النص المفهرس
صفحات 101-120
ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا يشتريَ طعاماً بثوبٍ .. فمِنْ أينَ يدري أنَّ المقدارَ الذي يساويهِ مِنَ الطعامِ كمْ هوَ ؟ والمعاملةُ تجري في أجناسٍ مختلفةٍ ؛ كما يُباعُ ثوبٌ بطعامٍ ، وحيوانٌ بثوبٍ ، وهذهِ أمورٌ لا تتناسبُ ؛ فلا بدَّ مِنْ حاكم عدلٍ يتوسّطَ بينَ و المتاعينِ ، يعدِّلُ أحدَهُما بالآخرِ ، فيُطلَبُ ذلكَ العِدْلُ مِنْ أعيانِ الأموالِ . ثمَّ يُحتاجُ إلى مالٍ يطولُ بقاؤُهُ؛ لأنَّ الحاجةَ إليهِ تدومُ ، وأبقى الأموالِ المعادنُ؛ فاتخذَتِ النقودُ مِنَ الذهبِ والفضةِ والنحاسِ . ثمّ مسَّتِ الحاجةُ إلى الضربِ والنَّقْشِ والتقديرِ ؛ فحدثَتِ الحاجةُ إلى دارِ الضرْبِ وإلى الصيارفةِ . وهكذا تتداعى الأشغالُ والأعمالُ بعضُها إلى بعضٍ ، حتَّى انتهَتْ إلى ما تراهُ . فهذهِ أشغالُ الخلقِ ، وهيَ معايشُهُمْ . وشيءٌ مِنْ هذهِ الحِرَفِ لا يمكنُ مباشرتُهُ إلا بنوع تعلُّمِ وتعبٍ في الابتداءِ ، ومِنَ الناسِ مَنْ يغفُّلُ عنْ ذلكَ في الصِّبا فلا يشتغلُ بهِ ، أوْ يمنعُهُ عنهُ مانعٌ ، فيبقى عاجزاً عنِ الاكتسابِ ؛ لعجزِهِ عنِ الحرفِ ، فيحتاجُ إلى أنْ يأكلَ ممَّا يسعىُ فيهِ غيرُهُ ، فتحدثُ منهُ حرفتانِ خسيستانِ : اللصوصيَّةُ ، والكِديةُ(١) ؛ إذْ يجمعُهُما أنَّهما يأكلانِ مِنْ سعيٍ غيرِهِما . ثم إنَّ الناسَ يحترزونَ مِنَ اللصوصِ والمكدينَ ، ويحفظُونَ عنْهُمْ (١) الكِدية: هي الشحاذة؛ أي: التكفف من الناس. ((إتحاف)) (١٣٥/٨). ١٠١ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات أموالَهُمْ ، فافتقرُوا إلى صرفِ عقولِهِمْ في استنباطِ الحيلِ والتدابيرِ ، أمَّا اللصوصُ .. فمنهُمْ مَنْ يطلبُ أعواناً، ويكونُ في يديهِ شوكةٌ وقوَّةٌ ، فيجتمعونَ ويتكاثرونَ ويقطعونَ الطرقَ ؛ كالأعرابِ والأكرادِ ، وأمَّا الضعفاءُ منهُمْ .. فيفزعونَ إلى الحيّلِ؛ إِمَّا بالنقبِ والتسلِّقِ عندَ انتهازِ فرصةِ الغفلةِ ، وإمَّا بأنْ يكونَ طرَّاراً أو سلَّلاً(١) ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ أنواع التلصُّصِ الحادثةِ بحسبٍ ما أنتجَتْهُ الأفكارُ المصروفةُ إلى استنباطِها . وأمَّا المُكدي : فإنَّهُ إِذا طلبَ ما سعى فيهِ غيرُهُ .. قيلَ لهُ: اتعبْ واعملْ كما عملَ غيرُكَ ، فما لكَ وللبطالةِ ؟! فلا يُعطى شيئاً ، فافتقرَ إلى حيلةٍ في استخراجِ الأموالِ وتمهيدِ العذرِ لأنفسِهِمْ في البطالةِ ، فاحتالُوا للتعلُّلِ بالعجْزِ ؛ إمَّا بالحقيقةِ ؛ كجماعةٍ يعمونَ أولادَهُمْ وأنفسَهُمْ بالحيلةِ ليُعذروا بالعمى فيُعْطَونَ ، وإمَّا بالتعامي ، والتفالج ، والتجاننِ ، والتمارضِ وإظهارٍ ذلكَ بأنواعٍ مِنَ الحيّلِ معَ بيانِ أنَّ تلكَ محنةٌ أصابَتْ مِنَ غيرِ استحقاقٍ ، ليكونَ ذلكَ سببَ الرحمةِ . وجماعةٌ يلتمسونَ أقوالاً وأفعالاً يتعجَّبُ الناسُ مِنْها حتَّى تنبسطَ قلوبُهُمْ عندَ مشاهدَتِها ، فيسخوا برفع اليدِ عنْ قليلٍ مِنَ المالِ في حالِ التعُّبِ ، ثمَّ قدْ يندمُ بعدَ زوالِ التعجُّبِ، ولا ينفعُ الندمُ، وذلكَ قدْ يكونُ بالتمسخرِ ، (١) الطرار: هو الذي يقطع النفقات ويأخذها على غفلة من أهلها، والسلال: المختلس. ((إتحاف)) ( ٨/ ١٣٥ ). ١٠٢ : ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا والمحاكاةِ ، والشعبذةِ ، والأفعالِ المضحكةِ ، وقدْ يكونُ بالأشعار الغريبةِ ، والكلامِ المنثورِ المسجعِ معَ حسنِ الصوتِ ، والشعرُ الموزونُ أشدُ تأثيراً في النفسِ ، لا سيَّما إذا كانَ فيهِ تعصُّبٌ يتعلَّقُ بالمذاهبِ ؛ كأشعارِ مناقبِ الصحابةِ ، وفضائلِ أهلِ البيتِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ، أوِ الذي يحرِّكُ داعيةً العشقِ مِنْ أهلِ المجانةِ ؛ كصنعةِ الطبَّالينَ في الأسواقِ ، أَوْ تسليمٍ ما يشبهُ العوضَ وليسَ بعوضٍ ؛ كبيعِ التعويذاتِ والحشائشِ التي يخيِّلُ بائعُها أنَّها أدويةٌ، فيخدعُ بذلكَ الصبيانَ والجهَّالَ ، وكأصحابِ القرعةِ والفأْلِ مِنَ المنجِّمينَ ، ويدخلُ في هذا الجنسِ الوغَّاظُ المكدونَ على رؤوسِ المنابرِ ، إذا لمْ يكنْ وراءَهُمْ طائلٌ علميٌّ ، وكانَ غرضُهُمْ استمالةَ قلوبِ العوامٌ وأخذَ أموالِهِمْ، وأنواعُ الكرية تزيدُ على ألفِ نوع وألفينِ ، وكلُّ ذلكَ استنبطَ بدقيقِ الفكرِ لأجلِ المعيشةِ . فهذهِ هيَ أشغالُ الخلقِ وأعمالُهُمْ التي أكتُّوا عليها ، وجرّهُمْ إلى ذلكَ كلِّهِ الحاجةُ إلى القوتِ والكسوةِ ، ولكنْ نسوا في أثناءِ ذلكَ أنفسَهُمْ ومقصودَهُمْ ومنقلبَهُمْ ومَآبَهُمْ، فضلُّوا وتاهُوا ، وسبقَ إلى عقولِهِمُ الضعيفةِ بعدَ أنْ كدَّرَتْها زحمةُ أشغالِ الدُّنيا خيالاتٌ فاسدةٌ ، فانقسمَتْ مذاهبُهُمْ ، واختلفَتْ آراؤُهُمْ على عدَّةِ أوجهٍ : فطائفةٌ غلبَهُمُ الجهلُ والغفلةُ، فلمْ تنفتحْ أعينُهُمْ للنظرِ إلى عاقبةِ أمرِهِمْ، فقالوا : المقصودُ أنْ نعيشَ أياماً في الدُّنيا ، فنجتهدَ حتَّى نكتسبَ القوتَ ، ثمَّ نأكلَ حتَّى نقوى على الكسبِ ، ثمَّ نكتسبَ حتَّى نأكلَ ، ١٠٣ كتاب ذم الدنيا ربع المهلكات فيأكلونَ ليكسِبوا ، ثمَّ يكسِبونَ ليأكلُوا، وهذا مذهبُ الفلاحينَ والمحترفينَ ، ومَنْ ليسَ لهُ تنعُّمِّ في الدُّنيا ، ولا قدمٌ في الدِّينِ ؛ فإنَّهُ يتعبُ نهاراً ليأكلَ ليلاً، ويأكلُ ليلاً ليتعبَ نهاراً ، وذلكَ كسيرِ السَّواني(١) ؛ فهوَ سفرٌ لا ينقطعُ إلا بالموتِ . وطائفةٌ أخرى زعمُوا أنَّهُم تفطّئُوا للأمرِ ، وهوَ أنَّهُ ليسَ المقصودُ أنْ يشقى الإنسانُ بالعملِ ولا يتنعمَ في الدُّنيا ، بلِ السعادةُ في أَنْ يقضيَ وطرَهُ مِنْ شهواتِ الدُّنيا ، وهيَ شهوةُ البطنِ والفرجِ ؛ فهؤلاءِ نسوا أنفسَهُمْ ، وصرفوا هممَهُمْ إلى اتباعِ النسوانِ ، وجمع لذائذِ الأطعمةِ ، فيأكلونَ كما تأكلُ الأنعامُ ، ويظنونَ أَنَّهُمْ إذا نالوا ذلكَ .. فقدْ أدركُوا غايةَ السعاداتِ ، فشغلَهُمْ ذلكَ عنِ اللهِ تعالىْ واليومِ الآخرِ . وطائفةٌ أخرى ظنُّوا أنَّ السعادةَ في كثرةِ المالِ ، والاستغناءِ بكثرةٍ الكنوزِ ، فأسهرُوا ليلَهُمْ ، وأتعبُوا نهارَهمْ في الجمعِ ، فهُمْ يتعبونَ في الأسفارِ طولَ الليلِ والنهارِ ، ويتردّدونَ في الأعمالِ الشاقةِ ، ويكتسبونَ ويجمعونَ ، ولا يأكلونَ إلا قدْرَ الضرورةِ؛ شحّاً وبخلاً عليها أنْ تنقصَ ، وهذهِ لذَّتُهُمْ ، وفي ذلكَ دأبُهُمْ وحركتُهُمْ إلى أنْ يدركَهُمُ الموتُ ، فيبقى تحتَ الأرضِ ، أوْ يظفرُ بهِ مَنْ يأكلُهُ في الشهواتِ واللذَّاتِ ، فيكونُ للجامعِ (١) السواني : جمع سانية ، الناقة تدور ويستسقى عليها الماء ، وفي المثل : سير السواني سفر لا ينقطع . ١٠٤ ربع المهلكات كتاب ذم الدنيا حن تعبُها ووبالُها ، وللآكل لذتُها ، ثمَّ الذينَ يجمعونَ ينظرونَ إلى أمثالِ ذلكَ ولا يعتبرونَ . وطائفةٌ أخرىُ ظنُّوا أنَّ السعادةَ في حُسنِ الاسمِ ، وانطلاقِ الألسنةِ بالثناءِ ، والمدحِ بالتجمُّلِ والمروءةِ ، فهؤلاءِ يتعبونَ في كسبِ المعاشِ ، ويضيّقُونَ على أنفسِهِمْ في المطعمِ والمشربِ ، ويصرفونَ جميعَ أموالِهِمْ إلى الملابسِ الحسنةِ ، والدوابِّ النفيسةِ ، ويزخرفونَ أبوابَ الدورِ ، وما يقعُ عليهِ أبصارُ الناسِ ؛ حتَّى يُقالَ: إِنَّهُ غنيٌّ، وإنَّهُ ذو ثروةٍ ، ويظنُّونَ أنَّ ذلكَ هوَ السعادةُ، فهمَّتُهُمْ ليلَهُمْ ونهارَهُمْ في تعهُّدِ موقعِ نظرِ الناسِ . وطائفةٌ أخرى ظنُّوا أنَّ السعادةَ في الجاهِ والكرامةِ بينَ الناسِ وانقيادِ الخلقِ بالتواضع والتوقيرِ ؛ فصرفُوا هممَهُمْ إلى استجرارِ الناسِ إلى الطاعةِ بطلبِ الولاياتِ ، وتقلّدِ الأعمالِ السلطانيةِ ؛ لينفذَ أمرُهُمْ بها على طائفةٍ مِنَ الناسِ ، ويرونَ أنَّهُمْ إذا اتسعَتْ ولايتُهُمْ ، وانقادَتْ لهُمْ رعاياهُمْ .. فقدْ سعدوا سعادةً عظيمةٌ ، وأنَّ ذلكَ غايةُ المطلبِ ، وهذهِ أغلبُ الشهواتِ على قلوبِ المتعاقلينَ مِنَ الناسِ(١)، فهؤلاءِ شغلَهُمْ حبُّ تواضعِ الناسِ لَهُمْ عنِ التواضع للهِ ، وعنْ عبادتِهِ ، وعنِ التفكرِ في آخرتِهِمْ ومعادِهِمْ . ووراءَ هؤلاءِ طوائفُ يطولُ حصرُها ، تزيدُ على نيفٍ وسبعينَ فرقةً ، (١) في (د): ( المتغافلين )، وفي نسخة الحافظ الزبيدي (١٣٦/٨): ( الغافلين ) بدل ( المتعاقلين ) . ١٠٥ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات كلُّهُمْ قِدْ ضَلُّوا وأضلُّوا عنْ سواءِ السبيلِ ، وإنَّما جرَّهُم إلى جميع ذلكَ حاجةٌ المطعمِ والملبسِ والمسكنِ ، ونسوا ما تُرادُ لهُ هذهِ الأمورُ الثلاثةُ ، والقدْرَ الذي يكفي منها ، وانجرَّتْ بهِمْ أوائلُ أسبابِها إلى أواخرِها ، وتداعىُ بِهِمْ ذلكَ إلى مهاوٍ لمْ يمكنْهُمُ التَّرِقِّي منها . فَمَنْ عرفَ وجهَ الحاجةِ إلى هذهِ الأسبابِ والأشغالِ ، وعرفَ غايةَ المقصودِ منها .. فلا يخوضُ في شغلٍ وحرفةٍ وعملٍ إلا وهوَ عالمٌ بمقصودِهِ ، وعالمٌ بحظَّهِ ونصيبهِ منهُ ، وأنَّ غايةَ مقصودِهِ تعهُّدُ بدِنِهِ بالقوتِ والكسوةِ حتَّى لا يهلكَ . وذلكَ إنْ سلكَ فيهِ سبيلَ التقليلِ .. اندفعَتِ الأشغالُ عنهُ، وفرغَ القلبُ ، وغلبَ عليهِ ذكرُ الآخرةِ ، وانصرفَتِ الهمَّةُ إلى الاستعدادِ لهُ ، وإنْ تعدَّىُ بهِ قَدْرَ الضرورةِ .. كثرَتِ الأشغالُ، وتداعى البعضُ إلى البعضِ ، وتسلسلَ إلى غيرِ نهايةٍ ، فتشغَّبَتْ بهِ الهمومُ ، ومَنْ تشغَّبَتْ بهِ الهمومُ في أوديةِ الدُّنيا .. فلا يبالي اللهُ تعالى في أيٍّ وادٍ أهلكَهُ(١). فهذا شأنُ المنهمكينَ فِي أشغالِ الدُّنيا . وتنبَّهَ لذلكَ طائفةٌ، فأعرضُوا عنِ الدُّنيا، فحسدَهُمُ الشيطانُ ، ولمْ يتركْهُمْ، وأضلَّهُمْ في الإعراضِ أيضاً ، حتَّى انقسمُوا إلى طوائفَ : (١) فقد روى ابن ماجه (٢٥٧) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: (( من جعل الهموم هماً واحداً همَّ الآخرة .. كفاه الله هم دنياه ، ومن تشغّبت به الهموم في أحوال الدنيا .. لم يبال الله في أي أوديتها هلك)). ٠٠-١٣ ٠٠٠٠١٣٠٠٠٠ ٢٠٠- ٣١ ٩٫-١٩٠. ١٠٦ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا فظنَّتْ طائفةٌ أنَّ الدُّنيا دارُ بلاءٍ ومحنةٍ ، وأنَّ الآخرةَ دارُ سعادةٍ لكلِّ مَنْ وصلَ إليها ، سواءٌ تعبَّدَ في الدُّنيا أوْ لمْ يتعبَّدْ ؛ فرأوا أنَّ الصوابَ في أنْ يقتلوا أنفسَهُمْ ؛ للخلاصِ مِنْ محنةِ الدُّنيا . وإليهِ ذهبَ طائفةٌ منَ العبّادِ مِنْ أهلِ الهندِ بلْ طوائفُ(١) ، فهُمْ يتهجَّمُونَ على النارِ ويقتلونَ أنفسَهُمْ بالإحراقِ ، ويظنُّونَ أنَّ ذلكَ خلاصٌ لهُمْ مِنْ محنٍ الدُّنيا . وظنَّتْ طائفةٌ أخرىُ أنَّ القتلَ لا يخلِّصُ ، بلْ لا بدَّ أوَّلاً مِنْ إماتةِ الصفاتِ البشرية، وقطعِها عنِ النفسِ بالكلِّيّةِ ، وأنَّ السعادةَ في قطع الشهوةِ والغضب . جن: ثمّ أقبلوا على المجاهدةِ ، وشدَّدُوا على أنفسِهِمْ، حتَّى هَلَكَ بعضُهُمْ بشدّةِ الرياضةِ ، وبعضُهُمْ فسدَ عقلُهُ وجُنَّ ، وبعضُهُمْ مرضَ وانسدَ عليهِ طريقُ العبادةِ ، وبعضُهُمْ عجزَ عنْ قمع الصفاتِ بالكلِّيَّةِ ، فظنَّ أنَّ ما كلَّفَهُ الشرعُ محالٌ ، وأنَّ الشرعَ تلبيسٌ لا أصلَ لهُ ، فوقعَ في الإلحادِ . وظهرَ لبعضِهِمْ أنَّ هذا التعبَ كلَّهُ للهِ ، وأنَّ اللهَ تعالى مستغنِ عنْ عبادةٍ العبادِ ، لا ينقصُهُ عصيانُ عاصٍ ، ولا تزيدُهُ عبادةُ عابدٍ ، فعادُوا إلى الشهواتِ ، وسلكُوا مسلكَ الإباحةِ ، وطوَوا بساطَ الشرع والأحكامِ . (١) هم البراهمة المعروفة بالجركية. ((إتحاف)) (١٣٨/٨). ١٠٧ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وزعمُوا أنَّ ذلكَ مِنْ صفاءِ توحيدِهِمْ ، حيثُ اعتقدُوا أنَّ اللهَ مستغنٍ عنْ عبادة العبادِ . وظنَّتْ طائفةٌ أخرى أنَّ المقصودَ مِنَ العباداتِ المجاهدةُ حتَّى يصلَ العبدُ بها إلى معرفةِ اللهِ تعالى، فإذا حصلَتِ المعرفةُ .. فقدْ وصلَ، وبعدَ الوصولِ يستغني عنِ الوسيلةِ والحيلةِ . فتركُوا السعيَ والعبادةَ ، وزعمُوا أَنَّهُ ارتفعَ محلُّهُمْ في معرفةِ اللهِ سبحانَهُ عِنْ أنْ يُمتَهَنوا بالتكاليفِ ، وإنَّما التكاليفُ على عوامِّ الخلقِ . ووراءَ هذا مذاهبُ باطلةٌ ، وضلالاتٌ هائلةٌ يطولُ إحصاؤها ، إلى أنْ تبلغَ نيفاً وسبعينَ فرقةً . وإنَّما الناجي مِنْها فرقةٌ واحدةٌ ، وهيَ السالكُ ما كانَ عليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابُهُ . وهوَ ألاَّ يتركَ الدُّنيا بالكلِّيَّةِ ، ولا يقمعَ الشهواتِ بالكلِّيِّ . أُمَّا الدُّنيا .. فيأخذُ مِنْها قدْرَ الزادِ . وأمَّا الشهواتُ .. فيقمعُ مِنْها ما يخرجُ عنْ طاعةِ الشرع والعقلِ ؛ فلا يتبعُ كلَّ شهوةٍ ، ولا يتركُ كلَّ شهوةٍ ، بلْ يتبعُ العدلَ ، ولا يتركُ كلَّ شيءٍ مِنَ الدُّنيا ، ولا يطلبُ كلَّ شيءٍ مِنَ الدُّنيا . بلْ يعلمُ مقصودَ كلِّ ما خلقَ اللهُ مِنَ الدُّنيا ، ويحفظُهُ على حدِّ مقصودِهِ ، فيأخذُ مِنَ القوتِ ما يقوِّي بهِ البدنَ على العبادةِ ، ومِنَ المسكنِ ما يحفظُهُ مِنَ دة. ١٠٨ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا اللصوصِ والحرِّ والبردِ ، ومِنَ الكسوةِ كذلكَ، حتَّى إذا فرغَ القلبُ مِنْ شغلٍ البدنِ .. أقبلَ على اللهِ تعالىُ بَكُنْهِ همَّتِهِ، واشتغلَ بالذكرِ والفكرِ طولَ العمرِ ، وبقيَ ملازماً لسياسةِ الشهواتِ ، ومراقباً لها حتَّى لا يجاوز حدودَ الورع والتقوى . ولا يعلمُ تفصيلَ ذلكَ إلا بالاقتداءِ بالفرقةِ الناجيةِ . والفرقةُ الناجيةُ: هُمُ الصحابةُ؛ فإنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا قالَ : ((النَّاجي منها واحدةٌ)) .. قالُوا: يا رسولَ اللهِ؛ ومَنْ هُمْ؟ قالَ: ((أهلُ السنَّة والجماعةِ))، فقيلَ: ومَنْ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ؟ قالَ: (( ما أنا عليهِ وأصحابِي)) (١) . وقدْ كانُوا على المنهجِ القصْدِ ، وعلى السبيلِ الواضحِ الذي فصَّلناهُ مِنْ قبلُ . فإنَّهُمْ ما كانوا يأخذونَ الدُّنيا للدُّنيا ، بلْ للدِّينِ . (١) وهو الحديث الذي رواه الترمذي (٢٦٤١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً: (( ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية .. لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرَّقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا ملة واحدة))، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: (( ما أنا عليه وأصحابي)). وعند أبي داوود ( ٤٥٩٧) من حديث معاوية رضي الله عنه بنحوه ، وفيه: (( وهي الجماعة)) ، والكلام على هذا الحديث طويل الذيل عند المحدثين وعلماء الكلام ، وانظر ((الإتحاف)) (٨/ ١٤٠). ١٠٩ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وما كانوا يترهَّبونَ ويهجرونَ الدُّنيا بالكلِّيّةِ . وما كانَ لهُمْ في الأمورِ تفريطٌ ولا إفراطٌ ، بلْ كانَ أمرُهُمْ بينَ ذلكَ قَواماً ، وذلكَ هوَ العدْلُ والوسطُ بينَ الطرفينِ ، وهو أحبُّ الأمورِ إلى اللهِ تعالى كما سبقَ ذكرُهُ في مواضعَ ، والله أعلمُ . والحمدُ للهِ أولاً وآخراً، وصلَّى اللهُ على سيدِنا محمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ . تم كتاب وم الذّني وهو الكتاب السادس من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الذين وصلى الله على سيدنا محمد الشّي العربي المصطفى وعلى آله الطّيّبين الطاهرين وصحبه أجمعين يتلون كتاب أم المال والمجل ١١٠ كِتَابُ وهو الكتاب التابع من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين ١١١ ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل كتاب ذمّ المال والجل بِسِْللهِ الرَّمِ الرَّحَيَّةِ الحمدُ للهِ مستوجبٍ الحمدِ برزقِهِ المبسوطِ ، وكاشفِ الضُّرِّ بعدَ القنوطِ ، الذي خلقَ الخلقَ ووسَّعَ الرزقَ ، وأفاضَ على العالمينَ أصنافَ الأموالِ، وابتلاهُمْ فيها بتقلُّبِ الأحوالِ ، وردّدَهُمْ فيها بينَ العُسرِ واليُسرِ ، والغنى والفقرِ ، والطمع واليأسِ ، والثروةِ والإفلاسِ ، والعجزِ والاستطاعةِ ، والحرصِ والقناعةِ ، والبخلِ والجودِ ، والفرحِ بالموجودِ ، والأسفِ على المفقودِ ، والإيثارِ والإنفاقِ ، والتوسُّع والإملاقِ ، والتبذيرِ والتقتيرِ ، والرضا بالقليلِ، واستحقارِ الكثيرِ ، كلُّ ذلكَ ليبلوَهُمْ أَيُّهُمْ أحسنُ عملاً ، وينظرَ أيُّهُمْ آثرَ الدنيا على الآخرةِ بدلاً ، وابتغى عنِ الآخرةِ عُدولاً وحِوَلاً ، واتخذَ الدنيا ذخيرةً وخَوَلاً . والصلاةُ على محمدٍ الذي نسخَ بملَّتِهِ مِللاً ، وطوى بشريعتِهِ أدياناً ونِحَلاً ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الذينَ سلكوا سبيلَ ربِّهِمْ ذُلُلاً ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً . أنا بعكّد: فإنَّ فتنَ الدنيا كثيرةُ الشُّعَبِ والأطرافِ ، واسعةُ الأرجاءِ والأكنافِ ، ١١٣ ١ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات ولكنَّ الأموالَ أعظمُ فتنِها ، وأطمُّ محنِها، وأعظمُ فتنةٍ فيها أنَّهُ لا غنى لأحدٍ عنها ، ثمَّ إذا وُجِدَتْ .. فلا سلامةَ مِنْها، فإنْ فُقِدَ المالُ .. حصلَ مِنْهُ الفقرُ الذي يكادُ أنْ يكونَ كفراً ، وإنْ وُجِدَ .. حصلَ منه الطُّغيانُ الذي لا يكونُ عاقبةُ أمرِهِ إلا خُسْراً . وبالجملةِ : فهي لا تخلو مِنَ الفوائدِ والآفاتِ ، وفوائدُها مِنَ المنجياتِ ، وآفاتُها مِنَ المهلكاتِ ، وتمييزُ خيرِها مِنْ شرِّها مِنَ المعوِصاتِ ، التي لا يقوى عليها إلا ذوُو البصائرِ في الدينِ ، مِنَ العلماءِ الراسخينَ دونَ المترسمينَ المغترينَ . وشرحُ ذلكَ مهمٌّ على الانفرادِ ، فإنَّ ما ذكرْناهُ في كتاب ذمّ الدُّنيا لمْ يكنْ نظراً في المالِ خاصةً ، بلْ في الدنيا عامةٌ ؛ إذِ الدنيا تتناولُ كلَّ حظّ عاجلٍ ، والمالُ بعضُ أجزاءِ الدنيا ، والجاهُ بعضُها ، واتباعُ شهوةِ البطنِ والفرجِ بعضُها ، وتشفِّي الغيظِ بحُكْمِ الغضبِ والحسدِ بعضُها ، والكبْرُ وطلبُ العلوِّ بعضُها ، ولها أبعاضٌ كثيرةٌ ، ويجمعُها كلُّ ما للإنسانِ فيهِ حظٍّ عاجلٌ . ونظرُّنا الآنَ في هذا الكتابِ في المال وحدَهُ ؛ إذْ فيهِ آفاتٌ وغوائلُ ، وللإنسانِ مِنْ فقدِهِ صفةُ الفقرِ ، ومِنْ وجودِهِ صفةُ الغنى، وهما حالتانِ يحصلُ بهما الاختبارُ والامتحانُ . ثمَّ للفاقدِ حالتانِ : القناعةُ والحرصُ ، وإحداهما مذمومةٌ والأخرى محمودةٌ . ١١٤ ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل وللحريصِ حالتانِ : طمعٌ فيما في أيدي الناسِ ، أَوْ تشمُّرٌ للحرفِ والصناعاتِ معَ اليأسِ عنِ الخلقِ ، والطمعُ شرّ الحالتينِ . وللواجدِ حالتانِ : إمساكٌ بحكمِ البخلِ والشحِّ وإنفاقٌ ، وإحداهما مذمومةٌ والأخرى محمودةٌ . وللمنفقِ حالتانِ : تبذيرٌ واقتصادٌ، والمحمودُ هوَ الاقتصادُ . وهذهِ أمورٌ متشابهةٌ ، وكشفُ الغطاءِ عنِ الغموضِ فيها مهمٌّ ، ونحنُ نشرحُ ذلكَ في أربعةَ عشرَ فصلاً إنْ شاءَ اللهُ تعالى ، وهيَ : بيانُ ذمِّ المالِ ، ثمَّ مدحِهِ ، ثمَّ تفصيلِ فوائدِ المالِ وآفاتِهِ ، ثمَّ ذمِّ الحرصِ والطمعِ ، ثُمَّ علاجِ الحرصِ والطمع ، ثمَّ فضيلةِ السخاءِ ، ثمَّ حكاياتِ الأسخياءِ ، ثمَّ ذمِّ البخلِ ، ثمَّ حكاياتِ البخلاءِ ، ثمَّ الإيثارِ وفضلِهِ ، ثمَّ حدِّ السخاءِ والبخلِ ، ثمَّ علاجِ البخلِ ، ثمَّ مجموع الوظائفِ في المالِ ، ثمَّ ذمِّ الغنى ومدحٍ الفقرِ . ١١٥ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات بيان ذمّ المال وكراهة حبيته قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَقَوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَئِدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمَّوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فمَنِ اختارَ مالَهُ وولدَهُ على ما عندَ اللهِ . . فقدْ خسرَ وغبنَ خسراناً عظيماً. وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا ... ) الآيةَ. وقالَ تعالى: ﴿كَلََّ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَطْفَيُّ: ﴿ أَنْ رَّءَاهُ أُسْتَغْنَى﴾ . وقال تعالى: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَائِرُ ﴾. وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( حبُّ المالِ والشرفِ ينبتانِ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقلَ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما ذئبانٍ ضاريانِ أُرسلا في زريبةٍ غنم بأكثرَ فساداً فيها مِنْ حُبِّ الشرفِ والمالِ والجاهِ في دينِ الرجلِ المسلمِ »(٢). (١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده بهذا اللفظ، وذكره بعد هذا بلفظ الجاه بدل الشرف). ((إتحاف)) ( ٨/ ١٤٤). (٢) رواه الترمذي (٢٣٧٦) من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه بلفظ: (( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه )) ، وبنحو لفظ المصنف مروي عند الطبراني في « الأوسط)» ( ٦٢٧٥). ١١٦ ـة ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هلكَ الأكثرونَ إلاَّ مَنْ قالَ بهِ في عبادِ اللهِ هكذا وهكذا، وقليلٌ ما هُمْ)) (١) . وقيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أيُّ أَمَّتِكَ شرٍ؟ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((الأغنياءُ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( سيأتي بعدَكُمْ قومٌ يأكلونَ أطايبَ الدنيا وألوانَها ، ويركبونَ فُرْهَ الخيلِ وألوانَها ، وينكحونَ أجملَ النساءِ وألوانَها ، ويلبسونَ ألينَ الثيابِ وألوانَها ، لهُمْ بطُونٌ مِنَ القليلِ لا تشبعُ ، وأنفسٌ بالكثيرِ لا تقنعُ ، عاكفونَ على الدنيا يغدونَ ويروحونَ إليها ، اتَّخذوها آلهةً مِنْ دونِ إِلْهِهِمْ، وربّاً دونَ ربِّهِمْ، إلى أمرِها ينتهونَ ، وهواهُمْ يتَّبعونَ ، فعزيمةٌ مِنْ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ لمَنْ أدركَ ذلكَ الزمانَ مِنْ عقبٍ عقبِكُمْ وخلفٍ خلفِكُمْ ألا يسلُّمَ عليهِمْ ، ولا يعودَ مرضاهُمْ ، ولا يتَّعَ جنائزَهُمْ ، ولا يوقِّرَ كبيرَهُمْ، فَمَنْ فعلَ ذلكَ .. فقدْ أعانَ على هدمِ الإسلامِ)) (٣). 0 (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٥٣٥/٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وتقدم حديث (( هم الأخسرون ... )) الذي رواه البخاري (٦٦٣٨)، ومسلم ( ٩٩٠ ). (٢) كذا أورده المحاسبي في ((الوصايا)) (ص٧٠)، وروى ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٥٠) من حديث السيدة فاطمة عليها السلام مرفوعاً: ((شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ، الذين يأكلون ألوان الطعام ، ويلبسون ألوان الثياب ، ويتشدقون في الكلام » . (٣) كذا أورده المحاسبي في ((الوصايا)) (ص٩٦) وبتمامه ، وروى بعضه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٧/٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٠/٦) من حديث أبي أمامة مرفوعاً، ولفظه: (( سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ، ويشربون ألوان الشراب ، ويلبسون ألوان اللباس ، ويتشدقون في الكلام ، أولئك شرار أمتي»، = ١١٧ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( دعُوا الدنيا لأهلِها، مَنْ أخذَ مِنَ الدنيا فوقَ ما يكفيهِ .. أخذَ حتفَهُ وهوَ لا يشعرُ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يقولُ ابنُ آدَمَ : مالي مالي، وهلْ لكَ مِنْ مالِكَ إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أوْ لبستَ فأبَلَيتَ، أوْ تصدَّقتَ فأمضَيتَ؟!))(٢). وقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ؛ ما لي لا أحبُّ الموتَ ؟ فقالَ: ((هل معَكَ مِنْ مالٍ؟))، قالَ: نعمْ يا رسولَ اللهِ، قالَ: (( قدِّمْ مالَكَ ؛ فإنَّ قَلْبَ المؤمنِ معَ مالِهِ ، إنْ قدَّمَهُ .. أحبَّ أنْ يلحقَهُ، وإنْ خلَّفَهُ .. أحبَّ أنْ يتخلَّفَ معَهُ))(٣) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أخلاَءُ ابنِ آدمَ ثلاثةٌ: واحدٌ يتبعُهُ إلى قبضٍ روحِهِ ، والثاني إلى قبرِهِ ، والثالثُ إلى محشرِهِ ؛ فالذي يتبعُهُ إلى قبضٍ روحِهِ فمالُهُ ، والذي يتبعُهُ إلى قبرِهِ فأهلُهُ ، والذي يتبعُهُ إلى محشرِهِ فعملُهُ )»(٤) . = وفُرْه : جمع فاره ، النشيط المليح القوي . (١) رواه البزار في ((مسنده)) (٦٤٤٤) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، وفيه : ( جيفة) بدل ( حتفه)، وبلفظ المصنف رواه تمام في (( فوائده)) ( ١٦٢١ ) ، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٩١/٥٥)، والحتف : الهلاك. (٢) رواه مسلم ( ٢٩٥٨) . (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٣٤). (٤) رواه البزار في ((مسنده)) (٨٣٥٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٩٩٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وعند البخاري (٦٥١٤)، ومسلم ( ٢٩٦٠) من حديث = ١١٨ ربع المهلكات كتاب ذم المال والبخل وقالَ الحواريونَ لعيسى عليهِ السلامُ : ما لكَ تمشي على الماءِ ولا نقدرُ على ذلكَ؟ فقالَ لهُمْ: ما منزلةُ الدينارِ والدرهمِ عندَكُمْ؟ قالُوا : حسنةٌ ، قالَ: لكنَّهُما عندي والمدرَ سواءٌ (١) . وكتبَ سلمانُ الفارسيُّ إلى أبي الدرداءِ (٢): يا أخي؛ إيَّاكَ أنْ تجمعَ مِنَ الدنيا ما لا تؤدِّي شكرَهُ؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( يُجاءُ بصاحبِ الدنيا الذي أطاعَ اللهَ فيها ومالُهُ بينَ يديهِ ، كلَّما تكفَّأَ بهِ الصِّراطُ .. قالَ لهُ مالُهُ: امضٍ ؛ فقدْ أدَّيتَ حقَّ اللهِ فِيَّ، ثمَّ يُجاءُ بصاحبِ الدنيا الذي لمْ يطع اللهَ فيها ومالُهُ بينَ كتفيهِ ، كلَّما تكفَّأَ بهِ الصِّراطُ .. قالَ لهُ مالُهُ: ويلَكَ ؛ ألا أدَّيتَ حقَّ اللهِ فيَّ، فما يزالُ كذلكَ حتَّى يدعوَ بالويلِ والثبورِ))(٣). وكلُّ ما أوردناهُ في كتابِ الفقرِ والزهدِ في ذمِّ الغنىُ ومدحِ الفقرِ يرجعُ جميعُهُ إلى ذمِّ المالِ ؛ فلا نطوِّلُ بتكريرِهِ ، وكذا كلُّ ما ذكرناهُ في ذمِّ الدنيا أنس رضي الله عنه مرفوعاً: (( يتبع الميت ثلاثة ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد ، يتبعه = أهله وماله وعمله ، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله)). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((اليقين)) (٤٠) عن الفضيل بن عياض. (٢) كذا في النسخ ، وإنما هو كتاب من أبي الدرداء إلى سلمان رضي الله تعالى عنهما كما هو مثبت في مصادر تخريج الخبر، ونص عليه الحافظ العراقي. انظر ((الإتحاف )) ( ١٤٦/٨ ). (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٦/١١)، وابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٣٤٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٤/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠١٧٤). ١١٩ كتاب ذم المال والبخل ربع المهلكات فيتناولُ ذَّ المالِ بحكمِ العموم ؛ لأنَّ المالَ أعظمُ أركانِ الدنيا ، وإنَّما نذكرُ الآنَ ما وردَ في المالِ خاصةً . قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إذا ماتَ العبدُ .. قالَتِ الملائكةُ: ما قدَّمَ ؟ وقالَ النّاسُ: ما خلَّفَ ؟))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تتَّخذُوا الضَّيعَةَ فتحُّوا الدُّنيا))(٢). لآثارُ : رُوِيَ أنَّ رجلاً نالَ مِنْ أبي الدرداءِ وأراهُ سوءاً، فقالَ: ( اللهمَّ؛ مَنْ فعلَ بي سوءاً .. فأصحَّ جسمَهُ، وأطلْ عمرَهُ، وأكثرْ مالَهُ)(٣) ، فانظر كيفَ رأى كثرةَ المالِ غايةَ البلاءِ معَ صحةِ الجسمِ وطولِ العمرِ ؛ لأنَّهُ لا بدّ وأن يفضي إلى الطغيانِ . ووضعَ عليٍّ رضي الله عنه درهماً على كفِّهِ وقالَ : ( أما إنَّكَ ما لمْ تخرجْ عنّي لا تنفعُني ) (٤) . (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٨٥١)، والبيهقي في ((الشعب )) ( ٩٩٩٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه . (٢) رواه الترمذي (٢٣٢٨)، وفيه: ( فترغبوا) بدل ( فتحبوا ) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ٩١) عن عامر بن عبد الله بن عبد قيس أنه دعا بههذا، وقال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٤٧/٨): (نقله صاحب ((القوت))). (٤) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (١٤٧/٨). ١٢٠