النص المفهرس

صفحات 681-700

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
حسدٌ، وما حسدناكَ على تزويجِهِ إياكَ فاطمةً(١).
والمنافسةُ مشتقةٌ في اللغةِ مِنَ النفاسةِ ، والذي يدلُّ على إباحةٍ
المنافسةِ: قولُهُ تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُثَنَافِسُونَ﴾، وقال تعالى:
سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيِّكُمْ﴾.
وإنَّما المسابقةُ عندَ خوفِ الفوتِ ، وهوَ كالعبدينِ يتسابقانِ إلى خدمةِ
مولاهما ؛ إذْ يجزعُ كلُّ واحدٍ أن يسبقَهُ صاحبُهُ فيحظى عندَ مولاهُ بمنزلةٍ
لا يحظى هوَ بها .
جيرـ
3
كير
وكيفَ وقدْ صرَّحَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بذلكَ فقالَ :
((لا حسدَ إلاَّ في اثنتين: رجلٌ آتاهُ اللهُ مالاً، فسلَّطَهُ على هلكتِهِ في الحقِّ ،
ورجلٌ آتاهُ اللهُ علماً، فهوَ يعملُ بهِ ويعلِّمُهُ النَّاسَ))(٢).
ثُمَّ فسَّرَ ذلكَ في حديثٍ أبي كبشةَ الأنماريِّ فقالَ: (( مثلُ هذهِ الأمَّةِ مثلُ
أربعة رجال :
رجلٌ آتاهُ اللهُ مالاً وعلماً ، فهو يعملُ بعلمِهِ في مالِهِ .
ورجلٌ آتاهُ اللهُ علماً ولمْ يؤتِهِ مالاً ، فيقولُ ربُّ العلمِ : لوْ أنَّ لي مالاً مثلَ
مالٍ فلانٍ .. لكنتُ أعملُ فيهِ بمثلٍ عملِهِ ؛ فهما في الأجرِ سواءٌ )).
(١) رواه مسلم ( ١٠٧٢ ) بنحوه .
(٢) رواه البخاري (٧٣)، ومسلم ( ٨١٦).
٦٨١

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
حن
وهذا منهُ حبّ لأنْ يكونَ لهُ مثلُ مالِهِ فيعملَ مثلَ ما يعملُ مِنْ غیرِ حبِّ زوالٍ
النعمةِ عنهُ .
قالَ: ((ورجلٌ آتاهُ اللهُ مالاً ولم يؤتهِ علماً، فهوَ يُنفقُهُ في معاصِي اللهِ .
ورجلٌ لمْ يؤتِهِ اللهُ علماً ولمْ يؤتهِ مالاً ، فيقولُ : لوْ أنَّ لي مثلَ مالٍ
فلانٍ .. لكنْتُ أنفقُهُ في مثلِ ما أنفقَهُ فيهِ مِنَ المعاصي ؛ فهما في الوزْرِ
سواءٌ))(١) .
فذمَّهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ جهةِ تمنِّيهِ للمعصيةِ ، لا مِنْ جهةٍ
حبِّهِ أنْ يكونَ لَهُ مِنَ النعمةِ مثلُ مالِهِ .
فإذاً ؛ لا حرجَ على مَنْ يغبطُ غيرَهُ في نعمةٍ ويشتهي لنفسِهِ مثلَها ؛ مهما
لمْ يحبَّ زوالَها عنهُ ، ولمْ يكرَهْ دوامَها لهُ .
نعمْ ، إنْ كانَتْ تلكَ النعمةُ نعمةٌ دينِيَّةٌ واجبةً ؛ كالإيمانِ ، والصلاةِ ،
والزكاةِ .. فهذِهِ المنافسةُ واجبةٌ، وهوَ أنْ يحبَّ أنْ يكونَ مثلَهُ ؛ لأنَّهُ إنْ لمْ
يحبَّ ذلكَ .. فيكونُ راضياً بالمعصيةِ ، وذلكَ حرامٌ .
وإنْ كانَتِ النعمةُ مِنَ الفضائلِ ؛ كإنفاقِ الأموالِ في المكارمِ
والصدقاتِ .. فالمنافسةُ فيها مندوبٌ إليها ، وإنْ كانَتْ نعمةٌ يُتنقَمُ بها على
وجهٍ مباحٍ .. فالمنافسةُ فيها مباحةٌ .
كن حن حن حن جر كن جن حنحن حن
(١) رواه الترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه ( ٤٢٢٨).
قه
٦٨٢

ربع المهلكات
ےہ
كتاب الغضب والحقد
وكلُّ ذلكَ يرجعُ إلى إرادتِهِ مساواتَهُ واللحوقَ بهِ في النعمةِ ، وليسَ فيها
كراهةُ النعمةِ ، وكانَ تحتَ هذهِ النعمةِ أمرانِ :
أحدُهُما : راحةُ المنعَمِ عليهِ .
والآخرُ : ظهورُ نقصانِ غيرِهِ وتخلَّفِهِ عنهُ .
وهوَ يكرَهُ أحدَ الوجهينِ ، وهوَ تخلُّفُ نفسِهِ ، ويحبُّ مساواتَهُ لهُ ،
ولا حرجَ على مَنْ يكرهُ تخلُّفَ نفسِهِ ونقصانَها في المباحاتِ .
3
-
نعمْ، ذلكَ ينقصُ مِنَ الفضلِ ، ويناقضُ الزهدَ والتوكلَ والرضا ،
ويحجبُ عنِ المقاماتِ الرفيعةِ ، ولكنَّهُ لا يوجبُ العصيانَ .
وههنا دقيقةٌ غامضةٌ : وهيَ أنَّهُ إذا أيسَ مِنْ أنْ ينالَ مثلَ تلكَ النعمةِ وهوَ
يكرهُ تخلُّفَهُ ونقصانَهُ .. فلا محالَةَ يحبُّ زوالَ النقصانِ ، وإنَّما يزولُ نقصانُهُ
إمَّا بأنْ ينالَ مثلَ ذلكَ ، أوْ بأنْ تزولَ نعمةُ المحسودِ .
فإذا انسدَّ أحدُ الطريقينِ .. فيكادُ القلبُ لا ينفكُ عنْ شهوةِ الطريقِ
الآخرِ، حتَّى إذا زالَتِ النعمةُ عنِ المحسودِ .. كانَ ذلكَ أشهى عندَهُ مِنْ
دوامِها ؛ إذ بزوالِها يزولُ تخلّفُهُ وتقدُّمُ غيرِهِ ، وهذا لا يكادُ ينفكُّ القلبُ
عنهُ .
فإِنْ كانَ بحيثُ لوْ أُلقيَ الأمرُ إليهِ ورُدَّ إلى اختيارِهِ لسعى في إزالةِ النعمةِ
8 %
٦٨٣
ش5ان

كتاب الغضب والحقد
٢١٠
ربع المهلكات
عنهُ .. فهوَ حسودٌ حسداً مذموماً ، وإنْ كانَ تردعُهُ التقوىُ عنْ إزالةِ ذلكَ ..
فيُعفى عنهُ فيما يجدُهُ في طبعِهِ مِنِ ارتياحٍ إلى زوالِ النعمةِ عنْ محسودِهِ مهما
كَانَ كارهاً لذلكَ مِنْ نفسِهِ بعقلِهِ ودينِهِ ، ولعلَّهُ المعنيُّ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : (( ثلاثٌ لا ينفكُ المؤمنُ عنهنَّ: الحسدُ والظنُّ والطِّيَّرَةُ)).
ثمّ قالَ: (( ولهُ منهنَّ مخرجٌ، إذا حسدتَ .. فلا تبغ))(١) ؛ أيْ : إنْ
وجدتَ في قلبكَ شيئاً .. فلا تعملْ بهِ ، وبعيدٌ أنْ يكونَ الإنسانُ مريداً للحاقِ
بأخيهِ في النعمةِ فيعجزُ عنها ، ثمَّ ينفكُ عنْ ميلٍ إلى زوالِ النعمةِ ؛ إذْ يجدُ -
لا محالةً - لهُ ترجيحاً على داومِها .
فههذا الحدُّ مِنَ المنافسةِ يزاحمُ الحسدَ الحرامَ ، فينبغي أنْ يُحتاطَ منهُ ،
فإنَّهُ موضعُ الخطرِ ، وما مِنْ إنسانٍ إلَّ وهوَ يرىُ فوقَ نفسِهِ مِنْ معارفِهِ وأقرانِهِ
مَنْ يحبُّ أن يساويَهُ ، ويكادُ يجرُّهُ ذلكَ إلى الحسدِ المحظورِ إنْ لمْ يكنْ قويّ
الإيمانِ رزينَ التقوى .
ومهما كانَ محرِّكُهُ خوفَ التفاوتِ وظهورَ نقصانِهِ عنْ غيرِهِ .. جرّهُ ذلكَ
إلى الحسدِ المذمومِ ، وإلى ميلِ الطبعِ إلى زوالِ النعمةِ عنْ أخيهِ ، حتَّى ينزلَ
هوَ إلى مساواتِهِ إذْ لمْ يقدِرْ هوَ أَنْ يرتقيَ إلى مساواتِهِ بإدراكِ النعمةِ ؛ وذلكَ
٢
(١) رواه ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (٨/٢) عن إسماعيل بن أمية معضلاً، وفي
((الإتحاف)) (٥١/٨): (رواه ابن أبي الدنيا في كتاب (( ذم الحسد)) من حديث
أبي هريرة، وفيه يعقوب بن محمد الزهري، وموسى بن يعقوب ، ضعفهما الجمهور ).
ھزہ
٢
ـرتـ
٦٨٤
ـسـ.
aY

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
لا رخصةَ فيهِ أصلاً، بلْ هوَ حرامٌ ، سواءٌ كانَ في مقاصدِ الدينِ أوْ مقاصدِ
الدنيا ، ولكنْ يُعفى عنهُ في ذلكَ ما لمْ يعملْ بهِ إنْ شاءَ اللهُ، وتكونُ كراهتُهُ
لذلكَ مِنْ نفسِهِ كفارةً لهُ .
فهذهِ حقيقةُ الحسدِ وأحكامُهُ .
وأمَّا مراتبُهُ .. فأربعٌ :
الأُولى : أنْ يحبَّ زوالَ النعمةِ عنهُ وإنْ كانَتْ لا تنتقلُ إليهِ ، وهذا غايةٌ
الخبثِ .
الثانيةُ : أنْ يحبَّ زوالَ النعمةِ إليهِ ؛ لرغبتِهِ في تلكَ النعمةِ ، مثلُ رغبتِهِ
في دارٍ حسنةٍ ، أوِ امرأةٍ جميلةٍ ، أوْ ولايةٍ نافذةٍ واسعةٍ نالَها غيرُهُ ، وهوَ
يحبُّ أنْ تكونَ لهُ، ومطلوبُهُ تلكَ النعمةُ لا زوالُها عنهُ، ومكروهُهُ فقدُ
النعمةِ لا تنعُمُ غيرِهِ بها .
+۔۔
الثالثةُ: ألاَّ يشتهيَ عينَها ، بلْ يشتهي لنفسِهِ مثلَها ، فإنْ عجزَ عنْ
مثلِها .. أحبَّ زوالَها ؛ كي لا يظهرَ التفاوتُ بينهما .
الرابعةُ: أنْ يشتهيَ لنفسِهِ مثلَها ، فإِنْ لمْ يحصلْ .. فلا يحبُّ زوالَها
عنهُ .
وهذا الأخيرُ هوَ المعفوُّ عنهُ إنْ كانَ في الدنيا ، والمندوبُ إليهِ إنْ كانَ
٦٨٥

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
في الدينِ ، والثالثةُ فيها مذمومٌ وغيرُ مذموم ، والثانيةُ أخفُّ مِنَ الثالثةِ ،
والأولى مذمومٌ محضٌ .
وتسميةُ الثانيةِ حسداً فيهِ تجوُّزُ وتوسُّعٌ ، ولكنَّهُ مذمومٌ ، قالَ اللهُ تعالى :
﴿وَلَا تَثَمَثَّوْأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فتمِنِّيْهِ لمثلِ ذلكَ غيرُ
مذمومٍ ، وأمَّا تمنِّهِ عينَ ذلكَ .. فهوَ مذمومٌ .
ـكن
تن شن من حن حن خن حن
٦٨٦
ـكن

1
ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
بيان أسباب الحسد والمنافسة
أمَّا المنافسةُ .. فسببُها حبُّ ما فيهِ المنافسةُ ، فإنْ كانَ ذلكَ أمراً دينياً ..
فسببُهُ حبُّ اللهِ تعالى وحبُّ طاعتِهِ ، وإِنْ كانَ دنيوياً .. فسببُهُ حبُّ مباحاتٍ
الدنيا والتنعُمِ بها ، وإنَّما نظرُنا الآنَ في الحسدِ المذموم ، ومداخلُهُ كثيرةٌ
جدّاً ، ولكنْ يحصُرُ جملتَها سبعةُ أسبابٍ : العداوةُ، والتعزُّزُ ، والكبرُ ،
والتعُّبُ ، والخوفُ مِنْ فوتِ المقاصدِ المحبوبةِ ، وحبُّ الرئاسةِ ، وخبثُ
النّفْسِ وبخلُها .
0
ـحن
ـحن
45
فإنَّهُ إنَّما يكرَهُ النعمةَ على غيرِهِ إِمَّا لأنَّهُ عدوُّهُ ، فلا يريدُ لهُ الخيرَ ،
وهذا لا يختصُّ بالأمثالِ ، بلْ يحسُّدُ الخسيسُ الملِكَ؛ بمعنى: أنَّهُ يحبُّ
زوالَ نعمتِهِ ؛ لكونِهِ مبغضاً لهُ بسببٍ إساءتِهِ إليهِ أوْ إلى مَنْ يحِبُّهُ .
وإمَّا أنْ يكونَ مِنْ حيثُ يعلمُ أنَّهُ يستكبرُ بالنعمةِ عليهِ وهوَ لا يطيقُ احتمالَ
كبرِهِ وتفاخرِهِ لعزَّةِ نفسِهِ ، وهوَ المرادُ بالتعزُّزِ .
وإمَّا أنْ يكونَ في طبعِهِ أنْ يتكبّرَ على المحسودِ ، ويمتنعُ ذلكَ عليهِ
لنعمتِه ، وهوَ المرادُ بالتكثُرِ .
وإمَّا أنْ تكونَ النعمةُ عظيمةً والمنصبُ كبيراً ، فيتعجّبُ مِنْ فوزِ مثلِهِ بمثلٍ
تلكَ النعمةِ ، وهوَ المرادُ بالتعجُّبِ .
٦٨٧
كن حن حن حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
وإمَّا أنْ يخافَ مِنْ فواتِ مقاصدِهِ بسببٍ نعمتِهِ ؛ بأنْ يتوصَّلَ بها إلى
مزاحمتِهِ في أغراضِهِ .
وإمَّا أنْ يكونَ يحبُّ الرئاسةَ التي تنبني على الاختصاصِ بنعمةٍ لا يُساوى
فيها .
وإمَّا ألا يكونَ بسببٍ مِنْ هذِهِ الأسبابِ ، بلْ لخبثِ النفسِ وشحِّها
بالخيرِ لعبادِ اللهِ تعالى .
ولا بدَّ مِنْ شرحِ هذهِ الأسبابِ .
السببُ الأولُ : العداوةُ والبغضاءُ :
وهذا أشدُّ أسبابِ الحسدِ ، فإنَّ مَنْ آذاهُ إنسانٌ بسببٍ مِنَ الأسبابِ ،
وخالفَهُ في غرضِهِ بوجهٍ مِنَ الوجوهِ .. أبغضَهُ قلبُهُ ، وغضبَ عليهِ ، ورسخَ
في نفسِهِ الحقدُ ، والحقدُ يقتضي التشفِّيَ والانتقامَ .
فإنْ عجزَ المبغضُ عنْ أنْ يتشفَّى بنفسِهِ .. أحبّ أنْ يتشفَّى منهُ الزمانُ ،
وربَّما يحيلُ ذلكَ على كرامةِ نفسِهِ عندَ اللهِ ، فمهما أصابَتْ عدوَّهُ بلِيَّةٌ ..
فرحَ بها ، وظنَّ أنَّها مكافأةٌ لهُ مِنْ جهةِ اللهِ على بغضِهِ ، وأنَّها أصابَتْهُ
لأجلِهِ ، ومهما أصابَتْهُ نعمةٌ .. ساءَهُ ذلكَ؛ لأنَّهُ ضدُّ مرادِهِ ، وربَّما يخطرُ لهُ
أنَّهُ لا منزلةَ لهُ عندَ اللهِ ؛ حيثُ لمْ ينتقمْ لهُ مِنْ عدوِّهِ الذي آذاهُ ، بلْ أنعمَ
عليهِ .
٦٨٨

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وبالجملةِ : فالحسدُ يلزمُ البغضَ والعداوةَ ولا يفارقُهُما ، وإنَّما غايةٌ
التقيِّ ألاَّ يبغيَ ، وأنْ يكرهَ ذلكَ مِنْ نفسِهِ ، فأمَّا أنْ يبغضَ إنساناً ثمَّ يستويَ
عندَهُ مسرَّتُهُ ومساءتُهُ .. فهذا غيرُ ممكنٍ .
وهذا ما وصفَ اللهُ تعالى الكفارَ بهِ ؛ أعني : الحسدَ بالعداوةِ ؛ إِذْ قالَ
تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظْ قُلْ مُوتُواْ
بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ : ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ نَسُؤَّهُمْ ... ﴾ الآيةَ.
وكذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.
بہے
حن
والحسدُ بسببِ البغضِ ربَّما يفضي إلى التنازع والتقاتلِ ، واستغراقٍ
العمرِ في إزالةِ النعمةِ بالحيلِ، وبالسعايةِ، وهتكِ السترِ ، وما يجري
مجراهُ.
السببُ الثاني : التعزُّزُ :
وهوَ أن يثقُلَ عليهِ أنْ يترفَّعَ عليهِ غيرُهُ ، فإذا أصابَ بعضُ أمثالِهِ ولايةً أَوْ
علماً أوْ مالاً .. خافَ أنْ يتكبَّرَ عليهِ، وهوَ لا يطيقُ تكبِّرَهُ، ولا تسمحُ
نفسُهُ باحتمالٍ صَلِفِهِ وتفاخرِهِ عليهِ ، وليسَ مِنْ غرضِهِ أنْ يتكبِّرَ ، بلْ غرضُهُ
أنْ يدفَعَ كبرَهُ ، فإنَّهُ قدْ رضيَ بمساواتِهِ مثلاً، ولكنْ لا يرضى بترقُّعِهِ
عليهِ .
تي
ش
٦٨٩
حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
السببُ الثالثُ : الكبرُ :
وهوَ أنْ يكونَ في طبعِهِ أنْ يتكبَّرَ عليهِ ، ويستصغرَهُ ويستخدمَهُ ، ويتوقَّعَ
منهُ الانقيادَ لهُ، والمتابعةَ في أغراضِهِ ، فإذا نالَ نعمةً .. خافَ ألا يحتملّ
تكبِّرَهُ ، ويترفعَ عنْ متابعتِهِ ، أَوْ ربَّما يتشوَّفُ إلى مساواتِهِ ، أَوْ إلى أنْ يرتفعَ
عليهِ ، فيعودَ متكبراً بعدَ أنْ كانَ متكبَّراً علیهِ .
وَمِنَ التعزُّزِ والتكبِّرِ كانَ حسدُ أكثرِ الكفارِ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ؛ إذْ قالُوا: كيفَ يتقدَّمُ علينا غلامٌ يتيمٌ؟!(١).
وكيفَ نطأطىءُ لهُ رؤوسَنا؟! فقالُوا: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ
اَلْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أيْ: كانَ لا يثقلُ علينا أنْ نتواضعَ لهُ ونتَّعَهُ إذا كانَ
عظيماً(٢) .
وقالَ اللهُ تعالى يصفُ قولَ قريشِ: ﴿أَهَؤُلَاءٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ يَيْنِنَا ﴾
حـ
(١) إذ روى ابن سعد في ((طبقاته)) (١٣٩/١) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعثت
قريش النضر بن الحارث بن علقمة وعقبة بن أبي معيط وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا
لهم : سلوهم عن محمد ، فقدموا المدينة فقالوا : أتيناكم لأمر حدث فينا ، منا غلام
يتيم حقير يقول قولاً عظيماً ، يزعم أنه رسول الرحمن ، ولا نعرف الرحمن إلا رحمان
اليمامة ، قالوا : صفوا لنا صفته ، فوصفوا لهم ، قالوا : فمن تبعه منكم ؟ قالوا :
سفلتنا ، فضحك حبرٌ منهم وقال : هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له
عداوة .
ـكن
حن
(٢) والمراد بالقريتين: مكة والطائف ، واختلفوا في تعيين المراد بالرجل في الآية . انظر
((تفسير الطبري)) ( ٧٩/٢٥/١٣) .
ـدن
مدن
متر
٦٩٠
حن

ـث
ربع المهلكات
حن ض
كتاب الغضب والحقد
کالاستحقارِ لهمْ والأنفة منھُمْ(١)
السببُ الرابعُ : التعجُّبُ :
كما أخبرَ اللهُ تعالى عنِ الأمم السالفةِ؛ إذْ قالُوا: ﴿ مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ
مِثْلُنَا﴾ .
وقالُوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾، ﴿ وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا
أَخَسِرُونَ﴾، فتعجَّبُوا مِنْ أنْ يفوزَ برتبةِ الرسالةِ والوحي والقربِ مِنَ اللهِ
بشرٌ مثلُهُمْ، فحسدُوهُمْ، وأحبُّوا زوالَ النبوَّةِ عنهُمْ ؛ جزعاً أنْ يفضلَ عليهِمْ
مَنْ هوَ مثلُهُمْ في الخلقةِ ، لا عنْ قصدِ تكثُّرٍ ، وطلبٍ رئاسةٍ ، وتقدّم
عداوةٍ ، أوْ سببٍ آخرَ مِنْ سائرِ الأسبابِ .
وقالُوا متعجّبِينَ: ﴿أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًّا زَّسُولًا﴾، وقالُوا: ﴿ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا
اُلْمَلَتِكَةُ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّيَّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
مِنْكُمْ ... ) الآيةَ .
يسســ
السببُ الخامسُ : الخوفُ مِن فوتِ المقاصدِ :
وذلكَ يختصُّ بمتزاحمينٍ على مقصودٍ واحدٍ ، فإنَّ كلَّ واحدٍ يحسُدُ
(١) يشيرون إلى من اتبعه صلى الله عليه وسلم من المؤمنين ، حملهم على ذلك التعزز
والكبر والجبروت. ((إتحاف)) (٦٥/٨) .
٦٩١
من حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
صاحبَه على كلِّ نعمةٍ تكونُ عوناً لَهُ في الانفرادِ بمقصودِهِ ، ومِنْ هذا الجنسِ
تحاسدُ الضَّرَّاتِ في التزاحمِ على مقاصدِ الزوجيّةِ ، وتحاسدُ الإخوةِ في
التزاحمٍ على نيلِ المنزلةِ في قلبِ الأبوينِ ؛ للتوصُّلِ بهِ إلى مقاصدِ الكرامةِ
والمالِ .
وكذلكَ تحاسدُ التلميذينِ لأستاذٍ واحدٍ في نيلِ المنزلةِ في قلبِ الأستاذِ ،
وتحاسدُ ندماءِ الملكِ وخواصِّهِ على نيلِ المنزلةِ مِنْ قلبِهِ ؛ للتوصُّلِ بهِ إلى
الجاهِ والمالِ .
وكذلكَ تحاسدُ الواعظينِ المتزاحمينِ على أهلِ بلدةٍ واحدةٍ ، إذا كانَ
غرضُهما نيلَ المالِ منَ القبولِ عندَهُمْ ، وكذلكَ تحاسدُ العالمينِ المتزاحمينِ
على طائفةٍ مِنَ المتفقِّهةِ محصورينَ ؛ إذْ يطلبُ كلُّ واحدٍ منزلةً في قلوبِهِمْ ؛
للتوصُّلِ بِهِمْ إلى أغراضٍ لهُ .
السببُ السادسُ : حبُّ الرئاسةِ ، وطلبُ الجاهِ لنفسِهِ مِنْ غيرِ توصُّلٍ بِهِ إلى
مقصودٍ :
وذلكَ كالرجلِ الذي يريدُ أنْ يكونَ عديمَ النظيرِ في فنٌّ مِنَ الفنونِ ، إذا
غلبَ عليهِ حتُّ الثناءِ ، واستفزَّهُ الفرحُ بما يُمدحُ بهِ مِنْ أنَّهُ واحدُ الدهرِ وفريدُ
العصرِ في فنِّهِ ، وأَنَّهُ لا نظيرَ لهُ ، فإنَّهُ لوْ سمعَ بنظيرٍ لهُ في أقصى العالمِ ..
ساءَهُ ذلكَ ، وأحبّ موتَهُ ، أَوْ زوالَ النعمةِ التي بها يشاركُهُ في المنزلةِ ؛ مِنْ
٦٩٢

ربع المهلكات
جدية
كتاب الغضب والحقد
شجاعةٍ ، أوْ علم ، أوْ عبادةٍ ، أَوْ صناعةٍ ، أَوْ جمالٍ ، أَوْ ثروةٍ ، أَوْ غيرِ
ذلكَ ممَّا يتفرَّدُ هوَ بهِ ، ویفرحُ بسببٍ تفرُّدِهِ .
وليسَ السببُ في هذا عداوةً ، ولا تعزُّزاً ، ولا تكبراً على المحسودِ ،
ولا خوفاً مِنْ فواتِ مقصودٍ ، سوى محضٍ الرئاسةِ بدعوى الانفرادِ ، وهذا
وراءَ ما بينَ آحادِ العلماءِ مِنْ طلبِ الجاهِ والمنزلةِ في قلوبِ الناسِ للتوصُّلِ
إلى مقاصدَ سوى الرئاسةِ .
وقدْ كانَ علماءُ اليهودِ ينكرونَ معرفةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
ولا يؤمنونَ بهِ ؛ خيفةً مِنْ أنْ تبطلَ رئاستُهُمْ واستتباعُهُمْ مهما نُسِخَ علمُهُمْ .
السببُ السابعُ : خبثُ النفسِ وشُها بالخيرِ لعبادِ الله تعالی :
فإنَّكَ تجدُ مَنْ لا يشتغلُ برئاسةٍ ولا تكبرٍ ولا طلبٍ مالٍ ، إِذا وصِفَ عندَهُ
حسنُ حالِ عبدٍ مِنْ عبادِ اللهِ فيما أنعمَ اللهُ بهِ عليهِ .. شقَّ عليهِ ذلكَ .
وإذا وُصِفَ لهُ اضطرابُ أمورِ الناسِ ، وإدبارُهُمْ ، وفواتُ مقاصدِهمْ ،
وتنغُّصُ عيشِهِمْ .. فرحَ بهِ ، فهوَ أبداً يحبُّ الإدبارَ لغيرِهِ ، ويبخلُ بنعمةِ اللهِ
على عبادِهِ ، كأنَّهُم يأخذونَ ذلكَ مِنْ ملکِهِ و خزانتِهِ .
ويُقالُ : البخيلُ : مَنْ يبخلُ بمالِ نفسِهِ ، والشحيحُ : هوَ الذي يبخلُ بمالٍ
غيرِهِ ، فهذا يبخلُ بنعمةِ اللهِ تعالى على عبادِهِ الذينَ ليسَ بينَهُ وبينهُمْ عداوةٌ
ولا رابطةٌ ، وهذا ليسَ لهُ سببٌ ظاهرٌ إلا خبثٌ في النفسِ ، ورذالةٌ في الطبع ،
٢٢٠٠
٦٩٣

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
عليهِ وقعَتِ الجبلَّةُ، ومعالجتُهُ شديدةٌ ؛ لأنَّ الحسدَ الثابتَ بسائرِ الأسبابِ
أسبابُهُ عارضةٌ يُتصوَّرُ زوالُها ، فيطمعُ في إزالتِها ، وهُذا خبثٌ في الجبلَّةِ ،
لا عنْ سببٍ عارضٍ؛ فتعسرُ إزالتُهُ؛ إذْ يستحيلُ في العادةِ إِزالتُهُ .
فهذهِ هِيَ أسبابُ الحسدِ ، وقدْ يجتمعُ بعضُ هذِهِ الأسبابِ أوْ أكثرُها أوْ
جميعُها في شخصٍ واحدٍ فيعظمُ فيهِ الحسدُ بذلكَ ، ويقوىُ قوَّةً لا يقدرُ معها
على الإخفاءِ والمجاملةِ ، بلْ يهتكُ حجابَ المجاملةِ ، ويظهرُ العداوةَ
بالمكاشفةِ ، وأكثرُ المحاسداتِ تجتمعُ فيها جملةٌ مِنْ هذهِ الأسبابِ ،
وقلَّما يتجرَّدُ سببٌ واحدٌ منها .
ثر حن جن جن عن حق حن
C.
حن حن
٦٩٤
دن.

ـن؟
ربع المهلكات
حميد
كتاب الغضب والحقد
بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والإخوة وبني العمة
والأقارب وتأكده وقلّمته في غير م وضعفه
اعلمْ : أَنَّ الحسدَ إنَّما يكثرُ بينَ قومِ تكثرُ بينهُمُ الأسبابُ التي ذكرناها ،
وإنَّما يقوىُ بينَ قوم تجتمعُ فيهِمْ جملةٌ مِنْ هذهِ الأسبابِ وتتظاهرُ ؛ إذ
الشخصُ الواحدُ يجوزُ أنْ يحسدَ ؛ لأنَّهُ يمتنعُ عنْ قبولِ التكتُّرِ، ولأنَّهُ
يتكبّرُ ، ولأنَّهُ عدوٌّ، ولغيرِ ذلكَ مِنَ الأسبابِ .
وهذهِ الأسبابُ إنَّما تكثرُ بينَ أقوام تجمعُهُمْ روابطَ يجتمعونَ بسببها في
و
مجالسِ المخاطباتِ ، ويتواردونَ على الأغراضِ .
فإذا خالفَ واحدٌ صاحبَهُ في غرضٍ مِنْ أغراضِهِ .. نفرَ عنهُ طبعُهُ،
وأبغضَهُ ، وثبتَ الحقدُ في قلبِهِ ، فعندَ ذلكَ يريدُ أنْ يستحقرَهُ ويتكبَّرَ
عليهِ ، ويكافئَهُ على مخالفتِهِ لغرضِهِ ، ويكرهُ تمكُّنَهُ مِنَ النعمةِ التي توصلُهُ
إلى أغراضِهِ ، وتترادفُ جملةٌ مِنْ هذهِ الأسبابِ ؛ إذْ لا رابطةَ بينَ
شخصينٍ في بلدتينِ متنائيتينٍ ؛ فلا يكونُ بينَهما محاسدةٌ ، وكذلكَ في
محلَّتين .
نعمْ ، إذا تجاورا في مسكنٍ ، أوْ سوقٍ ، أَوْ مسجدٍ ، أوْ مدرسةٍ ..
تواردا على مقاصدَ تتناقضُ فيها أغراضُهُما ، فيثورُ مِنَ التناقضِ التنافرُ
والتباغضُ ، ومنهُ تثورُ بقيَّةُ أسبابِ الحسدِ ، فلذلكَ ترى العالمَ يحسدُ العالمَ
٦٩٥
حن حن
جي حن
من
ئن
من
٤
حن حن حن
حن
ـيم
،فان+ مان. و٨

كتاب الغضب والحقد
ـثر
ربع المهلكات
دونَ العابدِ ، والعابدُ يحسدُ العابدَ دونَ العالم ، والتاجرُ يحسدُ التاجرَ ، بلِ
الإسكافُ يحسدُ الإسكافَ ، ولا يحسدُ البزَّازَ إلاَّ بسببٍ آخرَ سوى الاجتماع
في الحرفةِ، ويحسدُ الرجلُ أخاهُ وابنَ عمِّهِ أكثرَ ممَّا يحسدُ الأجانبَ ،
والمرأةُ تحسُّدُ ضرَّتَها وسُرِّيَّةَ زوجِها أكثرَ مما تحسُّدُ أَمَّ الزوج وابنتَهُ ؛ لأنَّ
مقصدَ البزَّازِ غيرُ مقصدِ الإسكافِ ؛ فلا يتزاحمونَ على المقاصدِ ؛ إِذْ مقصدُ
البزَّازِ الثروةُ، ولا يحصِّلُها إلا بكثرةِ الزبونِ، وإنَّما ينازعُهُ فيهِ بزَّازٌ آخرُ ؛ إذْ
حَرِيفُ البزَّازِ لا يطلبُهُ الإسكافُ (١)، بلِ البزَّازُ، ثمَّ مزاحمةُ البزَّازِ المجاورِ
لهُ أكثرُ مِنْ مزاحمةِ البعيدِ عنهُ إلى طرفِ السوقِ ؛ فلا جرمَ يكونُ حسدُهُ
للجار أكثرَ .
وكذلكَ الشجاعُ يحسدُ الشجاعَ ، ولا يحسدُ العالمَ ؛ لأنَّ مقصدَهُ أنْ
يُذكرَ بالشجاعةِ ، ويُشتهرَ بها ، وينفردَ بهذِهِ الخصلةِ ، ولا يزاحمُهُ العالمُ
على هذا الغرضِ ، وكذلكَ يحسُدُ العالمُ العالمَ ، ولا يحسدُ الشجاعَ ، ثمَّ
حسدُ الواعظِ للواعظِ أكثرُ مِنْ حسدِهِ للفقيهِ والطبيبِ ؛ لأنَّ التزاحمَ بينَهُما
على مقصودٍ واحدٍ أخصَّ .
مان
ـون
فأصلُ هذهِ المحاسداتِ العداوةُ ، وأصلُ العداوةِ التزاحمُ بينهما على
غرضٍ واحدٍ ، والغرضُ الواحدُ لا يجمعُ متباعدينِ بلْ متناسبينٍ ؛ فلذلكَ
يكثرُ الحسدُ بينهُما .
نشر
(١) الحريف: المعامل، والجمع حرفاء؛ كشريف وشرفاء. ((إتحاف)) (٦٧/٨).
ضاء
٦٩٦
تعـ
ت*

ربع المهلكات
حن
كتاب الغضب والحقد
نعمْ، مَنِ اشتدَّ حرصُهُ على الجاهِ ، وأحبَّ الصيتَ في جميع أطرافِ
العالمٍ بما هوَ فيهِ .. فإنَّهُ يحسُدُ كلَّ مَنْ هوَ في العالم - وإنْ بعدَ - ممَّنْ يساهمُهُ
في الخصلةِ التي يتفاخرُ بها .
ومنشأُ جميع ذلكَ حبُّ الدنيا ؛ فإنَّ الدنيا هيَ التي تضيقُ على
المتزاحمينَ ، أمَّا الآخرةُ .. فلا ضيقَ فيها، وإنَّما مثالُ الآخرةِ نعمةُ العلمِ ،
فلا جرمَ مَنْ يحبُّ معرفةَ اللهِ تعالى ، ومعرفةَ صفاتِهِ ، وملائكتِهِ ، وأنبيائِهِ ،
وملكوتِ أرضِهِ وسمائِهِ .. لمْ يحسُدْ غيرَهُ إذا عرفَ ذلكَ أيضاً ؛ لأنَّ المعرفةَ
لا تضيقُ عنِ العارفينَ، بلِ المعلومُ الواحدُ يعرفُهُ ألفُ ألفِ عالمٍ ، ويفرحُ
بمعرفتِهِ ، ويلْتَذَّ بهِ ، ولا تنقصُ لذَّهُ واحدٍ بسببٍ غيرِهِ ، بلْ يحصُلُ بكثرةٍ
العارفينَ زيادةُ الأنسِ ، وثمرةُ الإفادةِ والاستفادةِ ؛ فلذلكَ لا يكونُ بينَ
علماءِ الدينِ محاسدةٌ ؛ لأنَّ مقصودَهُمْ معرفةُ اللهِ تعالى، وهوَ بحرٌ واسعٌ
لا ضيقَ فيهِ ، وغرضُهُمْ المنزلةُ عندَ اللهِ تعالى ، ولا ضيقَ أيضاً فيما عندَ اللهِ
تعالى ؛ لأنَّ أجملَ ما عندَ اللهِ مِنَ النعيمِ لذّةُ لقائِهِ ، وليسَ فيهِ ممانعةٌ
ومزاحمةٌ ، ولا يضيِّقُ بعضُ الناظرينَ على بعضٍ ، بلْ يزيدُ الأنسُ
بکثرتھمْ .
سسسسسس
نعمْ، إذا قصدَ العلماءُ بالعلم المالَ والجاهَ .. تحاسدوا ؛ لأنَّ المالَ هوَ
أعيانٌ وأجسامٌ ، إذا وقعَتْ في يدٍ واحدٍ .. خلَتْ عنها يدُ الآخرِ، ومعنى
الجاهِ : ملكُ القلوبِ ، ومهما امتلأ قلبُ شخصٍ بتعظيمٍ عالمٍ .. انصرفَ
٦٩٧
حن حي جن جن حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
عنْ تعظيمِ الآخرِ أوْ نقصَ عنهُ لا محالةَ ، فيكونُ ذلكَ سبباً للمحاسدةِ ، وإذا
امتلأَ قلبٌ بالفرح بمعرفةِ اللهِ تعالى .. لمْ يمنعْ ذلكَ أنْ يمتلىءَ قلبُ غیرِهِ
بها ، وأنْ يفرحَ بذلكَ .
ـن؟
فالفرقُ بينَ العلم والمالِ : أنَّ المالَ لا يحُلُّ في يدٍ ما لمْ يرتحلْ عنِ اليدِ
الأخرى ، والعلمُ في قلبِ العالمِ مستقرٍّ ، ويحلُّ في قلبٍ غيرِهِ بتعليمِهِ مِنْ
غيرِ أنْ يرتحلَ عنْ قلبِهِ ، وأنَّ المالَ أجسامٌ وأعيانٌ ولها نهايةٌ ، فلوْ ملكَ
الإنسانُ جميعَ ما في الأرضِ .. لمْ يبقَ بعدَهُ مالٌ يتملَّكُهُ غيرُهُ، والعلمُ
لا نهايةَ لهُ، ولا يُتصوَّرُ استيعابُهُ، فَمَنْ عوَّدَ نفسَهُ الفكرَ في جلالِ اللهِ
وعظمتِهِ وملكوتِ أرضِهِ وسمائِهِ .. صارَ ذلكَ ألذَّ عندَهُ مِنْ كلِّ نعيمٍ ، ولمْ
يكنْ ممنوعاً منهُ، ولا مُزاحَماً فيه ، فلا يكونُ في قلبهِ حسدٌ لأحدٍ مِنَ
الخلقِ؛ لأنَّ غيرَهُ أيضاً لوْ عرفَ مثلَ معرفتِهِ .. لمْ ينقصْ مِنْ لذّتِهِ ، بلْ
زادَتْ لذّتُهُ بمؤانستِهِ ، فتكونُ لذّهُ هؤلاءِ في مطالعةِ عجائبِ الملكوتِ على
الدوامِ أعظمَ مِنْ لذةِ مَنْ ينظرُ إلى أشجارِ الجنَّةِ وبساتينِها بالعينِ الظاهرةِ ؛
فإنَّ نعيمَ العارفِ وجَّتَهُ معرفتُهُ التي هيَ صفةٌ ذاتِهِ ، يأمنُ زوالَها، وهوَ أبداً
يجني ثمارَها ، فهوَ بروحِهِ وقلبهِ متغذّ بفاكهةِ علمِهِ ، وهيَ فاكهةٌ غيرُ
مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ ، بلْ قطوفُها دانيةٌ ، فهوَ وإنْ غمضَ العينَ الظاهرةَ ..
فروحُهُ أبداً ترتعُ في جنةٍ عاليةٍ ، ورياضٍ زاهرةٍ ، فإِنْ فُرِضَ كثرةٌ في
العارفينَ .. لمْ يكونُوا متحاسدينَ ، بلْ كانُوا كما قالَ فيهمْ ربُّ العالمينَ :
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُنَقَِلِينَ﴾، فهذا حالُهُمْ وَهُمْ
حن حن كل من أن أن
٦٩٨
٥٠%

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
بعدُ في الدنيا ، فماذا يُظْنُّ بِهِمْ عندَ انكشافِ الغطاءِ ومشاهدةِ المحبوبِ في
العُقبى ؟!
ٹں
فإذاً ؛ لا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ في الجنةِ محاسدةٌ ، ولا أنْ يكونَ بينَ أهلِ
الجنةِ في الدنيا محاسدةٌ ؛ لأنَّ الجنَّةَ لا مضايقةً ولا مزاحمةَ فيها ، ولا تُنالُ
إلا بمعرفةِ اللهِ تعالى ، التي لا مزاحمةَ فيها في الدنيا أيضاً ، فأهلُ الجنةِ
بالضّرورةِ برآءُ مِنَ الحسدِ في الدنيا والآخرةِ جميعاً ، بلِ الحسدُ مِنْ صفاتٍ
المبعدينَ عنْ سعةٍ عَلَّيِّينَ إلى مضيقِ سجينٍ ، ولذلكَ وُسِمَ بهِ الشيطانُ
اللعينُ، وذُكرَ مِنْ صفاتِهِ أنَّهُ حسدَ آدَمَ على ما خُصَّ بهِ مِنَ الاجتباءِ ، ولمَّا
دُعِيَ إلى السجودِ .. استكبرَ وأبى ، وتمردَّ وعصى .
فقدْ عرفتَ أنَّهُ لا حسدَ إلا للتواردِ على مقصودٍ يضيقُ عنِ الوفاءِ بالكلِّ ،
ولهذا لا ترى الناسَ يتحاسدُونَ على النظرِ إلى زينةِ السماءِ ، ويتحاسدونَ
على البساتينِ التي هيَ جزءٌ يسيرٌ مِنْ جملةِ الأرضِ ، وكلُّ الأرضِ لا وزنَ لها
بالإضافةِ إلى السماءِ ، ولكنَّ السماءَ لسعةِ الأقطارِ وافيةٌ بجميع الأبصارِ ،
فلمْ يكنْ فيها تزاحمٌ ولا تحاسدٌ أصلاً .
فعليكَ - إنْ كنتَ بصيراً وعلى نفسكَ مشفقاً - أنْ تطلبٌ نعيماً لا زحمةً
فيهِ ، ولذةً لا مكدِّرَ لها ، ولا يُوجدُ ذلكَ في الدنيا إلا في معرفةِ اللهِ تعالى ،
ومعرفةِ صفاتِهِ وأفعالِهِ ، وعجائبِ ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، ولا يُنالُ
٢٠
٦٩٩

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
ذلكَ في الآخرةِ إلا بهذهِ المعرفةِ أيضاً ، فإنْ كنتَ لا تشتاقُ إلى معرفةِ اللهِ
تعالىُ، ولمْ تجدْ لذَّتَها ، وفترَ عنكَ رأيُكَ، وضعفَتْ فيها رغبتُكَ .. فأنتَ
في ذلكَ معذورٌ ؛ إذِ العنِّينُ لا يشتاقُ إِلى لذَّةِ الوقاعِ ، والصبيُّ لا يشتاقُ إلى
لذةِ الملكِ ، فإنَّ هذهِ لذاتٌ يختصُّ بإدراكِها الرجالُ دونَ الصبيانِ
والمخنثينَ ، فكذلكَ لذةُ المعرفةِ يختصُّ بإدراكِها الرجالُ، ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ
تَخَرَةٌ وَلَا بَيْعُّ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ولا يشتاقُ إلى هذهِ الذَّةِ غيرُهُمْ؛ لأنَّ الشوقَ بعدَ
الذوقِ، ومَنْ لمْ يذقْ .. لمْ يعرِفْ، ومَنْ لمْ يعرِفْ .. لمْ يشتَقْ، ومَنْ لمْ
يشتَقْ .. لمْ يطلُبْ، ومَنْ لمْ يطلُبْ .. لمْ يدرِكْ، ومَنْ لمْ يدرِكْ .. بقيَ معَ
المحرومينَ في أسفلِ السافلينَ، ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الَّحْمِنِ نُقَيِّضْ لَمُ شَيْطَنَّا فَهُوَ
لَمُ قَرِينٌ﴾ .
ربك
٧٠٠
ـت