦٢١٧): (رواه الخطيب في كتاب
((البخلاء)) عن ابن عباس، وفي سنده أبو بكر النقاش ، صاحب مناكير ) .
(٢) كذا هو عند صاحب ((مسند الفردوس)) ( ٣٥٤٣).
(٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٥٨)، ورواه من حديث جابر رضي الله عنه البخاري
في (( الأدب المفرد)) (٢٩٦) بنحوه .
ـسمـ
١٨٩
حن حن جنحن

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
لَزْنُّهُ بالبُخلِ، فقالَ: صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((وأيُّ داءٍ أدوأُ مِنَ البخلِ ،
ليسَ ذلكَ سيِّدَكُمْ))، قالوا: فَمَنْ سيِّدُنا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((سيِّدُكُمْ
بِشرُ بنُ البراءِ))(١) .
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ اللهَ يبغضُ البخيلَ في حياتِهِ ، السَّخِيَّ عندَ موتِهِ))(٢) .
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((السخيُّ
الجهولُ أحبُّ إلى اللهِ تعالى مِنَ العابدِ البخيلِ »(٣).
وقالَ أبو هريرةَ: قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يجتمعُ الشخُ والإيمانُ
في قلبٍ عبدٍ »(٤) .
وقالَ أيضاً : (( خصلتانِ لا يجتمعانِ في مؤمنٍ؛ البخلُ، وسوءُ
الخُلُقِ))(٥)
٠
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٥/٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢١٩/٣)،
والبيهقي في (( الشعب)) (١٠٣٥٩)، ولنَزْنُّه: لنتَّهِمُه.
(٢) كذا هو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٦٢٧)، وأشار السيوطي كما في ((فيض
القدير)) (٢٨٥/٢) إلى رواية الخطيب له في كتاب ((البخلاء))، وقال العلامة
المناوي : ( وهو مما بيّض له الديلمي لعدم وقوفه له على سنده ) .
(٣) رواه الترمذي ( ١٩٦١).
(٤) رواه النسائي (١٣/٦).
حر
(٥) رواه الترمذي (١٩٦٢)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ٣٧٧).
١٩٠

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا ينبغي للمؤمن أنْ يكونَ بخيلاً
ولا جباناً))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يقولُ قائلُكُمْ: الشحيحُ أعذرُ مِنَ
الظالمٍ ، وأيُّ ظلمٍ أظلمُ عندَ اللهِ مِنَ الشحِّ ؟! حلفَ اللهُ تعالى بعزَّتِهِ وعظمتِهِ
وجلالِهِ ؛ لا يدخلُ الجنَّة شحيحٌ ولا بخيلٌ))(٢).
ورُويَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يطوفُ بالبيتِ ؛ فإذا رجلٌ
متعلَّقٌ بأستار الكعبةِ ، وهوَ يقولُ : بحرمةِ هذا البيتِ إلا غفرتَ لي ذنبي ،
فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((وما ذنبُكَ؟ صفْهُ لي )) قالَ: هوَ أعظمُ مِنْ أنْ
أصفَهُ لكَ، قالَ: «ويحَكَ! ذنبُكَ أعظمُ أم الأَرَضُونَ؟))، قالَ: بلْ ذنبي
يا رسولَ اللهِ، قالَ: «ويحَكَ! ذنبُكَ أعظمُ أم الجبالُ؟ » قالَ : بلْ ذنبي
أعظمُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: ((فذنبُكَ أعظمُ أم البحارُ؟ )) قالَ: بلْ ذنبي
يا رسولَ اللهِ، قال: ((فذنبُكَ أعظمُ أم السماواتُ؟ » قالَ: بلْ ذنبي
يا رسولَ اللهِ، قالَ: «فذنبُكَ أعظمُ أم العرشُ؟ » قال: بلْ ذنبي أعظمُ
يا رسولَ اللهِ، قالَ: ((فذنبُكَ أعظمُ أم اللهُ؟)) قالَ: بلِ اللهُ أعظمُ وأعلى ،
(١) رواه هناد في ((الزهد)) (٦١٦) عن أبي جعفر الباقر مرسلاً، وقال الحافظ الزبيدي في
((إتحافه)) (١٩٧/٨): (ورواه الخطيب من حديث أبي عبد الرحمن السلمي
موقوفاً ) .
(٢) رواه الطبراني في (( الأوسط)) (٤٠٧٨) عن نافع قال: سمع ابن عمر رجلاً يقول :
الشحيح أعذر من الظالم ، فقال ابن عمر : كذبت ، سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : ((الشحيح لا يدخل الجنة))، فليسَ أوله مرفوعاً .
حن
١٩١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
قالَ : ((ويحَكَ! فصفْ لي ذنبَكَ))، قالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ إنِّي رجلٌ ذو
ثروةٍ مِنَ المالِ، وإنَّ السائلَ ليأتيني ليسألَني ، فكأنَّما يستقبلُني بشعلةٍ مِنْ
نارٍ .
فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إليكَ عنِّي لا تحرقُني بنارِكَ، فوالَّذي
بعثَني بالهدايةِ والكرامةِ ؛ لوْ قمتَ بينَ الرُّكنِ والمقام ثمَّ صلَّتَ ألفي ألفٍ
عامٍ ، وبكيتَ حتَّى تجريَ مِنْ دمُوعِكَ الأنهارُ ، وتُسقى بها الأشجارُ ، ثمّ
مثَّ وأنتَ لئيمٌ .. لأكبَّكَ اللهُ في النارِ، ويحَكَ! أما علمتَ أنَّ البخلَ كفرٌ ،
وأنَّ الكفرَ في النارِ ، ويحَكَ! أما علمتَ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَمَن يَبْخَلْ
فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾، ﴿وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾))(١).
G
الآثارُ :
قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : لمَّا خلقَ اللهُ تعالى جنةَ عدنٍ .. قالَ
لها : تزيني ، فتزينَتْ ، ثمّ قالَ لها : أظهري أنهارَكِ، فأظهرَتْ عينَ
السلسبيلِ ، وعينَ الكافورِ ، وعينَ التسنيمِ ، فتفجرَ منها في الجنانِ أنهارُ
الخمرِ ، وأنهارُ العسلِ واللبنِ ، ثمَّ قالَ لها : أظهري سُررَكِ ، وحِجالَكِ ،
(١) رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٢٧٨/٢) من حديث الهيكل بن جابر رضي الله عنه ،
وأورده الحارث المحاسبي في ((الوصايا)) (ص١٠٢) بلاغاً، وقال الحافظ العراقي
كما في ((الإتحاف)) (١٩٧/٨): (الحديث بطوله باطل لا أصل له)، وانظر « أسد
الغابة)) (٤٢٤/٥)، و((الإصابة)) (٥٨١/٣).
١٩٢

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وكراسيَّكِ، وحُليَّكِ، وحُلَلَكِ، وحورَ عِينِكِ، فأظهرَتْ، فنظرَ إليها ،
فقالَ : تكلَّمي ، فقالَتْ: طوبى لمَنْ دخلَنِي ، فقالَ اللهُ تعالى : وعزتي
وجلالِي لا أسكنتُكِ بخيلاً(١) .
وقالَتْ أم البنينَ أختُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ : ( أفِّ للبخيلِ ، لوْ كانَ
البخلُ قميصاً .. ما لبستُهُ، ولوْ كانَ طريقاً .. ما سلكْتُهُ)(٢).
وقالَ طلحةُ بنُ عبيدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّا لنجدُ بأموالِنا ما يجدُ
البخلاءُ، ولكنَّا نتصبّرُ)(٣).
وقالَ محمدُ بنُ المنكدرِ : ( كانَ يُقالُ: إذا أرادَ اللهُ بقوم شرّاً .. أمَّرَ
عليهِمْ شرارَهُمْ، وجعلَ أرزاقَهُمْ بأيدي بخلائِهِمْ)(٤) .
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ في خطبتِهِ : ( إنَّهُ سيأتي على الناس زمانٌ
عضوضٌ ، يعضُّ المؤمنُ على ما في يدِهِ ولمْ يُؤمرْ بذلكَ ، قَالَ اللهُ تعالى :
﴿وَلَا تَنسَوأُ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾)(٥).
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢/ ١٥٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما
مرفوعاً: (( لما خلق الله عز وجل جنة عدن .. خلق فيها ما لا عين رأت ولا خطر على
قلب بشر، ثم قال لها : تكلمي ، فقالت : قد أفلح المؤمنون)) ، وزاد أحد رواته :
(( ثم قالت : أنا حرام على كل بخيل ومراءٍ))، وقريب منه ولكن عن شعيب الجبائي عند
الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ٣٧٢) .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٢٨).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٨).
(٤) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ٣٥٧).
(٥) رواه أبو داوود (٣٣٨٢)، والخرائطى فى ((مساوىء الأخلاق)) (٣٥٨).
١٩٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو : ( الشخُ أشدُّ مِنَ البخلِ ؛ لأنَّ الشحيحَ هوَ الذي
يشحُّ على ما في يدِ غيرِهِ حتَّى يأخذَهُ ، ويشُّ بما في يديهِ فيحبسُهُ ، والبخيلُ
هوَ الذي يبخلُ بما في يديهِ )(١) .
وقالَ الشعبيُّ : ( لا أدري أيُّهما أبعدُ غوراً في نارِ جهنمَ : البخلُ أوٍ
الكذبُ ؟!)(٢).
وقيلَ: وردَ على أنُوشُروانَ حكيمُ الهندِ وفيلسوفُ الروم ، فقالَ
للهنديِّ: تكلَّمْ، فقالَ : خيرُ الناسِ مَنْ أُلفيَ سخياً، وعندَ الغضبِ
وقوراً ، وفي القولِ متأنّاً ، وفي الرِّفعةِ متواضعاً، وعلى كلِّ ذي رحمٍ
مشفقاً ، فقالَ للروميُّ: تكلَّمْ ، فقالَ : مَنْ كانَ بخيلاً .. ورثَ عدوُّهُ مَالَهُ ،
ومَنْ قلَّ شكرُهُ .. لمْ ينلِ النجحَ ، وأهلُ الكذبِ مذمومونَ، وأهلُ النميمةِ
يموتونَ فقراءَ، ومَنْ لمْ يَرحَمْ .. سُلِّطَ عليهِ مَنْ لا يرحمُهُ(٣).
وقالَ الضحاكُ في قولِهِ تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا ﴾ قالَ :
( البخلُ ، أمسكَ اللهُ تعالى أيديَهُمْ عنِ النفقةِ في سبيلِ اللهِ ؛ فَهُمْ لا يبصرونَ
الهدى )(٤) .
وقالَ كعبٌ : ( ما مِنْ صباح إلا وقدْ وُكُلَ بهِ ملَكانٍ يناديانِ : اللهمَّ ؛
(١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ٣٥٩).
(٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٦٠).
(٣) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٦٤).
(٤) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ٣٧٠).
١٩٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
عجِّلْ لممسكٍ تلفاً ، ولمنفقٍ خلفاً )(١).
وقالَ الأصمعيُّ : سمعتُ أعرابياً وقدْ وصَفَ رجلاً فقالَ: ( لقد صَغُرَ
فلانٌ في عيني ؛ لعظم الدنيا في عينِهِ ، وكأنَّما السائلُ إذا رآهُ .. ملكُ الموتِ
إذا أتاهُ )(٢) .
وقالَ أبو حنيفةً رحمَهُ اللهُ: ( لا أرىُ أنْ أعدِّلَ بخيلاً؛ لأنَّهُ يحملُهُ
البخلُ على الاستقصاءِ ، فيأخذُ فوقَ حقٌّهِ ؛ خيفةً مِنْ أنْ يُغْبَنَ ، فمَنْ كان
هكذا .. لا يكونُ مأمونَ الأمانةِ )(٣).
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ما استقصىٌ كريمٌ قطُ حقَّهُ، قالَ اللهُ
تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾) (٤) .
وقالَ الجاحظُ : ( ما بقيَ مِنَ اللذاتِ إلا ثلاثٌ : ذُّ البخلاءِ، وأكلُ
القديدِ ، وحُّ الجربِ ) .
وقالَ بشرُ بنُ الحارثِ : ( البخيلُ لا غيبةَ لهُ؛ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ
(١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٨٤)، وليس فيه: ( ولمنفق خلفاً)،
ورواه مرفوعاً البخاري ( ١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠ ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٦٢٤) عن أبي الحسن القرشي عن رجل من الأنصار
بنحوه .
(٣) بنحوه أورده صاحب ((القوت)) (٢٦٤/٢)، ونقله ابن عبد البر في ((الاستذكار))
(٢٧ /٣٥٥) .
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٦٤/٢)، ومختصراً عند ابن عبد البر في ((الاستذكار))
(٣٥٥/٢٧) ورواه الدينوري ضمن خبر عن سفيان (ص٩).
G
١٩٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وسلَّمَ : ((إنَّك لبخيلٌ))، ومُدِحَتِ امرأةٌ عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فقالوا: صوَّامةٌ قوَّامةٌ، إلا أنَّ فيها بخلاً، قالَ: ((فما خيرُها إذاً؟!)))(١).
وقالَ بشرٌ أيضاً : ( النظرُ إلى البخيلِ يقسّ القلبَ)، و(بقاءُ البخلاءِ
کربٌ على قلوبِ المؤمنينَ )(٢).
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : ( يأبى القلبُ للأسخياءِ إلا حبّاً ولو كانوا فجَّاراً،
وللبخلاءِ إلا بغضاً وإنْ كانوا أبراراً )(٣).
وقالَ ابنُ المعتزِّ : ( أبخلُ الناسِ بمالهِ أجودُهُمْ بعرضِهِ) (٤).
ولقي يحيى بنُ زكريا عليهما السلامُ إبليسَ في صورتِهِ ، فقالَ لهُ :
يا إبليسُ ؛ أخبرْني بأحبِّ الناسِ إليكَ وأبغضِ الناسِ إليكَ، قالَ : أحبُّ
الناسِ إليَّ المؤمنُ البخيلُ ، وأبغضُ الناسِ إليَّ الفاسقُ السخيُّ ، قالَ لهُ :
لمَ؟ قالَ : لأنَّ البخيلَ قدْ كفاني بخلُهُ، والفاسقُ السخيُّ أتخوَّفُ أنْ
يطَّلعَ اللهُ عليهِ في سخائِهِ فيقبلَهُ، ثمَّ ولَّى وهوَ يقولُ : لولا أنَّكَ يحيى .. لما
أخبرتُكَ (٥).
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٤١٠).
(٢) رواهما أبو نعيم في «الحلية)) (٣٥٠/٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٤١٢).
(٣) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٦٦/١٠).
(٤) أورده الثعالبي في ((التمثيل والمحاضرة)) (ص ٤٤٠).
(٥) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٠٤/٦٤).
١٩٦

ربع المهلكات
کتاب ذم المال والبخل
حكايات الخلاء
قيلَ : كانَ بالبصرةِ رجلٌ موسرٌ بخيلٌ ، فدعاهُ بعضُ جیرانِهِ وقدَّمَ إلیهِ
طَبَاهِجةً ببيضٍ(١) ، فأكلَ منهُ فأكثرَ، وجعلَ يشربُ الماءَ ، فانتفخَ بطنُهُ ،
ونزلَ بهِ الكربُ والموتُ، فجعلَ يتلوَّى ، فلمَّا أجهدَهُ الأمرُ .. وصفَ حالَهُ
للطبيبِ ، فقالَ : لا بأسَ عليكَ، تقيأْ ما أكلتَ، فقالَ: هاهٍ، أتقياً
طباهجةً ببيضٍ ؟! الموتُ - واللهِ- ولا أتقيَّأُ طباهجةَ ببيضٍ .
وقيلَ : أقبلَ أعرابيٌّ يطلبُ رجلاً وبينَ يديهِ تينٌ ، فغطَّى التينَ بكسائِهِ ،
فجلسَ الأعرابيُّ، فقالَ لهُ الرجلُ : هلْ تحسنُ مِنَ القرآنِ شيئاً ؟ قالَ :
نعمُ ، فقرأَ: ﴿ وَالزّْتُونِ وَطُورٍ سِنِينَ﴾، فقالَ: وأينَ التينُ؟ قالَ : هوَ تحتَ
کسائِكَ .
ودعا بعضُهُمْ أخاً لهُ ، ولمْ يطعمْهُ شيئاً إلى العصرِ، حتَّى اشتدَّ جوعُهُ ،
وأخذَهُ مثلُ الجنونِ ، فأخذَ صاحبُ البيتِ العودَ وقالَ لهُ : بحياتي ؛ أيَّ
صوتٍ تشتهي أن أسمعَكَ ؟ قالَ : صوتَ المِقْلَى .
ويُحكى أنَّ محمدَ بنَ يحيى بنِ خالدِ بنِ برمكَ كانَ بخيلاً قبيحَ البخلِ ،
فَسُئِلَ نسيبٌ لهُ كانَ يعرفُهُ عنهُ، فقيلَ لهُ : صفْ لي مائدتَهُ، فقالَ : هيَ فِتْرٌ
(١) طباهجة : معرَّب تباهجه ، لفظة فارسية ، وهو الكباب ، اللحم المدقوق دقّاً ناعماً،
ويطلق أيضاً على العجَّة .
١٩٧

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
في فترِ ، وصحافُهُ منقورةٌ مِنْ حبِّ الخشخاشِ ، قيلَ : فَمَنْ يحضرُها ؟
قالَ : الكرامُ الكاتبونَ ، قيلَ : فما يأكلُ معَهُ أحدٌ ؟ قالَ : بلى ، الذبابُ ،
فقيلَ: سوءةً لهُ، أنتَ خاصٌّ بهِ وثوبُكَ مخرَّقٌ؟! فقالَ: إِنِّي - واللهِ -
ما أقدرُ على إبرةٍ أخيطُهُ بها ، ولوْ ملكَ محمدٌ بيتاً مِنْ بغدادَ إلى النَّوْبةِ مملوءاً
إبراً ، ثمَّ جاءَهُ جبريلُ وميكائيلُ ، ومعَهُما يعقوبُ النبيُّ عليهِ السَّلامُ يضمنانٍ
عنهُ إبرةً ، ويسألونَهُ إعارتَهُمْ إِيَّاها ليخيطَ بها قميصَ يوسفَ الذي قُدَّ مِنْ
دُبُرٍ . . ما فعلَ .
ويُقالَ : كانَ مروانُ بنُ أبي حفصةَ لا يأكلُ اللحمَ بخلاً حتى يقرمَ إليهِ ،
فإذا قَرِمَ إليه .. أرسلَ غلامَهُ فاشترى لهُ رأساً ، فأكلَهُ، فقيلَ لهُ : نراكَ
لا تأكلُ إلا الرؤوسَ في الصيفِ والشتاءِ ، فِلِمَ تختارُ ذلكَ ؟ قالَ : نعمْ ،
الرأسُ أعرِفُ سعرَهُ ، فَآمنُ خيانةَ الغلامِ ، ولا يستطيعُ أن يغبنَي فيه وليسَ
بلحمٍ يطبخُهُ الغلامُ ، فيقدرَ أنْ يأكلَ منهُ ، إنْ مسنَّ عيناً أوْ أذناً أوْ خدّاً ..
وقفتُ على ذلكَ ، وآكلُ مِنْهُ ألواناً ، فَآكلُ عينَهُ لوناً ، وأذنَهُ لوناً ، ولسانَهُ
لوناً ، وغَلْصَمَتَهُ لوناً، ودماغَهُ لوناً ، وأُكفى مؤنَةَ طبخِهِ ، فقدِ اجتمعَتْ لي
فيهِ مرافقٌ(١) .
وخرجَ يوماً يريدُ الخليفةَ المهديَّ ، فقالَتْ لهُ امرأةٌ مِنْ أهلِهِ : ما لي
عليكَ إِنْ رجعتَ بالجائزةِ ؟ قالَ : إِنْ أُعطيتُ مئةَ ألفٍ .. أعطيتُكِ درهماً ،
(١) رواها ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٩٥/٥٧).
١٩٨
ن

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
فأُعطيَ ستينَ ألفاً ، فأعطاها أربعةَ دوانيقَ(١).
واشترى مرةً لحماً بدرهم ، فدعاهُ صديقٌ لهُ ، فردَّ اللحمَ إلى القصابِ
بنقصانِ دائقٍ وقالَ : أكرهُ الإسرافَ (٢).
وكانَ للأعمشِ جارٌ لا يزالُ يعرضُ عليهِ المنزلَ فيقولُ : لو دخلتَ
فأكلتَ كِسْرةً وملحاً ، فيأبىُ عليهِ الأعمشُ ، فعرضَ عليهِ ذاتَ يومٍ ، فوافقَ
جوعَ الأعمشِ ، فقالَ: مُزَّ بنا، فدخلَ منزلَهُ ، فقرَّبَ إليهِ كِسْرةً وملحاً ، إذْ
سألَ سائلٌ ، فقالَ لهُ ربُّ المنزلِ : بُوركَ فيكَ ، فأعادَ عليهِ المسألةَ ، فقالَ
لهُ: بُوركَ فيكَ، فلما سألَ الثالثةَ .. قالَ لهُ: اذهبْ وإلا واللهِ .. خرجتُ
إليكَ بالعصا ، فناداهُ الأعمشُ وقالَ : اذهبْ ويحَكَ ! فلا واللهِ ؛ ما رأيتُ
أحداً أصدقَ مواعيدَ منهُ ، هوَ منذُ مدةٍ يعدُني بكِسرَةٍ وملح ، فلا واللهِ ؛
ما زادَني عليهما .
(١) رواها ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٩٦/٥٧).
(٢) رواها ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٩٦/٥٧).
١٩٩
مدن

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
بيان الإيشار وفضله
اعلمْ : أنَّ السخاءَ والبخلَ كلُّ واحدٍ منهُما ينقسمُ إلى درجاتٍ ، فأرفعُ
درجاتِ السخاءِ الإيثارُ ، وهو أنْ يجودَ بالمالِ معَ الحاجةِ إليهِ ، وإنَّما
السخاءُ عبارةٌ عنْ بذلِ ما لا يحتاجُ إليهِ لمحتاجٍ أوْ لغيرِ محتاجٍ ، والبذلُ معَ
الحاجةِ أشدُ .
وكما أنَّ السخاوةَ قدْ تنتهي إلى أنْ يسخوَ الإنسانُ على غيرِهِ معَ
الاحتياج .. فالبخلُ قدْ ينتهي إلى أنْ يبخلَ على نفسِهِ معَ الحاجةِ ، فكمْ مِنْ
بخيلٍ يمسكُ المالَ ويمرضُ فلا يتداوى ، ويشتهي الشهوةَ فلا يمنعُهُ منها إلا
البخلُ بالثمنِ ، ولوْ وجدَها مجاناً .. لأكلَها ، فهذا يبخلُ على نفسِهِ معَ
الحاجةِ ، وذلكَ يؤثرُ على نفسِهِ غيرَهُ معَ أنَّهُ محتاجٌ إليهِ ، فانظرْ ما بينَ
الرجلينِ ؛ فإنَّ الأخلاقَ عطايا يضعُها اللهُ تعالى حيثُ يشاءُ ؟
وليسَ بعدَ الإيثارِ درجةٌ في السخاءِ ، وقدْ أثنى اللهُ على الصحابةِ
رضيَ اللهُ عنهُمْ بهِ فقالَ تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ﴾ .
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أيُّما امرىءٍ اشتهى شهوةً فردَّ شهوتَهُ
وآثرَ على نفسِهِ .. غُفِرَ لَهُ))(١) .
٠
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٢٧/٥)، ورواه أيضاً ضمن قصة ابن عمر رضي الله -.
٢٠٠