النص المفهرس
صفحات 41-60
ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وقالَ أبو سليمانَ : ( لا يصبرُ عنْ شهواتِ الدُّنيا إلا مَنْ كانَ في قلبِهِ ما يشغلُهُ بالآخرةِ)(١) . وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : ( اصطلحنا على حبِّ الدُّنيا ، فلا يأمرُ بعضُنا بعضاً ، ولا ينهى بعضُنا بعضاً ، ولا يدعُنا اللهُ على هذا ، فليتَ شعري ؛ أيُّ عذابِ اللهِ ينزلُ بنا؟! )(٢). وقالَ أبو حازم : ( يسيرُ الدُّنيا يشغلُ عنْ كثيرِ الآخرةِ) (٣). وقالَ الحسنُ : ( أهينُوا الدُّنيا ، فواللهِ ؛ ما هيَ لأحدٍ بأهناً مِنْها لمَنْ أهانَها ) (٤) . وقال أيضاً : ( إذا أرادَ اللهُ بعيدٍ خيراً .. أعطاهُ مِنَ الدُّنيا عطيةً، ثمَّ يمسكُ، فإذا نِفِدَ .. أعادَ عليهِ، وإذا هانَ عليهِ عبدٌ .. بسطَ لهُ الدُّنيا بسطاً)(٥). وكانَ بعضُهُمْ يدعو : ( يا ممسكَ السماءِ أنْ تقعَ على الأرضِ إلا بإذنِكَ ؛ أمسكْ عنِّي الدُّنيا )(٦) . وقالَ محمدُ بنُ المنكدرِ : ( أرأيتَ لوْ أنَّ رجلاً صامَ الدَّهرَ لا يفطرُ ، (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٢٨٤) بلاغاً. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٢٩٧). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٣٠٥). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣١٤). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٣١٥). (٦) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) ( ٣١٧). ٤١ جة کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وقامَ الليلَ لا يفترُ ، وتصدَّقَ بمالِهِ ، وجاهدَ في سبيلِ اللهِ ، واجتنبَ محارمَ اللهِ ، غيرَ أنَّهُ يُؤْتى بهِ يومَ القيامةِ فيُقالُ: ها إنَّ هذا عظمَ في عينِهِ ما صغَّرَهُ اللهُ، وصغرَ في عينِهِ ما عظَّمَهُ اللهُ .. كيفَ ترىُ يكونُ حالُهُ ؟ فمَنْ مِنَّا ليسَ هكذا الدُّنيا عظيمةٌ عندَهُ معَ ما اقترفنا مِنَ الذنوبِ والخطايا ؟!)(١) . وقالَ أبو حازم : ( اشتدَّتْ مؤونةُ الدُّنيا والآخرةِ، فأمَّا مؤونةُ الآخرةِ .. فإنَّكَ لا تجدُ عليها أعواناً ، وأمَّا مؤونةُ الدُّنيا .. فإِنَّكَ لا تضربُ بيدِكَ إلى شيءٍ مِنْها إلا وجدتَ فاجراً قدْ سبقَكَ إليهِ)(٢) . وقالَ أبو هريرةَ : ( الدُّنيا موقوفةٌ بينَ السماءِ والأرضِ كالشِّنِّ البالي ، تنادي ربَّها منذُ خلقَها إلى يوم يفنيها : يا ربِّ، يا ربِّ؛ لمَ تبغضُني ؟ فيقولُ لها : اسكتي يا لا شيءَ، اسكتي يا لا شيءَ)(٣). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ : ( حبُّ الدُّنيا في القلبِ والذنوبُ قدِ احتوشَتْهُ ، فمتى يصلُ الخيرُ إليهِ؟! )(٤). وقالَ وهبُ بنُ منبِّهِ : ( مَنْ فرحَ قلبُهُ بشيءٍ مِنَ الدُّنيا .. فقدْ أخطأَ الحكمةَ ، ومَنْ جعلَ شهوتَهُ تحتَ قدميهِ .. فَرِقَ الشيطانُ مِنْ ظلِّهِ ، (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٢١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٢٥). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٣٦٠). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) ( ٤٣٧) . ٤٢ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا ومَنْ غلبَ علمُهُ هواهُ .. فهوَ الغالبُ )(١) . وقيلَ لبشرٍ : ماتَ فلانٌ ، فقالَ : جمعَ الدُّنيا وذهبَ إلى الآخرةِ ، ضيَّعَ نفسَّهُ، قيلَ لهُ: إنَّهُ كانَ يفعلُ ويفعلُ ، وذكرُوا أبواباً مِنَ البرِّ ، فقالَ : وما ينفعُ هذا وهوَ يجمعُ الدُّنيا؟!(٢). وقالَ بعضُهُمْ: ( الدُّنيا تُبْغِّضُ إلينا نفسَها ، ونحنُ نحُّها ! فكيفَ لوْ تحَّبَتْ إلينا؟! )(٣). وقيلَ لحكيمٍ : الدُّنيا لمَنْ هيَ؟ قالَ: لمَنْ تركَها ، فقيلَ : الآخرةُ لمَنْ هِيَ؟ قالَ: لمَنْ طلبَها(٤). وقالَ حكيمٌ: ( الدُّنيا دارُ خرابٍ ، وأخربُ مِنْها قلبُ مَنْ يعمرُها ، والجنةُ دارُ عمرانٍ ، وأعمرُ مِنْها قلبُ مَنْ يطلبُها )(٥) . وقالَ الجنيدُ : كانَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ مِنَ المريدينَ الناطقينَ بلسانِ الحقِّ في الدُّنيا ، وعظَ أخاً لهُ في اللهِ ، وخوَّفَهُ باللهِ ، فقالَ : يا أخي ؛ إنَّ الدُّنيا دَحْضُ مزلَّةٍ، ودارُ مذلَّةٍ ، عمرانُها إلى الخرابِ صائرٌ ، وساكنُها إلى القبورِ زائرٌ، شملُها على الفرقةِ موقوفٌ، وغناها إلى الفقرِ مصروفٌ ، الإكثارُ فيها (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٤٥٢). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٤٥٩). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) ( ٤٧٠). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) ( ٤٧٦). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) ( ٤٧٧ ). ٤٣ كتاب ذم الدنيا ربع المهلكات إعسارٌ، والإعسارُ فيها يسارٌ ، فافزعْ إلى اللهِ ، وارضَ برزقِ اللهِ ، ولا تتسلَّفْ مِنْ دارِ بقائِكَ في دارِ فنائِكَ ؛ فإنَّ عيشَكَ فيٌ زائلٌ ، وجدارٌ مائلٌ ، أكثرْ مِنْ عملِكَ ، وقصِّر مِنْ أملِكَ . وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ لرجلٍ : أدرهمٌ في المنامِ أحبُّ إليكَ أمْ دينارٌ في اليقظةِ ؟ فقالَ : دينارٌ في اليقظةِ ، فقالَ : كذبتَ ؛ لأنَّ الذي تحبُّهُ في الدُّنيا كأنَّكَ تحبُّهُ في المنام ، والذي لا تحبُّهُ في الآخرةِ كأنَّكَ لا تحبُّهُ في اليقظةِ . وعنْ إسماعيلَ بنِ عياشٍ قالَ : ( كانَ أصحابُنا يسمُّونَ الدُّنيا خنزيرةً ، فيقولونَ : إليكِ عنَّا يا خنزيرةُ، فلوْ وجدُوا لها اسماً أقبحَ مِنْ هذا .. لسمَّوها بهِ)(١). وقالَ كعبٌ: ( لتُحبَّبَنَّ إليكمُ الدُّنيا حتَّى تعبدُوها وأهلَها)(٢). وقالَ يحيى بنُ معاذِ الرازيُّ رحمهُ اللهُ : ( العقلاءُ ثلاثةٌ : مَنْ تركَ الدُّنيا قبلَ أنْ تتركَهُ، وبنى قبرَهُ قبلَ أنْ يدخلَهُ، وأرضى خالقَهُ قبلْ أنْ يلقاءُ)(٣). وقالَ أيضاً : ( الدُّنيا بلغَ مِنْ شؤْمِها أنَّ تمنَِّكَ لها يلهيكَ عَنْ طاعةِ اللهِ ، فكيفَ الوقوعُ فيها ؟! ) . وقالَ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ : ( مَنْ أرادَ أنْ يستغنيَ بالدُّنيا عنِ الدُّنيا .. (١) رواه ابن أبي أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٤٧) عن إسماعيل بن عياش، عن أبي راشد التنوخي ، عن يزيد بن ميسرة . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) ( ١٤٠). (٣) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) ( ٤٨٨). ٤٤ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا كانَ كمطفىءِ الَّارِ بالتِّنِ ) (١) . وقالَ بندارٌ : ( إذا رأيتَ أبناءَ الدُّنيا يتكلَّمونَ في الزهدِ .. فاعلمْ أنَّهُمْ في سخرةِ الشيطانِ )(٢). وقال أيضاً : ( مَنْ أقبلَ على الدُّنيا .. أحرقَتْهُ نيرانُها - يعني : الحرصَ - حتَّى يصيرَ رماداً، ومَنْ أقبلَ على الآخرةِ .. صفَّتْهُ نيرانُها، فصارَ سبيكةً ذهبٍ يُنتفعُ بهِ ، ومَنْ أقبلَ على اللهِ عزَّ وجلَّ .. أحرقَتْهُ نيرانُ التوحيدِ ، فصارَ جوهراً لا حدَّ لقيمتِهِ ) . وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إنَّما الدُّنيا ستَّةُ أشياءَ : مطعومٌ ، ومشروبٌ، وملبوسٌ، ومركوبٌ، ومنكوحٌ، ومشمومٌ ، فأشرفُ المطعوماتِ العسلُ ، وهوَ مذقةُ ذبابٍ ، وأشرفُ المشروباتِ الماءُ ، يستوي فيهِ البَرُّ والفاجرُ ، وأشرفُ الملبوساتِ الحريرُ ، وهوَ نسجُ دودةٍ ، وأشرفُ المركوباتِ الفرسُ، وعليهِ يُقتلُ الرِّجالُ، وأشرفُ المنكوحاتِ المرأةُ ، وهيَ مبالٌ في مبالٍ ، واللهِ ؛ إنَّ المرأَةَ لتزيِّنُ أحسنَ شيءٍ مِنْها ، ويُرادُ أقبحُ شيءٍ مِنْها ، وأشرفُ المشموماتِ المسكُ، وهوَ دمُ حيوانٍ)(٣). (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٩٢). (٢) يعني: لا يتكلم في الزهد إلا من كان زاهداً؛ حتى يكون لكلامه التأثير. («إتحاف)) (٩٨/٨ ) . (٣) أورده الراغب في ((الذريعة)) (ص ٢١٨). ٤٥ كتاب ذم الدنيا ربع المهلكات بيان المواعظ في ذم الدنيا وصفتها قالَ بعضُهُمْ : ( يا أيُّها الناسُ ؛ اعملُوا على مهلٍ، وكونُوا مِنَ اللهِ عزّ وجلَّ على وَجَلٍ ، ولا تغترُّوا بالأملِ ونسيانِ الأجلِ ، ولا تركنُوا إلى الدُّنيا؛ فإنَّها غذَّارةُ خذَّاعةٌ ، قدْ تزخرفَتْ لكُمْ بغرورِها، وفتنَتَكُمْ بأمانيها ، وتزيَّنَتْ لخطَّابِها، فأصبحَتْ كالعروسِ المجلوَّةِ ، العيونُ إليها ناظرةٌ ، والقلوبُ عليها عاكفةٌ ، والنفوسُ لها عاشقةٌ ، فكمْ مِنْ عاشقٍ لها قتلَتْ ، ومطمئنٌّ إليها خذلَتْ . فانظرُوا إليها بعينِ الحقيقةِ ؛ فإنَّها دارٌ كَثُرَتْ بوائقُها ، وذمَّها خالقُها ، جديدُها يبلى، ومُلْكُها يفنى، وعزيزُها يدلُّ، وكثيرُها يقلُّ، وحيُّها يموتُ ، وخيرُها يفوتُ، فاستيقظُوا رحمَكُمُ اللهُ مِنْ غفلتِكُمْ، وانتبهُوا مِنْ رقدتِكُمْ ، قبلَ أنْ يُقالَ : فلانٌ عليلٌ ، أوْ مدنفٌ ثقيلٌ ، فهلْ على الدواءِ مِن دليلٍ ؟ وهلْ إلى الطبيبٍ مِنْ سبيلٍ؟ فيُدعىُ لكَ الأطباءُ، ولا يُرجى لكَ الشفاءُ ، ثمُ يُقالُ : فلانٌ أوصى، ومالَهُ أحصى، ثمَّ يُقالُ: قدْ ثقُلَ لسانُهُ ، فما يكلِّمُ إخوانَهُ ، ولا يعرفُ جيرانَهُ، وعرقَ عندَ ذلكَ جبينُكَ ، وتتابعَ أنينُكَ، وثبتَ يقينُكَ، وطمحَتْ جفونُكَ، وصدقَتْ ظنونُكَ ، وتلجْلَجَ لسانُكَ، وبكى إخوانُكَ، وقيلَ لكَ : هذا ابنُكَ فلانٌ ، وهذا أخوكَ فلانٌ ، ومُنعتَ الكلامَ فلا تنطقُ ، وخُتمَ على لسانِكَ فلا ينطلقُ، ثمَّ حلَّ بكَ القضاءُ ، وانتُرعَتْ نفسُكَ مِنَ الأعضاءِ ، ثمَّ عُرِجَ بها إلى السماءِ ، فاجتمعَ ٤٦ ربع المهلكات كتاب ذم الدنيا عندَ ذلكَ إخوانُكَ ، وأُحضرَتْ أكفانُكَ، فغسَّلوكَ وكَفَّنُوكَ ، فانقطعَ عوَّادُكَ ، واستراحَ حسَّادُكَ ، وانصرفَ أهلكَ إلى مالكَ، وبقيتَ مرتهناً بأعمالِكَ ) . وقالَ بعضُهُمْ لبعضٍ الملوكِ : ( إنَّ أحقَّ الناسِ بذمِّ الدُّنيا وقِلاها مَنْ ◌ُسطَ لهُ فيها، وأُعطيَ حاجتَهُ مِنْها ؛ لأنَّهُ يتوقَّعُ آفةً تعدو على مالِهِ فتجتاحُهُ ، أوْ على جمعِهِ فتفرّقُهُ، أَوْ تأتي سلطانَهُ فتهدمُهُ مِنَ القواعدِ ، أَوْ تدِبُ إلى جسمِهِ فتسقمُهُ ، أَوْ تفجعُهُ بشيءٍ هوَ ضنينٌ بهِ مِنْ أحبابِهِ ، فالدُّنيا أحقُّ بالذَّمٌّ ، هيَ الآخذةُ ما تعطي ، الراجعةُ فيما تهبُ ، بينا هيَ تضحِكُ صاحبها إِذْ أضحكَتْ مِنْهُ غيرَهُ، وبينا هيَ تبكي لهُ إذْ أبكَتْ عليهِ ، وبينا هيَ تبسطُ كفَّها بالإعطاءِ إِذْ بسطَتْها بالاستردادِ ، تعقدُ التاجَ على رأسِ صاحبِها اليومَ ، وتعفِّرُهُ في الترابِ غداً ، سواءٌ عليها ذهابُ ما ذهبَ وبقاءُ ما بقيَ ، تجدُ في الباقي مِنَ الذاهبِ خلفاً ، وترضى بكلِّ مِنْ كلِّ بدلاً)(١) . وكتبَ الحسنُ البصريُّ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ : ( أمَّا بعد : فإنَّ الدُّنيا دارُ ظعنٍ ليسَتْ بدارِ إقامةٍ ، وإنَّما أُنزِلَ آدمُ عليهِ السلامُ مِنَ الجنةِ إليها عقوبةً ، فاحذرْها يا أميرَ المؤمنينَ ؛ فإنَّ الزادَ مِنْها تركُها ، والغنى مِنْها فقرُها ، لها في كلِّ حينٍ قتيلٌ ، تذلُّ مَنْ أعزَّها ، وتفقِرُ مَنْ جمعَها ، هيَ كالسُّمِّ يأكلُهُ مَنْ لا يعرفُهُ وهوَ حتفُهُ ، فكنْ فيها كالمداوي جراحتهُ ، يحتمي (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) ( ٤٧). ٤٧ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات قليلاً مخافةً ما يكرهُ طويلاً ، ويصبرُ على شدَّةِ الدواءِ مخافةً طولِ البلاءِ . فاحذرْ هذهِ الدارَ الغذَّارةَ ، الختَّالةَ الخذَّاعةَ ، التي قدْ زيَّنَتْ بخدعِها ، وفتنَتْ بغرورِها، وتحلَّتْ بآمالِها، وتشوَّقَتْ لخطَّابها، فأصبحَتْ كالعروسِ المجلوَّةِ ، العيونُ إليها ناظرةٌ ، والقلوبُ عليها والهةٌ ، والنفوسُ لها عاشقةٌ ، وهيَ لأزواجِها كلُّهِمْ قاتلةٌ ، فلا الباقي بالماضي معتبِرٌ ، ولا الآخرُ بالأوَّلِ مزدجرٌ، ولا العارفُ باللهِ عزَّ وجلَّ حينَ أخبرَهُ عنها مذَّكرٌ ، فعاشقٌ لها قدْ ظفرَ مِنْها بحاجتِهِ ، فاغترَّ وطغى ، ونسيَ المعادَ ، فشغلَ فيها لُبَّهُ ، حتَّى زلَّتْ عنْها قدَمُهُ ، فعظُمَتْ ندامتُهُ ، وكثُرَتْ حسرتُهُ ، واجتمعَتْ عليهِ سكراتُ الموتِ بألمِهِ ، وحسراتُ الفوتِ بغصَّتِهِ ، وراغبٌ فيها لمْ يدركْ مِنْها ما طلبَ ، ولمْ يروِّحُ نفسَهُ مِنَ الثَّعبِ ، فخرجَ بغيرِ زادٍ ، وقدِمَ على غيرِ مهادٍ ، فاحذرْها يا أميرَ المؤمنينَ . وكنْ أسرَّ ما تكونُ فيها أحذرَ ما تكونُ لها ؛ فإنَّ صاحبَ الدُّنيا كلَّما اطمأنَّ مِنْها إلى سرورٍ .. أشخصَتْهُ إلى مكروهٍ ، السارُّ فيها لأهلِها غارٌّ ، والنافعُ مِنْها غداً ضارٍّ، وقدْ وُصِلَ الرَّخَاءُ مِنْها بالبلاءِ، وجُعِلَ البقاءُ فيها إلى فناءٍ ، فسرورُها مشوبٌ بالأحزانِ ، لا يرجعُ مِنْها ما ولَّى وأدبرَ ، ولا يُدرى ما هوَ آتٍ فينتظرَ . أمانيها كاذبةٌ ، وآمالُها باطلةٌ، وصفوُها كدرٌ ، وعيشُها نكدٌ ، وابنُ آدَمَ فيها على خطرِ ، إنْ عقَلَ ونظَرَ . . فهوَ مِنَ النَّعماءِ على خطرٍ ، ومِنَ البلاءِ على حذرٍ ، فلوْ كانَ الخالقُ لمْ يُخبرْ عنها خبراً ، ولمْ يضربْ لها مثلاً .. ٤٨ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا لكانَتِ الدُّنيا قدْ أيقظَتِ النائمَ، ونبَّهَتِ الغافلَ، فكيفَ وقدْ جاءَ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ عنها زاجرٌ، وفيها واعظٌ ، فما لَها عندَ اللهِ جلَّ ثناؤُهُ قدرٌ ، وما نظرً إليها منذُ خلقَها . ولقدْ عُرضَتْ على نبيِّكَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بمفاتيحِها وخزائنِها لا ينقصُهُ ذلكَ عندَ اللهِ جناح بعوضةٍ ، فأبى أنْ يقبلَها ؛ إذْ كرِهَ أنْ يخالفَ على اللهِ أمرَهُ ، أوْ يحبَّ ما أبغضَ خالقُهُ ، أوْ يرفعَ ما وضعَ مليكُهُ ، فزواها عنِ الصالحينَ اختباراً ، وبسطَها لأعدائِهِ اغتراراً . فيظنُّ المغرورُ بها المقتدرُ عليها أنَّهُ أُكرمَ بها ، ونسيَ ما صنعَ اللهُ عزَّ وجلَّ بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ شدَّ الحجرَ على بطنِهِ ، ولقدْ جاءَتِ الرِّوايةُ عنهُ عنْ ربِّهِ تباركَ وتعالى: أنَّهُ قالَ لموسى عليهِ السَّلامُ : إذا رأيتَ الغِنى مقبلاً .. فقلْ: ذنبٌ عُجِّلَتْ عقوبتُهُ، وإذا رأيتَ الفقرَ مُقبلاً .. فقلْ: مرحباً بشعارِ الصالحينَ ، وإنْ شئتَ .. اقتديتَ بصاحبِ الروحِ والكلمةِ عيسى ابن مريمَ عليهِ السلامُ ؛ فإنَّهُ كانَ يقولُ : إدامي الجوعُ ، وشعاري الخوفُ ، ولباسي الصوفُ ، وصِلائي في الشتاءِ مشارقُ الشمسِ ، وسراجي القمرُ ، ودائَتَي رجلايَ ، وطعامي وفاكهتي ما أنبتَتِ الأرضُ ، أبيتُ وليسَ لي شيءٌ، وأصبحُ وليسَ لي شيءٌ، وليسَ على الأرضِ أحدٌ أغنى منّي)(١). (١) كذا رواه بطوله ومرفوعه ابنُ أبي الدنيا في ((الزهد)) (٥٠)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣١٣/٦) عن الحسن ، فالمرفوع فيه مرسل ، وخبر إعراضه صلى الله عليه وسلم عن الدنيا وقد عرضت عليه رواه الترمذي (٢٣٤٧) عن أبي أمامة مرفوعاً: ((عرض علي = ٤٩ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات G وقالَ وهبُ بنُ منبِّهٍ: ( لمَّا بعثَ اللهُ عزَّ وجلَّ موسى وهارونَ عليهِما السلامُ إلى فرعونَ .. قالَ: لا يَرُوعنَّكُما لباسُهُ الذي لبسَ مِنَ الدُّنيا ؛ فإنَّ ناصيتَهُ بيدي ، ليسَ ينطِقُ ولا يطرِفُ ولا يتنفَّسُ إلا بإذني ، ولا يعجبنَّكُما ما تمتّعَ بهِ مِنْها ؛ فإنَّما هيَ زهرةُ الحياةِ الدُّنيا وزينةُ المترفينَ ، فلوْ شئتُ أنْ أزيَّنْكُما بزينةٍ مِنَ الدُّنيا ، يعرفُ فرعونُ حينَ يراها أن مقدرتهُ تعجزُ عمَّا أُوتِيتُما .. لفعلتُ ، ولكنِّي أرغبُ بكُما عنْ ذلكَ ، فأزوي ذلكَ عنْكُما ، وكذلِكَ أفعلُ بأوليائي، إنِّي لأذودُهُمْ عنْ نعيمِها ، كما يذودُ الرَّاعي الشفيقُ غنمَهُ عنْ مراتع الهَلَكَةِ ، وإنِّي لأجنّبُهُمْ سلوتَها كما يجنِّبُ الراعي الشفيقُ إِلَهُ عنْ مباركِ العُرَّةِ (١) ، وما ذاكَ لهوانِهِمْ عليَّ، ولكنْ ليستكملُوا نصيبَهُمْ مِنْ كرامتِي سالماً موفراً ، إنَّما يتزيَّنُ لي أوليائي بالذُّلِّ والخشوع ، والخوفِ والخضوع ، والتقوى تثبتُ في قلوبِهِمْ ، فتظهرُ على أجسادِهِمْ ؛ فهيَ ثيابُهُمُ التي يلبسونَ، ودثارُهُمُ الذي يظهرونَ، وضميرُهُمُ الذي يستشعرونَ ، ونجاتُهُمُ التي بها يفوزونَ، ورجاؤُهُمُ الذي إيَّاهُ يأملونَ ، ومجدُهُمُ الذي بهِ يفخرونَ ، وسيماهُمُ التي بها يُعرِفُونَ ، فإذا لقيتَهُمْ .. فاخفضْ لهُمْ جناحَكَ ، وذلِّلْ لهُمْ قلبَكَ ولسانَكَ، واعلمْ أنَّهُ مَنْ أخافَ لي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً ، قلت : لا يا رب ، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً))، = وخبر موسى عليه السلام رواه الديلمي في (( مسند الفردوس )) ( ٤٤٦٩) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه . (١) العُرَّة : الجرب. ٥ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وليّاً .. فقدْ بارزَني بالمحاربةِ، ثمَّ أنا الثائرُ لُهُ يومَ القيامةِ)(١). وخطبَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنْهُ يوماً فقالَ: ( اعلمُوا أَنَّكُمْ مِيِّئُونَ ، ومبعوثونَ مِنْ بعدِ الموتِ ، وموقوفونَ على أعمالِكُمْ ، ومجزيُونَ بها ، فلا تغرنَّكُمُ الحياةُ الدُّنيا ؛ فإنَّها بالبلاءِ محفوفةٌ ، وبالفناءِ معروفةٌ ، وبالغدْرِ موصوفةٌ ، وكلُّ ما فيها إلى زوالٍ ، وهيَ بينَ أهلِها دولٌ وسجالٌ ، لا تدومُ أحوالُها ، ولا يسلمُ مِنْ شرِّها نُزَّالُها ، بينا أهلُها مِنْها في رخاءٍ وسرورٍ ؛ إذا هُمْ مِنْها في بلاءٍ وغرورِ ، أحوالٌ مختلفةٌ ، وتاراتٌ متصرِّفةٌ ، العيشُ فيها مذمومٌ ، والرخاءُ فيها لا يدومُ ، وإنَّما أهلُها فيها أغراضٌ مستهدفةٌ ، ترميهِمْ بسهامِها، وتقصمُهُمْ بحِمامِها، وكلٌّ حتفُهُ فيها مقدورٌ ، وحظُّهُ فيها موفورٌ. واعلمُوا عبادَ اللهِ أنَّكُمْ وما أنتمْ فيهِ مِنْ هذهِ الدُّنيا على سبيلٍ مَنْ قَدْ مضى ممَّنْ كانَ أطولَ منكُمْ أعماراً ، وأشدَّ منكُمْ بطشاً ، وأعمرَ دياراً ، وأبعدَ آثاراً ، فأصبحَتْ أصواتُهُمْ هامدةً خامدةً مِنْ بعدِ طولٍ تقلُّبِها، وأجسادُهُمْ باليةٌ ، وديارُهُمْ على عروشِها خاليةً ، وآثارُهُمْ عافيةً . واستبدلُوا بالقصورِ المشيدةِ والسررِ والنمارقِ الممهَّدةِ الصخورَ والأحجارَ المسندةَ في القبورِ اللاطئةِ الملحدةِ ، فمحلُّها مقتربٌ ، وساكتُها مغتربٌ بينَ أهلِ عمارةٍ موحشينَ ، وأهلِ محلَّةٍ متشاغلينَ ، لا يستأنسونَ بالعمرانِ ، ولا يتواصلونَ تواصلَ الجيرانِ والإخوانِ ، على ما بينَهُمْ مِنْ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٦٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١/ ١١). ٥١ کتاب ذم الدنيا ـحر ربع المهلكات قربِ المكانِ والجوارِ ودنوِّ الدارِ ، وكيفَ يكونُ بينَهُمْ تواصلٌ ، وقدْ طحنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ البلى ، وأكلَتْهُمُ الجنادلُ والثرى ، فأصبحُوا بعدَ الحياةِ أمواتاً ، وبعدَ غضارةِ العيشِ رُفاتاً . فُجِعَ بِهِمُ الأحبابُ، وسكنُوا تحتَ الترابِ ، وظعنُوا فليسَ لَهُمْ إيابٌ ، هيهاتَ هيهاتَ ، ﴿ كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِم بَّزَغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، فكأنْ قدْ صرتُمْ إلى ما صارُوا إليهِ مِنَ البِلى ، والوحدةِ في دارِ المثوى ، وارتهنتُمْ في ذلكَ المضجعِ ، وضمَّكُمْ ذلكَ المستودعُ . فكيفَ بِكُمْ لوْ عاينتُمُ الأمورَ ، وبُعثرَتِ القبورُ، وحُصِّلَ ما في الصدور ، وأُوقِفتُمْ للتحصيلِ بينَ يديِ الملكِ الجليلِ ، فطارَتِ القلوبُ الإشفاقِها مِنْ سالفِ الذنوبِ ، وهُتَكَتْ عنكُمُ الحجُبُ والأستارُ، وظهرَتْ منكُمُ العيوبُ والأسرارُ ، هنالكَ تُجزىُ كلُّ نفسٍ بما كسبَتْ ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾، وقالَ تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِقَافِيهِ ... ﴾ الآيةَ، جعلَنَا اللهُ وإِيَّكُمْ عاملينَ بكتابِهِ ، ومتبعينَ لأوليائِهِ؛ حتَّى يُحِلَّنَا وإيّاكُمْ دارَ المُقامةِ مِنْ فضلِهِ، إنَّهُ حميدٌ مجيدٌ)(١) . وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( الأيامُ سهامٌ ، والناسُ أغراضٌ ، والدهرُ يرميكَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٢١٢)، والدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٦٤) . ٥٢ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا كلَّ يومٍ بسهامِهِ ، ويخترمُكَ بلياليهِ وأيامِهِ ، حتَّى يستغرقَ جميعَ أجزائِكَ ، فكمْ بقاءُ سلامتِكَ معَ وقوعِ الأيامِ بكَ ، وسرعةِ الليالي في بدنِكَ ؟ لوْ كُشفَ لكَ عمَّا أحدثَتِ الأيامُ فيكَ مِنَ النقصِ .. لاستوحشْتَ مِنْ كلِّ يومٍ يأتي عليكَ ، واستثقَلتَ ممزّ الساعاتِ بكَ ، ولكنْ تدبيرُ اللهِ سبحانَهُ فوقَ تدبيرٍ الاعتبارِ ، وبالسلوِّ عنْ غوائلِ الدُّنيا وُجِدَ طعمُ لذاتِها، وإنَّها لأمَرُّ مِنَ العلقمِ إذا عجمَها الحكيمُ(١) ، وقدْ أعيتِ الواصفَ لعيوبِها بظاهرِ أفعالِها ، وما تأتي بهِ مِنَ العجائبِ أَكثرُ ممَّا يحيطُ بهِ الواعظُ ، فنستوهبُ اللهَ رشداً إلى الصوابِ )(٢). وقالَ بعضُ الحكماءِ وقدِ استُوصفَ الدُّنيا وقدْرَ بقائِها : ( الدُّنيا وقتُكَ الذي يرجعُ إليكَ فيهِ طرفُكَ ؛ لأنَّ ما مضى عنكَ .. فقدْ فاتَكَ إدراكُهُ، وما لمْ يأتِ .. فلا علمَ لكَ بهِ ، والذَّهرُ يومٌ مقبلٌ تنعاهُ ليلتُهُ ، وتطويهِ ساعتُهُ، وأحداثُهُ تتوالىُ على الإنسانِ بالتغييرِ والنقصانِ ، والدهرُ موكَّلٌ بتشتيتِ الجماعاتِ ، وانخرام الشَّملِ، وتنقُّلِ الدُّولِ ، والأملُ طويلٌ ، والعمرُ قصيرٌ ، وإلى اللهِ تصيرُ الأمورُ)(٣). ـجو وخطبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ فقالَ : ( أيُّها الناسُ ؛ إنَّكُمْ (١) عجمها؛ يقال : عجمَ الشيء يعجمه عجماً؛ عضَّه ليعلم صلابته من خوره ، وكذا العين تعجم إذا نظرت فاحصة مختبرة . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٩٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٥٠/١٠). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ١٩٧). ٥٣ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات خُلِقْتُمْ لأمرٍ إنْ كنتُمْ تصدِّقُونَ بهِ .. إنَّكُمْ حمقى، وإنْ كنتُمْ تكذِّبونَ بهِ .. إِنَّكُمْ لهلكى، إنَّما خُلِقْتُمْ للأبدِ، ولكنَّكُمْ مِنْ دارِ إلى دارِ تُنُقلونَ ، عبادَ اللهِ ؛ إنّكُمْ في دارٍ لِكُمْ فيها مِنْ طعامِكُمْ غصصٌ ، ومِنْ شرائِكُمْ شَرَقٌ ، لا تصفُو لكُمْ نعمةٌ تُسرُّونَ بها إلاَّ بفراقِ أخرىُ تكرهونَ فراقَها ، فاعملُوا لما أنْتُمْ صائرونَ إليهِ، وخالدونَ فيهِ )، ثمَّ غلبَهُ البكاءُ فنزلَ(١). وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنْهُ في خطبتِهِ : ( أوصيكُمْ بتقوى اللهِ ، والتركِ للدُّنيا التاركةِ لكُمْ وإنْ كنتُمْ لا تحبونَ تركَها، المبليةِ أجسامَكُمْ وإنْ كنُمْ تريدونَ تجديدَها ، فإنَّما مثلُكُمْ ومثلُها كمَثَلِ سَفْرٍ سلكُوا طريقاً وكأنَّهُمْ قَدْ قطعُوهُ، وأفضَوا إلى عَلَم فكأنَّهُمْ بلغُوهُ ، وكمْ عسى أنْ يجريَ المجری حتّى ينتهيَ إلى الغايةِ ؟ وكمْ عسىُ أنْ يبقىُ مَنْ لَهُ يومٌ في الدُّنيا وطالبٌ حثيثٌ يطلبُهُ حتَّى يفارقَها ؟ فلا تجزعُوا لبؤسِها وضرَّائِها ؛ فإنَّهُ إلى انقطاع ، ولا تفرحُوا بنعيمِها ؛ فإنَّهُ إلى زوالٍ ، عجبتُ لطالبِ الدُّنيا والموتُ يطلبُهُ ، وغافلٍ وليسَ بمغفولٍ عنْهُ)(٢) . وقالَ محمدُ بنُ الحسينِ (٣): ( لمَّا علمَ أهلُ العقلِ والعلمِ والمعرفةِ والأدبِ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قدْ أهانَ الدُّنيا ، وأنَّهُ لمْ يرضَها لأوليائِهِ ، وأنَّها عندَهُ حقيرةٌ قليلةٌ ، وأنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ زهدَ فيها ، وحذَّرَ أصحابَهُ (١) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٢٣٤). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٤١٤). (٣) في (ب): ( الحسن ) بدل ( الحسين ) . ٥٤ ربع المهلكات كتاب ذم الدنيا مِنْ فتنتِها .. أكلُوا منها قصداً، وقدَّمُوا فضلاً، وأخذُوا مِنْها ما يكفي ، وتركُوا ما يُلهِي ، لبسوا مِنَ الثيابِ ما سترَ العورةَ، وأكلُوا مِنَ الطعام أدناهُ ممَّا سدَّ الجوعةَ ، نظرُوا إلى الدُّنيا بعينِ أنَّها فانيةٌ ، وإلى الآخرةِ أنَّها باقيةٌ ، فتزوَّدُوا مِنَ الدُّنيا كزادِ الراكبِ ، فخرَّبُوا الدُّنيا ، وعمرُوا بها الآخرةَ ، ونظرُوا إلى الآخرةِ بقلوبِهِمْ ، فعلمُوا أنَّهُمْ سينظرونَ إليها بأعينِهِمْ ، فارتحلُوا إليها بقلوبِهِمْ لمَّا علمُوا أنَّهُمْ سيرتحلُونَ إليها بأبدانِهِمْ ، صبروا قليلاً وتنعَّموا طويلاً، كلٌّ ذلكَ بتوفيقِ مولاهُمُ الكريم ، أحبُّوا ما أحبَّ لهُمْ ، وكرهُوا ما كرهَ لَهُمْ ) . ٥٥ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات بيان صفة الدنيا بالأمثلة اعلمْ : أَنَّ الدُّنيا سريعةُ الفناءِ، قريبةُ الانقضاءِ ، تعِدُ بالبقاءِ ، ثمَّ تُخْلِفُ بالوفاءِ ، تنظرُ إليها فتراها ساكنةً مستقرَّةٌ ، وهيَ سائرةٌ سيراً عنيفاً ، ومرتحلةٌ ارتحالاً سريعاً ، ولكنَّ الناظرَ إليها قدْ لا يحسنُّ بحركتِها ، فيطمئنُّ إليها ، وإنَّما يحسُّ عندَ انقضائِها . ومثالُها : الظُّلُّ ، فإنَّهُ متحركٌ ساكنٌ ، متحركٌ في الحقيقةِ ، ساكنٌ في الظاهرِ ، لا تُدركُ حركتُهُ بالبصرِ الظاهرِ ، بلْ بالبصيرةِ الباطنةِ . ولمَّا ذكرتِ الدُّنيا عندَ الحسنِ البصريِّ رحمهُ اللهِ عليهِ .. أنشدَ (١): [من الكامل] إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِها لا يُخْدَعُ أَحْلامُ نَوْم أَوْ كَظِلٌّ زائِلٍ وكانَ الحسنُ بنُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنْهُما يتمثلُ ويقولُ(٢) : [من البسيط] يا أَهْلَ لَذَّاتِ دُنْيا لا بقاءَ لَها إِنَّ أَغْتِراراً بِظِلِّ زائِلٍ حُمْقُ وقيلَ : إِنَّ هذا مِنْ قولِهِ . (١) البيت منسوب إلى عمران بن حطان، انظر ((شعر الخوارج)) (ص ١٥٥)، وإلى ابن أبي حصينة في (( ديوانه)) (٣٧٦/١) . (٢) انظر ((ربيع الأبرار)) (٧٠/١)، و((المدهش)) (٣٩٥/١). ٥٦ ربع المهلكات کتاب ذم الدنیا ويُقالُ : نزلَ أعرابيٌّ بقوم ، فقدَّموا إليهِ طعاماً ، فأكلَ ، ثمَّ قامَ إلىُ ظلِّ خيمةٍ لهُمْ ، فنامَ هناكَ ، فاقتلعُوا الخيمةَ ، فأصابَتْهُ الشمسُ ، فانتبَهَ وقامَ وهوَ يقولُ : [من الطويل] أَلا إِنَّمَا الدُّنْيا كَظِلٌّ بَيْتَهُ وَلا بُدَّ يَوْماً أَنَّ ظِلَّكَ زائِلُ(١) [من الطويل] وكذلكَ قيلَ(٢): وَإِنَّ امْرَأَ دُنْياهُ أَكْبَرُ هَمِّهِ لَمُسْتَمْسِكٌ مِنْها بِحَبْلِ غُرُورٍ مثالٌ آخرُ : الدُّنيا مِنْ حيثُ التغريرُ بخيالاتِها ، ثمَّ الإفلاسُ مِنْها بعدَ إفلاتِها .. تشبهُ خيالاتِ المنامِ ، وأضغاثَ الأحلامِ . قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الدُّنيا حلمٌ، وأهلُها عليها مجازونَ ومعاقبونَ ))(٣). وقالَ يونسُ بنُ عبيدٍ : ( ما شبَّهتُ نفسي في الدُّنيا إلاَّ كرجلٍ نامَ ، فرأى في منامِهِ ما يكرَهُ وما يحبُّ، فبينما هوَ كذلكَ إذِ انتبهَ )(٤) ، فكذلكَ الناسُ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٢٥). (٢) انظر ((الإمتاع والمؤانسة)) (ص ٤٦٩)، و((ربيع الأبرار)) (٤٦/١). (٣) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (١٠٧/٨). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٢٢). ٥٧ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات G نيامٌ، فإذا ماتُوا .. انتبهُوا(١) ، فإذا ليسَ بأيديهمْ شيءٌ ممَّا ركنُوا إليهِ وفرحُوا بهِ . وقيلَ لحكيمٍ : أيُّ شيءٍ أشبهُ بالدُّنيا؟ قالَ: أحلامُ النائمِ (٢). مثالٌ آخرُ الدُّنيا في عداوِتِها لأهلِها ، وإِهلاكِها بنِها : اعلمْ : أنَّ طبعَ الدُّنيا التلطُّفُ في الاستدراج أوَّلاً ، والتوصُّلُ إلى الإهلاكِ آخراً، وهيَ كامرأةٍ تتزيَّنُ للخطَّابِ ، حتَّى إذا نكحَتْهُمْ .. ذبحَتْهُمْ . وقدْ رُوِيَ أنَّ عيسى عليهِ السلامُ كُوشفَ بالدُّنيا ، فرآها في صورةِ عجوزٍ هتماءَ ، عليها مِنْ كلِّ زينةٍ، فقالَ لها : كمْ تزوجتِ ؟ قالَتْ : لا أحصيهِمْ ، قالَ : فكلُّهُمْ ماتَ عنكِ أوْ كلُّهُمْ طلقَكِ؟ قالَتْ: بلْ كلُّهُمْ قتلتُ ، فقالَ عيسى عليهِ السلامُ : بؤساً لأزواجِكِ الباقينَ كيفَ لا يعتبرونَ بأزواجِكِ الماضينَ ؟! كيفَ تهلكينَهُمْ واحداً بعدَ واحدٍ ولا يكونونَ منكِ على حذرٍ ؟!(٣) ـكن (١) تقدم أنه من قول سفيان الثوري . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٢٢) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٢٧). ٥٨ D2- ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا مثالٌ آخرُ الدُّنيا في مخالفةِ باطنِها لظاهرِها : اعلمْ : أنَّ الدُّنيا مزيَّنةُ الظَّواهرِ ، قبيحةُ السرائرِ ، وهيَ تشبهُ عجوزاً متزيّنةً تخدعُ الناسَ بظاهرِها ، فإذا وقفوا على باطنِها ، وكشفوا القناعَ عنْ وجهِها .. تمثلَتْ لهُمْ قبائحُها ، فندموا على اتباعِها ، وخجلوا مِنْ ضعفٍ عقولِهِمْ في الاغترارِ بظاهرِها . وقالَ العلاءُ بنُ زيادٍ : ( رأيتُ في المنام عجوزاً كبيرةً مُتَغضِّنةَ الجلدِ ، عليها مِنْ كلِّ زينةِ الدُّنيا ، والناسُ عُكُوفٌ عليها متعجِّبونَ ينظرونَ إليها ، فجئتُ ونظرتُ وتعجَّبتُ مِنْ نظرِهِمْ إليها ، وإقبالِهِمْ عليها ، فقلتُ لها : ويلَكِ ! مَنْ أنتِ ؟ قالَتْ: أوَما تعرفُني ؟! قلتُ : لا، ما أدري مَنْ أنتِ ، قالَتْ : فإنِّي أنَا الدُّنيا ، قلتُ : أعوذُ باللهِ مِنْ شرِّكِ ، قالَتْ : فإنْ أحببتَ أنْ تُعَاذَ مِنْ شرِّي .. فأبغضِ الدرهمَ)(١). وقالَ أبو بكرِ بنُ عياشِ : ( رأيتُ الدُّنيا في النوم عجوزاً مشوَّهةً شمطاءَ ، تصفِّقُ بيديها ، وخلفَها خلقٌ يتبعونَها يصفِّقونَ ويرقصُونَ ، فلمَّا كانَتْ بحذائِي .. أقبلَتْ عليَّ، فقالَتْ: لوْ ظفرتُ بكَ .. لصنعتُ بكَ ما صنعتُ بهؤلاءِ)، ثُمَّ بكى أبو بكرٍ ، وقالَ: (رأيتُ هذا قبلَ أنْ أقدمَ إلى بغدادَ)(٢) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٢٨). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٠). ٥٩ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات 14.15." وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ : قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( يُؤتى بالدُّنيا يومَ القيامةِ في صورةِ عجوزٍ شمطاءَ زرقاءَ ، أنيابُها باديةٌ ، مشوَّةٌ خَلْقُها ، فتشرفُ على الخلائقِ ، فيُقالُ: أتعرفونَ هذهِ ؟ فيقولونَ : نعوذُ باللهِ مِنْ معرفةِ هذهِ ، فيُقالُ : هذهِ الدُّنيا التي تناحرتُمْ عليها ، بها تقاطعتُمُ الأرحامَ، وبها تحاسدتُمْ وتباغضتُمْ واغتررتُمْ ، ثمَّ تُقُذفُ في جهنَّمَ ، فتنادي : أيْ ربِّ ؛ أينَ أتباعي وأشياعي ؟ فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : ألحقُوا بها أتباعَها وأشياعَها)(١) . وقالَ الفضيلُ : ( بلغَني أنَّ رجلاً ◌ُرِجَ بروحِهِ ؛ فإذا امرأةٌ على قارعةٍ الطريقِ ، عليها مِنْ كلِّ زينةٍ مِنَ الحليِّ والثيابِ ، وإذا لا يمرُّ بها أحدٌ إلاَّ جرحَتْهُ، وإذا هيَ أدبرَتْ .. كانَتْ أحسنَ شيءٍ رآهُ الناسُ ، وإذا أقبلَتْ .. كانَتْ أقبحَ شيءٍ رآهُ الناسُ ، عجوزٌ شمطاءُ، زرقاءُ عمشاءُ ، قالَ : فقلتُ : أعوذُ باللهِ منكِ ، قالَتْ: لا واللهِ؛ لا يعيذُكَ اللهُ منِّي حتَّى تبغضَ الدرهمَ ، قلتُ : مَنْ أنتِ ؟ قالَتْ: أنا الدُّنيا)(٢). مثالٌ آخرُ الدُّنيا وعبورِ الإنسانِ بها : اعلمْ : أنَّ الأحوالَ ثلاثةٌ : حالةٌ لمْ تكنْ فيها شيئاً ، وهيَ ما قبلَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) ( ١٢٣). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٢٤ ). ٦٠