النص المفهرس
صفحات 1-20
طبعةْ خَاصَّة بمناسبة مُرُور قمنعِ مِئَةِ سَنَةٍ على وفاة حَجّ الإسْلامِ الغَالِيّ ١١١١ - ٢٠١١ م الَّاء عَلَوْمِ الدّين 00 00 ـا حل ◌ِنَّ الُكُلُومُ الْدَيْن ع ٧ تأليف الإِمَامِ المُدِّدِ، حُجَّةِالإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ زَيْرِ الدّيْنِ، أَبِ حَتَامِدِ محُّدِ بْنِ مُحَدِ بْن مُحَمَّدٍ يْنِ أَحْمَدَ الغَزَالِيّ الطُّوْسِيّ الطَّابَرَانِيِ الشَّكَافِيّ رَضِىَاللهُعَنْهُ (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) - (١٠٥٨ - ١١١١ م ) رُبُعُ الْمُهْلِكَاتِ / القِسْمُ الثّاني كِتَابُ ذَعِ الدُّنْيَا - ذَمِّ الْمَالِ وَالبُخْلِ - ذَمِّ الْجَاهِ وَالرِّيَاءِ ذَمِ الكِبِرِ وَالعُجْبِ - ذَمِ الفُرُورِ المُجَلَّدُ السَّادِسُ دَارُ المُنَفَاة الطّبْعَة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١م جميع الحقوق محفوظة للناشر دَارُ المُنَفَاتِ لِلنشِرِ وَالتَّوَيع المملكة العربية السعودية - جدة حي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون هاتف رئيسي 6326666 - الإدارة 6300655 المكتبة 6322471 - فاكس 6320392 ص. ب 22943 - جدة 21416 www.alminhaj.com E-mail: info@alminhaj.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 50 - 1 حر حة. * 2 : بِسِْاللهِ الرَّمِ الرَّحِيَّةِ أَمَّنْ هُوَقَنْتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاحِدًا وَقَآَبِمَا تَخْذَرُ الْآَخِرَةَ وَبَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ إِنَّمَا يَتَذَّكَُّأُوْلُواْالْأَلْبَبِ كِتَابُ حَقّ الدُّنَا وهو الكتاب السادس من ربع المهلكات ٠ من كتب إحياء علوم الدين ٧ بـ ربع المهلكات کتاب ذم الدنا كتاب ذمّ الذّني بِسِْاللهِالرَّمِنِالرَّةِ الحمدُ للهِ الذي عرَّفَ أولياءَهُ غوائلَ الدُّنيا وآفاتِها، وكشفَ لهُمْ عنْ عيوبِها وعوراتِها ، حتَّى نظرُوا في شواهدِها وآياتِها ، ووَزَنُوا بحسناتِها سيّاتِها، فعلمُوا أنَّهُ يزيدُ مُنكَرُها على معروفِها ، ولا يفي مرجوُّها بِمَخُوفِها ، ولا يسلمُ طلوعُها مِنْ كسوفِها ، ولكنَّها في صورةِ امرأةٍ مليحةٍ تستميلُ الناسَ بجمالِها ، ولها أسرارُ سوءٍ قبائحُ تهلكُ الراغبينَ في وصالِها . ثمَّ هيَ فرَّارةٌ عنْ طلَّبِها، شحيحةٌ بإقبالِها، وإذا أقبلَتْ .. لمْ يُؤْمَنْ شرُّها ووبالُها ، إنْ أحسنَتْ ساعةً .. أساءَتْ سنَةً، وإن أساءَتْ مرَّةً .. جعلَتْها سُنَّةً ، فدوائرُ إقبالِها على التقاربِ دائرةٌ ، وتجارةُ بنيها خاسرةٌ بائرةٌ ، وآفاتُها على التَّوالي لصدورِ طلَّبِها راشقةٌ ، ومجاري أحوالِها بذلِّ طالبيها ناطقةٌ ؛ فكلُّ متعزِّزٍ بها إلى الذُّلِّ مصيرُهُ، وكلُّ متكبِّرٍ بها إلى التحتُّرِ مسيرُهُ . شأنُها الهربُ مِنْ طالبها ، والطلبُ لهارِبِها ، مَنْ خدمَها .. فاتتْهُ ، ومَنْ أعرضَ عنها .. واتّتْهُ، لا يخلُو صفوُها عَنْ شوائبِ الكُدوراتِ ، ولا ينفُ سرورُها عنِ المنغِّصاتِ ، سلامتُها تعقبُ السَّقَمَ، وشبابُها يسوقُ إلى ٩ @ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات الهرمِ ، ونعيمُها لا يثمرُ إلا الحسرةَ والندمَ . فهيَ خذَّاعةٌ مِكَّارَةٌ، طيّارةٌ فرَّارةٌ، لا تزالُ تتزيّنُ لطلاَّ بها، حتَّى إذا صاروا مِنْ أحبابِها .. كشرَتْ لهُمْ عن أنيابِها ، وشؤَّشَتْ عليهِمْ مناظمَ أسبابها ، وكشفَتْ لَهَمْ عنْ مكنونِ عجابِها، فأذاقتْهُمْ قواتلَ سِمامِها(١) ، ورشقَتْهُمْ بصوائبِ سِهامِها . بينما أصحابُها مِنْها في سرورٍ وإنعامٍ .. إذْ ولَّتْ عنهُمْ كأنَّها أضغاثُ أحلامٍ ، ثمَّ كرَّتْ عليهِمْ بدواهِيها ، فطحنَتْهُمْ طحنَ الحصيدِ ، ووارَتُهُمْ في أكفانِهِمْ تحت الصعيدِ، إنْ ملَّكَتْ واحداً منهُمْ جميعَ ما طلعَتْ عليهِ الشمسُ .. جعلَتْهُ حصيداً كأنْ لمْ يغنَ بالأمسِ ، تُمِنِّي أصحابَها سروراً ، وتعدُهُمْ غروراً ، حتَّى يأملونَ كثيراً ، ويبنونَ قصوراً ، فتصبحُ قصورُهُمْ قبوراً ، وجمعُهُمْ بوراً ، وسعيُهُمْ هباءً منثوراً، ودعاؤُهُمْ ثبوراً، هذهِ صفتُها، وكانَ أمرُ اللهِ قدراً مقدوراً . والصلاةُ على محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ المرسلِ إلى العالمينَ بشيراً ونذيراً ، وسراجاً منيراً ، وعلى مَنْ كانَ مِنْ أهلِهِ وأصحابِهِ لَهُ في الدينِ ظهيراً ، وعلى الظالمينَ نصيراً ، وسلَّمْ تسليماً كثيراً . أما بعد: فإنَّ الدنيا عدوَّةٌ للهِ، وعدوَّةٌ لأولياءِ اللهِ ، وعدوَّةٌ لأعداءِ اللهِ . (١) السِّمام: جمع سمٌّ. ((إتحاف)) (٧٨/٨). ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا أمَّا عداوتُها للهِ .. فإنَّها قطعَتِ الطريقَ على عبادِ اللهِ ، ولذلكَ لمْ ينظرِ اللّهُ إليها منذُ خلقَها . وأمَّا عداوتُها لأولياءِ اللهِ .. فإنَّها تزيَّنَتْ لهمْ بزينَتِها ، وعمَّتْهُمْ بزهرَتِها ونضارتها ، حتَّى تجرَّعُوا مرارةَ الصبرِ في مقاطعتِها . وأمَّا عداوتُها لأعداءِ اللهِ .. فإنَّها استدرجَتْهُمْ بمكرِها ومكيدتِها ، واقتنصَتْهُمْ بشبكتِها ، حتَّى وثِقُوا بها، وعوَّلُوا عليها، فخذلَتْهُمْ أحوجَ ما كانُوا إليها، فاجتنَوا مِنها حسرةً تتقطَّعُ دونَها الأكبادُ ، ثمَّ حرمَتْهُمُ السعادةَ أبدَ الآبادِ ؛ فهُمْ على فراقِها يتحسَّرونَ ، ومِنْ مكايدِها يستغيثُونَ فلا يُغاثونَ، بلْ يُقالُ لهُمْ: ﴿ أَخَْثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا بِلَآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَهُمْ يُصَرُونَ﴾. وإذا عظمَتْ غوائلُ الدُّنيا وشرورُها .. فلا بدَّ أوَّلاً مِنْ معرفةِ حقيقةِ الدُّنيا ، وما هيَ ، وما الحكمةُ في خلْقِها معَ عداوتِها ، وما مداخلُ غرورِها وشرورِها ؛ فإنَّ مَنْ لا يعرفُ الشَّرَّ . . لا يتقيهِ ، ويوشكُ أنْ يقعَ فيهِ . ونحنُ نذكرُ ذمَّ الدنيا ، وأمثلتَها ، وحقيقتَها ، وتفصيلَ معانيها ، وأصنافَ الأشغالِ المتعلّقةِ بها ، ووجهَ الحاجةِ إلى أصولِها ، وسببَ انصرافِ الخلقِ عنِ اللهِ بسببِ التشاغلِ بفضولِها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، وهوَ المعينُ على ما يرتضيهِ . کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات بيان ذمّ الذّني الآياتُ الواردةُ في ذمِّ الدُّنيا وأمثلتِها كثيرةٌ ، وأكثرُ القرآنِ مشتملٌ على ذمّ الدُّنيا ، وصرفِ الخلقِ عنها ، ودعوتِهِمْ إلى الآخرةِ ، بلْ هوَ مقصودُ الأنبياءِ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ ، ولمْ يُبعثُوا إلا لذلكَ . فلا حاجةً إلى الاستشهادِ بآياتِ القرآنِ لظهورِها ، وإنَّما نوردُ بعضَ الأخبارِ الواردةِ فيها . فقدْ رُويَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ منَّ على شاةٍ ميتةٍ فقالَ : ((أترونَ هذهِ الشَّاةَ هيّنةً على أهلِها؟ » قالُوا: مِنْ هوانِها ألقَوْها، قالَ: (( والذي نفسِي بيدِهِ ؛ للدنيا أهونُ على اللهِ تعالىُ مِنْ هَذِهِ الشاةِ على أهلِها ، ولو كانَتِ الدُّنيا تعدِلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ .. ما سقى كافراً مِنْها شربةً ماءٍ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الدُّنيا سجنُ المؤمن وجنَّةٌ الكافر))(٢) . (١) رواه الترمذي (٢٣٢١)، وابن ماجه (٤١١١) من حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه بنحوه ، ورواه ابن ماجه ( ٤١١٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وأفرد الجملة الأخيرة منه الترمذي (٢٣٢٠) من حديثه. (٢) رواه مسلم (٢٩٥٦). ١٢ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الدُّنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها ، إلا ما كان للهِ مِنْها))(١) . وقالَ أبو موسى الأشعريُّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ أحبَّ دنياهُ .. أضرَّ بآخرتِهِ، ومَنْ أحبَّ آخرتَهُ .. أضرَّ بدنياهُ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((حبُّ الدُّنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ))(٣). حن في حن وقالَ زيدُ بنُ أرقمَ : كنَّا معَ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ ، فدعا بشرابٍ ، فَأَتَيَ بماءٍ وعسلٍ ، فلمَّا أدناهُ مِنْ فيهِ .. بكىُ وبكىُ حتَّى أبكى أصحابَهُ ، فسكتُوا وما سكتَ ، ثمّ عادَ وبكىُ حتَّى ظُنُّوا أنَّهُمْ لا يقدرونَ على مسألتِهِ ، قالَ : ثمَّ مسحَ عينيهِ ، فقالُوا : يا خليفةَ رسولِ اللهِ ؛ ما أبكاكَ ؟ قالَ : كنتُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فرأيتُهُ يدفعُ عنْ نفسِهِ شيئاً ولمْ أَرَ معَهُ أحداً ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ ما الذي تدفعُ عنْ نفسِكَ ؟ قال : « هذهِ الدُّنيا مثُلَتْ لي ، فقلتُ لها : إليكِ عنِّي، ثمَّ رجعَتْ فقالَتْ: إنَّكَ إِنْ أفلثَّ مِنِّي .. لمْ يفلِتْ مِنِّي مَنْ بعدَكَ))(٤). (١) رواه الترمذي (٢٣٢٢)، وابن ماجه (٤١١٢)، وفيه: ((إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً )) . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٢/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٧٠٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٠٨/٤). .50 (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٩). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١١)، والبزار في (( مسنده )) (٤٤)، والحاكم = ١٣ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا عجباً كلَّ العجبِ للمصدِّقِ بدارِ الخلودِ وهوَ يسعىْ لدارِ الغرورِ !))(١). ورُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقفَ على مزبلةٍ ، فقالَ : ((هلمُّوا إلى الدُّنيا ))، وأخذ خرقاً قدْ بليَتْ على تلكَ المزبلةِ ، وعظاماً قد نِخِرَتْ فقالَ: ((هذهِ الدنيا))(٢)، وهذهِ إشارةٌ إلى أنَّ زينةَ الدنيا ستخلُقُ مثلَ تلكَ الخرقِ ، وأنَّ الأجسامَ التي تُرى بها ستصيرُ عظاماً باليةً . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الدُّنيا حلوةٌ خَضِرَةٌ ، وإنَّ اللهَ مستخلفُكُمْ فيها فناظرٌ كيفَ تعملونَ ، إنَّ بني إسرائيلَ لمَّا بُسِطَتْ لهمُ الدُّنيا ومُهِّدَتْ .. تاهُوا في الحليةِ والنِّساءِ والطِّيبِ والثَّابِ))(٣). وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( لا تتخذُوا الدُّنيا ربّاً فتتخذَكُمُ الدُّنيا عبيداً ، اكنزُوا كنزَكُمْ عندَ مَنْ لا يضيَّعُهُ ؛ فإنَّ صاحبَ كنزِ الدُّنيا يخافُ عليهِ الآفةَ ، وصاحبَ كنزِ اللهِ لا يخافُ عليهِ الآفةَ)(٤). = فى ((المستدرك)) (٣٠٩/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٣٩). (١) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٥٥٠٣)، وابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٥٦) عن أبي جعفر عبد الله بن مسور مرسلاً . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٩)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩٩٨٨) عن أبي ميمون اللخمي مرسلاً . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٢٠) عن الحسن مرسلاً ، ورواه بنحوه مسلم (٢٧٤٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣١). ١٤ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وقالَ عليهِ السلامُ : ( يا معشرَ الحوارِيِّينَ ، إنِّي قَدْ كَبَبتُ لكُمُ الدُّنيا على وجهها ، فلا تنعشُوها بعدي ؛ فإنَّ مِنْ خُبْثِ الدُّنيا أنْ عُصيَ اللهُ فيها ، وإنَّ مِنْ خُبْثِ الدُّنيا أنَّ الآخرةَ لا تُدرَكُ إلَّ بتركِها، ألاَ فاعبرُوا الدُّنيا ولا تعمرُوها، واعلموا أنَّ أصلَ كلِّ خطيئةٍ حبُّ الدُّنيا ، وربَ شهوةٍ أورثَتْ أهلَها حزناً طويلاً)(١) . وقالَ عليهِ السلامُ أيضاً : ( بطحتُ لكُمُ الدُّنيا وجلستُمْ على ظهرِها ، فلا ينازعُكُمْ فيها إلاَّ الملوكُ والنساءُ، فأمَّا الملوكُ .. فلا تنازعوهُمُ الدُّنيا ؛ فإِنَّهُمْ لنْ يَعرِضُوا لكُمْ ما تركتُمُوهُمْ ودنياهُمْ، وأمَّا النساءُ .. فاتقوهنَّ بالصومِ والصلاةٍ)(٢) . وقالَ عليهِ السلامُ أيضاً : ( الدُّنيا طالبةٌ ومطلوبةٌ ، فطالبُ الآخرةِ تطلبُه الدُّنيا، حتَّى يستكملَ فيها رزْقَهُ، وطالبُ الدُّنيا تطلبُهُ الآخرةُ حتَّى يجيءَ الموتُ فيأخذَهُ بعنِقِهِ )(٣). وقالَ موسىُ بنُ يسارِ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ جلَّ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٥/٨). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٣٤)، والدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ١٧٠ ). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٣٥)، ونحوه رواه الطبراني في « الكبير)) (١٦٢/١٠) مرفوعاً من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ١٥ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات ثناؤُهُ لمْ يَخلُقْ خلقاً أبغضَ إليهِ مِنَ الدُّنيا ، وإِنَّهُ منذُ خلَقَها لمْ ينظرْ إليها)) (١) . ورُوِيَ أنَّ سليمانَ بنَ داوودَ عليهِما السلامُ مرَّ في موكبهِ والطيرُ تظلُّهُ ، والجنُّ والإنسُ عنْ يمينِهِ ويسارِهِ ، قالَ : فمرَّ بعابدٍ مِنْ بني إسرائيلَ ، فقالَ: واللهِ يا بنَ داوودَ ؛ لقدْ آتَاكَ اللهُ ملكاً عظيماً، قالَ : فسمعَ سليمانُ فقالَ: لتسبيحةٌ في صحيفةِ مؤمنٍ خيرٌ ممَّا أُعطيَ ابنُ داوودَ ؛ فإنَّ ما أُعطيَ ابنُ داوودَ يذهبُ ، والتسبيحةُ تبقى(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ألهاكُمُ التَّكاثرُ ، يقولُ ابنُ آدَمَ : مالي مالي ، وهلْ لكَ مِنْ مالِكَ إلاَّ ما أكلتَ فأفنيتَ ، أَوْ لبستَ فأبليتَ ، أَوْ تصدَّقتَ فأمضَيتَ؟))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الدُّنيا دارُ مَنْ لا دارَ لهُ، ومالُ مَنْ لا مالَ لهُ، ولها يجمعُ مَنْ لا عقلَ لهُ، وعليها يعادي مَنْ لا علمَ عندَهُ، وعلَيْها يحسدُ مَنْ لا فقْهَ لَهُ، ولها يسعىُ مَنْ لا يقينَ لهُ))(٤). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٤٠) من حديث ابن يسار بلاغاً. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٤٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣١٣/٢). (٣) رواه مسلم (٢٩٥٨) . (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٧١/٦) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً ، مقتصراً على قوله صلى الله عليه وسلم : ((الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له))، وزاد ابن أبي الدنيا في روايته له في ((ذم الدنيا)) (١٨٢): (( ومال من لا مال له)). ١٦ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ أصبحَ والدُّنيا أكبرُ همِّهِ .. فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ ، وألزمَ اللهُ قلبَهُ أربعَ خصالٍ: همّاً لا ينقطعُ عنهُ أبداً، وشغلاً لا يتفرَّغُ مِنْهُ أبداً، وفقراً لا يبلغُ غناهُ أبداً، وأملاً لا يبلغُ منتهاهُ أبداً))(١) . وقالَ أبو هريرةَ : قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا أبا هريرةَ ؛ ألاَ أريكَ الدُّنيا جميعاً بما فيها؟)) فقلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ ، فأخذَ بيدي ، وأتى بي وادياً مِنْ أوديةِ المدينةِ ، فإذا مزبلةٌ فيها رؤوسُ أناسٍ، وعذراتٌ، وخرقٌ، وعظامٌ، ثمّ قالَ: (( يا أبا هريرةَ ؛ هذهٍ الرؤوسُ كانَتْ تحرصُ كحرصِكُمْ ، وتأملُ آمالَكُمْ ، ثمَّ هيَ اليومَ عظامٌ بلا جلدٍ ، ثمَّ هيَ صائرةٌ رماداً، وهذهِ العذِراتُ هيَ ألوانُ أطعمتِهِمْ ، اكتسبُوها مِنْ حيثُ اكتسبُوها ، ثمَّ قذفوها مِنْ بطونِهِمْ، فأصبحَتْ والنَّاسُ يتحامونَها ، وهذهِ الخِرَقُ الباليةُ كانَتْ رياشَهُمْ ولباسَهُمْ، فأصبحَتْ والرِّياحُ تصفِقُها ، وهذهِ العظامُ عظامُ دوابِّهِمُ التي كانُوا ينتجعُونَ عليها أطرافَ البلادِ ، فمنْ كانَ باكياً على الدُّنيا .. فليبكِ))، قالَ: فما برحنا حتَّى اشتدَّ بكاؤُنا(٢). جة (١) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٥٨١٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وبنحوه رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٥) عن شعيب بن صالح قال: ( قال عيسى ابن مريم عليه السلام : ما سكنت الدنيا قلب عبد إلا وأليط قلبه منها بثلاث ... ) ، فذكرها ، ولم يذكر الأولى من المثبت . (٢) قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٨٤/٨): (قال العراقي: لم أجد له أصلاً، قلت : لكن أورده صاحب (( القوت)) عن الحسن مرسلاً)، وأورده الحافظ عبد الحق الإشبيلي في (( العاقبة في ذكر الموت)) (٥٠). ١٧ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات ويُروىُ : أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لمَّا أهبطَ آدَمَ إلى الأرضِ .. قالَ لهُ : ابنِ للخرابِ ، ولِدْ للفناءِ (١). وقالَ داوودُ بنُ هلالٍ : ( مكتوبٌ في صحفِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ : يا دنيا ؛ ما أهونَكِ على الأبرارِ الذينَ تصنَّعتِ لهُمْ وتزيَّنتِ لهُمْ ، إنِّي قذفتُ في قلوبِهِمْ بغضَكِ والصدودَ عنكَ، وما خلقتُ خلقاً أهونَ عليَّ منكِ ، كلُّ شأنِكِ صغيرٌ ، وإلى الفناءِ تصيرينَ ، قضيتُ عليكِ يومَ خلقتُكِ ألاَّ تدومي لأحدٍ ، ولا يدومَ لكِ أحدٌ ، وإنْ بخلَ بكِ صاحبُكِ وشخَّ عليكِ ، طوبى للأبرارِ الذين أطلعُوني مِنْ قلوبِهِمْ على الرضا ، ومِنْ ضميرِهِمْ على الصِّدقِ والاستقامةِ ، طوبى لهُمْ ما لهُمْ عندي مِنَ الجزاءِ إذا وفدُوا إليَّ مِنْ قبورِهِمُ ، النورُ يسعىُ أمامَهُمْ، والملائكةُ حاقُّونَ بِهِمْ، حتَّى أبلْغَهُمْ ما يرجونَ مِنْ رحمتي )(٢) . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الدُّنيا موقُوفةٌ بينَ السَّماءِ والأرضِ منذُ خلقَها اللهُ تعالى لا ينظرُ إليها ، وتقولُ يومَ القيامةِ : يا ربِّ ؛ اجعلْنِي لأدنى أوليائِكَ نصيباً اليومَ، فيقولُ: اسكتي يا لا شيءَ، إِنِّي لمْ أرضَكِ لهُمْ في الدُّنيا ، أأرضاكِ لهُمُ اليومَ؟! »(٣). (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٥٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٦/٣) عن مجاهد أو غيره . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١١٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٥٨/١٠). (٣) كذا في ((القوت)) (٢٤٤/١)، وبنحوه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧/١) عن = ١٨ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا ورُوِيَ في أخبارِ آدمَ عليهِ السلامُ: أنَّهُ لمَّا أكلَ مِنَ الشجرةِ .. تحركَتْ معدتُهُ لخروج الثُّفْلِ ، ولمْ يكنْ ذلكَ مجعولاً في شيءٍ مِنْ أطعمةِ الجنةِ إلا في هذهِ الشجرةِ ، فلذلكَ نُهيا عنْ أكلِها ، قالَ : فجعلَ يدورُ في الجنَّةِ ، فأمرَ اللهُ تعالى ملكاً يخاطبُهُ ، فقالَ لهُ: قلْ لهُ : أيَّ شيءٍ تريدُ ؟ قالَ آدمُ : أريدُ أنْ أضعَ ما في بطني مِنَ الأذى ، فقيلَ للملكِ : قَلْ لهُ : في أيِّ مكانٍ تضعُهُ ؟! على الفُرُشِ ؟! أمْ على السُّرُرِ ؟! أمْ على الأنهارِ ؟! أمْ تحتَ ظلالٍ الأشجارِ ؟! هلْ ترى هلهنا موضعاً يصلحُ لذلك؟! ولكنِ اهبطْ إلى الدُّنيا (١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليجيئَنَّ أقْوامٌ يومَ القيامةِ وأعمالُهمْ كجبالٍ تهامةَ ، فيُؤْمِرُ بِهِمْ إلى النَّارِ ))، قالُوا: يا رسولَ اللهِ؛ مصلينَ؟ قالَ: ((نعمْ، كانُوا يصلُّونَ ويصومُونَ ، ويأخذونَ هنةٌ مِنَ الليلِ ، فإذا عرضَ لَهُمْ شيءٌ مِنَ الدُّنيا .. وثبُوا عليهِ))(٢). بحر وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بعضٍ خطبهِ : (( المؤمنُ بينَ مخافتينِ ؛ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروى ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٣٦٠) عن = أبي هريرة رضي الله عنه: ( الدنيا موقوفة ما بين السماء والأرض ، كالشنِّ البالي ، تنادي ربها منذ يوم خلقها إلى يوم يفنيها : يا رب ، يا رب ؛ لم تبغضني ؟ يا رب ، يا رب ؛ لم تبغضني ؟ فيقول لها : اسكتي يا لا شيء ، اسكتي يا لا شيء) . (١) قوت القلوب (٢٥٤/١) . (٢) رواه ابن الأعرابي في ((معجمه)) (١٨٦٥)، والديلمي في (( مسند الفردوس )) (٨٨٧٥) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) (١٧٧/١) عن سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه ، والهنة هنا: القليل. ١٩ ح کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات بينَ أجلٍ قدْ مضى لا يدري ما اللّهُ صانعٌ فيهِ ، وبينَ أجلٍ قدْ بقيَ لا يدري ما اللهُ قاضٍ فيهِ ، فليتزوَّدِ العبدُ مِنْ نفسِهِ لنفسِهِ، ومِنْ دنياهُ لآخرتِهِ ، ومِنْ حياتِهِ لموتِهِ ، ومِنْ شبابِهِ لهرمِهِ ؛ فإنَّ الدُّنيا خُلِقَتْ لكُمْ، وأنتُمْ خُلقتُمْ للآخرةِ ، والذي نفسي بيدهِ ؛ ما بعدَ الموتِ مِنْ مستعتبٍ ، ولا بعدَ الذُّنيا مِنْ دارٍ إلا الجنَّةُ أوِ النَّارُ))(١) . وقالَ عيسىُ عليهِ السلامُ : ( لا يستقيمُ حبُّ الدُّنيا والآخرةِ في قلبٍ مؤمنٍ، كما لا يستقيمُ الماءُ والنارُ في إناءٍ واحدٍ )(٢). ويُروى أنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ قالَ لنوحِ عليهِ السَّلامُ : يا أطولَ الأنبياءِ عمراً ؛ كيفَ وجدتَ الدُّنيا ؟ قالَ : كدارٍ لها بابانِ ، دخلتُ مِنْ أحدِهِما ، وخرجتُ مِنَ الآخرِ (٣). وقيلَ لعيسى عليهِ السَّلامُ: لوٍ اتخذتَ بيتاً يكُنُّكَ ، قالَ : يكفينا خُلْقَانٌ مَنْ كان قبلَنا(٤). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٩٠) عن الحسن مرسلاً، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٩٧) عن الحسن عن بعض الصحابة مرفوعاً، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٤٢٦١) من حديث جابر رضي الله عنه . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٧٦)، والدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٢٠٠) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٢٢٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٦٢ /٢٥٧ ) . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٢٩). ٢٠