النص المفهرس

صفحات 641-660

قات
ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وقالَ قومٌ: تجوزُ المقابلةُ بما لا كذبَ فيهِ ، ونهيُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
عنْ مقابلةِ التعييرِ بمثلِهِ نهيُّ تنزيهِ ، والأفضلُ تركُهُ ، ولكنَّهُ لا يعصي بهِ .
چنے.
والذي يُرخَّصُ فيهِ أنْ تقولَ : مَنْ أنتَ؟ وهلْ أنتَ إلاَّ مِنْ بني فلانٍ(١)؛
كما قالَ سعدٌ لابنِ مسعودٍ : وهلْ أنتَ إلاَّ مِنْ بني هذيلِ ؟ فقالَ ابنُ مسعودٍ :
وهلْ أنتَ إلاَّ مِنْ بني أميّةَ ؟
ومثلُ قولِهِ : يا أحمقُ ، قالَ مطرفٌ : ( كلُّ الناس أحمقُ فيما بينَهُ وبينَ
ربِّه، إلاَّ أنَّ بعضَ الناسِ أقلُّ حماقةً مِنْ بعضٍ)(٢).
وقالَ ابنُ عمرَ في حديثٍ طويلٍ : ( حتَّى ترى الناسَ كلّهمْ حمقى في
ذاتِ اللهِ تعالى )(٣).
سميبسم
وكذلكَ قولُهُ : يا جاهلُ ؛ إذْ ما مِنْ أحدٍ إِلاَّ وفيهِ جهلٌ ؛ فقدْ آذاهُ بما
لیسَ بكذبٍ .
وكذلكَ قولُهُ : يا سيِّىءَ الخلُقِ ، يا صفيقَ الوجهِ ، يا ثلأَّبَ الأعراضِ ،
وكانَ ذلكَ فيهِ .
وكذلكَ قولُهُ : لَوْ كانَ فيكَ حياءٌ .. لما تكلَّمْتَ، وما أحقرَكَ في
(١) ينسبه لقبيلته التي هو منها ، إلا إن كانت القبيلة مما ينبز باللؤم؛ كباهلة وسلول وهيثم.
(«إتحاف)» (٣٥/٨) .
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٣٥/٨).
(٣) رواه مرفوعاً من حديث أبي الدرداء ابن عبد البر في (( جامع بيان العلم وفضله ))
(١٥١٥)، وفيه: ((لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ... )).
٦٤١
سكن
کن
-ټن
كن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
عيني بما فعلْتَ ، وأخزاكَ اللهُ ، وانتقمَ منكَ .
فأمّا النميمةُ ، والغيبةُ ، والكذبُ ، وسبُّ الوالدينِ .. فحرامٌ بالاتفاقِ ؛
لما رُوِيَ أنَّهُ كانَ بينَ خالدِ بنِ الوليدِ وسعدٍ كلامٌ ، فذكرَ رجلٌ خالداً عندَ
سعدٍ، فقالَ سعدٌ: ( مَهْ؛ إنَّ ما بينَنا لمْ يبلغْ دينا)(١) ؛ يعني : أنْ يأْثَمَ
بعضُنا في بعضٍ ، فلمْ يسمع السوءَ ، فكيفَ يجوزُ أنْ يقولَهُ .
والدليلُ على جوازٍ ما ليسَ بكذبٍ ولا حرام ؛ كالنسبةِ إلى الزِّنا والسَّبِّ
والفحشِ .. ما روَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : أنَّ أزواجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ أرسلْنَ إليهِ فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها ، فجاءَتْ فقالَتْ : يا رسولَ اللهِ ؛
أرسلَني إليكَ أزواجُكَ يسألْنَكَ العدلَ في ابنةِ أبي قحافةَ، والنبيُّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ نائمٌ، فقالَ: ((يا بنِيَّةُ؛ أتحبينَ ما أحبُّ ؟)) ، قالَتْ : نعمْ،
قالَ: ((فأحبِّي هذهِ))، فرجعَتْ إليهنَّ، فأخبرتُهُنَّ بذلكَ، فقلنَ :
ما أغنيتِ عنَّا شيئاً ، فأرسلنَ زينبَ بنتَ جحشٍ ، قَالَتْ : وهيَ التي كانَتْ
تساميني في الحبِّ، فجاءَتْ ، فقالَتْ : بنتُ أبي بكرٍ ، وبنتُ أبي بكرٍ ،
فما زالَتْ تذكرُني وأنا ساكتةٌ أنتظرُ أنْ يأذنَ لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
في الجوابِ ، فأذنَ لي ، فسببتُها حتَّى جفَّ لساني، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : (( كلاّ، إنَّها ابنةُ أبي بكرٍ))(٢)، يعني: أنَّكِ لا تقاومينَها في
٩٠
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٠٤٨)، والطبراني في «الكبير))
( ١٠٦/٤ ) .
(٢) رواه البخاري (٢٥٨١)، ومسلم (٢٤٤٢) واللفظ له .
٦٤٢

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
الكلام قطُّ، وقولُها : ( سببتُها ) ليسَ المرادُ بهِ الفحشَ ، بلْ هوَ الجوابُ
عنْ كلامِها بالحقِّ ، ومقابلتُها بالصدقِ .
مكة
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( المستبَّانِ ما قالا، فعلى البادىءٍ
منهما حتَّى يعتديَ المظلومُ))(١) ، فأثبتَ للمظلوم انتصاراً إلى أنْ يعتديَ ،
فههذا القدرُ هوَ الذي أباحَهُ هؤلاءِ ، وهوَ رخصةٌ في الإِيذاءِ جزاءٌ على إيذائِهِ
السابقِ .
ولا تبعدُ الرخصةُ في هذا القذْرِ ، ولكنَّ الأفضلَ تركُهُ ؛ فإنَّهُ يجرُّ إلى
ما وراءَهُ ، ولا يمكنُهُ الاقتصارُ على مقدارِ الحقِّ فيهِ ، والسكوتُ عنْ أصلِ
الجواب لعلَّهُ أيسرُ مِنَ الشروع في الجوابِ والوقوفِ على حدِّ الشرع فيهِ ،
ولكنْ مِنَ الناسِ مَنْ لا يقدرُ على ضبطِ نفسِهِ في فورةِ الغضبِ ، ولكنْ يعودُ
سريعاً ، ومنهمْ مَنْ يكفُّ نفسَهُ في الابتداءِ ولكنْ يحقِّدُ على الدوامِ .
والناسُ في الغضبِ أربعةٌ : فبعضُهُمْ كالحَلْفاءِ ، سريعُ الوقودِ سريعُ
الخمودِ ، وبعضُهُم كالغضا، بطيءُ الوقودِ بطيءُ الخمودِ ، وبعضُهُمْ بطيءُ
الوقودِ سريعُ الخمودِ ، وهوَ الأحمدُ ، ما لمْ ينتهِ إلى فتورِ الحميّةِ والغَيْرةِ ،
وبعضُهُمْ سريعُ الوقودِ بطيءُ الخمودِ ، وهذا هَو شرُّهمْ .
(١) رواه مسلم (٢٤٤٢)، قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (١٤٠/١٦):
( معناه : أن إثم السباب الواقع من اثنين مختص بالبادىء منهما كله ؛ إلا أن يتجاوز
الثاني قدر الانتصار ، فيقول للبادىء أكثر مما قال له ، وفي هذا جواز الانتصار،
ولا خلاف في جوازه ) .
٦٤٣
حن حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
حن.
وفي الخبرِ : (( المؤمنُ سريعُ الغضبِ سريعُ الرِّضا، فهذهِ بتلكَ))(١)
وقالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ: ( منِ استُغْضِبَ فلمْ يغضبْ .. فهوَ حمارٌ ،
ومَنِ استُرضيَ فلمْ يرضَ .. فهوَ شيطانٌ)(٢) .
وقدْ قالَ أبو سعيد الخدريُّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا
إنَّ بني آدمَ خُلقُوا على طبقاتٍ شتَّى ، فمنهُمْ بطيءُ الغضبِ سريعُ الفيءٍ ،
ومنهُمْ سريعُ الغضبِ سريعُ الفيءٍ ، فتلكَ بتلكَ ، ومنهُمْ سريعُ الغضبِ
بطيءُ الفيءٍ، ألا وإنَّ خِيرَهُمُ البطيءُ الغضبِ السَّريعُ الفيءٍ، وشرّهُمُ
السَّريعُ الغضبِ البطيءُ الفيءِ))(٣).
ولمَّا كانَ الغضبُ في الحالِ يهِّجُ ويؤثِّرُ في كلِّ إنسانٍ .. وجبّ على
السلطانِ ألاَّ يعاقبَ أحداً في حالٍ غضبهِ؛ لأنَّهُ ربَّما يتعدَّى الواجبَ، ولأنَّهُ
ربَّما يكونُ مُشْفياً غيظَهُ، ومريحاً نفسَهُ منْ ألم الغيظِ ؛ فيكونُ صاحبَ حظّ
فيهِ ؛ فينبغي أنْ يكونَ انتقامُهُ وانتصارُهُ اللهِ تعالى لا لنفسِهِ .
ورأى عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ سكرانَ، فأرادَ أنْ يأخذَهُ ويعزِّرَهُ ، فشتمَهُ
السكرانُ ، فرجعَ عمرُ ، فقيل له : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ لمَّا شتمَكَ .. تركتهُ!
من
(١) نسب الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢٣٢/٦) لفظه لصاحب ((القوت)) وزاد:
( فهذه بهذه )، وروى نحوه الترمذي (٢١٩١) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
كما سيأتي قريباً .
HMMAM
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٣/٩).
حن حم خن
(٣) رواه الترمذي ( ٢١٩١).
٦٤٤

ربع المهلكات
حوع
كتاب الغضب والحقد
.كن
قالَ : لأنَّهُ أغضبَني ، ولوْ عزَّرتُهُ .. لكانَ ذلكَ لغضبي لنفسِي، ولمْ أحبَّ
أنْ أضربَ مسلماً حميَّةً لنفسِي(١) .
ـحة
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ لرجلٍ أغضبَهُ : ( لولا أنَّكَ
أَغضبتَني .. لعاقَبْتُكَ)(٢).
٨٠٠
(١) أخرجه الإسماعيلي في ((مناقب عمر)). ((إتحاف)) (٣٧/٨)، وتقدم قوله رضي الله
عنه : ( من اتقى الله .. لم يشف غيظه ) .
(٢) نسبه الحافظ الزبيدي لأبي نعيم في ((الحلية)). انظر ((الإتحاف)) (٣٧/٨).
٦٤٥
حسين
دن
دن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
القول في معنى الحقد ونتائجه، وفضيلة العفو والرفق
2
اعلمْ: أنَّ الغضبَ إِذا لزمَ كظمُهُ لعجزِ عنِ التشفِّ في الحالِ .. رجعَ إلى
الباطنِ واحتقنَ فيهِ ، فصارَ حقداً .
ومعنى الحقدِ : أَنْ يلزمَ قلبَهُ استثقالُهُ والبغضةُ لهُ والنفارُ منهُ ، وأنْ يدومَ
ذلكَ ويبقىْ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((المؤمنُ ليسَ بحقودٍ))(١)،
فالحقدُ ثمرةُ الغضب .
والحقدُ يثمرُ ثمانيةَ أمورٍ :
الأولُ : الحسدُ ، وهوَ أن يحملَكَ الحقدُ على أنْ تتمنَّى زوالَ النعمةِ
عنهُ ، فتغتمَّ بنعمةٍ إنْ أصابَها ، وتُسرَّ بمصيبةٍ إِنْ نزلَتْ بهِ ، وهذا مِنْ فعلٍ
المنافقينَ ؛ أعني : الحسدَ ، وسيأتي ذقُّهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
الثاني : أنْ تزيدَ على إضمارِ الحسدِ في الباطنِ ، فتشمَتَ بما يصيبُهُ مِن
البلاءِ .
(١) وقد روى النسائي (١١/٦): ((ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمانُ والحسدُ))،
وقوله: ((يجتمعان)) على لغة أو حذفٍ، وأما الحديث بلفظ المؤلف ((المؤمن ليس
بحقود)" .. فانظر ((كشف الخفاء)) (٢٩٣/٢).
ـترة
كرة
٦٤٦
مصر»
ان كم حن

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
الثالثُ : أَنْ تهجرَهُ وتصارِمَهُ وتنقطعَ عنهُ وإِنْ طلبَكَ وأقبلَ عليكَ .
الرابعُ : - وهوَ دونَهُ - : أنْ تعرِضَ عنهُ استصغاراً لهُ .
الخامسُ : أنْ تتكلَّمَ فيهِ بما لا يحلُّ ؛ مِنْ كذبٍ ، وغيبةٍ ، وإفشاءِ سرٍّ ،
وهتكِ سترٍ ، وغيرِهِ .
السادسُ : أَنْ تحاكيَهُ استهزاءٌ بهِ وسخريةٌ منهُ .
السابعُ : إيذاؤُهُ بالضربِ، وما يؤلمُ بدنَهُ .
الثامنُ : أَنْ تمنعَهُ حقَّهُ ؛ مِنْ صلةِ رحمٍ ، أوْ قضاءٍ دَينِ ، أَوْ ردِّ مظلمةٍ ،
وكلُّ ذلكَ حرامٌ .
وأقلُّ درجاتِ الحقدِ :
أنْ تحترزَ مِنَ الآفاتِ الثمانيةِ المذكورةِ ، ولا تخرجَ بسببِ الحقدِ إلى
ما تعصي اللهَ بهِ ، ولكنْ تستثقلُهُ في الباطنِ ، ولا تنهى قلبَكَ عنْ بغضِهِ ،
حثَّى تمتنعَ عمَّا كنتَ تتطوعُ بهِ مِنَ البشاشةِ ، والرفقِ ، والعنايةِ ، والقيام
بحاجاتِهِ ، والمجالسةِ معَهُ على ذكرِ اللهِ تعالى ، والمعاونةِ على المنفعةِ لهُ،
أوْ تتركَ الدعاءَ لهُ، والثناءَ عليهِ ، أوِ التحريضَ على برِّهِ ومواساتِهِ ، فهذا
كلُّهُ ممَّا ينقصُ درجتَكَ في الدينِ ، ويحولُ بينَكَ وبينَ فضلٍ عظيمٍ وثوابٍ
جزيلٍ ، وإنْ كانَ لا يعرِّضُكَ لعقابِ اللهِ .
ولمَّا حلفَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ ألاَّ ينفقَ على مِسْطح - وكانَ قريبَهُ - لما
٦٤٧
دں

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
تكلَّمَ في واقعةِ الإِفكِ .. نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اُلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ
أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسِكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَن
يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقالَ أبو بكرِ : بلى، نحبُّ ذلكَ، وعادَ إلى الإِنفاقِ
عليهِ(١) .
والأولى أنْ يبقى على ما كانَ عليهِ ، فإنْ أمكنَهُ أنْ يزيدَ في الإحسانِ
مجاهدةً للنفسِ وإرغاماً للشيطانِ .. فذلكَ هوَ مقامُ الصدِّيقينَ ، وهوَ مِنْ
فضائلِ أعمالِ المقرَّبينَ .
فللمحقودِ ثلاثةُ أحوالٍ عندَ القدرةِ :
أحدُها : أنْ يستوفيّ حقَّهُ الذي يستحقُّهُ مِنْ غيرِ زيادةٍ ونقصانٍ ، وهوَ
العدلُ .
والثاني : أنْ يحسنَ إليهِ بالعفوِ والصلةِ ، وذلكَ هوَ الفضلُ .
والثالثُ : أنْ يظلمَهُ بما لا يستحقُّهُ ، وذلكَ هوَ الجورُ ، وهوَ اختيارُ
الأراذلِ ، والثاني هوَ اختيارُ الصدِّيقينَ ، والأولُ هوَ منتهى درجاتِ
الصالحينَ ، ولنذكرِ الآنَ فضيلةَ العفوِ والإِحسانِ .
حنحن جة.
حز
دن
(١) رواه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠) ضمن حديث البراءة المشهور .
٦٤٨
حن
ـدن

ربع المهلكات
ـے
كتاب الغضب والحقد
فضيلة العفو والإحسان
اعلمْ: أنَّ معنى العفوِ أنْ تستحقَّ حقّاً ، فتسقطَهُ وتبرىءَ عنهُ ؛ مِنْ
قصاصٍ أوْ غرامةٍ ، وهوَ غيرُ الحلمٍ وكظم الغيظِ ؛ فلذلكَ أفردناهُ ، وقدْ
قالَ اللهُ تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ... ﴾ الآيةَ.
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ثلاثٌ - والَّذي نفسِي بيدِهِ - إنْ
كنتُ لحالفاً عليهنَّ : ما نقصَتْ صدقةٌ مِنْ مالٍ ؛ فتصدَّقُوا ، ولا عفا رجلٌ
عنْ مظلمةٍ يبتغي بها وجهَ اللهِ إلَّ زادَهُ اللهُ بها عزّاً يومَ القيامة ، ولا فتحَ رجلٌ
على نفسِهِ بابَ مسألةٍ إلاَّ فتحَ اللهُ عليهِ بابَ فقرٍ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((التَّواضعُ لا يزيدُ العبدَ إلا رفعةٌ،
فتواضعُوا .. يرفعْكُمُ اللهُ، والعفوُ لا يزيدُ العبدَ إلَّ عزّاً،
فاعفُوا .. يعزَّكمُ اللهُ، والصَّدقةُ لا تزيدُ المالَ إلاَّ كثرةً، فتصدَّقوا ..
يرحمْكُمُ اللهُ))(٢).
--
(١) رواه أحمد في «المسند)) (١٩٣/١) من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله
عنه ، والترمذي ( ٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه ، وبنحوه هو
عند مسلم ( ٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الغضب)) من حديث محمد بن عمير العبدي ، وقال
العراقي: رواه أبو الشيخ الأصبهاني في ((الترغيب والترهيب))، والديلمي في (( مسند =
٦٤٩

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( ما رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
منتصراً مِنْ مظلمةٍ ظُلِمَها قطُّ ما لمْ تُنْتَهَكْ حرمةٌ مِنْ محارم اللهِ ، فإذا انتُهِكَ
مِنْ محارم اللهِ شيءٌ .. كانَ أشدَّهُمْ في ذلكَ غضباً، وما خُيِّرَ بينَ أمرينٍ إلاّ
اختارَ أيسرَهُما ما لمْ يكنْ مأثماً)(١) .
وقالَ عقبةُ بنُ عامرٍ : لقيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يوماً ،
فبدرتُهُ فأخذتُ بيدِهِ ، أوْ بدرَنِي فأخذَ بيدي، فقالَ: (( يا عقبةُ ؛ ألا أخبرُكَ
بأفضلِ أخلاقِ أهلِ الدُّنيا والآخرةِ ؟ تصلُ مَنْ قطعَكَ ، وتعطي مَنْ حرمَكَ ،
وتعفو عمَّنْ ظلمَكَ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( قالَ موسى عليهِ السَّلامُ: يا ربِّ؛ أيُّ
عبادِكَ أعزّ عليكَ؟ قالَ: الذي إذا قدَرَ .. عفا))(٣).
وكذلكَ سُئلَ أبو الدرداءِ : مَنْ أعزُّ الناس ؟ قالَ : الذي يعفو إذا قدرَ ؛
فاعفُوا .. يعزَّكمُ الله(٤) .
الفردوس)) من حديث أنس بسند ضعيف. ((إتحاف)) (٣٩/٨).
(١) رواه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٣٤٩).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (١٩)، والطبراني في ((الكبير))
(٢٦٩/١٧)، والحاكم في (( المستدرك)) (١٦١/٤).
(٣) رواه الخرائطي في (( مكارم الأخلاق)) (٣٦٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ٦١ /١٣٤ ) .
(٤) تقدم قريباً في المرفوع .
قاء
٦٥٠
.كن
حنٍ . بان.
فا

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وجاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يشكو مظلمةً ، فأمرَهُ النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يجلسَ ، وأرادَ أن يأخذَ لهُ بمظلمتِهِ ، فقالَ لهُ النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ المظلومينَ همُ المفلحونَ يومَ القيامةِ))، فأبى
أن يأخذَها حينَ سمعَ الحديثَ(١).
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((مَنْ دعا على مَنْ ظلمَهُ .. فقدَ انتصرَ))(٢).
وعنْ أنسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا بعثَ اللهُ
الخلائقَ يومَ القيامةِ .. نادى منادٍ مِنْ تحتِ العرشِ ثلاثةَ أصواتٍ : يا معشرَ
الموحِّدينَ ؛ إنَّ اللهَ قدْ عفا عنكُمْ، فليعْفُ بعضُكُمْ عنْ بعضٍ)) (٣) .
وعن أبي هريرةَ : أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا فتحَ مكةً ..
طافَ بالبيتِ ، وصلَّى ركعتينِ، ثُمَّ أتى الكعبةَ ، فَأَخذَ بعضادتي البابِ
فقالَ: (( ما تقُولونَ؟ وما تظنُّونَ؟)) فقالُوا: نقولُ: أخٌ وابنُ عمّ حليمٌ
(١) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)) عن أبي صالح الحنفي
مرسلاً). ((إتحاف)) (٤٠/٨)، وزاد: أن ابن أبي الدنيا رواه أيضاً في (( ذم
الغضب))، وكذا أرسله سفيان الثوري كما في ((الحلية)) (٦٩/٧).
(٢) رواه الترمذي (٣٥٥٢) .
(٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٧٢٤٢)، والطبراني في ((الأوسط)) ( ١٣٥٨)
عن أم هانىء أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ورواه ابن عدي في (( الكامل))
(٤٩/٧) من حديث أنس رضي الله عنه، وأشار المتقي الهندي في (( كنز العمال))
(٢٩٢) إلى روايته عن ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)) بلفظ المصنف.
٦٥١
ـن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
رحيمٌ، قالُوا ذلكَ ثلاثاً، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أقولُ كما قالَ
يوسفُ: ﴿قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرََّحِمِينَ﴾))،
قالَ: فخرجُوا كأنَّما نُشرُوا مِنَ القبورِ ، فدخلُوا في الإِسلام(١).
وعنْ سهيلٍ بنِ عمرٍو قالَ : لمَّا قدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
مكَّةَ .. وضعَ يديهِ على بابي الكعبةِ والناسُ حولَهُ، فقالَ: ((لا إلهَ إلاَّ اللهُ
وحدَهُ لا شريكَ لهُ، صدقَ وعدَهُ، ونصرَ عبدَهُ، وهزَمَ الأحزابَ وحدَهُ ))،
ثمَّ قالَ : (( يا معشرَ قريشٍ ؛ ما تقولُونَ؟ وما تظنُّونَ ؟ )) قالَ: قُلْتُ:
يا رسولَ اللهِ ؛ نقولُ خيراً، ونظُّ خيراً؛ أخٌ كريمٌ وابنُ أخ كريمٍ ، وقدْ
قدَرْتَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أقولُ كما قالَ أخي
يوسفُ: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾)) (٢).
وعنْ أنسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا وقفَ
العبادُ .. نادى منادٍ: ليقمْ مَنْ أجرُهُ على اللهِ فليدخلِ الجنةَ ، قيلَ : ومَنْ ذا
الذي أجرُهُ على اللهِ ؟ قالَ : العافُونَ عنِ النَّاسِ ، فقامَ كذا وكذا ألفاً ،
فدَخلُوها بغيرِ حسابٍ))(٣).
٢
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٢٣٤)، والبيهقي في (( دلائل النبوة))
(٥٧/٥) واللفظ له .
(٢) رواه الواقدي في ((مغازيه)) (٨٣٥/٢)، ورواه مرسلاً القاسم بن سلام في ((الأموال))
(٣٢٢)، ورواه ابن زنجويه في ((الأموال)) (٤٥٦) موصولاً ، وعنده ذكر سهيل بن
عمرو رضي الله عنه .
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٢٠١٩)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٨٧/٦).
٦٥٢
حـ
حن

ربع المهلكات
9
كتاب الغضب والحقد
وقالَ ابنُ مسعودٍ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا ينبغي
لوالي أمرٍ أنْ يُؤْتِى بحدٍّ إلا أقامَهُ، واللهُ عفوٌّ يحبُّ العفوَ))، ثمَّ قرأَ:
﴿﴿وَلْيَعْفُواْ وَلَيَصْفَحُواْ ... ) الآيةَ(١).
وقالَ جابرٌ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ثلاثٌ مَنْ جاءَ بهنَّ
معَ إيمانٍ .. دخلَ مِنْ أيِّ أبوابِ الجنةِ شاءً، وزُوِّجَ مِنَ الحورِ العينِ حيثُ
شاءَ ؛ مَنْ أدَّىَ ديْناً خفيّاً ، وقرأَ في دُبرِ كلِّ صلاةٍ ( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ ) عشرَ
مراتٍ ، وعفا عنْ قاتِلِهِ))، فقالَ أبو بكرٍ: أَوْ إحداهُنَّ يا رسولَ اللهِ ؟ قالَ:
((أوْ إحداهنَّ))(٢).
شرح
ش
الآثارُ :
قالَ إبراهيم التيميُّ: (إنَّ الرجلَّ ليظلمُني فأرحمُهُ)(٣).
وهذا إحسانٌ وراءَ العفوِ ؛ لأنَّهُ يشتغلُ قلبُهُ بتعرُّضِهِ لمعصيةِ اللهِ تعالى
بالظُّلمِ ، وأنَّهُ يطالَبُ يومَ القيامةِ فلا يكونُ لهُ جوابٌ .
(١) هو جزء من خبر رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٧٠/٧)، والخرائطي في ((مكارم
الأخلاق)) (٤٤٤)، والطبراني في «الكبير)) (١٠٩/٩).
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٧٩٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (٣٣٨٥)،
وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة)» (٥٥٢/٢).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٣/٤).
٦٥٣
حز
حن
حر
-جن
المتن ئن حن
٤٠
C

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
فريش
وقالَ بعضُهمْ: (إذا أرادَ اللهُ أنْ يتحِفَ عبداً .. قيضَ لهُ مَنْ يظِلِمُهُ)(١)
ودخلُ رجلٌ على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، فجعلَ يشكُو إليهِ رجلاً ظلمَهُ
ويقعُ فيهِ ، فقالَ لهُ عمرُ : ( إنَّكَ إِنْ تلقى اللهَ ومظلمتُكَ كما هيَ خيرٌ لكَ مِنْ
أنْ تلقاهُ وقدْ انتقصْتَها)(٢).
فه
وقالَ يزيدُ بنُ ميسرةً: (إنْ ظَلِلتَ تدعُو على مَنْ ظلمَكَ .. فإِنَّ اللهَ تعالى
يقولُ : إنَّ آخرَ يدعُو عليكَ بأنَّكَ ظلمتَهُ، فإنْ شئتَ .. استجبنا لكَ واستجبنا
عليكَ ، وإِنْ شئتَ .. أخرتُكما إلى يوم القيامةِ، فيسعُكُما عفوي)(٣).
وقالَ مسلمُ بنُ يسارٍ لرجلٍ دعا على مَنْ ظلمَهُ : ( كِلِ الظالمَ إلى ظلمِهِ ،
فإنَّهُ أَسرعُ إليهِ مِنْ دعائِكَ عليهِ، إلاَّ أنْ يتدارَكَهُ بعملِ ، وقمِنٌ ألاَّ
يفعلَ ) (٤).
وعنِ ابنِ عمرَ عنْ أبي بكرِ أنَّهُ قالَ: ( بلغَنا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يأمرُ منادياً
يومَ القيامةِ فينادي : مَنْ كانَ لهُ عندَ اللهِ شيءٌ .. فليقُمْ، فيقومُ أهلُ العفوِ ،
فيكافتُهُمُ اللهُ بما كانَ مِنْ عفوِهِمْ عنِ الناسِ )(٥) .
وقالَ هشامُ بنُ محمدٍ : أَتِيَ النعمانُ بنُ المنذرِ برجلينِ ، أحدُهُما
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الإشراف في منازل الأشراف)» (٧٩).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٥٨٦).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٩/٥).
٢
(٤) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٧٠٧٧).
دن
(٥) رواه أحمد في « فضائل الصحابة)) ( ٧٠٠).
ق):
٦٥٤
حنين

ربع المهلكات
قدْ أذنب ذنباً عظيماً فعفا عنهُ، والآخرُ أذنبَ ذنباً صغيراً فعاقبَهُ ،
[من مجزوء الكامل]
وقالَ(١) :
سمٍ مِنَ الذُّنُوبِ بِفَضْلِها
تَعْفُو الْمُلُوكُ عَنِ الْعَظِيـ
ـرٍ وَلَيْسَ ذاكَ لِجَهْلِها
وَلَقَدْ تُعاقِبُ فِي أَلْيَسِبـ
وَتُخافَ شِدَّةُ نَكْلِها
إِلاَّ لِيُعْرَفَ حِلْمُها
وعنْ مباركِ بنِ فضالةَ قالَ : وفدَ سوارُ بنُ عبدِ اللهِ في وفدٍ مِنْ أَهلِ
البصرةِ إلى أبي جعفرٍ ، فكنْتُ عندَهُ ؛ إذْ أُنِيَ برجلٍ فأمرَ بقتلِهِ ، فقلتُ :
يُقتَلُ رجلٌ مِنَ المسلمينَ وأنا حاضرٌ ؟! فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ ألا
أحدِّثُكَ حديثاً سمعتُهُ مِنَ الحسنِ ؟ قالَ : وما هُوَ ؟ قلتُ : سمعتُهُ يقولُ :
إذا كانَ يومُ القيامةِ .. جمعَ اللهُ عزَّ وجلَّ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ ؛ حيثُ
يسمعُهُمُ الداعي ، وينفذُهُمُ البصرُ ، فيقومُ منادٍ فيقولُ: مَنْ لهُ عندَ اللهِ يدٌ ..
فليقُمْ ، فلا يقومُ إلَّ مَنْ عفا، فقالَ : واللهِ ؛ لسمعتَهُ مِنَ الحسنِ ؟ فقلتُ :
واللهِ ؛ لسمعتُهُ منهُ، فقالَ: خلَّينا عنهُ(٢).
وقالَ معاويةُ: ( عليكُمْ بالحلمِ والاحتمالِ حتَّى تمكنَّكُمُ الفرصةُ ، فإذا
أمكنَتْكُمْ .. فعليكُمْ بالصفحِ والإِفضالِ)(٣).
قم
(١) انظر ((عيون الأخبار)) (١٠٠/١)، و((التمثيل والمحاضرة)) (ص١٣٤)،
و((التذكرة الحمدونية)) (٣١٢/١) .
(٢) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢١٣/١٣).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٣/٨).
٦٥٥
حن تن
ن
عن حن من جن
حن
كتاب الغضب والحقد
ـكن
ون

كتاب الغضب والحقد
مي
ربع المهلكات
ورُويَ أنَّ راهباً دخلَ على هشام بنِ عبدِ الملكِ ، فقالَ للراهبِ : أرأيتَ
ذا القرنينِ أكانَ نبياً ؟ قالَ : لا، ولكنَّهُ إنَّما أُعطيَ ما أُعطيَ بأربع خصالٍ كنَّ
فيهِ ؛ كانَ إذا قدرَ .. عفا، وإذا وعدَ .. وفَّى، وإذا حدَّثَ .. صدقَ ،
ولا يجمعُ شغلَ اليوم لغدٍ (١) .
وقالَ بعضُهُمْ: ( ليسَ الحليمُ مَنْ ظُلِمَ فحلمَ ، حتَّى إذا قَدَرَ .. انتقمَ ،
ولكنَّ الحليمَ مَنْ ظُلِمَ فحلمَ ، ثم قدَرَ فعفا )(٢) .
وقالَ زيادٌ : ( القدرةُ تذهِبُ الحفيظةَ)(٣) يعني: الحقدَ والغضبَ.
وأُتيَ هشامٌ برجلٍ بلغَهُ عنهُ أمرٌ ، فلما أُقْيمَ بينَ يديهِ .. جعلَ يتكلّم
بحجتِهِ ، فقالَ لهُ هشامٌ : وتتكلَّمُ أيضاً ؟! فقالَ الرجلُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛
قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُحَدِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ أفنجادلُ اللهَ تعالى
ولا نتكلّمُ بينَ يديكَ كلاماً؟! قالَ هشامٌ : بلى ويحَكَ ، فتكلَّمْ(٤) .
ورُويَ أنَّ سارقاً دخلَ خباءَ عمارٍ بنِ ياسرٍ بصفينَ ، فقيلَ لهُ : اقطعْهُ فإنَّهُ
مِنْ أعدائِنا ، فقالَ : بلْ أسترُ عليهِ ، لعلَّ اللهَ أنْ يسترَ عليَّ يومَ القيامةِ .
خن
وجلسَ ابنُ مسعودٍ في السوقِ يبتاعُ متاعاً ، فابتاعَ ، ثمَّ طلبَ الدراهمَ
سون مكان خصم
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٣/٨).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٣/٨).
(٣) أورده البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٢٠٥/٥) لزياد بن أبيه .
٤٠
(٤) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢١٢/٦٨).
٦٥٦
حن
حن جن
حن

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وكانَتْ في عمامتِهِ ، فوجدَها قدْ حُلَّتْ ، فقالَ : لقَدْ جلستُ وإنَّها لمعي ،
فجعلوا يدعونَ على مَنْ أخذَها : اللهمَّ ؛ اقطعْ يدَ السارقِ الذي أخذَها ،
اللهمَّ ؛ افعلْ بهِ كذا ، فقالَ عبدُ اللهِ : اللهمَّ؛ إنْ كانَ حملَهُ على أخذِها
حاجةٌ .. فباركْ لهُ فيها، وإنْ كانَ حملَهُ جراءةٌ على الذنبِ .. فاجعلْهُ آخرَ
ذنوبِهِ(١) .
وقالَ الفضيلُ : ما رأيتُ أزهدَ مِنْ رجلٍ مِنْ أهلِ خراسانَ ، جلسَ إليَّ
في المسجدِ الحرام ، ثمَّ قامَ ليطوفَ ، فسُرقَتْ دنانيرُ كانَتْ معَهُ ، فجعلَ
يبكي ، فقلتُ : أعلى الدنانيرِ تبكي ؟ قالَ: لا، ولكنْ مثَّلْتُني وإِيَّهُ بينَ
يدي اللهِ عزَّ وجلَّ ، فأشرفَ عقلي على إدحاضِ حجتِهِ ، فبكائي رحمةٌ
لهُ (٢).
وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : أتينا منزلَ الحكمِ بنِ أيوبَ ليلاً وهوَ على البصرةِ
أميرٌ ، وجاءَ الحسنُ وهوَ خائفٌ، فدخلنا عليهِ ومعنا الحسنُ ، فما كنَّا معه
إلا بمنزلةِ الفراريجٍ .
فذكرَ الحسنُ قصةَ يوسفَ عليهِ السلامُ ، وما صنعَ بهِ إخوتُهُ مِنْ بِيعِهِمْ
إِيَّاهُ، وطرحِهِمْ لهُ في الجبِّ، فقالَ: باعُوا أخاهُمْ وأحزنُوا أباهُمْ ، وذكرَ
ما لقيَ مِنْ كيدِ النساءِ ، ومِنَ الحبسِ، ثمَّ قالَ: أيُّها الأميرُ ؛ ماذا صنعَ اللهُ
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب (( العفو)). ((إتحاف)) (٤٣/٨).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٤/٨).
٦٥٧
كن شن جن جن جن حن

كتاب الغضب والحقد
.07.
يوميـ
ربع المهلكات
حن
بهِ ؟ أدالَهُ منهُمْ، ورفعَ ذكرَهُ ، وأعلى كعبَهُ ، وجعلَهُ على خزائنِ الأرضِ ،
فماذا صنعَ حينَ أكملَ لهُ أمرَهُ ، وجمعَ لهُ أهلَهُ؟ قالَ: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ
الْيَوْمٌ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، يعرِّضُ للحَكَمِ بالعفوِ عنْ أصحابِهِ .
فقالَ الحكمُ: فأنا أقولُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ﴾، ولوْ لمْ أجِدْ إلا
ثوبي .. لواريتُكُمْ تحتّهُ(١) .
وكتبَ ابنُ المقفَّعِ إلى صديقٍ لهُ يسألُهُ العفوَ عَنْ بعضٍ إخوانِهِ : ( فلانٌ
هاربٌ مِنْ زلَّتِهِ إلى عفوكَ، لائذٌ منكَ بكَ، واعلمْ أنَّهُ لنْ يزدادَ الذنبُ عظماً
إلَّ ازدادَ العفوُ فضلاً)(٢).
G
وأُتِيَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ بأسارى ابنِ الأشعثِ ، فقالَ لرجاءِ بنِ
حيوةً : ما ترى؟ قال: إنَّ اللهَ قدْ أعطاكَ ما تحبُّ مِنَ الظفرِ ، فأعطِ اللهَ
ما يحبُّ مِنَ العفوِ ، فعفا عنهُمْ(٣) .
حن
ورُويَ أنَّ زياداً أخذَ رجلاً مِنَ الخوارج فأفلَتَ مِنْهُ، فأخذَ أخاً لهُ ،
فقالَ : إنْ جئتَ بأخيكَ وإلاَّ .. ضربتُ عنقَكَ.
فقالَ : أرأيتَ إنْ جئتُكَ بكتابٍ مِنْ أميرٍ المؤمنينَ .. تخلّي سبيلي ؟
قالَ : نعمْ، قالَ : فأنا آتيكَ بكتابٍ مِنَ العزيزِ الحكيمِ ، وأقيمُ عليهِ
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٤/٨).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٤/٨).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٥/٨).
٦٥٨
مان

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
شاهدينِ إبراهيمَ وموسى، ثمَّ تلا: ﴿أَمَّ لَمْ يُنَتَّأْ بِمَا فِىِ صُحُفِ مُوسَى لَهُ وَإِبْرَهِيمَ
اَلَّذِى وَلَىِّ﴾ُ أَلَّانَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فقالَ زيادٌ: خلوا سبيلَهُ، هذا رجلٌ قدْ
لُقِّنَ حجَّتَهُ(١).
وقيلَ : مكتوبٌ في الإنجيلِ : ( مَنِ استغفرَ لِمِنْ ظلمَهُ .. فقدْ هزمَ
الشيطانَ )(٢).
ـمن
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٥/٨).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((العفو)). ((إتحاف)) (٤٥/٨).
G 4
٦٥٩
جن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
فضيلة الزفق
اعلمْ : أنَّ الرفقَ محمودٌ، ويضادُّهُ العنفُ والحدَّةُ، والعنفُ نتيجةُ
الغضبِ والفظاظةِ ، والرفقُ واللينُ نتيجةُ حسنِ الخُلُقِ والسلامةِ ، وقدْ يكونُ
سببُ الحِدَّةِ الغضبَ ، وقدْ يكونُ سببُها شدةَ الحرصِ واستيلاءَهُ ، بحيثُ
يدهشُ عنِ التفكرِ ، ويمنعُ مِنَ التثبُتِ .
co
فالرفقُ في الأمورِ ثمرةٌ لا يثمرُها إلا حسنُ الخلُقِ ، ولا يحْسُنُ الخُلُقُ إلا
بضبطٍ قوَّةِ الغضبِ وقوَّةِ الشهوةِ ، وحفظِهِما على حدِّ الاعتدالِ ؛ ولأجلِ
هذا أثنى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الرفقِ وبالغَ فيهِ ، فقالَ: (( يا
عائشةُ؛ إنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حظّهُ مِنَ الرَّفقِ .. فقدْ أُعطيَ حظّهُ مِنْ خيرِ الدُّنيا
والآخرةِ، ومَنْ حُرِمَ حظّهُ مِنَ الرِّفقِ .. فقدْ حُرِمَ حظّهُ مِنْ خيرِ الدُّنيا
والآخرةِ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا أحبَّ اللهُ أهلَ بيتٍ .. أدخلَ عليهمُ
الرِّفقَ))(٢).
ـحر
(١) رواه بتمامه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٥٩/٩)، والقضاعي في ((مسند الشهاب))
(٤٤٤)، وأشار إليه الترمذي (٢٠١٣) وقد رواه عن أم الدرداء رضي الله عنها ،
وعند البخاري (٦٠٢٤)، ومسلم (٢١٦٥) من حديثها رضي الله عنها: ((مهلاً
يا عائشة ؛ إن الله يحب الرفق في الأمر كله)).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٧١/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦١٤٠).
٦٦٠
ش حنة حن فن حن