النص المفهرس

صفحات 161-180

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ بدلاءَ أمَّتي لمْ يدخلوا الجنَّةَ بصلاةٍ
ولا صيامٍ ، ولكنْ دخلوها بسخاءِ الأنفسِ ، وسلامةِ الصدورِ ، والنصحِ
للمسلمينَ )» (١) .
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جعلَ للمعروفِ وجوهاً مِنْ خلقِهِ ، حَبَّبَ إليهمُ
المعروفَ ، وحبَّبَ إليهمْ فعالَهُ، ووجَّه طلَّبَ المعروفِ إليهمْ ، ويسَّر
عليهمْ إعطاءَهُ؛ كما يسَّرَ الغيثَ إلى البلدةِ الجدبةِ فيحييها ويحيي بها
أهلَها))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلُّ معروفٍ صدقةٌ ، وكلُّ ما أنفقَ الرجلُ
على نفسِهِ وأهلِهِ كُتبَ لهُ صدقةً، وما وقى بهِ المرءُ عرضَهُ .. فهوَ لهُ
صدقةٌ، وما أنفقَ الرَّجلُ مِنْ نفقةٍ .. فعلى اللهِ خلَفُها)) (٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( كلُّ معروفٍ صدقةٌ ، والدالُّ على الخيرِ
كفاعلِهِ، واللهُ يحبُّ إغاثةَ اللَّهفانِ))(٤).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأولياء)) (٥٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٩٣،
١٠٣٩٤ ) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( قضاء الحوائج)) (٤)، ورواه الحاكم في (( المستدرك))
(٣٢١/٤) من حديث أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بنحوه .
(٣) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٤٣١/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٢٢٩)،
والجملة الأولى منه رواها البخاري ( ٦٠٢١)، ومسلم ( ١٠٠٥).
(٤) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٧٢٥١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .
١٦١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلُّ معروفٍ فعلتَهُ إلى غنيٍّ أَوْ فقيرٍ
صدقةٌ))(١) .
ورُويَ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى موسى عليهِ السلامُ : لا تقتلِ السامريّ ؛
فإنَّهُ سخيٌّ(٢) .
وقالَ جابرٌ : بَعَثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعثاً عليهمْ قيسُ بنُ
سعدِ بنِ عبادةَ ، فجهدوا ، فنحرَ لهمْ قيسٌ تسعَ ركائبَ ، فحذَّثوا رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بذلكَ؛ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ
الجودَ لمِنْ شيمةِ أهلِ ذلكَ البيتِ))(٣).
الآثارُ :
قالَ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ: إذا أقبلَتِ الدنيا عليكَ .. فأنفقْ منها؛ فإنَّها
لا تفنى، وإذا أدبرَتْ عنكَ .. فأنفقْ منها؛ فإنَّها لا تبقى، وأنشدَ (٤): [من البسيط]
فَلَيْسَ يَنْقُصُها اٌلْتََّذِيرُ وَالسَّرَفُ
لا تَبَّخَلَنَّ بِدُنْيا وَهْيَ مُقْبِلَةٌ
(١) رواه الخرائطي في (( مكارم الأخلاق)) (٧٢)، والطبراني في (( مكارم الأخلاق))
(١١٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤٩/٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٥)، والثعلبي في (( تفسيره))
(٢٥٨/٦ ) .
(٣) رواه أبو بكر الشافعي في ((الغيلانيات)) (١٠٩١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ٤٩ /٤١١ ) .
(٤) ديوان سيدنا علي الموسوم بـ(( أنوار العقول لوصي الرسول)) (ص ١٨٠).
ـين
١٦٢
ـة

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
فَإِنْ تَوَلَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِها فَأَلْحَمْدُ مِنْها إذا ما أَدْبَرَتْ خَلَفُ
وسألَ معاويةُ الحسنَ بنَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُمْ عنِ المروءةِ والنجدةِ
والكرمِ ، فقالَ :
أمَّا المروءةُ .. فحفظُ الرجلِ دينَهُ، وحذرُهُ نفسَهُ ، وحسنُ قیامِهِ
بضيفِهِ ، وحسنُ المنازعةِ ، والإقدامُ في الكراهيةِ .
وأمَّا النجدةُ .. فالذبُ عنِ الجارِ ، والصبرُ في المواطنِ .
وأمَّا الكرمُ .. فالتبرُّعُ بالمعروفِ قبلَ السؤالِ ، والإطعامُ في المحْلِ ،
والرأفةُ بالسائل معَ بذلِ النائلِ(١) .
بحر
ورفعَ رجلٌ إلى الحسنِ بنِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما رقعةً ، فقالَ : حاجتُكَ
مقضيّةٌ، فقيلَ لهُ: يا بنَ رسولِ اللهِ ؛ لوْ نظرتَ في رقعتِهِ ثمَّ رددتَ الجوابَ على
قدْر ذلكَ! فقالَ: يسألُني اللهُ عزَّ وجلَّ عنْ ذلِّ مقامهِ بينَ يديَّ حتَّى أقرأَ
رقعتهُ(٢).
وقالَ ابنُ السماكِ : ( عجبتُ لمَنْ يشتري المماليكَ بمالِهِ ولا يشتري
الأحرارَ بمعروفِهِ )(٣).
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٢٥٧/١٣) بنحوه ، وبلفظه عند الخركوشي في
((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٢٩).
(٢) أورده الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٢٩).
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٣٠)، ورواه البيهقي في
((الشعب)) ( ١٠٤٢١ ).
١٦٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وسُئلَ بعضُ الأعرابِ : مَنْ سيدُكُمْ؟ فقالَ: مَنِ احتملَ شتْمَنا ، وأعطى
سائلَنا ، وأغضى عنْ جاهلِنا(١) .
.4GO
وقالَ عليُّ بنُ الحسينِ رضيَ اللهُ عنهُما: ( مَن وُصِفَ ببذلِ مالِهِ
لطلابِهِ .. لمْ يكنْ سخيّاً ، وإنَّما السخيُّ مَنْ يبتدىُ بحقوقِ اللهِ تعالى في
أهلِ طاعتِهِ ، ولا تنازعُهُ نفسُهُ إلى حبِّ الشكرِ لهُ إذا كانَ يقينُهُ بثوابِ اللهِ
تاماً )(٢).
وقيلَ للحسنِ البصريِّ : ما السخاءُ ؟ فقالَ : أنْ تجودَ بمالِكَ في اللهِ عزّ
وجلَّ، قيلَ : فما الحزمُ ؟ قالَ : أنْ تمنعَ مالكَ فيهِ ، قيلَ : فما الإسرافُ ؟
قالَ : الإنفاقُ لحبِّ الرئاسةِ(٣).
وقالَ جعفرٌ الصادقُ رحمةُ اللهِ عليهِ : ( لا مالَ أعودُ مِنَ العقلِ (٤)،
ولا مصيبةَ أعظمُ مِنَ الجهلِ ، ولا مظاهرةَ كالمشاورةِ ، ألا وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ
يقولُ: إنِّي جوادٌ كريمٌ لا يجاورُني لئيمٌ، واللؤمُ مِنَ الكفرِ ، وأهلُ الكفرِ
في النارِ ، والجودُ والكرمُ مِنَ الإيمانِ، وأهلُ الإيمانِ في الجنةِ )(٥).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٤٠) عن معاوية رضي الله عنه يسأل أحد أعراب
طيء ، وقصدوا به خريم بن أوس .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٢).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٢).
(٤) أي : أكثر عائدة منه .
(٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٣).
١٦٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وقالَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( رُبَّ فاجرٍ في دينِهِ ، أخرقَ في معيشتِهِ ،
يدخلُ الجنةَ بسماحتِهِ )(١) .
وُ
ورأى الأحنفُ بنُ قيسٍ رجلاً في يدِهِ درهمٌ، فقالَ: لمَنْ هذا
الدرهمُ، فقالَ : لي، فقالَ: أما إنَّهُ ليسَ لكَ حتَّى يخرجَ مِنْ يدِكَ (٢).
وفي معناهُ قيلَ(٣):
[من الرمل]
أَنْتَ لِلْمالِ إِذا أَمْسَكْتَهُ فَإِذا أَنْفَقْتَهُ فَأَلْمَالُ لَكْ
وسُمِّي واصلُ بنُ عطاءِ الغَزَّالَ ؛ لأنهُ كانَ يجلسُ إلى الغزَّالينَ ، فإذا رأى
امرأةٌ ضعيفةً .. أعطاها شيئاً(٤) .
وقالَ الأصمعيُّ: كتبَ الحسنُ بنُ عليٍّ إلى الحسينِ بنِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهمْ
يعتبُ عليهِ في إعطاءِ الشعراءِ ، فكتبَ إليهِ : خيرُ المالِ ما وُقِيَ بهِ العرضُ (٥) .
وقيلَ لسفيانَ بن عيينةً : ما السخاءُ؟ قالَ : السخاءُ البؤُّ بالإخوانِ ،
والجودُ بالمالِ(٦).
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٥).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٣٥) ، ورواه ابن عساكر في (( تاريخ
دمشق)) (٣٤٣/٢٤)، وأنه تمثّل بالبيت بعده عندهما .
(٣) انظر ((عيون الأخبار)) ( ١٨١/٣).
مسعفـ
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٣٧) .
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (١٣٩).
(٦) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٣٨).
١٦٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
قالَ : وورثَ أبي خمسينَ ألفَ درهمٍ ، فبعثَ بها إلى إخوانِهِ صرراً ،
وقالَ : قدْ كنتُ أسألُ اللهَ تعالى لإخواني الجنَّةَ في صلاتي ، أفأبخلُ عليهمْ
بالمالِ ؟! (١).
وقالَ الحسنُ : ( بذلُ المجهودِ في بذلِ الموجودِ منتهى
الجودِ)(٢).
وقيلَ لبعضِ الحكماءِ : مَنْ أحبُّ الناسِ إليكَ ؟ قالَ : مَنْ كثُرَتْ أیادیهِ
عندي ، قيلَ : فإنْ لمْ يكنْ؟ قالَ : مَنْ كَثُرَتْ أياديَّ عندَهُ(٣) .
وقالَ عبدُ العزيزِ بنُ مروانَ : ( إذا الرجلُ أمكنَي مِنْ نفسِهِ حتَّى أضعَ
معروفي عندَهُ .. فيدُهُ عندي مثلُ يدي عندَهُ)(٤) .
وقالَ المهديُّ لشَبيبٍ بنِ شيبةَ : كيفَ رأيتَ الناسَ في داري ؟ فقالَ
يا أميرَ المؤمنينَ؛ إنَّ الرجلَ منهمْ ليدخلُ راجياً ويخرجُ راضياً(٥) .
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٨)، وعنده : ( وورث الحسن)
بدل ( قال: وورث أبي)، وينحوه حكاه الطرطوشي في ((سراج الملوك)) (٣٧٣/١)
عن عبد الملك بن بحر ، وفي ( ب): ( وورث عبد الرحمن بن الحارث ) .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٤٠) عن الحماني .
(٣) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص ٤٤٠)، وقريب منه عند الدينوري في
(( المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٨٤ ).
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٤٠).
(٥) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢٧٦/٩).
١٦٦

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وتمثلَ متمثلٌ عندَ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ فقالَ(١) :
[من الكامل]
إِنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً حَتَّى يُصابَ بِها طَرِيقُ الْمَصْنَعِ
اللهِ أَوْ لِذَوِي الْقَرابَةِ أَوْ دَع
فَإِذا أَصْطَنَعْتَ صَنِيعَةٌ فَأَعْمَدْ بِها
فقالَ عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ : إنَّ هذينِ البيتينِ ليبخلانِ الناسَ ، ولكنْ أمطرٍ
المعروفَ مطراً ؛ فإنْ أصابَ الكرامَ .. كانُوا لَهُ أهلاً، وإنْ أصابَ اللئامَ ..
كنتَ لهُ أهلاً(٢).
(١) البيتان لسيدنا حسان في ((ديوانه)) (٤٩٣/١).
(٢) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٦)، ورواه بنحوه ابن حبان في
((روضة العقلاء)» (ص ٢٥٤) .
١٦٧

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
حكايات الأسخياء
عنْ محمدِ بنِ المنكدرِ ، عَنْ أمِّ درَّةً(١) - وكانَتْ تخدمُ عائشةَ رضيَ اللهُ
عنها - قالَتْ : إنَّ ابنَ الزبيرِ بعثَ إليها(٢) بمالٍ في غِرارتينِ ثمانينَ ومئةِ ألفٍ
درهمٍ ، فدعَتْ بطبقٍ ، فجعلَتْ تقسمُهُ بينَ الناسِ ، فلما أمسَتْ ، قالَتْ :
يا جاريةُ ؛ هلمِّي فُطُوري، فَجَاءَتْها بخبزٍ وزيتٍ ، فقالَتْ لها أمُّ درةَ :
ما استطعتِ فيما قسمتِ اليومَ أنْ تشتري لنا بدرهمٍ لحماً نفطرُ عليهِ ؟
فقالَتْ : لوكنتِ ذكرتيني .. لفعلتُ(٣).
V.M
وعنْ أبانَ بنِ عثمانَ قالَ : أرادَ رجلٌ أنْ يضارَّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ ،
فأتى وجوهَ قريشٍ فقالَ : يقولُ لكمْ عبدُ اللهِ : تغذَّوا عندي اليومَ ، فأتوهُ
حتَّى ملؤوا عليهِ الدارَ ، فقالَ : ما هذا، فأُخبرَ الخبرَ ، فأمرَ عبدُ اللهِ
بشراءِ فاكهةٍ ، وأمرَ قوماً فطبخوا ، وخبزوا، وقُدْمَتِ الفاكهةُ إليهِمْ ، فلمْ
يفرغوا منها حتَّى وُضعَتِ الموائدُ، فأكلوا حتَّى صدروا ، فقالَ عبدُ اللهُ
لوكلائِهِ : أموجودٌ كلَّما أردتُ في السوقِ مثلُ هذا؟ قالوا : نعمْ،
حر
(١) قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٨/ ١٨١): (هلكذا ضبطه غير واحد بضم الدال المهملة)،
وضبطه الحافظ ابن حجر في «تبصير المنتبه)) (٢/ ٥٦٠): ذَرَّة، بفتح الذال المعجمة .
(٢) أي : لعائشة رضي الله تعالى عنها .
(٣) رواه هناد في ((الزهد)) (٦١٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤٧/٢)، ولفظه عند
الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص٤٢٧ ) .
١٦٨
حر
ـة:

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
قالَ: فليتغدَّ عندَنا هؤلاءِ في كلِّ يومٍ (١).
وقالَ مصعبُ بنُ الزبيرِ : حجَّ معاويةُ رضيَ اللهُ عنهُ ، فلمَّا انصرفَ .. مرَّ
بالمدينةِ ، فقالَ الحسينُ بنُ عليٍّ لأخيهِ الحسنِ رضيَ اللهُ عنهمْ : لا تلقَهُ
ولا تسلُّمْ عليهِ ، فلمَّا خرجَ معاويةُ .. قالَ الحسنُ: إنَّ علينا دَيناً ولا بدَّ لنا
مِنْ إتيانِهِ ، فركبَ في أثرِهِ فلحقَهُ، فسلَّمَ عليهِ وأخبرَهُ بدَينِهِ ، فمرُّوا عليهِ
بُيُخْتِيٍّ عليهِ ثمانونَ ألفَ دينارٍ وقدْ أعيا وتخلَّفَ عنِ الإبلِ وقومٌ يسوقونَهُ ،
فقالَ معاويةُ : ما هذا؟ فذُكِرَ لهُ، فقالَ : اصرفوهُ بما عليهِ إلى
أبي محمدٍ(٢) .
وعنْ واقدٍ بنِ محمدِ الواقديِّ قالَ: حدثَنَا أبي أنَّهُ رفعَ رقعةً إلى المأمونِ
يذكرُ فيها كثرةَ الدينِ وقلَّةً صبرِهِ عليهِ ، فوقَّعَ المأمونُ على ظهرِ رقعتِهِ : إنَّكَ
رجلٌ اجتمعَ فيكَ خصلتانِ : سخاءٌ، وحياءٌ، فأمَّا السخاءُ .. فهوَ الذي
أطلقَ ما في يديكَ، وأمَّ الحياءُ .. فهوَ الذي يمنعُكَ مِنْ تبليغِنا ما أنتَ عليهِ،
وقدْ أمرتُ لكَ بمئةِ ألفِ درهم ، فإنْ كنتُ قدْ أصبتُ .. فازدَدْ في بسطٍ
يدِكَ ، وإنْ لمْ أكنْ قَدْ أصبتُ .. فجنايتُكَ على نفسِكَ، وأنتَ حدَّثتَي وكنتَ
على قضاءِ الرشيدِ : عنْ محمدِ بنِ إسحاقَ ، عنِ الزهريِّ ، عنْ أنسٍ
رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ للزبيرِ بنِ العوَّامِ :
(١) كذا أورده الخركوشي في ( تهذيب الأسرار)) (ص٤٢٨)، والقشيري في (( رسالته))
( ص ٤٢٢ ) .
(٢) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٢٨).
١٦٩

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
(( يا زبيرُ ؛ اعلمْ أنَّ مفاتيحَ أرزاقِ العبادِ بإزاءِ العرشِ، يبعثُ اللهُ عزَّ وجلَّ
إلى كلِّ عبدٍ بقدْرِ نفقتِهِ ؛ فمَنْ كثَّرَ .. كثَّرَ لهُ، ومَنْ قَلَّلَ .. قلَّلَ لَهُ))، وأنتَ
أعلمُ . قالَ الواقديُّ : فواللهِ ؛ لَمذاكرةُ المأمونِ إِيَّايَ الحديثَ أحبُّ إليَّ مِنَ
الجائزةِ وهيَ منَةُ ألفِ درهمٍ (١) .
وسألَ رجلٌ الحسنَ بنَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما حاجةً فقالَ لهُ : يا هذا ؛
حقُّ سؤالِكَ إيايَ يعظمُ لديَّ ، ومعرفتي بما يجبُ لكَ تكبرُ عليَّ، ويدي
تعجزُ عنْ نيلِكَ بما أنتَ أهلُهُ ، والكثيرُ في ذاتِ اللهِ تعالى قليلٌ ، وما في
ملكي وفاءٌ لشكرِكَ ، فإنْ قبلتَ الميسورَ ، ورفعتَ عنِّي مؤنَةَ الاحتمالِ
والاهتمام لما أتكلّفُهُ مِنْ واجبكَ .. فعلتُ ، فقالَ: يا بنَ رسولِ اللهِ ؛ أقبلُ
وأشكرُ العطيّةَ، وأعذرُ على المنع ، فدعا الحسنُ بوكيلِهِ ، وجعلَ يحاسبُهُ
على نفقاتِهِ حتَّى استقصاها ، فقالَ : هاتِ الفاضلَ مِنَ الثلاثِ مئةِ ألْفٍ
درهم ، فأحضرَ خمسينَ ألفاً ، قالَ : فما فعلتَ بالخمسِ مئةِ دينارٍ ؟ قالَ :
هيَ عندي ، قالَ : أحضرْها ، فأحضرَها ، فدفعَ الدنانيرَ والدراهمَ إلى
الرجلِ ، وقالَ : هاتٍ مَنْ يحملُها لكَ، فأتاهُ بحمالينَ ، فدفعَ إليهِ الحسنُ
رداءَهُ لكراءِ الحملِ ، فقالَ لهُ مواليهِ : واللهِ ؛ ما عندَنا درهمٌ، فقالَ :
(١) رواه بتمامه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٢٨/٣)، وهو عند الخركوشي في
(تهذيب الأسرار)) (ص٤٢٨)، وروى المرفوع وحده أبو نعيم في ((الحلية))
(٢١٦/١٠)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (٨٥٥٤) بنحوه .
١٧٠

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
ولكنِّي أرجو أنْ يكونَ لي عندَ اللهِ أجرٌ عظيمٌ(١) .
واجتمعَ قرَّاءُ البصرةِ إلى ابنِ عباسٍ وهوَ عاملُ البصرةِ ، فقالوا : لنا جارٌ
صوَّامٌ قوَّامٌ يتمنَّى كلُّ واحدٍ منَّا أنْ يكونَ مثلَهُ ، وقدْ زوَّجَ بنيَّةَ لهُ مِنِ ابنِ أخيهِ
وهوَ فقيرٌ وليسَ عندَهُ ما يجهِّزُها بهِ ، فقامَ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ ، فأخذَ
بأيديهِمْ، وأدخلَهُمْ دارَهُ ، وفتَحَ صندوقاً فأخرجَ منهُ ستَّ بُدَرِ ، فقالَ :
احملوا ، فحملوا ، فقالَ ابنُ عباس : ما أنصفْناهُ ، أعطيناهُ ما يشغلُهُ عنْ
قيامِهِ وصيامِهِ ، ارجعُوا بنا .. نكنْ أعوانَهُ على تجهيزِها ، فليسَ للدنيا مِنَ
القدْرِ ما يشغلُ مؤمناً عنْ عبادةِ ربِّهِ تعالى ، وما بنا مِنَ التكتُّرِ ما لا نخدمُ
أولياءَ اللهِ تعالى، ففعلَ وفعلوا(٢) .
وحُكِيَ أنَّهُ لمَّا أجدبَ الناسُ بمصرَ وعبدُ الحميدِ بنُ سعدٍ أميرُهُمْ ، فقالَ :
واللهِ؛ لأَعْلِمَنَّ الشيطانَ أَنِّي عدؤُهُ، فَعالَ محاويجَهُمْ إلى أنْ رخُصَتِ
الأسعارُ، ثمَّ عُزِلَ عنْهُمْ، فرحلَ وللتجارِ عليهِ ألفُ ألفِ درهمٍ ، فرهنَهُمْ بها
حليَّ نسائِهِ، وقيمتُهُ خمسةُ آلافِ ألفِ درهم (٣) ، فلمَّا تعذَّرَ عليهِ ارتجاعُها ..
كتبَ إليهِمْ ببيعِها ، ودفع الفاضلِ مِنْها عنْ حقوقِهِمْ إِلى مَنْ لمْ تنلْهُ صِلاتُهُ(٤)
٠
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣١)، وأورده مختصراً القشيري
في ((رسالته )) ( ص ٤٢٣).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣١)، وانظر (( ثمرات الأوراق))
(ص٤٤٠)، و((المستطرف)) (١/ ٤٩٢-٤٩٣).
(٣) في غير (ج): ( وقيمته خمس مئة ألف ألف درهم).
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٢).
١٧١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وكانَ أبو طالبٍ بنُ كثيرٍ شيعياً ، فقالَ لهُ رجلٌ : بحقِّ عليٍّ بنِ
أبي طالبٍ ؛ لمَّا وهبتَ لي نِحِلتَكَ بموضع كذا ، قالَ : قَدْ فعلتُ ، وحقُّهِ ؛
لأعطينَّكَ ما يليها ، وكانَ ذلكَ أضعافَ ما طلبَ الرجلُ(١).
وكانَ أبو مرثدٍ أحدَ الكرماءِ ، فمدحَهُ بعضُ الشعراءِ ، فقالَ للشاعرِ :
واللهِ ؛ ما عندي ما أعطيكَ ، ولكنْ قدِّمْني إلى القاضي وادَّع عليَّ بعشرةِ
آلافِ درهم ، حتَّى أقرَّ لكَ بها ، ثمَّ احبسْني، فإنَّ أهلي لا يتركوني
محبوساً ، ففعلَ ذلكَ، فلمْ يُمسِ حتَّى دُفعَ إليهِ عشرةُ آلافِ درهمٍ ، وأُخرِجَ
أبو مرثدٍ مِنَ الحبسِ(٢).
وكانَ معنُ بنُ زائدةَ عاملاً على العراقينِ بالبصرةِ ، فحضرَ بابَهُ شاعرٌ ،
فأقامَ مدَّةً ، وأرادَ الدخولَ على معنٍ ، فلمْ يتهيَّأْ لُهُ ، فقالَ يوماً لبعضٍ خدم
معنٍ : إذا دخلَ الأميرُ البستانَ .. فعرِّفْني، فلمَّا دخلَ .. أعلمَهُ،
فكتبَ الشاعرُ بيتاً على خشبةٍ وألقاها في الماءِ الذي يدخلُ بستانَ معنٍ ،
وكانَ معنٌّ على رأسِ الماءِ ، فلمَّا بصرَ بالخشبةِ .. أخذَها وقرأَها ؛ فإذا فيها
[من الطويل]
مکتوبٌ :
أَيَا جُودَ مَعْنٍ ناجِ مَعْناً بَحاجَتِي فَمَا لِي إِلَى مَعْنِ سِواكَ شَفِيعُ
فقالَ : مَنْ صاحبُ هذِهِ ؟ فدُعيَ بالرجلِ ، فقالَ لهُ : كيفَ قلتَ ؟
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٢).
(٢) أورده الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص ٤٣٢)، والقشيري في ((رسالته)) (ص ٤٢٣).
١٧٢

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
فقالَهُ، فأمرَ لهُ بعشرِ بُدَرٍ ، فأخذَها ، ووضعَ الأميرُ الخشبةَ تحتَ بساطِهِ ،
فلمَّا كانَ اليومُ الثاني .. أخرجَها مِنْ تحتِ البساطِ وقرأَ ما فيها، ودعا
بالرجلِ فدفعَ إليهِ مئةَ ألفِ درهمٍ ، فلمَّا أخذَها الرجلُ .. تفكّرَ وخافَ أنْ
يأخذَ منهُ ما أعطاهُ، فخرجَ ، فلمَّا كانَ اليومُ الثالثُ .. قرأَ ما فيها ودعا
بالرجلِ ، فطُلبَ فلمْ يُوجدْ ، فقالَ معنٌ : حقٌّ عليَّ أنْ أعطيَهُ حتَّى لا يبقى
في بيتِ مالي درهمٌ ولا دينارٌ(١).
وقالَ أبو الحسنِ المدائنيُّ : خرجَ الحسنُ والحسينُ وعبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ
رضيَ اللهُ عنهُمْ حُجاجاً ، ففاتَهُمْ أثقالُهُمْ، فجاءوا وعطشوا ، فمرُّوا بعجوزٍ
في خباءٍ لها ، فقالوا : هلْ مِنْ شرابٍ ؟ فقالَتْ : نعمْ ، فأناخوا إليها وليسَ
لها إلا شُويهةٌ في كسرِ الخيمةِ ، فقالَتِ : احلبوها وامتذقوا لبنَها ، ففعلوا
ذلكَ ، ثمَّ قالوا لها : هلْ مِنْ طعام؟ قالَتْ : لا إلا هذهِ الشاةُ ، فليذبحْها
أحدُكُمْ حتَّى أهيِّىءَ لكمْ ما تأكلونَ ، فقامَ إليها أحدُهُمْ فذبحَها وكشطَها ، ثمَّ
هيأَتْ لُهُمْ طعاماً ، فأكلُوا وأقاموا حتَّى أبردوا ، فلمَّا ارتحلوا .. قالوا لها :
نحنُ نفرٌ مِنْ قريشٍ نريدُ هذا الوجهَ ، فإذا رجعنا سالمينَ .. فألمِّي بنا ؛ فإنَّا
صانعونَ بكِ خيراً ، ثمَّ ارتحلوا ، وأقبلَ زوجُها فأخبرَتُهُ بخبرِ القوم والشاةِ ،
فغضبَ الرجلُ ، وقالَ : ويلَكِ ؛ تذبحينَ شاتي لقومٍ لا تعرفينَهُمْ، ثمَّ
تقولينَ : نفرٌ مِنْ قريشٍ ، قالَ: ثمَّ بعدَ مدةٍ ألجأتْهُما الحاجةُ إلى دخولِ
كن
(١) أورده الخركوشي فى ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٢)، وانظر ((ثمرات الأوراق))
(ص ٤٤٠)، و((المستطرف)» (٤٩٢/١-٤٩٣).
١٧٣

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
المدينةِ ، فدخلاها وجعلا ينقلانِ البعرَ إليها ويبيعانِهِ ، ويتعيَّشانِ بثمنِهِ ،
فمرَّتِ العجوزُ في بعضِ سككِ المدينةِ ؛ فإذا الحسنُ بنُ عليٍّ جالسٌ على
بابِ دارِهِ ، فعرفَ العجوزَ وهيَ لهُ منكرةٌ ، فبعَثَ غلامَهُ ودعا العجوزَ ،
فقالَ لها : يا أمةَ اللهِ ؛ أتعرفيني ؟ قالَتْ: لا ، قالَ : أنا ضيفُكِ يومَ كذا
وكذا ، قالتِ العجوزُ : بأبي أنتَ وأمِّي ، أنتَ هوَ ؟ قالَ : نعمْ ، ثمَّ أمرَ
الحسنُ فاشترَوا لها مِنْ شاءِ الصدقِةِ ألفَ شاةٍ ، وأمرَ لها معَها بألفِ دينارٍ ،
وبعثَ بها معَ غلامِهِ إلى الحسينِ ، فقالَ لها الحسينُ : بكمْ وصَلَكِ أخي ؟
قالَتْ : بألفِ شاةٍ وألفِ دينارٍ ، فأمرَ لها الحسينُ أيضاً بمثلِ ذلكَ، ثمَّ بعثَ
بها معَ غلامِهِ إلى عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ، فقالَ لها : بكمْ وصلكِ الحسنُ
والحسينُ ؟ قالَتْ : بألفي شاةٍ وألفي دينارٍ ، فأمرَ لها عبدُ اللهِ بألفي شاةٍ
وألفي دينارٍ ، وقالَ لها : لوْ بدأتِ بي .. لأتعبتُهُما، فرجعَتِ العجوزُ إلى
زوجِها بأربعةِ آلافٍ شاةٍ ، وأربعةِ آلافٍ دينار(١).
وخرجَ عبدُ اللهِ بنُ عامرِ بنِ كريزٍ مِنَ المسجدِ يريدُ منزِلَهُ ، وهوَ وحدَهُ ،
فقامَ إليهِ غلامٌ مِنْ ثقيفٍ ، فمشى إلى جانبهِ ، فقالَ لهُ عبدُ اللهِ : ألكَ حاجةٌ
يا غلامُ؟ قالَ: صلاحُكَ وفلاحُكَ، رأيتُكَ تمشي وحدَكَ ، فقلتُ :
أقيكَ بنفسي ، وأعوذُ باللهِ إنْ طارَ بجنابِكَ مكروهٌ ، فأخذَ عبدُ اللهِ بيدِهِ
ومشى معَهُ إلى منزِلِهِ ، ثمَّ دعا بألفِ دينارٍ ، فدفعَها إلى الغلام ، وقالَ :
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٣)، وقال الحافظ الزبيدي في
((إتحافه)) (١٨٥/٨): ( هكذا أخرجه المدائني بأسانيده ) .
١٧٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
استنفقْ هذهِ ، فنعمَ ما أدَّبَكَ أهلُكَ(١).
وحُكِيَ أنَّ قوماً مِنَ العربِ جاؤوا إلى قبرِ بعضِ أسخيائِهِمْ للزيارةِ ،
فنزلوا عندَ قبرِهِ ، وباتوا عندَهُ وقدْ كانوا جاؤوا مِنْ سفرٍ بعيدٍ ، فرأى رجلٌ
منهمْ في النومِ صاحبَ القبرِ وهوَ يقولُ لَهُ : هلْ لكَ أنْ تبادلَ بعيرَكَ بنجيبي ؟
وكانَ السخيُّ الميتُ قدْ خلَّفَ نجيباً معروفاً بهِ ، ولهذا الرجلِ بعيرٌ سمينٌ ،
فقالَ لهُ في النومِ : نعمْ ، وباعَ في النومِ بعيرَهُ بنجيبِهِ ، فلمَّا وقعَ بينهُما
العقدُ .. عمدَ هذا الرجلُ إلى بعيرِهِ فنحرَهُ في النومِ ، فانتبَهَ الرجلُ مِنْ
نومِهِ ؛ فإذا الدمُ يثجُّ مِنْ نحرِ بعيرِهِ ، فقامَ الرجلُ منَ النومِ فنحرَهُ ، وقسّمَ
لحمَهُ، فطبخوهُ وقضَوا حاجتهُمْ منهُ ، ثمَّ رحلوا وساروا ، فلما كانَ اليومُ
الثاني وهمْ في الطريقِ .. استقبلَهُمْ ركبٌ، فقالَ رجلٌ منهُمْ: مَنْ فلانُ بنُ
فلانٍ منكمْ ؟ باسمِ ذلكَ الرجلِ ، فقالَ : أنا ، فقالَ : هلْ بعتَ مِنْ فلانٍ
شيئاً ؟ وذكرَ الميتَ صاحبَ القبرِ ، قالَ : نعمْ ، بعتُ منهُ بعيري بنجيِهِ في
النوم ، فقالَ: خذْ، هذا نجيبُهُ، ثمَ قالَ : هوَ أبي، وقدْ رأيتُهُ في النومِ
وهوَ يقولُ : إنْ كنتَ ابني .. فادفعْ نجيبي إلى فلانٍ وسمَّاهُ(٢) .
وقدمَ رجلٌ مِنْ قريشٍ مِنَ السفرِ ، فمرَّ برجلٍ مِنَ الأعرابِ على قارعةِ
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٤)، وفيه: ( صار) بدل ( طار) ،
وقال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٨٥/٨): ( هكذا أخرجه أبو الحسن المدائني
في ((أخبار الأسخياء))) .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٦).
١٧٥
الحجر

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
الطريقِ قدْ أقعدَهُ الدهرُ ، وأضرّ بهِ المرضُ ، فقالَ: يا هذا ؛ أعِنَّا على
الدهرِ ، فقالَ الرجلُ لغلامِهِ : ما بقيَ معكَ مِنَ النفقةِ .. فادفعْهُ إليهِ ، فصبَّ
الغلامُ في حجرِ الأعرابيِّ أربعةَ آلافِ درهمٍ ، فذهبَ لينهضَ ، فلمْ يقدرْ مِنَ
الضعفِ فبكى ، فقالَ لهُ الرجلُ : ما يبكيكَ ؟ لعلَّكَ استقللتَ ما أعطيناكَ ؟
قالَ : لا ، ولكنْ ذكرتُ ما تأكلُ الأرضُ مِنْ كرمِكَ فأبكاني(١).
واشترىُ عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ مِنْ خالدِ بنِ عقبةَ بنِ أبي معيطٍ دارَهُ التي في
السوقٍ بتسعينَ ألفَ درهمٍ ، فلمَّا كانَ الليلُ .. سمعَ بكاءَ أهلِ خالِدٍ ، فقالَ
الأهلِهِ : ما لهؤلاءِ ؟ قالوا : يبكونَ لدارِهِمْ، قالَ : يا غلامُ ؛ ائتِهِمْ
فأعلمْهُمْ أنَّ الدارَ والمالَ لهُمْ جميعاً(٢) .
وقيلَ : أنفذَ هارون الرشيدُ إلى مالكِ بنِ أنسٍٍ رضيَ اللهُ عنهُما خمسَ مئةٍ
دينارٍ ، فبلغَ ذلكَ الليثَ بنَ سعدٍ ، فأنفذَ إليهِ ألفَ دينارِ ، فغضبَ هارونُ
وقالَ : أعطيتُهُ خمسَ مئةٍ وتعطيهِ ألفاً وأنتَ مِنْ رعيَّتي ؟! فقالَ : يا أميرَ
المؤمنينَ ؛ إنَّ لي مِنْ غلَّتي كلَّ يومٍ ألفَ دينارٍ ، فاستحييتُ أنْ أعطيَ مثلَهُ
أقلَّ مِنْ دخلِ يومٍ (٣).
وحُكِيَ أنَّهُ لمْ تجبْ عليهِ الزكاةُ معَ أنَّ دخلَهُ كلَّ يومٍ ألفُ دينارٍ (٤) .
(١) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٢٤٨).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٨٨).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٩).
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٩).
١٧٦

ربع المهلكات
کتاب ذم المال والبخل
ورُوِيَ أنَّ امرأةً سألَتِ الليثَ بنَ سعدٍ رحمهُ اللهِ عليهِ شيئاً مِنْ عسلٍ ،
فأمرَ لها بزقٌّ مِنْ عسلٍ ، فقيلَ لهُ : إنَّها كانَتْ تقنعُ بدونِ هذا ، فقالَ : إنَّها
سألَتْ على قدرِها ، ونعطيها على قدْرِ النعمةِ علينا (١) .
وكانَ الليثُ بنُ سعدٍ لا يتكلَّمُ كلَّ يومٍ حتَّى يتصدَّقَ على ثلاثِ مئةٍ وستينَ
مسكيناً(٢) .
وقالَ الأعمشُ : اشتكتْ شاةٌ عندي ، فكَانَ خيثمةُ بنُ عبدِ الرحمنِ
يعودُها بالغداةِ والعشيِّ، ويسألُني : هلِ استوفَتْ علفَها؟ وكيفَ صبرُ
الصبيانِ منذُ فقدوا لبنَها ؟ وكانَ تحتي لَبِدٌ أجلسُ عليهِ ؛ فإذا خرجَ .. قال :
خذْ ما تحتَ اللَّبدِ ، حتَّى وصلَ إليَّ في غلَّةِ الشاةِ أكثرُ مِنْ ثلاثِ مئةِ دينارٍ مِنْ
برِّهِ، حتَّى تمنيتُ أنَّ الشاةَ لمْ تبرأُ(٣) .
وقالَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ لأسماءَ بنِ خارجةَ : بلغني عنكَ خصالٌ ،
فحدِّثْني بها ، فقالَ : هي مِنْ غيري أحسنُ منها مِنِّي ، قالَ : عزمتُ عليكَ إلا
حدثتَي بها ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ ما مددتُ رجلي بينَ يدي جليسٍ لي
قطُّ ، ولا صنعتُ طعاماً قطُّ فدعوتُ إليهِ قوماً إلا كانوا أمنَّ عليَّ منِّي عليهِمْ،
ولا نصبَ لي رجلٌ وجهَهُ قطُّ ليسألَني شيئاً فاستكثرتُ شيئاً أعطيتُهُ إِيًّا(٤).
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٩)، والقشيري في (( رسالته)) (ص٤٢٣).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٩).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٣٩).
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٤٠).
١٧٧

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
ودخلَ سعيدُ بنُ خالدٍ على سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ ، وكانَ سعيدٌ رجلاً
جواداً ، فإذا لمْ يجدْ شيئاً .. كتبَ لمَنْ سألَهُ صكّاً على نفسِهِ حتَّى يخرجَ
عطاؤُهُ ، فلمَّا نظرَ إليهِ سليمانُ .. تمثَّلَ بهذا البيتِ فقالَ:
[من الكامل]
G
إِنِّي سَمِعْتُ مَعَ الصَّباحِ مُنادِياً يا مَنْ يُعِينُ عَلَى الْفَتَى أَلْمِعْوانِ
ثُمَّ قالَ : حاجتُكَ ؟ قالَ : دَيني ، قالَ : وكمْ هوَ؟ قالَ : ثلاثونَ ألفَ
دينارٍ ، قالَ : دَيَنُكَ ومثلُهُ(١) .
وقيلَ : مرضَ قيسُ بنُ سعدِ بنِ عبادةَ، فاستبطأَ إخوانَهُ ، فقيلَ : إنَّهُمْ
يستحيونَ ممَّا لكَ عليهِمْ مِنَ الدَّينِ ، فقالَ : أخزى اللهُ مالاً يمنعُ الإخوانَ مِنَ
الزيارةِ ، ثمَّ أمرَ منادياً فنادى : مَنْ كانَ عليهِ لقيسٍ حٌّ .. فهوَ منهُ في حِلِّ ،
قالَ : فَكُسِرَتْ درجتُهُ بالعشيِّ ؛ لكثرةِ مَنْ عَادَهُ(٢).
2
وعنْ أبي إسحاقَ قالَ : صلَّيتُ الفجرَ في مسجدِ الأشعثِ بالكوفةِ أطلبُ
غريماً لي ، فلمَّا صليتُ .. وُضِعَ بينَ يديَّ حلةٌ ونعلانِ ، فقلتُ : لستُ مِنْ
أهلِ هذا المسجدِ ، فقيلَ : إنَّ الأشعثَ بنَ قيسٍ الكنديَّ قدمَ البارحةَ مِنْ
مكةَ فأمرَ لكلِّ مَنْ صلَّى في المسجدِ بحلَّةٍ ونعلينٍ(٣) .
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٤٠)، و((ربيع الأبرار))
(٥٩٥/١ -٥٩٦ ) .
(٢) أورده الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص٤٤٠).
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٤١)، ورواه ابن أبي الدنيا في
((الإخوان)) (٢٢٢) دون ذكر أبي إسحاق السبيعي.
G
١٧٨

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وقالَ الشيخُ أبو سعدِ الخَرْكُوشيُّ النيسابوريُّ رحمهُ اللهُ: سمعتُ
محمدَ بنَ محمدٍ الحافظَ يقولُ : سمعتُ الشافعيَّ المجاورَ بمكةَ يقولُ : كانَ
بمصرَ رجلٌ عُرفَ بأنَّهُ يجمعُ للفقراءِ شيئاً ، فوُلِدَ لبعضِهِمْ ولدٌ، قالَ :
فجئتُ إليهِ ، فقلتُ لهُ: وُلِدَ لي مولودٌ، وليسَ معي شيءٌ، فقامَ معي،
ودخلَ على جماعةٍ ، فلمْ يُفتح بشيءٍ، فجاءَ إِلى قبرِ رجلٍ ، وجلسَ
عندَهُ، وقالَ : رحمَكَ اللهُ؛ كنتَ تفعلُ وتصنعُ ، وإنِّي دُرتُ اليومَ
وكلَّفتُ جماعةٌ دفعَ شيءٍ لمولودٍ ، فلمْ يتفقْ لي شيءٌ، قالَ : ثمَّ قامَ ،
وأخرجَ ديناراً وكسرَهُ نصفينٍ ، وناولَني نصفَهُ ، وقالَ : هذا دينٌ عليكَ
إلى أنْ يُفتحَ لكَ بشيءٍ ، قالَ : فأخذتُهُ وانصرفتُ ، فأصلحتُ ما اتفقَ لي
بهِ ، فرأى ذلكَ المحتسبُ تلكَ الليلةَ ذلكَ الشخصَ في منامِهِ ، فقالَ :
سمعتُ جميعَ ما قلتَ ، وليسَ لنا إذنٌّ بالجوابِ ، ولكنِ احضرْ منزلي ،
وقلْ لأولادي يحفرُوا مكانَ الكانونِ ، ويخرجوا قرابةً فيها خمسُ مئةٍ
دينارٍ ، واحملْها إلى هذا الرجلِ ، فلمَّا كانَ مِنَ الغدِ .. تقدَّمَ إلى منزلِ
الميتِ ، وقصَّ عليهمُ القصةَ ، فقالوا لهُ : اجلسْ ، وحفروا الموضعَ ،
فأخرجوا الدنانيرَ ، وجاؤوا بها فوضعوها بينَ يديهِ ، فقالَ : هذا مالُكُمْ ،
وليسَ لرؤيايَ حكمٌ ، فقالوا : هوّ يتسخَّى ميتاً ، ولا نتسخَّى نحنُ أحياءً !
فلما ألُوا عليهِ .. حملَ الدنانيرَ إلى الرجلِ صاحبِ المولودِ ، وذكرَ لهُ
القصةَ ، قالَ : فأخذَ مِنْها ديناراً وكسرَهُ نصفينٍ ، فأعطاهُ النصفَ الذي
أقرضَهُ، وحملَ النصفَ الآخرَ ، وقالَ : يكفيني هذا ، وتصدَّقْ بها على
١٧٩

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
الفقراءِ ، فقالَ أبو سعدٍ : فلا أدري أيُّ هؤلاءِ أسخى(١).
ورُوِيَ أنَّ الشافعيَّ رضيَ اللهُ عنهُ لما مرضَ مرضَ موتِهِ .. قَالَ : مروا فلاناً
يغسلُني(٢)، فلمَّا تُوفِيَ .. بلغَه خبرُ وفاتِهِ ، فحضرَ وقالَ : ائتوني بتذكرتِهِ ،
فَأَتَيَ بها ، فنظرَ فيها ؛ فإذا على الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ سبعون ألفَ درهمٍ دينٌ ،
فكتبَها على نفسِهِ، وقضاها عنهُ، وقالَ : هذا غسلي إيَّاهُ ؛ أيْ: أرادَ بهِ هذا.
وقالَ أبو سعدِ الواعظُ الخركوشيُّ رحمَهُ اللهُ : لمَّا قدمتُ مصرَ .. طلبتُ
منزلَ ذلكَ الرجلِ ، فدلُوني عليهِ ، فرأيتُ جماعةٌ مِنْ أحفادِهِ وزرتُهُمْ،
فرأيتُ فيهمْ سيما الخيرِ وآثارَ الفضلِ ، فقلتُ : بلغَ أثرُهُ في الخيرِ إليهمْ ،
وظهرَتْ بركتُهُ فيهمْ؛ مستدلاً بقولِهِ تعالى: ﴿ وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَالِحًا﴾(٣) .
وقالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ: لا أزالُ أحبُّ حمادَ بنَ أبي سليمانَ لشيءٍ
بلغَني عنهُ ؛ أنَّهُ كانَ ذاتَ يومٍ راكباً حمارَهُ ، فحرَّكَهُ فانقطعَ زُّهُ ، فمرَّ على
خياطٍ ، فأرادَ أنْ ينزلَ إليهِ ليسوِّيَ زرّهُ ، فقالَ الخياطُ : واللهِ ؛ لا نزلتَ ،
فقامَ الخياطُ إليهِ ، فسؤَّى زرَّهُ، فأخرجَ إليهِ صرَّةً فيها عشرةُ دنانيرَ ، فسلَّمَها
إلى الخياطِ، واعتذرَ إليهِ مِنْ قِلَّتِها (٤).
(١) رواه الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٤٤١).
(٢) وعنى به: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. ((إتحاف)) (١٨٩/٨).
(٣) تهذيب الأسرار (ص ٤٤٢).
(٤) كذا هو عند الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص٤٤٢)، ورواه البيهقي في ((مناقب
الشافعي)) (٢٣٢/٢) .
١٨٠