النص المفهرس
صفحات 601-620
ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد نفسِهِ، ويلطِمُ نفسَهُ ، وقدْ يضرِبُ بيدِهِ على الأرضِ، ويعدو عدْوَ الوالِهِ السكرانِ والمدهوشِ المتحيِّرِ ، وربَّما يسقطَ صريعاً ، لا يطيقُ العدْوَ والنهوضَ لشدَّةِ الغضبِ ، ويعتريهِ مثلُ الغشيةِ ، وربَّما يضربُ الجماداتِ والحيواناتِ ، فيضربُ القصعةَ مثلاً على الأرضِ ، وقدْ يكسرُ المائدةَ إذا غضبَ عليها ، ويتعاطى أفعالَ المجانينِ ، فيشتمُ البهيمةَ والجمادَ ويخاطبُها ويقولُ : إلى متى هذا منكِ يا كيتَ وكيتَ ؟! كأنَّهُ يخاطبُ عاقلاً! حتَّى ربّما رفستُهُ دابةٌ فيرفسُ الدابَّةَ ويقابلُها بذلكَ . وأمَّا أثرُهُ في القلبِ معَ المغضوبِ عليهِ : فالحقدُ ، والحسدُ ، وإضمارُ السوءِ ، والشماتةُ بالمساءاتِ ، والحزنُ بالسرورِ ، والعزمُ على إفشاءِ السرِّ وهتكِ السترِ ، والاستهزاءُ ، وغيرُ ذلكَ مِنَ القبائحِ . جن فهذهِ ثمرةُ الغضبِ المفرطِ . ـو وأمَّا ثمرةُ الحميِّ الضعيفةِ : فقلَّةُ الأنفةِ ممَّا يُؤنفُ منهُ ؛ مِنَ التعرضِ للحُرَمِ ، والزوجةِ ، والأمّ ، واحتمالُ الذلِّ من الأخسَّاءِ ، وصغرُ النفسِ ، والقماءةُ ، وهوَ أيضاً مذمومٌ ؛ إذْ مِنْ ثمراتِهِ عدمُ الغَيرةِ على الحُرَمِ ، وهوَ خنوتةٌ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ سعداً لغيورٌ، وأنا أغيرُ منْ سعدٍ ، وإنَّ اللهَ أَغيرُ مِنِّي))(١). وإنَّما خلقَتِ الغَيرةُ لحفظِ الأنسابِ ، ولو تسامحَ الناسُ بذلكَ .. (١) رواه البخاري (٦٨٤٦)، ومسلم ( ١٤٩٩) . ٦٠١ ح حن كتاب الغضب والحقد ج.هـ ربع المهلكات لاختلطتِ الأنسابُ، ولذلكَ قيلَ : ( كلُّ أمَّةٍ وُضعَتِ الغيرةُ في رجالِها .. وُضعَتِ الصيانةُ في نسائِها ) . ومنْ ضعفِ الغضبِ الخَوَرُ ، والسكوتُ عندَ مشاهدةِ المنكراتِ ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خيارُ أمتِي أحدًّاؤُها))(١) يعني: في الدينِ . وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اَللَّهِ﴾ . بلْ مَنْ فقدَ الغضبَ .. عجزَ عنْ رياضةِ نفسِهِ ؛ إذْ لا تتمُّ الرياضةُ إلا بتسليطِ الغضبِ على الشهوةِ حتَّى يغضبَ على نفسِهِ عندَ الميلِ إلى الشهواتِ الخسيسةِ . ٢٠٥٧٠٠٠٨٩ ففقدُ الغضبِ مذمومٌ، وإنَّما المحمودُ غضبٌ ينتظرُ إشارةَ العقلِ والدينِ ، فينبعثُ حيثُ تجبُّ الحميَّةُ، وينطفىءُ حيثُ يحسُنُ الحلمُ ، وحفظَهُ على حدِّ الاعتدالِ هوَ الاستقامةُ التي كلَّفَ اللهُ بها عبادَهُ ، وهوَ الوسطُ الذي وصفَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: ((خيرُ الأمورِ أوساطُها))(٢)، فمَنْ مالَ غضبُهُ إلى الفتورِ حتَّى أحسَّ مِنْ نفسِهِ بضعفِ الغَيرةِ كة (١) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٢٧٧)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٧٩٤٨، ٧٩٤٩) من حديث علي رضي الله عنه مرفوعاً، وفيه زيادة: ((الذين إذا غضبوا .. رجعوا))، وأحداء: جمع حديد، والمعنى كما أشار الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٣/٨): (أنشطها وأسرعها إلى الخير)، أو أن الحدة الصلابة في الدين كما في ((النهاية)) (٣٥٣/١). ـدى ـكن محزن (٢) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٦/ ٣١٧٠) عن معبد الجهني عن بعض الصحابة مرفوعاً . ٦٠٢ ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وخسَّةِ النفسِ في احتمالِ الذلِّ والضيم في غيرِ محلِّهِ .. فينبغي أنْ يعالجَ نفسَهُ حتَّى يقوِّيَ غضبَهُ، ومَنْ مالَ غضبُهُ إلى الإفراطِ حتَّى جرَّهُ إلى التهوِّرِ واقتحام الفواحشِ .. فينبغي أنْ يعالجَ نفسَهُ ليغضَّ مِنْ سَوْرةِ الغضبِ ، ويقفَ على الوسطِ الحقِّ بينَ الطرفينِ ، فهوَ الصراط المستقيمُ ، وهوَ أرقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وأحدٌ مِنَ السيفِ ، فإنْ عجزَ عنهُ .. فليطلب القربَ منهُ ، قالَ تعالى: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَنْ تَعْدِ لُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلّ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، فليسَ كلُّ مَنْ عجزَ عنِ الإتيانِ بالخَيرِ كلِّهِ ينبغي أنْ يأتيَ بالشرِّ كلِّهِ ، ولكنْ بعضُ الشرِّ أهونُ مِنْ بعضٍ ، وبعضُ الخيرِ أرفعُ مِنْ بعضٍٍ . فهذهِ حقيقةُ الغضبِ ودرجاتَهُ ، نسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ لما يرضيهِ ؛ إنَّهُ على ما يشاءُ قدیرٌ . حـو من حن ٦٠٣ كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات بيان أن الغضب حل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا؟ اعلم: أنَّهُ ظنَّ ظانُّونَ أنَّهُ يُصوَّرُ محوُ الغضبِ بالكلِّيّةِ ، وزعموا أنَّ الرياضةَ إليهِ تتوجَّهُ ، وإِيَّاهُ تقصدُ، وظنَّ آخرونَ أنَّهُ لا يقبلُ العلاجَ أصلاً ، وهذا رأيُّ مَنْ يظنُّ أنَّ الخُلُقَ كالخَلْقِ ، وكلاهما لا يقبلُ التغييرَ . وكلا الرأيينِ ضعيفٌ ، بلِ الحقُّ فيهِ ما نذكرُهُ؛ وهوَ أنَّهُ ما دامَ الإنسانُ يحبُّ شيئاً ويكرهُ شيئاً .. فلا يخلو عَنِ الغيظِ والغضبِ، وما دامَ يوافقُهُ شيءٌ ويخالفُهُ آخرُ .. فلابدّ وأنْ يحبّ ما يوافقُهُ ويكرهَ ما يخالفُهُ ، والغضبُ يتبعُ ذلكَ، فإنَّهُ مهما أُخِذَ منهُ محبوبُهُ .. غضبَ لا محالةً، وإذا قُصِدَ بمكروهٍ .. غضبٌ لا محالةَ، إلا أنَّ ما يحبُّهُ الإنسانُ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسام : الأوّلُ : ما هوَ ضروريٌّ في حقِّ الكافَّةِ : وهوَ كالقوتِ ، والمسكنٍ ، والملبسِ، وصحةِ البدنِ، فمنْ قُصِدَ بدنُهُ بالضربِ والجرح .. فلا بدَّ وأنْ يغضبَ ، وكذلكَ إذا أُخِذَ منهُ ثوبُهُ الذي يسترُ عورتَهُ، وكذلكَ إذا أُخرِجَ مِنْ دارِهِ التي هيَ مسكنُهُ ، أوْ أُرِيقَ مَاؤُهُ الذي هوَ لعطشِهِ ، فهذهِ ضروراتٌ لا يخلو الإنسانُ مِنْ كراهةِ زوالِها ، ومِنْ غيظِ على مَنْ يتعرَّضُ لها . ٦٠٤ كن ين : -كن جن حن حن" ربع المهلكات 2. : كتاب الغضب والحقد القسمُ الثاني : ما ليسَ ضروريّاً لأحدٍ مِنَ الخلقِ : كالجاهِ ، والمالِ الكثيرِ ، والغلمانِ ، والدوابِ ، فإنَّ هذهِ الأمورَ صارَتْ محبوبةً بالعادةِ والجهلِ بمقاصدِ الأمورِ ، حتَّى صارَ الذهبُ والفضةُ محبوبينِ في أنفسِهِما فيُكنزانِ ، ويغضبُ على مَنْ يسرقُهُما وإنْ كانَ مستغنياً عنهُما في القوتِ ، فهذا الجنسُ ممَّا يُتصوَّرُ أنْ ينفكَّ الإنسانُ عنْ أصلِ الغيظِ عليهِ ، فإذا كانَتْ لهُ دارٌ زائدةٌ على مسكنِهِ ، فهدمَها ظالمٌ .. فيجوزُ ألَّ يغضبَ ؛ إذْ يجوزُ أنْ يكونَ بصيراً بأمرِ الدنيا ، فيزهدَ في الزيادةِ على الحاجةِ ، فلا يغضبَ بأخذِها ، فإنَّهُ لا يحبُّ وجودَها ، ولوْ أحبَّ وجودَها .. لغضبَ على الضرورةِ بأخذِها . حة ـطهـ وأكثرُ غضبِ الناسِ على ما هوَ غيرُ ضروريٍّ ، كالجاهِ ، والصِّيتِ ، والتصدُّرِ في المجالسِ ، والمباهاةِ بالعلمِ ، فمنْ غلبَ هذا الحبُّ عليهِ .. فلا محالةَ يغضبُ إذا زاحمَهُ مزاحمٌ على الصدرِ في المحافلِ ، ومنْ لا يحبُّ ذلكَ .. فلا يبالي ولوْ جلسَ في صفِّ النعالِ، فلا يغضبُ إذا جلسَ غيرُهُ فوقَهُ . وهذهِ العاداتُ الرديئةُ هيَ التي أكثرَتْ محابَ الإنسانِ ومكارهَهُ ، فأكثرَتْ غضبَهُ ، وكلَّما كانَتِ الإراداتُ والشهواتُ أكثرَ .. كانَ صاحبُها أحطَّ رتبةً وأنقصَ ؛ لأنَّ الحاجةً صفةُ نقصٍ ، فمهما كثرَتْ .. كثرَ النقصُ ، والجاهلُ أبداً جهدُهُ في أنْ يزيدَ في حاجاتِهِ وفي شهواتِهِ ، وهوَ لا يدري أنَّهُ ٦٠٥ حن حن ٹ كتاب الغضب والحقد ےے ربع المهلكات مستكثرٌ مِنْ أسبابِ الغمِّ والحزنِ ، حتَّى ينتهيَ بعضُ الجهَّالِ بالعاداتِ الرديئةِ ومخالطةِ قرناءِ السوءِ إلى أنْ يغضبَ لوْ قِيلَ لهُ: إنَّهُ لا يُحسِنُ اللعبَ بالطيورِ ، واللعبَ بالشطرنج ، ولا يقدرُ على شربِ الخمرِ الكثيرِ ، وتناولٍ الطعامِ الكثيرِ ، وما يجري مجراهُ مِنَ الرذائلِ ، فالغضبُ على هذا الجنسِ ليسَ بضروريٍّ ؛ لأنَّ حبَّهُ ليسَ بضروريٍّ . القسمُ الثالثُ : ما يكونُ ضروريّاً في حقٌّ بعضِ الناسِ دونَ البعضٍ : كالكتابِ للعالم ؛ لأنهُ مضطرّ إليهِ ، فيحبُّهُ، فيغضبُ على مَنْ يخرِقُهُ ويمزقُهُ ، وكذلكَ أدواتُ الصناعاتِ في حقِّ المكتسبِ الذي لا يمكنُهُ التوصُّلُ إلى القوتِ إلَّ بها ، فإنَّ ما هوَ وسيلةٌ إلى الضروريِّ والمحبوبِ يصيرُ ضرورياً ومحبوباً ، وهذا يختلفُ بالأشخاصِ . وإنَّما الحبُّ الضروريُّ ما أشارَ إليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقولِهِ: (( مَنْ أصبحَ آمناً في سرِبِهِ ، معافىً في بدنِهِ ، وعندَهُ قوتُ يومِهِ .. فكأنَّما حيزَتْ لهُ الدُّنيا بحذافيرِها))(١) ، ومَنْ كانَ بصيراً بحقائقِ الأمورِ وسلمَتْ لهُ هذهِ الثلاثُ .. يُتصوَّرُ ألَّ يغضبَ في غيرِها . (١) رواه الترمذي (٢٣٤٦)، وابن ماجه (٤١٤١) من حديث عبيد بن محصن رضي الله عنه ، وليس عندهما: ( بحذافيرها)، وهي عند أبي نعيم في (( الحلية)) (٢٤٩/٥) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه . جن حة ٦٠٦ ـو ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد فهذهِ ثلاثةُ أقسام ، فلنذكُرْ غايةَ الرياضةِ في كلِّ واحدٍ منها . أمَّا القسمُ الأوَّلُ .. فليسَتِ الرياضةُ فيهِ لينعدمَ غيظُ القلبِ ، ولكنْ لكي يقدرَ على ألاَّ يطيعَ الغضبَ ، ولا يستعملَهُ في الظاهرِ إلاَّ على حدٍّ يستحبُّهُ الشرعُ، ويستحسنُهُ العقلُ ، وذلكَ ممكنٌ بالمجاهدةِ ، وتكلُّفِ الحلمِ والاحتمالِ مدَّةً، حتَّى يصيرَ الحِلْمُ والاحتمالُ خُلُقاً راسخاً . فأمَّا قمعُ أصلِ الغيظِ مِنَ القلبِ .. فليسَ مقتضى الطبع ، وهوَ غيرُ ممكنٍ . حن حن حر نعمْ ، يمكنُ كسرُ سَوْرتِهِ وتضعيفُهُ، حتى لا يشتدَّ هيجانُ الغيظِ في الباطنِ ، وينتهيَ ضعفُهُ إلى ألاَّ يظهرَ أثرُهُ في الوجهِ ، ولكنَّ ذلكَ شديدٌ جدّاً، وهذا حكمُ القسم الثالثِ أيضاً ؛ لأنَّ ما صارَ ضروريّاً في حقِّ شخصٍ فلا يمنعُهُ مِنَ الغيظِ استغناءُ غيرِهِ عنهُ ، فالرياضةُ فيهِ تمنعُ العملَ بهِ ، وتضعفُ هيجانَةً في الباطنِ ، حتَّى لا يشتدَّ التألُمُ بالصبرِ عليهِ . وأمَّا القسمُ الثاني .. فيمكنُ التوصُّلُ بالرياضةِ إلى الانفكاكِ عنِ الغضبِ عليهِ ؛ إذْ يمكنُ إخراجُ حُبِّهِ مِنَ القلبِ ، وذلكَ بأنْ يعلمَ الإنسانُ أنَّ وطنَهُ القبرُ ، ومستقرَّهُ الآخرةُ ، وأنَّ الدنيا معبرٌ يعبرُ عليها ، ويتزوَّدُ منها قدرَ الضرورةِ ، وما وراءَ ذلكَ عليهِ وبالٌ في وطنِهِ ومستقرَّهِ ، فيزهدُ في الدنيا ، وينمحي حبُّها عَنْ قلبهِ ، ولوْ كانَ للإنسانِ كلبٌ لا يحبُّهُ .. لمْ يغضبْ إذا ضربَهُ غيرُهُ ، فالغضبُ تبعٌ للحُبِّ ، فالرياضةُ في هذا قدْ تنتهي إلى قمع --- ------ من ٦٠٧ 1 : كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات أصلِ الغضبِ ، وهوَ نادرٌ جدّاً، وقدْ تنتهي إلى المنع مِنِ استعمالِ الغضبِ والعملِ بموجَبِهِ ، وهوَ أهونُ . فإنْ قلتَ : الضروريُّ مِنَ القسم الأولِ التألُّمُ بفواتِ المحتاجِ إليهِ دونَ الغضبِ ، فمَنْ لهُ شاةٌ مثلاً وهيَ قوتُهُ ، فماتَتْ .. لا يغضبُ على أحدٍ ، وإنْ كانَ يحصلُ فيهِ كراهةٌ ، وليسَ مِنْ ضرورةِ كلِّ كراهةٍ غضبٌ ، فالإنسانُ يتألمُ بالفصْدِ والحجامةِ ولا يغضبُ على الفصَّادِ والحجَّام ، فمَنْ غلبَ علیهِ التوحيدُ حتَّى يرى الأشياءَ كلَّها بيدِ اللهِ ومنهُ .. فلا يغضبُ على أحدٍ مِنْ خلقِهِ ؛ إذْ يراهُمْ مسخَّرينَ في قبضةِ قدرتِهِ ؛ كالقلمِ في يدِ الكاتبِ ، ومَنْ وقَّعَ ملكٌ بضربِ رقبتِهِ .. لمْ يغضبْ على القلمِ ، فلا يغضبُ على مَنْ يذبحُ شاتَهُ التي هيَ قوتُهُ كما لا يغضبُ على موتِها ؛ إذْ يرى الموتَ والذبحَ مِنَ اللهِ تعالى ، فيندفعُ الغضبُ بغلبةِ التوحيدِ ، ويندفعُ أيضاً بحسن الظنِّ باللهِ ، وهوَ أنْ يرى أنَّ الكلَّ مِنَ اللهِ ، وأنَّ اللهَ لا يقدرُ لهُ إلا ما فيهِ الخِيرَةُ ، وربَّما تكونُ الخِيرَةُ في جوعِهِ ومرضِهِ ، وجرحِهِ وقتلِهِ ، فلا يغضبُ ، كما لا يغضبُ على الفصَّادِ والحجَّام؛ لأنَّهُ يرى أنَّ الخِيَرَةَ فیهِ . فنقولُ : هذا على هذا الوجهِ غيرُ محالٍ ، ولكنَّ غلبةَ التوحيدِ إلى هذا الحدِّ إنَّما تكونُ كالبرقِ الخاطفِ ، تغلبُ في أحوالٍ مختطفةٍ ولا تدومُ ، ويرجعُ القلبُ إلى الالتفاتِ إلى الوسائطِ رجوعاً طبْعِيّاً لا يندفعُ عنهُ ، ولوْ ٦٠٨ حن ـوتُ ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد تُصوّرَ ذلكَ على الدوام لبشرٍ .. لتُصوِّرَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنهُ كانَ يغضبُ حتَّى تحمرَّ وجنتاهُ(١)، حتَّى قالَ: ((اللهمَّ؛ إنَّما أنا بشرٌ، أغضبُ كما يغضبُ البشرُ ، فأيُّما مسلم سببتُهُ أوْ لعنتُهُ أوْ ضربتُهُ .. فاجعلْها مِنِّي صلاةً عليهِ وزكاةً وقربةً تقرِّبُهُ بها إليكَ يومَ القيامةِ))(٢). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمروِ بنِ العاصِ : يا رسولَ اللهِ ؛ أكتبُ عنكَ كلَّ ما قلْتَ في الغضبِ والرضا؟ فقالَ: (( اكتبْ ، فوالذي بعثَني بالحقِّ نبيّاً ؛ ما يخرجُ منهُ إلاَّ حقٌّ))، وأشارَ إلى لسانِهِ(٣) ، فلمْ يقلْ: إنِّي لا أغضبُ، ولكنْ قالَ: إنَّ الغضبَ لا يخرجُني عنِ الحقِّ ؛ أي : لا أعملُ بموجَبٍ الغضب . حن 3 % وغضبَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها مرةً ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (« ما لكِ جاءَكِ شيطانُكِ؟))، فقالَتْ: وما لكَ شيطانٌ؟ فقالَ: (( بلى، ولكنْ دعوتُ اللهَ فأعانني عليهِ فأسلمُّ، فلا يأمرُ إلَّ بخيرٍ ))(٤)، فلمْ يقلْ: لا شيطانَ لي، وأرادَ شيطانَ الغضبِ ، لكنْ قالَ: لا يحملُني على الشرِّ. (١) روى ذلك البخاري (٩١)، ومسلم (٢/١٧٢٢). (٢) رواه مسلم (٢٦٠١) بلفظ: ((اللهم ؛ إنما محمد بشر ، يغضب كما يغضب البشر ، وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته .. فاجعلها له كفارة ، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة)) ، وذكر الضرب عند أبي يعلى في (( مسنده )) ( ١٢٦٢ ) . (٣) رواه أبو داوود (٣٦٤٦). (٤) رواه مسلم ( ٢٨١٥). ٦٠٩ ثن جن جن جن ح حن حن كتاب الغضب والحقد يه وه رومى ربع المهلكات حن خن وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يغضبُ للدنيا ، فإذا أغضبَهُ الحقُّ .. لمْ يعرفْهُ أحدٌ، ولمْ يقمْ لغضبِهِ شيءٌ، حتَّى ينتصرَ لهُ)(١) . 0 فكانَ يغضبُ على الحقِّ ، وإنْ كانَ غضبُهُ للهِ . . فهوَ التفاتٌ إلى الوسائطِ على الجملةِ ، بلْ كلُّ مَنْ يغضبُ على مَنْ يأخذُ ضرورةَ قوتِهِ وحاجتِهِ التي لا بدَّ لهُ في دينِهِ منها .. فإنَّما غضبَ للهِ ، فلا يمكنُ الانفكاكُ عنهُ . نعمْ ، قدْ يُفْقدُ أصلُ الغضبِ فيما هوَ ضروريٍّ إذا كانَ القلبُ مشغولاً بضروريٍّ أهمَّ منهُ ، فلا يكونُ في القلبِ متسعٌ للغضبِ ؛ لاشتغالِهِ بغيرِهِ ، فإنَّ استغراقَ القلبِ ببعضٍ المهمَّاتِ يمنعُ الإحساسَ بما عداهُ، وهذا كما أنَّ سلمانَ لمَّا شُتِمَ قالَ : ( إنْ خفَّتْ موازيني .. فأنا شرٌّ ممَّا تقولُ، وإنْ ثقلَتْ موازيني .. لمْ يضرَّني ما تقولُ)(٢) ، فقدْ كانَ هُّهُ مصروفاً إلى الآخرةِ ، فلمْ يتأثر قلبُهُ بالشتمِ . وكذلكَ شُتمَ الربيعُ بنُ خثيمٍ فقالَ : ( يا هذا ؛ قدْ سمعَ اللهُ كلامَكَ ، وإِنَّ دونَ الجنةِ عقَبَةً، إنْ قطعْتُها .. لمْ يضرَّني ما تقولُ، وإنْ لمْ أقطعْها .. فأنا شرٌّ ممَّا تقولُ)(٣). ٩٠ ٤٠ (١) رواه الترمذي في ((الشمائل)) (٢٢٥) . (٢) روى قوله البيهقي في ((الزهد الكبير)) ( ٧٦٣)، وليس فيه ذكر الشتم. (٣) عزاه الحافظ الزبيدي لأبي نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (١٨/٨). نت. ٦١٠ حن حن ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وسبَّ رجلٌ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ، فقالَ: ( ما سترَ اللهُ عنكَ أكثرُ)(١) ، فكأنَّهُ كانَ مشغولاً بالنظرِ في تقصيرِ نفسِهِ عنْ أنْ يتقيّ اللهَ حقَّ تقاتِهِ ، ويعرفَهُ حقَّ معرفتِهِ ، فلمْ يغضبْهُ نسبةُ غيرِهِ إياهُ إلى نقصانٍ ؛ إذْ كانَ ينظرُ إلى نفسِهِ بعينِ النقصانِ ، وذلكَ لجلالةِ قدرِهِ . وقالَتِ امرأةٌ لمالكِ بنِ دينارٍ : يا مُرائي، فقالَ: ما عرفَني غيرُكِ(٢)، فكأنَّهُ كانَ مشغولاً بأنْ ينفيَ عنْ نفسِهِ آفةَ الرياءِ ، ومنكراً على نفسِهِ ما يلقيهِ الشيطانُ إليهِ ، فلمْ يغضبْ لما نُسبَ إليهِ . ح جن حن وسبَّ رجلٌ الشعبيَّ فقالَ: (إن كنتَ صادقاً .. فغفرَ اللهُ لي، وإنْ كنتَ كاذباً .. فغفرَ اللهُ لكَ)(٣). فهذهِ الأقاويلُ دالةٌ في الظاهرِ على أنَّهِمْ لمْ يغضبُوا لاشتغالِ قلوبِهِمْ بمهماتِ دينِهِمْ ، ويحتملُ أنْ يكونَ قدْ أَّرَ ذلكَ في قلوبِهِمْ، ولكنَّهمْ لمْ يشتغلُوا بهِ ، واشتغلُوا بما كانَ هوَ الأغلبَ على قلوبِهِمْ . فإذاً ؛ اشتغالُ القلبِ ببعضِ المهماتِ لا يبعدُ أنْ يمنعَ هيجانَ الغضبِ عندَ فواتِ بعضٍ المحابِّ ، فإذاً ؛ يُتصوَّرُ فقْدُ الغيظِ ؛ إمَّا باشتغالِ القلبِ بمهمٌّ ، أوْ بغلبةِ نظرِ التوحيدِ ، أَوْ بسببٍ ثالثٍ ، وهوَ أنْ يعلمَ أنَّ اللهَ تعالى (١) سيأتي قريباً خبر شتمه وصبره ثم ردِّه رضي الله عنه . (٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)» (٣٣٩/٨). (٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ١٣٧). ٦١١ ـدن ـهحن كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات يحبُّ منهُ ألاَّ يغتاظَ، فتطفىءُ شدَّةُ حبِّهِ للهِ غيظَهُ ، وذلكَ غيرُ محالٍ في أحوالٍ نادرةٍ . وقدْ عرفْتَ بهذا أنَّ طريقَ الخلاصِ مِنْ نارِ الغضبِ محوُ حبِّ الدنيا مِنَ القلبِ ، وذلكَ بمعرفةِ آفاتِ الدنيا وغوائِلها ، كما سيأتي في كتابٍ ذمِّ الدنيا ، ومَنْ أخرجَ حُبَّ المزايا عنِ القلبِ .. تخلَّصَ مِنْ أكثرِ أسبابِ الغضبِ ، وما لا يمكنُ محوُهُ .. فيمكنُ كسرُهُ وتضعيفُهُ ، فيضعفُ الغضبُ بسببهِ ، ويهونُ دفعُهُ، نسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ بلطفِهِ وكرمِهِ ؛ إنَّهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، والحمدُ للهِ وحدهُ . 0 جن جن جن حن حى جن فن حن ---- ------------------ ٦١٢ مدن ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد بيان الأسباب المهيجة للغضب قدْ عرفتَ أنَّ علاجَ كلِّ علَّةٍ بحسم مادَّتِها ، وإزالةِ أسبابِها ، فلا بدَّ مِنْ معرفةِ أسبابِ الغضبِ . وقدْ قالَ يحيىُ لعيسى عليهِما السلامُ : أيُّ شيءٍ أشدُّ ؟ قالَ : غضبُ اللهِ ، قالَ : فما يقرِّبُ مِنْ غضبِ اللهِ ؟ قالَ : أنْ تغضبَ ، قالَ : فما يبدي الغضبَ وما ينبتُهُ ، قالَ عيسى: الكِبرُ، والفخرُ، والتعزُّزُ، والحميَّةُ (١). E فالأسبابُ المهيجةُ للغضبِ هيَ : الزهو ، والعجبُ ، والمِزاحُ ، والهزلُ، والهزءُ، والتعييرُ، والمماراةُ، والمضادَّةُ، والغدرُ، وشدَّةُ الحرصِ على فضولِ المالِ والجاهِ ، وهيَ بأجمعِها أخلاقٌ رديئةٌ مذمومٌ شرعاً ، ولا خلاصَ عنِ الغضبِ معَ بقاءِ هذهِ الأسبابِ ، فلا بدَّ مِنْ إزالةِ هذهِ الأسبابِ بأضدادِها . فينبغي أنْ تميتَ الزهوَ بالتواضع ، وتميتَ العجبَ بمعرفتِكَ بنفسِكَ ، كما سيأتي بيانُهُ في كتابِ الكبرِ والعجبِ ، وتزيلَ الفخرَ بأنَّكَ مِنْ جنسٍ عبدِكَ ؛ إذِ الناسُ يجمعُهُمْ في الانتسابِ أبٌ واحدٌ، وإنَّما اختلفُوا في الفضلِ أشتاتاً ، فبنو آدمَ جنسٌ واحدٌ ، وإنَّما الفخرُ بالفضائلِ ، والفخرُ ٥ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (١٨/٨). ٦١٣ كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات والعجبُ والكِبرُ أكبرُ الرذائلِ ، وهيَ رأسُها وأصلُها ، فإذا لم تخلُ عنها .. فلا فضلَ لكَ على غيرِكَ ، فلِمَ تفتخرُ وأنتَ مِنْ جنسٍ عبدِكَ مِنْ حيثُ البنيةُ والنسبُ والأعضاءُ الظاهرةُ والباطنةُ ؟! وأما المزاحُ .. فتزيلُهُ بالتشاغلِ بالمهمَّاتِ الدينيّةِ التي تستوعبُ العمر وتفضلُ عنهُ إذا عرفْتَها . وأمَّا الهزلُ .. فتزيلُهُ بالجدِّ في طلبِ الفضائلِ والأخلاقِ الحسنةِ ، والعلومِ الدينيّةِ التي تبلّغُكَ إلى سعادةِ الآخرةِ . Gء وأمَّا الهزءُ .. فتزيلُهُ بالتكُّمِ عنْ إيذاءِ الناسِ ، وبصيانةِ النفسِ عنْ أنْ يُستهزأَ بِكَ . وأمَّا التعييرُ .. فبالحذرِ عنِ القولِ القبيحِ، وصيانةِ النفسِ عنْ مُرِّ الجوابِ. وأمَّا شدَّةُ الحرصِ على مزايا العيشِ .. فتزالُ بالقناعةِ بقدْرِ الضرورةِ ؛ طلباً لعزِّ الاستغناءِ ، وترقُّعاً عنْ ذلِّ الحاجةِ . حن وكلُّ خُلُقٍ مِنْ هذِهِ الأخلاقِ وصفةٍ مِنْ هذهِ الصفاتِ يَفتقرُ في علاجِهِ إلى رياضةٍ وتحمُّلِ مشقَّةٍ ، وحاصلُ رياضتِها يرجعُ إلى معرفةِ غوائِلِها ؛ لترغبَ النفسُ عنها ، وتنفرَ عنْ قبحِها ، ثمَّ المواظبةِ على مباشرةِ أضدادِها مدَّةً مديدةً ، حتَّى تصيرَ بالعادةِ مألوفةً هيّةً على النفسِ ، فإذا انمحَتْ عنِ النفسِ .. فقدْ زكَتْ وطهُرَتْ عنْ هذهِ الرذائلِ ، وتخلّصَتْ أيضاً مِنَ الغضبِ الذي يتولَّدُ منها . كن من حن حن ٦١٤ ـون محنة ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد ومِنْ أشدِّ البواعثِ على الغضبِ عندَ أكثرِ الجهالِ : تسميتُهُمُ الغضبَ شجاعةٌ ، ورجوليةً ، وعزَّةَ نفسٍ ، وكبرَ همةٍ ، وتلقيبُهُ بالألقابِ المحمودةِ غباوةً وجهلاً ، حتَّى تميلَ النفسُ إليهِ وتستحسنَهُ ، وقدْ يتأكَّدُ ذلكَ بحكايةِ شدّةِ الغضبِ عنِ الأكابرِ في معْرِضِ المدحِ بالشجاعةِ ، والنفوسُ مائلةٌ إلى التشُّهِ بالأكابرِ ، فيهيجُ الغضبُ في القلبِ بسببهِ ، وتسميةُ هذا عزَّةَ نفسٍ وشجاعةٌ جهلٌ ، بلْ هوَ مرضُ قلبٍ ، ونقصانُ عقلٍ ، وهوَ لضعفِ النفسِ ونقصانِها ، وآيةُ أنَّهُ لضعفِ النفسِ : أنَّ المريضَ أسرعُ غضباً مِنَ الصحيح ، والمرأةُ أسرعُ غضباً مِنَ الرجلِ ، والصبيُّ أسرعُ غضباً من الرجلِ الكبيرِ ، والشيخُ الضعيفُ أسرعُ غضباً مِنَ الكهلِ ، وذو الخُلُقِ السِّىءِ والرذائلِ القبيحةِ أسرعُ غضباً مِنْ صاحبِ الفضائلِ ؛ فالرَّذْلُ يغضبُ لشهوتِهِ إذا فاتَتْهُ اللُّقمةُ ، ولبخلِهِ إذا فاتتْهُ الحبّةُ ، حتَّى إنَّهُ يغضبُ على أهلِهِ وولدِهِ وأصحابِهِ ، بلِ القويُّ مَنْ يملِكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ ؛ كما قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ليسَ الشديدُ بالصُّرَعةِ، إنَّما الشَّديدُ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ »(١) ، بلْ ينبغي أنْ يُعالَجَ هذا الجاهلُ بأنْ تتلى عليهِ حكاياتُ أهلِ الحلمِ والعفوِ، وما استُحْسِنَ منهمْ مِنْ كظم الغيظِ ، فإنَّ ذلكَ منقولٌ عنِ الأنبياءِ والأولياءِ والحكماءِ والعلماءِ ، وأكابرِ الملوكِ الفضلاءِ، وضدُّ ذلكَ منقولٌ عنِ الأتراكِ والأكرادِ ، والجهلةِ والأغبياءِ ، الذين لا عقلَ لهمْ ولا فضلَ . حن (١) رواه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩). ٦١٥ شن جن حي ش ش حن حن كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات حان بيان علاج الغضب بعد حيمانه اعلمْ : أنَّ ما ذكرناهُ هوَ حسمٌ لموادِّ الغضبِ ، وقطعٌ لأسبابِهِ حتَّى لا يهيجَ ، فإذا جرى سببٌ هيَّجَهُ .. فعندَهُ يجبُ التثبُّتُ؛ حتَّى لا يضطرَّ صاحبُهُ إلى العملِ بهِ على الوجهِ المذموم ، وإنَّما يعالجُ الغضبَ عندَ هیجانِهِ بمعجونِ العلمِ والعملِ . أمَّا العلمُ .. فهوَ ستةُ أمورٍ : الأوَّلُ : أنْ يتفكّرَ في الأخبارِ التي سنوردُها في فضلِ كظم الغيظِ والعفوِ والحلمٍ والاحتمالِ ، فيرغبَ في ثوابِهِ ، فتمنعَهُ شدَّةُ الحرصِ على ثوابِ الكظمِ عنِ التشفِّي والانتقامِ ، وينطفىءَ غيظُهُ . قالَ مالكُ بنُ أوسِ بنِ الحَدَثانِ : غضبَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ على رجلٍ وأمرَ بضربِهِ ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ اْجَهِلِينَ﴾، فكانَ عمرُ يقولُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُّهُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضَ عَنِ اٌلْجَهِلِينَ﴾ فكانَ يتأملُ في الآيةِ، وكانَ وقَّفاً عندَ كتابِ اللهِ مهما تُلَيَ عليهِ، كثيرَ التدبُرِ فيهِ، فتدبَّرَ فيهِ ، وخلَّى الرجلَ (١). (١) رواه البخاري (٤٦٤٢) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يذكره بنحوه، والناصح فيه لأمير المؤمنين هو الحرّ بن قيس رضي الله عنه . ٠٠٠٢٤٠٠٠٠٨٢ -- ٦١٦ ثن ثق شن فن ضم حن ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وأمرَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بضربِ رجلٍ ، ثمَّ قرأْ قولَهُ تعالى : وَاَلْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، وقالَ لغلامِهِ: خَلِّ عنهُ(١). ـدة ن الثاني : أنْ يخوِّفَ نفسَهُ بعقابِ اللهِ تعالى، وهوَ أنْ يقولَ : قدرةُ اللهِ عليَّ أعظمُ مِنْ قدرتي على هذا الإنسانِ ، فلوْ أمضيتُ غضبي عليهِ .. لمْ آمنْ أنْ يمضيَ اللهُ غضبَهُ عليَّ يومَ القيامةِ أحوجَ ما أكونُ إلى العفوِ ، فقدْ قالَ تعالى في بعضٍ الكتبِ القديمةِ : ( يا بنَ آدَمَ ؛ اذكرْني حينَ تغضبُ .. أذكرْكَ حينَ أغضبُ، فلا أمحقُكَ فيمَنْ أمحقُ )(٢) . حن حم وبعثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وصيفاً إلى حاجةٍ ، فأبطأَ عليهِ ، فلمَّا جاءَ .. قالَ: ((لولا القصاصُ .. لأوجعْتُكِ)) (٣) ؛ أي : القصاصُ في القيامةِ. وقيلَ : ما كانَ في بني إسرائيلَ ملكٌ إلا ومعهُ حكيمٌ ، إذا غضبَ .. أعطاهُ صحيفةً فيها : ارحم المسكينَ ، واخشَ الموتَ ، واذكرِ الآخرةَ ، فكانَ يقرؤُها حتَّى يسكنَ غضبُهُ(٤). بسميدوديشي (١) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) ( ١٤٨/٨). (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) ( ص٤٥)، وابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص ٥٠ ) عن وهيب بن الورد المكي . (٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٩٠١)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٧٦/٢٣)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٧٨/٨)، والوصيف : الخادم ، غلاماً كان أو جارية كما هو الحال هنا . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢١/٨). ٦١٧ كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات الثالثُ : أنْ يحذَّرَ نفسَهُ عاقبةَ العداوةِ والانتقام ، وتَشْتُّرَ العدوِّ المقابلتِهِ ، والسعيَ في هدم أغراضِهِ ، والشماتةَ بمصائبِهِ ، وهوَ لا يخلو عنِ المصائبٍ ، فيخوِّفَ نفسَهُ بعواقبِ الغضبِ في الدنيا إنْ كانَ لا يخافُ مِنَ الآخرةِ . سببيسـ وهذا يرجعُ إلى تسليطٍ شهوةٍ على غضبٍ ، وليسَ هذا مِن أعمالٍ الآخرةِ ، ولا ثوابَ عليهِ ؛ لأنَّهُ متردِّدٌ على حظوظِهِ العاجلةِ ، يقدِّمُ بعضَها على بعضٍ ، إلاَّ أنْ يكونَ محذورُهُ أنْ يتشوَّشَ عليهِ في الدنيا فراغُهُ للعلمِ والعملِ ، وما يعينُهُ على الآخرةِ ؛ فيكونُ مثاباً عليهِ . الرابعُ : أنْ يتفكّرَ في قبح صورتِهِ عندَ غضبهِ ؛ بأنْ يتذكَّرَ صورةَ غيرِهِ في حالةِ الغضبِ ويتفكّرَ في قبح الغضبِ في نفسِهِ ، ومشابهة صاحبهٍ للكلبِ الضاري والسبع العادي ، ومشابهةِ الحليمِ الهادىءِ التاركِ للغضبِ الأنبياءَ والأولياءَ والعلماءَ والحكماءَ ، ويخيِّرُ نفسَهُ بينَ أنْ يتشبَّهَ بالكلابِ والسباع وأراذلِ الناسِ ، وبينَ أنْ يتشبَّهَ بالأنبياءِ والعلماءِ في عادتِهم ؛ لتميلَ نفسُهُ إلى حبِّ الاقتداءِ بهؤلاءِ إن كانَ قدْ بقيَ معَهُ مُسْكٌ مِنْ عقلٍ . مان الخامسُ : أنْ يتفكّرَ في السببِ الذي يدعوهُ إلى الانتقام ، ويمنعُهُ مِنْ كظم الغيظِ ، ولا بدَّ وأنْ يكونَ لهُ سببٌ ؛ مثلَ قولِ الشيطانِ لهُ : إنَّ هذا ق تاء ٦١٨ ن ربع المهلكات شة كتاب الغضب والحقد يُحمَلُ منكَ على العجزِ، وصغَرِ النفسِ ، والذلَّةِ ، والمهانةِ ، وتصيرُ حقيراً في أعينِ الناسِ ، فليقلْ لنفسِهِ : ما أعجبَكِ يا نفسُ ! تأنفينَ مِنَ الاحتمالِ الآنَ، ولا تأنفينَ مِنْ خزيٍ يوم القيامةِ والافتضاحِ إذا أخذ هذا بيدِكٍ وانتقمَ منكِ ، وتحذرينَ مِنْ أَنْ تَصغُري في أعينِ الناسِ ، ولا تحذرينَ مِنْ أنْ تصغُري عندَ اللهِ والملائكةِ والنبيِّنَ ؟! فمهما كظم الغيظَ .. فينبغي أنْ يكظمَهُ اللهِ تعالى، وذلكَ يعظِّمُهُ عندَ اللهِ ، فما لهُ وللناس ؟! وذلُّ مَنْ ظلمَهُ يومَ القيامةِ أشدُّ مِنْ ذلِّه لَوِ انتقمَ الآنَ، أفلا يحبُّ أنْ يكونَ هوَ القائمَ إذا نوديَ يومَ القيامةِ: ليقمْ مَنْ أجرُهُ على اللهِ، فلا يقومُ إلا مَنْ عفا(١). حن فههذا وأمثالُهُ مِنْ معارفِ الإيمانِ ينبغي أنْ يقرِّرَه على قلبِهِ . السادسُ : أنْ يعلمَ أنَّ غضبَهُ مِنْ تعُبهِ مِنْ جريانِ الشيءِ على وفقٍ مرادِ اللهِ لا على وَفقِ مرادِهِ ، فكيفَ يقولُ : مرادي أولىُ مِنْ مرادِ اللهِ ؟! ويوشكُ أنْ يكونَ غضبُ اللهِ عليهِ أعظمَ مِنْ غضِهِ . وأمَّا العملُ : فأنْ تقولَ بلسانِكَ : ( أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيم ) ، هكذا أمرَ (١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٣٧٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩/ ٢٠٤) عن الحسن . ٦١٩ حن جة محرة ٠ ٠ ١ ٠ كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يُقالَ عندَ الغيظِ (١) . وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا غضبَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها .. أخذَ بأنِفِها وقالَ : (( يا عويشُ ؛ قولي : اللهمَّ، ربَّ النَّبيِّ محمدٍ ؛ اغفرْ لي ذنبي، وأذهبْ غيظَ قلبي، وأَجرْني مِنْ مضلاَتِ الفِتنِ))(٢)، فيُستحبُّ أنْ تقولَ ذلكَ . ـنعـ فإِنْ لمْ يزُلْ بذلكَ .. فاجلس إِنْ كنتَ قائماً، واضطجعْ إنْ كنتَ جالساً ، واقربْ مِنَ الأرضِ التي منها خلقتَ ؛ لتعرفَ بذلكَ ذلَّ نفسِكَ ، واطلبْ بالجلوسِ والاضطجاع السكونَ ؛ فإنَّ سببَ الغضبِ الحرارةُ ، وسببَ الحرارةِ الحركةُ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الغضبَ جمرةٌ تُوقَدُ في القلبِ ، ألمْ تروا إلى انتفاخ أوداجِهِ وحُمرةٍ عينيهِ ؟! فإذا وجدَ أحدُكمْ مِنْ ذلكَ شيئاً ؛ فإِنْ كانَ قائماً .. فليجلسْ ، وإنْ كانَ جالساً .. فلينمْ))(٣). فإِنْ لمْ يزُلْ ذلكَ .. فليتوضَّأُ بالماءِ الباردِ أوْ يغتسلْ ؛ فإنَّ النارَ لا يطفتُها إلا الماءُ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا غضبَ أحدُكمْ .. فليتوضَّأْ جن -حن جن جن (١) رواه البخاري (٣٢٨٢)، ومسلم (٢٦١٠). (٢) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٥٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦٨ /١٨١ ) . (٣) رواه الترمذي (٢١٩١) بنحوه ، وقد تقدم بعضه ، وذكر الجلوس والاضطجاع أيضاً جاء عند أبي داوود ( ٤٧٨٢ ) . ٦٢٠