النص المفهرس

صفحات 141-160

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وكانَ محمدُ بنُ واسع يبلُّ الخبزَ اليابسَ بالماءِ ويأكلُهُ ويقولُ : مَنْ قنعَ
بههذا .. لمْ يحتجْ إلى أحدٍ(١).
وقالَ سفيانُ : ( خيرُ دنياكُمْ ما لمْ تُبْتَلَوا بهِ ، وخيرُ ما ابتليتُمْ بهِ ما خرجَ
مِنْ أيديكُمْ)(٢).
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما مِن يومٍ إلا وملكٌ ينادي : يا بنَ
آدَمَ؛ قليلٌ يكفيكَ خيرٌ مِنْ كثيرٍ يطغيكَ )(٣).
وقالَ شُمَيطُ بنُ عجلانَ : ( إنَّما بطنُكَ يا بنَ آدَمَ شبرٌ في شبرٍ ؛ فِلِمَ
يدخلُكَ النارَ ؟ )(٤) .
وقيلَ لحكيم : ما مالُكَ ؟ قالَ : التَّجمُّلُ في الظاهرِ ، والقصدُ في
الباطنِ ، واليأسُ ممَّا في أيدي الناسِ .
ويُروى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ : يا بنَ آدَمَ ؛ لوْ كانتِ الدنيا كلُّها لكَ .. لمْ
يكنْ لكَ مِنْها إلا القوتُ ، فإذا أنا أعطيتُكَ مِنْها القوتَ ، وجعلتُ حسابَها
على غيرِكَ .. فأنا إليكَ محسنٌ .
(١) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٣) أن محمد بن واسع أريد على القضاء فأبى ، فعاتبته
امرأته فقالت : لك عيال وأنت محتاج ، قال : ما دمت تريني أصبر على الخل
والبقل .. فلا تطمعي في هذا مني .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٤١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١/٧) بنحوه .
(٣) كذا في ((القوت)). ((إتحاف)) (١٦١/٨).
(٤) كذا في ((القوت)). ((إتحاف)) (١٦١/٨).
١٤١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( إذا طلبَ أحدُكُمُ الحاجةً .. فليطلبها طلباً يسيراً ،
ولا يأتي الرجلَ فيقولَ: إِنَّكَ وإنَّكَ فيقطعُ ظهرَهُ ، فإنَّما يأتيهِ ما قُسِمَ لهُ أوْ
ما رُزِقَ)(١) .
وكتبَ بعضُ بني أميةً إلى أبي حازمٍ يعزمُ عليهِ إلا رفعَ إليهِ حوائجَهُ ،
فكتَبَ إليهِ : قدْ رفعتُ حوائجي إلى مولايَ ، فما أعطاني مِنْها .. قبلتُ ،
وما أمسكَ عنِّي .. قنعتُ(٢).
وقيلَ لبعضِ الحكماءِ : أيُّ شيءٍ أسرُّ للعاقلِ ؟ وأيّما شيءٍ أعونُ على
دفع الحزنِ ؟ فقالَ : أسرُّها إليهِ ما قدَّمَ مِنْ صالح العملِ ، وأعونُها لهُ على
دفع الحزنِ الرضا بمحتومِ القضاءِ (٣).
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( وجدتُ أطولَ الناسِ غمّاً الحسودَ ، وأهنأَهُمْ
عيشاً القنوعَ، وأصبرَهُمْ على الأذى الحريصَ إذا طمعَ ، وأخفضَهُمْ عيشاً
أرفضَهُمْ للدنيا ، وأعظمَهُمْ ندامةً العالمَ المفرِّطَ ) .
وفي ذلكَ قيلَ (٤):
[من البسيط]
أَرْفِهْ بِيالِ فَتَىَ يُمْسِي عَلَىْ ثِقَةٍ أَنَّ الَّذِي قَسَّمَ الأَرْزاقَ يَرْزُقُهُ
(١) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) ( ٧٧٩).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٧/٣).
(٣) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) ( ٨/ ١٦٢).
(٤) الأبيات للعطوي في ((ديوانه)) ( ص ٨٤) ( ضمن مجلة المورد، المجلد الأول ١٣٩١ -
١٩٧١ - العددان ١+٢)، والثالث في ((بهجة المجالس)) (٣٠٩/٣).
١٤٢

ربع المهلكات
کتاب ذم المال والبخل
وَأَلْوَجْهُ مِنْهُ جَدِيدٌ لَيْسَ يُخْلِقُهُ
فَأَلْعِرْضُ مِنْهُ مَصُونٌ لا يُدَنِّسُهُ
إِنَّ الْقَنَاعَةَ مَنْ يَحْلُلْ بِساحَتِها
لَمْ يَلْقَ فِي دَهْرِهِ شَيْئاً يُؤَرِّقُهُ
وقدْ قيلَ أيضاً(١):
[من البسيط]
وَطُولٍ سَعْيٍ وَإِذْبارٍ وَإِقْبِالٍ
حَتَّى مَتَى أَنَا فِي حِلِّ وَتَرْحالٍ
جنن
عَنِ الأَحِيَّةِ لا يَدْرُونَ ما حالِي
وَنَازِعُ الدَّارِ لا أَنْفَكُ مُغْتَرِباً
لا يَخْطُرُ الْمَوْتُ مِنْ حِرْصِي عَلَى بالٍ
بِمَشْرِقِ الأَرْضِ طَوْراً ثُمَّ مَغْرِبِها
وَلَوْ قَنِعْتُ أَتَانِي الرِّزْقُ فِي دَعَةٍ إِنَّ اُلْقُنُوعَ أَلْغِنَى لا ◌َثْرَةُ أَلْمالِ(٢)
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ألا أخبرُكُمْ بما أستحلُّ مِنْ مالِ اللهِ عزَّ
وجلَّ ؟ حُلَّتَانِ لشتائي وقيظي ، وما يسعُني مِنَ الظَّهْرِ لحجِّي وعُمرتي ،
وقوتي بعدَ ذلكَ كقوتِ رجلٍ مِنْ قريشٍ ، لسْتُ بأرفعِهِمْ ولا بأوضعِهِمْ ،
فواللهِ ؛ ما أدري أيحلُّ ذلكَ أمْ لا؟ )(٣) ، كأنَّهُ شكّ في أنَّ هذا القدْرَ هلْ
هوَ زيادةٌ على الكفايةِ التي تجبُ القناعةُ بها ؟
وعاتبَ أعرابيٌّ أخاهُ على الحرصِ فقالَ: ( يا أخي ؛ أنتَ طالبٌ
(١) الأبيات مما نسب إلى أبي العتاهية في (( ديوانه)) (ص ٦٢٨)، وإلى كلثوم العتابي.
انظر ((العقد الفريد)) (٢٠٨/٣-٢٠٩).
(٢) رواها الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٧١) للمأمون وهو قافل إلى
طرسوس .
(٣) رواه ابن زنجويه في ((الأموال)) (٩٨٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ٤٤ / ٢٧٠ ) .
١٤٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
ومطلوبٌ، يطلبُكَ مَنْ لا تفوتُهُ، وتطلبُ أنتَ ما قدْ كُفيتَهُ ، وكأنَّ ما غابَ
عنكَ قدْ كُشِفَ لكَ، وما أنتَ فيهِ قدْ نُقُلْتَ عنهُ ؛ كأنَّكَ - يا أخي - لَمْ تَرَ
حريصاً محروماً ، وزاهداً مرزوقاً )(١).
وقيلَ في ذلكَ(٢) :
[من الوافر]
أَراكَ يَزِيدُكَ الإِثْراءُ حِرْصاً عَلَى الدُّنيا كَأَنَّكَ لا تَمُوتُ
فَهَلْ لَكَ غَايَةٌ إِنْ صِرْتَ يَوْماً إِلَيْهَا قُلْتَ حَسْبِي قَدْ رَضِيتُ
وحكى الشَّعبيُّ : أنَّ رجلاً صادَ قُنْبَرَةٌ ، فقالَتْ : ما تريدُ أنْ تصنعَ بي ؟
قالَ : أذبحُكِ وآَكُلُكِ، قالَتْ: واللهِ ؛ ما أشفي مِنْ قَرَمِ ، ولا أشبِعُ مِنْ
جوع ، ولكنْ أعلِّمُكَ ثلاثَ خصالٍ هيَ خيرٌ لكَ مِنْ أكلي ؛ أمَّا واحدةٌ ..
فأعلُّمُكَ وأنا في يدِكَ، وأمَّا الثانيةُ .. فإذا صرتُ على الشجرةِ، وأمَّا
الثالثةُ .. فإذا صرْتُ على الجبلِ ، فقالَ : هاتِ الأولىُ ، قالَتْ: لا تلهفنَّ
على ما فاتَكَ ، فخلَّها ، فلمَّا صارَتْ على الشجرةِ .. قالَ: هاتِ الثانيةَ ،
قالَتْ : لا تصدِّقَنَّ بما لا يكونُ أنَّهُ يكونُ ، ثمَّ طارَتْ فصارَتْ على الجبلِ ،
قالَتْ : يا شقيُّ؛ لوْ ذبحتَني .. لأخرجتَ مِنْ حوصلتي دُرَّتينِ زِنَةُ كلٌ
واحدةٍ عشرونَ مثقالاً ، قالَ : فعضَّ على شفتيهِ وتلهَّفَ ، وقالَ : هاتٍ
الثالثةَ ، قَالَتْ : قدْ نسيتَ اثنتينِ ؛ فكيفَ أخبرُكَ بالثالثةِ ؟! ألمْ أقلْ لكَ :
لا تلهفَنَّ على ما فاتَكَ ، ولا تصدِّقنَّ بما لا يكونُ أنَّهُ يكونُ ؟! أنا ولحمي
ـده
جنة
ـحن
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٣١٤).
(٢) البيتان لمحمود الوراق في ((ديوانه)) ( ص ٨٩).
١٤٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
ودمي وريشي لا يكونُ عشرينَ مثقالاً ، فكيفَ يكونُ في حوصلتي درَّتانِ في
كلِّ واحدةٍ عشرونَ مثقالاً ، ثمَّ طارَتْ فذهبَتْ(١) .
وهذا مثالٌ لفرطِ طمع الآدميِّ ؛ فإنَّهُ يُعميهِ عنْ درْكِ الحقِّ حتَّى يقدِّرَ
ما لا يكونُ أنَّهُ يكونُ .
وقالَ ابنُ السمَّاكِ : ( إنَّ الرجاءَ حبلٌ في قلبكَ ، وقيدٌ في رِجْلِكَ ،
فأخرجِ الرجاءَ مِنْ قلبِكَ . . يخرجِ القيدُ مِنْ رجلِكَ)(٢).
وقالَ أبو محمدٍ اليزيديُّ : دخلتُ على الرشيدِ ، فوجدتُهُ ينظرُ في ورقةٍ
مكتوبٍ فيها بالذهبِ ، فلمَّا رآني .. تبسَّمَ، فقلْتُ: فائدةٌ أصلحَ اللهُ أميرَ
المؤمنينَ ؟ قالَ : نعمْ ، وجدتُ هذين البيتينِ في بعضٍ خزائنِ بني أميّةً
فاستحسنتُهُما ، وقدْ أضفْتُ إليهما ثالثاً، وأنشدَني(٣):
[من الطويل]
فَدَعْهُ لأُخْرَى يَنْفَتِحْ لَكَ بابُها
إِذا سُدَّ بابٌ عَنْكَ مِنْ دُونٍ حاجَةٍ
وَيَكْفِيكَ سَوْءَاتِ الأُمُورِ اجْتِنَابُها
فَإِنَّ قُرَابَ الْبَطْنِ يَكْفِيكَ مِلْؤُهُ
رُكُوبَ الْمَعاصِي يَجْتَنِبْكَ عِقَابُها
وَلا تَكُ مِبْذالاً لِعِرْضِكَ وَاجْتَنِبْ
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ لكعبٍ : ما يُذهبُ العلمَ مِنْ قلوبِ العلماءِ بعدَ إِذْ
وعَوْهُ وعقلوهُ؟ قالَ: الطمعُ، وشرَهُ النفسِ، وطلبُ الحوائجِ (٤).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٦/٤).
(٢) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) ( ص ١٤٣).
(٣) انظر ((بهجة المجالس)) (٣١٠/٣)، و((مختصر تاريخ دمشق)) (٢٥/٢٧) .
(٤) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٧١/٥٠).
١٤٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ رجلٌ للفضيلِ : فسِّرْ لي قولَ كعبٍ ، قالَ : يطمعُ الرجلُ في الشيءِ
فيطلبُهُ ، فيُذهِبُ عليهِ دينَهُ، وأمَّا الشَّرهُ .. فشرهُ النفسِ في هذا وفي هذا ،
حتَّى لا تحبّ أنْ يفوتَها شيءٌ، ويكونُ لكَ إلى هذا حاجةٌ وإلى هذا حاجةٌ ،
فإذا قضاها لكَ .. خزمَ أنفَكَ، وقادَكَ حيثُ شاءَ، واستمكنَ منكَ ، وخضعتَ
لهُ، فمِنْ حبِّكَ للدنيا سلَّمتَ عليهِ إذا مرَرتَ بهِ، وعدتَهُ إذا مرضَ ، لمْ تسلِّمْ
عليهِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولمْ تعدْهُ للهِ عزَّ وجلَّ، فلوْ لمْ يكنْ لكَ إليهِ حاجةٌ .. كانَ
خيراً لكَ، ثمَّ قالَ: هذا خيرٌ لكَ مِنْ مئةٍ حديثٍ عنْ فلانٍ وفلانٍ(١).
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( مِنْ عجيبِ أمرِ الإنسانِ أنَّه لَوْ نُوديَ بدوامِ البقاءِ
في أيام الدنيا .. لمْ يكنْ في قوى خلقتِهِ مِنَ الحرصِ على الجمع أكثرُ ممَّا قدْ
استعملَّهُ معَ قصرٍ مدَّةِ التمثُّعِ وتوقُّعِ الزوالِ)(٢) .
وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : مررتُ براهبٍ ، فقلتُ لهُ : مِنْ أينَ تأكلُ ؟
قالَ : مِنْ بيدرِ اللطيفِ الخبيرِ ، الذي خلقَ الرَّحى هوَ يأتيها بالطحينِ ،
وأشارَ بيدِهِ إلى رحى أضراسِهِ(٣)، فسبحانَ القديرِ الخبيرِ .
(١) رواه - وفيه الخير السابق - القاضي عياض في (( الإلماع)) ( ص ١٩٤).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (١٦٤/٩).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (١٦٤/٩)، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(١١/٦) ضمن خبر طويل ولكن عن السليط بن سبيع.
ـدة
١٤٦

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
بيان علاج الحرص والطمع، والدواء الذي تكتسب بصفة القناعة
اعلمْ : أنَّ هذا الدواءَ مركَّبٌ مِنْ ثلاثةِ أركانِ : الصبرِ ، والعلمِ ،
والعملِ .
ومجموعُ ذلكَ خمسةٌ أمورٍ :
الأولُ - وهوَ العملُ - : الاقتصادُ في المعيشةِ ، والرفقُ في الإنفاقِ : فمَنْ
أرادَ عزَّ القناعةِ .. فينبغي أنْ يسدَّ عنْ نفسِهِ أبوابَ الخرج ما أمكنَهُ ، ويردَّ
نفسَهُ إلى ما لا بدَّ منهُ ؛ فَمَنْ كثرَ خرجُهُ، واتسعَ إنفاقُهُ .. لمْ تمكنْهُ
القناعةُ، بلْ إنْ كانَ وحدَهُ . . فينبغي أنْ يقنعَ بثوبٍ واحدٍ خشنٍ ، ويقنعَ بأيِّ
طعام كانَ ، ويقلِّلَ مِنَ الإدام ما أمكنَهُ ، ويوطِّنَ نفسَهُ على ذلكَ ، وإنْ كانَ
لهُ عيالٌ .. فيردُّ كلَّ واحدٍ إلى هذا القدْرِ، فإنَّ هذا القدْرَ يتيسَّرُ بأدنى
جهدٍ ، ويمكنُ معَهُ الإجمالُ في الطلبِ .
فالاقتصادُ في المعيشةِ هوَ الأصلُ في القناعةِ ، ونعني بهِ : الرفقَ في
الإنفاقِ، وتركَ الخُرقِ فيهِ (١) .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ يحبُّ الرفقَ في الأمرِ
كلِّهِ))(٢).
(١) الخُرق : ضد الرفق ، وهو أيضاً ألا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور .
(٢) رواه البخاري (٦٠٢٤)، ومسلم (٢١٦٥) .
١٤٧

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ما عالَ مَنِ اقتصَدَ ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ثلاثٌ منجياتٌ؛ خشيةُ اللهِ في السرِّ
والعلانيةِ، والقصدُ في الغنى والفقرِ، والعدلُ في الرضا والغضبِ)) (٢).
ورُويَ أنَّ رجلاً أبصرَ أبا الدرداءِ يلتقطُ حبّاً مِنَ الأرضِ وهوَ يقولُ : (إنَّ
مِنْ فقهِكَ رفقَكَ في معيشتِكَ )(٣) .
وقالَ ابنُ عباسٍ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الاقتصادُ ، وحسنُ
السَّمتِ ، والهذْيُ الصالحُ .. جزءٌ مِنْ بضع وعشرينَ جزءاً مِنَ النبوّةِ )) (٤).
ے
وفي الخبرِ: (( التدبيرُ نصفُ العيشِ))(٥).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنِ اقتصدَ .. أغناهُ اللهُ، ومَنْ بِذَّرَ ..
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٤٧/١)، وابن أبي الدنيا في (( إصلاح المال)) (٣٤٨)،
والطبراني في « الكبير)) (١٠٨/١٠)، وما عال: ما افتقر، من اقتصد : من أنفق
قصداً ولم يجاوزه إلى الإسراف. ((إتحاف )) (٨/ ١٦٤).
(٢) رواه الخرائطي في ((اعتلال القلوب)) (١٠٢)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٣٤٣/٢)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٧٣١).
(٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٦١٤٤)، ورواه من حديثه أيضاً مرفوعاً (٦١٤٥).
(٤) رواه أبو داوود (٤٧٧٦) مع تقديم وتأخير، والترمذي (٢٠١٠) وفيه: (التؤدة)
بدل ( الهدي الصالح ) .
(٥) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٣٢)، والديلمي في (( مسند الفردوس))
(٣٤٢١)، والتدبير هنا: النظر في عواقب الإنفاق؛ إذ به يحترز عن الإسراف
والتقتير. ((إتحاف)) (١٦٥/٨).
١٤٨

ربع المهلكات
حز
كتاب ذم المال والبخل
أفقَرَهُ اللهُ، ومَنْ ذكرَ اللهَ عزَّ وجلَّ .. أحبَّهُ اللهُ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا أردتَ أمراً .. فعليكَ بالتُّؤْدَةِ حتَّى
يجعلَ اللهُ لكَ فرجاً ومخرجاً ))(٢)، والتؤدةُ في الإنفاقِ مِنْ أهمّ الأمورِ .
الثاني : أنَّهُ إذا تيسَرَ لهُ في الحالِ ما يكفيهِ . . فلا ينبغي أنْ يكونَ شديدَ
الاضطرابِ لأجلِ المستقبلِ : ويعينُهُ على ذلكَ قصرُ الأملِ ، والتحققُ بأنَّ
الرزقَ الذي قُدِّرَ لهُ لا بدَّ وأَنْ يأتيَهُ وإنْ لمْ يشتدَّ حرصُهُ ، وأنَّ شدةَ الحرصِ
ليسَ هيَ السببَ لوصولِ الأرزاقِ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ واثقاً بوعدِ اللهِ تعالى ؛
إِذْ قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وذلكَ لأَنَّ الشيطانَ
يعدُهُ الفقرَ ويأمرُهُ بالفحشاءِ ، ويقولُ : إنْ لمْ تحرصْ على الجمعِ
والادخارِ .. فربَّما تمرضُ وتعجزُ ، وتحتاجُ إلى احتمالِ الذلِّ في السؤالِ ،
فلا يزالُ طولَ العمرِ يتعبُهُ في الطلبِ خوفاً مِنَ التعبِ ، ويضحكُ علیهِ في
احتمالِهِ التعبَ نقداً معَ الغفلةِ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ لتوقُّمِ تعبٍ في ثاني الحالِ ،
وربَّما لا يكونُ .
وفي مثلِهِ قيلَ (٣) :
[من الطويل]
وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مالِهِ مَخافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ اٌلْفَقْرُ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((إصلاح المال)) (٣٢٨) بتمامه.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٥٨٢١)، والبخاري في (( الأدب المفرد)» (٨٨٨).
(٣) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (١٥٠/٢).
١٤٩

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
١٨,١
وقدْ دخلَ ابنا خالدٍ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ لهُما :
(( لا تيئسا مِنَ الرزقِ ما تهزهزَتْ رؤوسُكُما؛ فإنَّ الإنسانَ تلدُهُ أمّهُ أحمرَ
ليسَ عليهِ قشرٌ، ثمَّ يرزقُهُ اللهُ تعالى))(١).
ومزَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بابنِ مسعودٍ وهوَ حزينٌ ، فقالَ لهُ :
((لا تكثِرْ همَّكَ، ما يقدَّرْ .. يكنْ، وما تُرزقْ .. يأتِكَ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا أيُّها الناسُ ؛ أجملوا في الطلبِ ؛ فإنّهُ
ليسَ لعبدٍ إلا ما كُتبَ لهُ، ولنْ يذهبَ عبدٌ مِنَ الدنيا حتَّى يأتيَهُ ما كتبَ لهُ مِنَ
الدنيا وهيَ راغمةٌ))(٣) .
ولا ينفكُّ الإنسانُ عنِ الحرصِ إلا بحسنِ ثقتِهِ بتدبيرِ اللهِ تعالى في تقديرٍ
أرزاقِ العبادِ ، وأنَّ ذلكَ يصلُ - لا محالةَ - معَ الإجمالِ في الطلبِ ، بلْ
ينبغي أنْ يعلمَ أنَّ رزقَ العبدِ مِنْ حيثُ لا يحتسبُ أكثرُ ، قَالَ اللهُ تعالى :
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبُ﴾، فإذا انسدَّ عليهِ
بابٌّ كانَ ينتظرُ الرزقَ منهُ .. فلا ينبغي أنْ يضطربَ قلبُهُ لأجلِهِ .
(١) رواه ابن ماجه (٤١٦٥)، والطبراني في ((الكبير)" (٧/٤)، وابنا خالد هما حبة
وسواء رضي الله عنهما، وتهزهزت - وعند ابن ماجه (تهزَّزت) - : تحركت .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الفرج بعد الشدة)) (١٩)، وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة))
(٩٤٤/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١١٤٤).
(٣) روى الحاكم في ((المستدرك)) (٤/٢) نحوه.
١٥٠
19

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أبى اللهُ أنْ يرزقَ عبدَهُ المؤمنَ إلا مِنْ
حيثُ لا يحتسبُ))(١) .
وقالَ سفيانُ : ( اتقِ اللهَ؛ فما رأيتُ تقيّاً محتاجاً)(٢) أي: لا يتركُ
التقيَّ فاقداً لضرورتِهِ ، بلْ يُلقي اللهُ في قلوبِ المسلمينَ أنْ يوصلوا إليهٍ
رزقَهُ(٣) .
وقالَ المفضَّلُ الضبيُّ : قلتُ لأعرابيّ : مِنْ أينَ معاشُكَ ، قالَ : بورودِ
الحاجِّ ، قلتُ : فإذا صدَروا ؟ فبكى وقالَ : لوْ لمْ نعشْ إلا مِنْ حيثُ
ندري .. لمْ نعشْ(٤) .
وقالَ أبو حازمٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( وجدتُ الدنيا شيئينٍ ؛ شيئاً منهُما هوّ
لي ؛ فلنْ أعجلَهُ قبلَ أجلِهِ ولوْ طلبتُهُ بقوّةِ السماواتِ والأرضِ ، وشيئاً منهُما
هوَ لغيري ؛ فذلكَ لمْ أنلْهُ فيما مضى ، فلا أرجوهُ فيما بقيَ ، يُمنَعُ الذي لغيري
مِنِّي كما يُمنَعُ الذي لي مِنْ غيري ؛ ففي أيِّ هذين أُفني عمري ؟!)(٥) .
(١) رواه ابن حبان في ((المجروحين)) (١٦١/١)، والقضاعي في ((مسند الشهاب))
(٥٨٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (١١٥٢).
(٢) قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٦٨/٨): (أخرجه صاحب (( الحلية))، وكأنه
استنبط ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرَجًا ﴾ وَيَرْزُقْهُ ... ) الآية؛ أي:
فلا يتصور الاحتياج مع التقوى ) .
(٣) من غير إشراف نفس منه ولا مسألة. ((إتحاف)) (١٦٨/٨).
(٤) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٤٨/٥٦).
(٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٧/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٢٤٠).
١٥١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
فهذا دواءٌ مِنْ جهةِ المعرفةِ لا بدَّ منهُ لدفع تخويفِ الشيطانِ وإنذارِهِ
بالفقرِ .
الثالثُ : أنْ يعرفَ ما في القناعةِ مِنْ عَزِّ الاستغناءِ ، وما في الطمعِ
والحرصِ مِنَ الذلِّ: فإذا تحقَّقَ عندَهُ ذلكَ .. انبعثَتْ رغبتُهُ إلى القناعةِ ؛
لأنَّهُ في الحرصِ لا يخلو مِنْ تعبٍ ، وفي الطمع لا يخلو مِنْ ذلِّ ، وليسَ في
القناعةِ إلا ألمُ الصبرِ عنِ الشهواتِ والفضولِ ، وهذا ألمٌ لا يطلعُ عليهِ أحدٌ
إلا اللهُ، وفيهِ ثوابُ الآخرةِ ، وذلكَ ممَّا يُضافُ إليهِ نظرُ الناسِ ، وفيهِ الوبالُ
والمأثمُ ، ثمَّ يفوتُهُ عزّ النفسِ، والقدرةُ على متابعةِ الحقِّ ؛ فإنَّ مَنْ كَثُرَ
طمعُهُ وحرصُهُ .. كثُرَتْ حاجتُهُ إلى الناسِ ، فلا يمكنُهُ دعوتَهُمْ إلى الحقِّ ،
بلْ تلزمُهُ المداهنةُ ، وذلكَ يهلكُ دينَهُ ، ومَنْ لا يؤْثِرُ عزَّ النفسِ على شهوةٍ
البطنِ .. فهوَ ركيكُ العقلِ ، ناقصُ الإيمانِ .
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عزُّ المؤمنِ استغناؤُهُ عنِ الناسِ))(١).
ففي القناعةِ الحريةُ والعزُّ ، ولذلكَ قيلَ : ( استغنِ عمَّنْ شئتَ .. فأنتَ
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٢٩٠)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٥٣/٣) عن
سهل بن سعد رضي الله عنه قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا
محمد ؛ عش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ، وأحبب من شئت
فإنك مفارقه ، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل ، وعزَّه استغناؤه عن الناس ) .
١٥٢

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
نظيرُهُ، واحتجْ إلى مَنْ شئتَ .. فأنتَ أسيرُهُ، وأحسنْ إلى مَنْ شئتَ ..
فأنتَ أميرُهُ)(١) .
الرابعُ : أَنْ يكثِرَ تَأُلَّهُ في تنُّم اليهودِ والنصارى ، وأراذلِ الناسِ ،
والحمقىُ مِنَ الأكرادِ والأعرابِ الأجلافِ ، ومَنْ لا دينَ لهمْ ولا عقلَ ، ثمَّ
ينظر إلى أحوالِ الأنبياءِ والأولياءِ ، وإلى سمتِ الخلفاءِ الراشدينَ ، وسائرٍ
الصحابة والتابعينَ ، ويستمعَ أحاديثَهُمْ ، ويطالعَ أحوالَهُمْ، ويخيِّرَ عقلَهُ بينَ
أنْ يكونَ على مشابهةِ أراذلِ الناسِ ، أَوْ على الاقتداءِ بمَنْ هوَ أعزُّ أصنافٍ
الخلقِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ حتَّى يهونَ عليهِ بذلكَ الصبرُ على القليلِ ، والقناعةُ
باليسيرِ ؛ فإنَّهُ إِنْ تنغَّمَ في البطنِ .. فالحمارُ أكثرُ أكلاً منهُ ، وإنْ تنعَّمَ في
الوقاع .. فالخنزيرُ أعلى رتبةً منهُ، وإنْ تزيَّنَ في الملبسِ والخيلِ .. ففي
اليهودِ مَنْ هوَ أعلى رتبةً منهُ، وإنْ قنعَ بالقليلِ ورضيَ بهِ .. لمْ يساهمْهُ في
رتبتِهِ إلا الأنبياءُ والأولياءُ .
الخامسُ : أنْ يفهمَ ما في جمعِ المالِ مِنَ الخطرِ : كما ذكرناه في آفاتٍ
المالِ ، وما فيهِ مِنْ خوفِ السرقةِ والنهبِ والضياعِ ، وما في خلوِّ اليدِ مِنَ
الأمنِ والفراغ ، ويتأملَ ما ذكرناهُ مِنْ آفاتِ المالِ ، معَ ما يفوتُهُ مِنَ المدافعةِ
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ١٨٤/٦٧) عن أبي محمد الأنصاري أنه قرأه على
حجر ببيت المقدس .
١٥٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
عنْ بابِ الجنةِ إلى خمسٍ مئةٍ عامٍ ، فإنَّهُ إذا لمْ يقنعْ بما يكفيهِ .. التحقَ بزمرةٍ
الأغنياءِ ، وأُخرِجَ مِنْ جريدةِ الفقراءِ ، ويتمُّ ذلكَ بأنْ ينظرَ أبداً إلى مَنْ دونَةُ
في الدنيا ، لا إلىْ مَنْ فوقَهُ، فإنَّ الشيطانَ أبداً يصرفُ نظرَهُ في الدنيا إلىُ مَنْ
فوقَهُ، فيقولُ : لِمَ تفتُرُ عنِ الطلبِ وأربابُ الأموالِ يتنعَّمونَ في المطاعمِ
والملابسِ ؟ ويصرفُ نظرَهُ في الدِّينِ إلى مَنْ دونَهُ ، فيقولُ: لِمَ تضيِّقُ على
نفسِكَ وتخافُ اللهَ وفلانٌ أعلمُ منكَ وهوَ لا يخافُ اللهَ، والناسُ كلُّهُمْ
مشغولونَ بالتنقُمِ ؟ فلمَ تريدُ أنْ تتميّزَ عنهُمْ ؟!
قالَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( أوصاني خليلي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أنْ
أنظرَ إلى مَنْ هوَ دوني ، ولا أنظرَ إلى مَنْ هوَ فوقي ) (١) أَيْ : في الدنيا.
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا نظرَ أحدُكُمْ
إلىْ مَنْ فُضِّلَ عليهِ في المالِ والخَلْقِ .. فلينظُرْ إلى مَنْ هوَ أسفلَ منهُ ممَّنْ
فُضِّلَ عليهِ))(٢) .
فبهذهِ الأمورِ يقدرُ على اكتسابِ خُلُقِ القناعةِ ، وعمادُ الأمرِ الصبرُ
وقصرُ الأملِ ، وأنْ يعلمَ أنَّ غايةَ صبرِهِ في الدنيا أيام قلائلُ ليتمثَّعَ دهراً
طويلاً ، فيكونَ كالمريضِ الذي يصبرُ على مرارةِ الدواءِ لشدةِ طمعِهِ في
انتظارِ الشفاءِ .
ـكن
(١) رواه أحمد في (( المسند)) (١٥٩/٥)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٤٤٩).
(٢) رواه البخاري (٦٤٩٠)، ومسلم (٢٩٦٣).
١٥٤
مدن

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
بيان فضيلة التنماء
ـخخ
اعلمْ : أَنَّ المالَ إنْ كانَ مفقوداً .. فينبغي أنْ يكونَ حالُ العبدِ القناعةَ
وقلَّةَ الحرصِ ، وإنْ كانَ موجوداً .. فينبغي أنْ يكونَ حالُهُ الإيثارَ والسخاءَ،
واصطناعَ المعروفِ ، والتباعدَ عنِ الشحِّ والبخلِ ؛ فإنَّ السخاءَ مِنْ أخلاقِ
الأنبياءِ عليهمُ السلامُ، وهوَ أصلٌ مِنْ أصولِ النجاةِ ، وعنهُ عبَّرَ النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: ((الشَّخاءُ شجرةٌ منْ شجرِ الجنَّةِ ، أغصانُها
متدلِّةٌ إلى الأرضِ، فمَنْ أَخذَ بغصْنِ مِنْها .. قادَهُ ذلكَ الغصْنُ إلى
الجنَّةِ ))(١) .
وقالَ جابرٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( قالَ جبريلُ عليهِ
السلامُ : قالَ اللهُ تعالى: إنَّ هذا دينٌ ارتضيتُهُ لنفسِي، ولنْ يصلحَهُ إلا
السَّخاءُ وحسْنُ الخُلْقِ، فأكرموهُ بهِما ما استطعتُمْ)) ، وفي روايةٍ :
((فأكرموهُ بهِما ما صحبتُمُوهُ))(٢).
وعنْ عائشةَ الصدِّيقةِ رضيَ اللهُ عنها قالَتْ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٣٥/١)، وأبو نعيم في (( الحلية)) ( ٩٢/٧ )،
والخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٢١) ، وسيأتي بتمامه .
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٣٩، ٥٥٩)، والطبراني في (( الأوسط))
(٨٩١٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٦٦)، ولفظه بروايتيه عند الخركوشي في
(( تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٢٢ ).
١٥٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وسلَّمَ: (( ما جَبَلَ اللهُ تعالى وليّاً لهُ إلا على السَّخاءِ وحُسْنِ الخُلُقِ)) (١)
وعنْ جابرٍ قالَ : قيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أيُّ الأعمالِ أفضلُ ؟ قالَ :
((الصبرُ والسماحةُ))(٢).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خُلُقَانٍ
يحبُّهما اللهُ عزَّ وجلّ، وخُلُقانِ يبغضُهما اللهُ عزَّ وجلَّ، فأمَّا اللذانِ
يحبُّهما اللهُ عزَّ وجلَّ .. فحسنُ الخُلُقِ والسخاءُ، وأمَّا اللذانِ يبغضُهما اللهُ
عزَّ وجلَّ .. فسوءُ الخُلُقِ والبخلُ، وإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً .. استعملَهُ في
قضاءِ حوائجِ الناسِ )) (٣).
وروى المقدامُ بنُ شريحِ عنْ أبيهِ ، عنْ جدِّهِ قالَ : قلتُ :
يا رسولَ اللهِ؛ دلَّني على عملٍ يدخلُني الجنةَ، قالَ: ((إنَّ مِنْ موجباتٍ
المغفرةِ بذلَ الطعام ، وإفشاءَ السلامِ ، وحسنَ الكلام)) (٤) .
وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((السخاءُ شجرةٌ في الجنَّةِ ؛ فمَنْ كانَ سخيّاً .. أخذَ بغصْنِ مِنْها، فلمْ يترُكُهُ
(١) هو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ١٠٥)، والخركوشي في ((تهذيب
الأسرار)) (ص ٤٢٢)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٦٢٢٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣١٠٣٢)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١٨٥٤)،
ورواه أحمد في ((مسنده ) (٣٨٥/٤) من حديث عمرو بن عنبسة رضي الله عنه .
(٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٧٢٥٣)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (٢٩٨٩).
(٤) رواه الطبراني في «الكبير)) (١٨٠/٢٢) بروايتين، جمع هنا بينهما، وهو كما أورده
المصنف عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٢٣).
١٥٦
حن: حن خن
حن

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
ذلكَ الغصْنُ حتَّى يدخلَهُ الجنَّةَ، والشُّحُ شجرةٌ في النار ؛ فمَنْ كانَ
شحيحاً .. أخذَ بغصْنٍ مِنْها، فلمْ يتركْهُ ذلكَ الغصْنُ حتَّى يدخلَهُ النارَ))(١) .
حن
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( يقولُ اللهُ تعالى: اطلبوا الفضلَ عندَ الرحماءِ مِنْ عبادي .. تعيشوا في
أكنافِهِمْ ؛ فإنِّي جعلتُ فيهِمْ رحمتي ، ولا تطلبوهُ مِنَ القاسيةِ قلوبُهُمْ ؛ فإنِّي
جعلتُ فيهِمْ سخَطِي))(٢) .
وعنِ ابنِ عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تجافَوا
عنْ ذنبِ السخيِّ؛ فإنَّ اللهَ آخذٌ بيدِهِ كلَّما عثرَ))(٣).
وقالَ ابنُ مسعودٍ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الرزقُ إلى
مُطعمِ الطعامِ أسرعُ مِنَ السّكِّينِ إلىُ ذُروةِ البعيرِ ، وإنَّ اللهَ تعالىُ لِيُّباهي
بمُطعمِ الطعامِ الملائكةَ عليهمُ السلامُ)) (٤).
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٧٧).
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٥٦٨)، وابن حبان في ((المجروحين))
(٢٩٩/٢)، والطبراني في «الأوسط)) (٤٧١٤)، والقضاعي في ((مسند الشهاب))
( ٧٠٠ ) .
.97
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٧٠٦)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٩٧/٩)، ورواه
من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (١٠٨/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٦٩).
(٤) كذا عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٤٢٤)، وقد روى ابن ماجه
(٣٣٥٦، ٣٣٥٧) من حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم مرفوعاً: ((الخير أسرع
إلى البيت الذي يؤكل فيه - أو يُغشى - من الشفرة إلى سنام البعير))، ورواه بنحوه هنا
الرافعي في (( تاريخ قزوين)) (١٢٠/٤) من حديث جابر رضي الله عنه .
١٥٧

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ جوادٌ يحبُّ الجودَ ، ويحبُّ معاليَ
الأخلاقِ، ويكرهُ سَفْسافَها ))(١).
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يُسألْ
على الإسلام شيئاً إلا أعطاهُ ، فأتاهُ رجلٌ فسألَهُ ، فأمرَ لهُ بشاءٍ كثيرٍ بينَ
جبلينِ مِنْ شاءِ الصدقةِ ، فرجعَ إلى قومِهِ فقالَ : يا قوم ؛ أسلموا ، فإنَّ
محمداً يعطي عطاءَ مَنْ لا يخافُ الفاقةً (٢) .
وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما : قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ للهِ
عباداً يخصُّهُمْ بالنِّعمِ لمنافع العبادِ ، فمنْ بخلَ بتلكَ المنافعِ عنِ العبادِ ..
نقلَها اللهُ عزَّ وجلَّ عنهُ، وحوَّلَها إلى غيرِهِ))(٣).
وعنِ الهلاليَّ قالَ : أُتيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأسرى مِنْ بني
العنبرِ ، فأمرَ بقتلِهِمْ، وأفردَ منهُمْ رجلاً ، فقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ
رضيَ اللهُ عنهُ: يا رسولَ اللهِ ؛ الرُّ واحدٌ، والدينُ واحدٌ ، والذنبُ
واحدٌ؛ فما بالُ هذا مِنْ بِينِهِمْ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((نزلَ عليَّ
(١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٥٧٢) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً،
ورواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص ١٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١٨١/٦)
من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه مرفوعاً ، وقد تقدم بعضه .
(٢) رواه مسلم (٢٣١٢).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قضاء الحوائج)) (٥)، والطبراني في ((الأوسط))
(٥١٥٨)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١١٥/٦) و(٢١٥/١٠).
١٥٨

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
جبريلُ فقالَ : اقتلْ هؤلاءِ واتركْ هذا؛ فإنَّ اللهَ تعالى شكرَ لهُ سخاءً
فیهِ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ لكلِّ شيءٍ ثمرةً ، وثمرةُ المعروفِ
تعجيلُ السَّراحِ»(٢) .
وعنْ نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: ((طعامُ الجوادِ دواءٌ، وطعامُ البخيلِ داءٌ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ عظُمَتْ نعمةُ اللهِ عندَهُ .. عظُمَتْ مؤنةٌ
الناسِ عليهِ، فَمَنْ لمْ يحتملْ تلكَ المؤنةَ .. عرَّضَ تلكَ النعمةَ للزوالِ)» (٤).
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٢٥)، وفيه : ( الهذلي ) بدل
( الهلالي )، وزاد: فقال الأسير: لِمَ لم ألحق بأصحابي؟ فقال: ((إن الله تعالى شكر
سخاء فيك ))، فأسلم وحسن إسلامه ببركة سخاوته .
وقال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحافه)) ( ٨/ ١٧٥) .
(٢) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (١٧٥/٨): ( قال العراقي : لم أقف له على
أصل . قلت : ولكن المعنى صحيح ، ومنه قولهم : إما نعم صريحة وإلا مريحة ) ،
وقد سقط الخبر من مطبوع ((تهذيب الأسرار)) للخركوشي مع أن السياق عنده .
قه
(٣) كذا أورده الديلمي في (( مسند الفردوس)) (٣٩٥٤)، وقال الحافظ العراقي: (رواه
ابن عدي والدارقطني في ((غرائب مالك))، وأبو علي الصوفي في (( عواليه)) وقال :
رجاله ثقات أئمة ، قال ابن القطان : وإنهم لمشاهير ثقات إلا مقدام بن داوود ؛ فإن
أهل مصر تكلموا فيه ). ((إتحاف)) ( ٨/ ١٧٥ ).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في (( قضاء الحوائج)) (٤٨) من حديث عائشة رضي الله عنها
مرفوعاً ، ورواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٤/١)، والقضاعي في (( مسند الشهاب))
(٧٩٨) ، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً أيضاً .
١٥٩
. من
حر

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : استكثروا مِنْ شيءٍ لا تأكلُهُ النارُ ، قيلَ :
وما هوَ ؟ قالَ : المعروفُ(١).
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((الجنةُ دارُ الأسخياءِ))(٢).
وقالَ أبو هريرةَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ السخيَّ
قريبٌ مِنَ اللهِ ، قريبٌ مِنَ الناسِ ، قريبٌ مِنَ الجنَّةِ ، بعيدٌ مِنَ النّارِ ، وإنَّ
البخيلَ بعيدٌ مِنَ اللهِ ، بعيدٌ مِنَ الناسِ ، بعيدٌ مِنَ الجنَّةِ ، قريبٌ مِنَ النارِ ،
وجاهلٌ سخيٍّ أحبُّ إلى اللهِ مِنْ عابدٍ بخيلٍ، وأدوأُ الداءِ البخلُ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اصنع المعروفَ إلى مَنْ هوَ أهلُهُ وإِلى مَنْ
ليسَ بأهلِهِ ؛ فإنْ أصبتَ أهلَهُ .. فقدْ أصبتَ أهلَهُ، وإنْ لمْ تصِبْ أهلَهُ ..
فأنتَ مِنْ أهلِهِ )»(٤)
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٢٧)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)) (٣٧١/٣) عن الزهري .
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٥٩٧)، وابن حبان في ((الثقات)»
(٢٣/٥)، وابن عدي في «الكامل)) (١/ ١٨٧).
(٣) رواه الترمذي (١٩٦١) دون الجملة الأخيرة، ورواها الخرائطي في ((مساوىء
الأخلاق )) ( ٣٧٤ ) .
(٤) رواه أبو بكر الشافعي في ((الغيلانيات)) (٧٨)، والجصاص في ((أحكام القرآن))
(٢٦٧/٣)، والسلمي في (( آداب الصحبة)) (١٣٨)، وهو عند الدارقطني في
(«العلل)) (١٠٧/٣) .
١٦٠