النص المفهرس
صفحات 561-580
ربع المهلكات كتاب آفات اللسان صاحبهِ بشفتين مختلفتينِ ، يهلكُ اللهُ تعالى يومَ القيامةِ كلَّ شفتينٍ مختلفتينٍ )(١) . Xجن جن حة: وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أبغضُ خليقةِ اللهِ إلى اللهِ يومَ القيامةِ الكذَّابونَ والمستكبرونَ ، والذينَ يكثرونَ البغضاءَ لإخوانِهِمْ في صدورِهمْ، فإذا لقوهُمْ .. تملَّقوا لهمْ، والذينَ إذا دُعوا إلى اللهِ ورسولِهِ .. كانُوا بطآءَ، وإذا دُعوا إلى الشيطانِ وأمرِهِ .. كانوا سِراعاً))(٢). وقالَ ابنُ مسعودٍ : لا يكونَنَّ أحدُكمْ إِمَّعةً، قالُوا : وما الإمَّعةُ؟ قالَ : يجري معَ كلِّ ربحٍ(٣) . واتَّفَقُوا على أنَّ ملاقاةَ الاثنينِ بوجهينِ نفاقٌ ، وللنِّفاقِ علاماتٌ كثيرةٌ ، وهذهِ مِنْ جملتِها . وقدْ رُويَ أنَّ رجلاً مِنْ أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ماتَ ، فلمْ يصلٌ عليهِ حذيفةُ ، فقالَ عمرُ : أيموتُ رجلٌ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولا تصلي عليهِ؟ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنَّهُ منهمْ، قالَ : فنشدْتُكَ اللهَ؛ أنا منهُمْ أمْ لا؟ قالَ: اللهمَّ لا، ولا أؤمِّنُ منها أحداً بعدَكَ (٤). (١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٢٩١). (٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٢٩٩). (٣) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٠١). (٤) رواه الخرائطي في (( مساوىء الأخلاق)) (٣١١)، وتقدم سؤال الفاروق هذا. ٥٦١ :حن حن حن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات حن فإنْ قلْتَ : بماذا يصيرُ الرجلُ ذا لسانينِ ، وما حدُّ ذلكَ ؟ فأقولُ : إذا دخلَ على متعاديينِ ، وجاملَ كلَّ واحدٍ منهما ، وكانَ صادقاً فيهِ .. لمْ يكنْ منافقاً ولا ذا لسانين ، فإنَّ الواحدَ قدْ يصادقُ متعاديينِ ، ولكنْ صداقةً ضعيفةً لا تنتهي إلى حدِّ الأخوّةِ ؛ إذْ لوْ تحقَّقَتِ الصداقةُ .. لاقتضَتْ معاداةَ الأعداءِ ، كما ذكرْناهُ في كتابِ آدابِ الصحبةِ والأخوةِ . ن؟ نعمْ، لوْ نقلَ كلامَ كلِّ واحدٍ منهما إلى الآخرِ .. فهوَ ذو لسانينٍ ، وذلكَ شرٌّ مِنَ النميمةِ؛ إذْ يصيرُ نمَّاماً بأنْ ينقلَ مِنْ أحدِ الجانبينِ فقطْ ، فإذا نقلَ مِنَ الجانبينِ .. فهوَ شرٌّ مِنَ النمامِ . وإنْ لمْ ينقلْ كلاماً ، ولكنْ حسَّنَ لكلٍ واحدٍ منهما ما هوَ عليهٍ مِنَ المعاداةِ معَ صاحبِهِ .. فهذا ذو لسانينٍ . وكذلكَ إذا وعدَ كلَّ واحدٍ منهما بأنْ ينصرَهُ ، وكذلكَ إذا أثنى على كلِّ واحدٍ منهما في معاداتِهِ ، وكذلكَ إذا أثنى على أحدِهما ، وكانَ إذا خرجَ مِنْ عندِهِ يذمُّهُ . . فهوَ ذو لسانينِ . بلْ ينبغي أن يسكتَ ، أَوْ يثنيَ على المحقِّ مِنَ المتعاديينِ ، ويثني عليهِ في حضورِهِ وفي غيبتِهِ وبينَ يدي عدوِّهِ . قيلَ لابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : إنَّا ندخلُ على أمرائِنا فنقولُ القولَ ، فإذا خرجْنا .. قلْنا غيرَهُ، فقالَ: كنَّا نعدُ ذلكَ نفاقاً على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١). (١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ٣٠٢). ٥٦٢ ربع المهلكات كتاب آفات اللسان حن وهذا نفاقٌ مهما كانَ مستغنياً عنِ الدخولِ على الأميرِ ، وعنِ الثناءِ عليهِ ، فلوِ استغنى عنِ الدخولِ ولكنْ إذا دخلَ يخافُ إنْ لمْ يثنِ .. فهوَ نفاقٌ؛ لأنَّهُ الذي أحوجَ نفسَهُ إلى ذلكَ ، وإنْ كانَ مستغنياً عنِ الدخولِ لوْ قنعَ بالقليلِ وتركَ المالَ والجاهَ ، فدخلَ لضرورةِ الجاهِ والغنى وأثنى .. فهوّ منافقٌ . وهذا معنى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حبُّ المالِ والجاهِ ينبتانِ النفاقَ في القلبِ كما يُنبتُ الماءُ البقلَ))؛ لأنَّهُ يحوِجُ إلى الأمراءِ وإلى مراعاتِهِمْ ومراءاتِهِمْ . حن فأمَّا إذا ابتليَ بهِ لضرورةٍ ، وخافَ إنْ لم يُثْنِ .. فهوَ معذورٌ؛ فإنَّ اتقاءً الشرِّ جائزٌ، قالَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إنَّا لنكشُرُ في وجوهِ أقوامٍ وإنَّ قلوبَنا لتبغضُهِمْ)(١) . وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : استأذنَ رجلٌ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ((ائذنُوا لهُ فبئسَ رجلُ العشيرةِ))، فلمَّا دخلَ عليهِ .. ألانَ لهُ القولَ، فلمَّا خرِجَ . . قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ قلتَ فيهِ ما قلتَ، ثُمَّ ألنتَ لهُ القولَ !! فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يا عائشةُ؛ إنَّ شرَّ الناسِ الذي يُكرمُ اتقاءَ فحشِهِ))(٢). (١) رواه البخاري تعليقاً قبل الحديث (٦١٣١)، ووصله البيهقي في ((الشعب)) (٧٧٤٩)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٢٢/١)، وفي (ل): (قلوبنا تلعنهم). (٢) رواه البخاري ( ٦٠٥٤)، ومسلم ( ٢٥٩١) بنحوه . ٥٦٣ دن حن كتاب آفات اللسان جــ ربع المهلكات ـححن ـة ولكنَّ هذا وردَ في الإقبالِ وفي الكشرِ والتبسُّم ، فأمَّا الثناءُ .. فهوَ كذبٌ صريحٌ ، ولا يجوزُ إلا لضرورةٍ ، أوْ إكراهٍ يُباحُ الكذبُ بمثلِهِ ، كما ذكرناهُ في آفةِ الكذبِ ، بلْ لا يجوزُ الثناءُ ، ولا التصديقُ ، ولا تحريكُ الرأسِ في معرضِ التقريرِ على كلِّ كلام باطلٍ ، فإِنْ فعَلَ ذلكَ .. فهوَ منافقٌ ، بلْ ينبغي أنْ ينكرَ ، فإنْ لمْ يقدِرْ .. فيسكُتُ بلسانِهِ وينكرُ بقلبهِ . ٥٦٤ مکن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان الآفة الثامنة عشرة: المرح وهوَ منهيٌّ عنهُ في بعضِ المواضع ، أمّا الذُّ .. فهوَ الغيبةُ والوقيعَةُ ، وقد ذكرنا حكمّها . والمدحُ يدخلُهُ ستُّ آفاتٍ ، أربعٌ في المادحِ ، واثنتانِ في الممدوحِ . جزة % ےے فأمَّا المادعُ : فالأولى: أنَّهُ قدْ يُفرِطُ ، فينتهي بهِ الإفراطُ إلى الكذب . قالَ خالدُ بن معدانَ : ( مَنْ مدحَ إماماً أوْ أحداً بما ليسَ فيهِ على رؤوسٍ الأشهادِ .. بعثَهُ اللهُ يومَ القيامةِ يتعثَّرُ بلسانِهِ)(١) . الثانيةُ: أنَّهُ قدْ يدخلُهُ الرياءُ ، فإنَّهُ بالمدح مظهرٌ للحبِّ ، وقدْ لا يكونُ مضمراً لهُ ، ولا معتقداً لجميع ما يقولُهُ ؛ فيصيرُ بهِ مرائياً منافقاً . الثالثةُ : أنَّهُ قدْ يقولُ ما لا يتحقَّقُهُ ولا سبيلَ لهُ إلى الاطلاع عليهِ ، رُوي أنَّ رجلاً مدحَ رجلاً عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ لهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ : ((ويحَكَ! قطعتَ عُنقَ صاحبكَ، لو سمعَها .. ما أفلحَ))، ثُمَّ قالَ : ((إنْ كانَ أحدُكمْ لا بدَّ مادحاً أخاهُ .. فليقلْ: أحسبُ فلاناً (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦٠٣). ں۔۔ ٥٦٥ حن حن شن قاء كتاب آفات اللسان ربع المهلكات ولا أزكِّي على اللهِ أحداً، حسيبُهُ اللهُ، إن كانَ يرى أنَّهُ كذلكَ))(١). وهذهِ الآفةُ تتطرَّقُ إلى المدحِ بالأوصافِ المطلقةِ التي تُعرفُ بالأدلَّةِ ؛ كقولِهِ: إنَّهُ متٍَّ، وورعٌ، وزاهدٌ، وخيٌِّ، وما يجري مَجراهُ . فأمَّا إذا قالَ : رأيتُهُ يصلِّي بالليلِ، ويتصدَّقُ، ويحجُّ .. فهذهِ أمورٌ مستیقنةٌ . ء ومِنْ ذلكَ قولُهُ : إنَّهُ عدلٌ رضاً ؛ فإنَّ ذلكَ خفيٌّ ، فلا ينبغي أنْ يجزمَ القولَ بهِ إلَّ بعدَ خبرةٍ باطنةٍ ، سمعَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ رجلاً يُثني على رجلٍ ، فقالَ : أسافرتَ معهُ؟ قالَ : لا ، قالَ : أخالطْتَهُ في المبايعةِ والمعاملةِ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فأنتَ جارُهُ صباحَهُ ومساءَهُ ؟ قالَ : لا ، قالَ : واللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ؛ لا أراكَ تعرفُهُ(٢). الرابعةُ: أنَّهُ قدْ يفرحُ الممدوحَ وهوَ ظالمٌ أوْ فاسقٌ ، وذلكَ غيرُ جائزِ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ تعالى يغضبُ إذا مُدحَ الفاسقُ)) (٣). (١) رواه البخاري (٦٠٦١)، ومسلم (٣٠٠٠)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥٩٧) واللفظ له ، وفي (ك) وحدها زيادة: ( لو سمعها .. ما أفلح) ، وقد رواها أحمد في المسند (٥١/٥ ) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦٠٧). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٢٩)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٤٥٤٣ ) . ئن قائد ٥٦٦ ربع المهلكات كتاب آفات اللسان ١٩ وقالَ الحسنُ : ( مَنْ دعا لظالمٍ بالبقاءِ .. فقدْ أحبَّ أنْ يُعصى اللهُ تعالى في أرضِهِ)(١) . والظالمُ الفاسقُ ينبغي أنْ يُذمَّ ليغتمَّ ، ولا يمدحَ ليفرحَ . وأمَّا الممدوحُ .. فيضرُّهُ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : أنَّهُ يحدِثُ فيهِ كبراً وإعجاباً ، وهما مهلكانِ ، قالَ الحسنُ رضيَ اللهُ عنهُ: كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ قاعداً ومعهُ الدِّرَّةُ والناسُ حولَهُ ؛ إذْ أقبلَ الجارودُ بنُ المنذرِ ، فقالَ رجلٌ : هذا سيدُ ربيعةَ ، فسمعَها عمرُ ومَنْ حولَهُ، وسمعَها الجارودُ ، فلمَّا دنا منهُ .. خفقَهُ بالدِّرَّةِ، فقالَ : ما لي ولكَ يا أميرَ المؤمنينَ ؟ فقالَ : ما لي ولكَ! أمَا لقدْ سمعتَها ؟ قالَ : سمعتُها فمَهْ؟ قالَ : خشيتُ أنْ يخالطَ قلبكَ منها شيءٌ، فأحببتُ أنْ أطأطىءَ منكَ(٢). الثاني: هوَ أنَّهُ إذا أثنى عليهِ بالخيرِ . . فرحَ بهِ وفترَ ، ورضيَ عنْ نفسِهِ ، ومَنْ أُعجبَ بنفسِهِ .. قلَّ تشمرُهُ، وإنَّما يتشمَّرُ للعملِ مَنْ يرىُ نفسَهُ مقصِّراً ، فأمَّا إذا انطلقَتِ الألسنةُ بالثناءِ عليهِ .. ظنَّ أنَّهُ قدْ أدركَ ، ولهذا (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٣١)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٨٩٨٦ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٠٥). ٥٦٧ ش حن من کتاب آفات اللسان ربع المهلكات قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( قطعْتَ عُنقَ صاحبكَ، لوْ سمعَها .. ما أفلحَ)) (١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا مَدحْتَ أخاكَ في وجهِهِ .. فكأنَّما أمرَرْتَ على حلْقِهِ موسىٌ رميضاً))(٢) . *G' وقالَ أيضاً لمَنْ مدحَ رجلاً: ((عقرْتَ الرجلَ عقرَكَ اللهُ))(٣). وقالَ مطرِّفٌ: ( ما سمعتُ قطُّ ثناءً أَوْ مدحةٌ إلاَّ تصاغرَتْ إليَّ نفسي ) ، وقالَ يزيدُ بنُ أبي مسلمٍ : ( ليسَ أحدٌ يسمعُ ثناءً عليهِ أوْ مدحةً إلا تراءى لهُ الشيطانُ، ولكنَّ المؤمنَ يراجعُ) (٤)، فقالَ ابنُ المباركِ : لقد صدقَ كلاهما ؛ أمَّا ما ذكرَهُ يزيدُ .. فذلكَ قلبُ العوامِّ، وأمَّا ما ذكرَهُ مطرِّفٌ .. فذلكَ قلبُ الخواصِ(٥). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ مشى رجلٌ إلى رجلٍ بسكينٍ مرهفٍ .. (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٥١/٥) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، ورواه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠) دون زيادة: ((لو سمعها .. ما أفلح)). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٢) من زيادات نعيم بن حماد، والرميض: الحادّ. (٣) هو موقوف من قول الفاروق عمر رضي الله عنه كما رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) ( ٣٣٥ ) . (٤) رواهما ابن المبارك في ((الزهد)) (٢١٣) من زيادات نعيم بن حماد . (٥) حكاه عنه المحاسبي في (( آداب النفوس)) ( ص ٧٣)، وله كلام مفصل في الملح في ((الوصايا)) ( ص ١٧٣ ) . جن جن حن حن جن جن جن جن إن حق ٥٦٨ ربع المهلكات كتاب آفات اللسان كان خيراً لهُ مِنْ أنْ یثنيَ علیهِ في وجهِهِ )»(١) وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( المدحُ هوَ الذبحُ)(٢)، وذلكَ لأنَّ المذبوحَ هوَ الذي يفتُرُ عنِ العملِ ، والمدحُ يوجبُ الفتورَ ، ولأنَّ المدحَ يورثُ الكبرَ والعجبَ ، وهما مهلكانِ كالذبح ، فلذلكَ شبَّهَهُ بهِ . فإنْ سلمَ المدحُ عنْ هذِهِ الآفاتِ في حقِّ المادحِ والممدوحِ .. لمْ يكنْ بهِ بأسٌ ، بلْ ربَّما كان مندوباً إليهٍ ، ولذلكَ أثنى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الصحابةِ، فقالَ : ((لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ العالمينِ .. لرجحَ))(٣)، وقالَ لعمرَ: ((لوْ لمْ أُبعثْ .. لِبُعثْتَ يا عمرُ))(٤)، وأيُّ ثناءِ يزيدُ على هذا؟ ولكنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ عنْ صدقٍ وبصيرةٍ ، وكانُوا رضيَ اللهُ عنهُم أجلَّ رتبةً مِنْ أنْ يورثَهُمْ ذلكَ كبراً أوْ عجباً أوْ فتوراً . بلْ مدحُ الرجلِ نفسَهُ قبيحٌ ؛ لما فيهِ مِنَ الكبرِ والتفاخرِ ؛ إذْ قالَ صلَّى اللهُ (١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً)، وقد تبع المصنف في إيراده مرفوعاً الحارث المحاسبي في (( آداب النفوس)) ( ص ١٠٠). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٢٦٧٨٨). (٣) رواه مرفوعاً ابن عدي في ((الكامل)) (٢٠١/٤)، والبيهقي موقوفاً على عمر رضي الله عنه في (( الشعب)) ( ٣٥) . (٤) رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٦٧٦)، وابن عدي في ((الكامل)) (١٥٥/٣) بلفظ: (( لو لم أبعث فيكم نبياً .. لبعث عمر بن الخطاب)) ، ورواه الترمذي (٣٦٨٦) بلفظ: (( لو كان بعدي نبي .. لكان عمر بن الخطاب)). ق ق ٥٦٩ حن حسن حن حن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات عليهِ وسلَّمَ : ((أنا سيدُ ولِدِ آدمَ ولا فخرَ ))(١) أيْ: لستُ أقولُ هذا تفاخراً كما يقصدُهُ الناسُ بالثناءِ على أنفسِهِمْ، وذلكَ لأنَّ افتخارَهُ كانَ باللهِ ، وبقربِهِ مِنَ اللهِ ، لا بكونِهِ مقدَّماً على ولدِ آدمَ ، كما أنَّ المقبولَ عندَ الملكِ قبولاً عظيماً إنَّما يفتخرُ بقبولِهِ إِيَّاهُ، وبهِ يفرحُ، لا بتقدُّمِهِ على بعضٍ رعاياهُ. بدو وبتفصيلِ هذِهِ الآفاتِ تقدرُ على الجمع بينَ ذِّ المدح وبين الحثِّ عليهِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((وجبَتْ)) لمَّا أثنَوا على بعضٍ الموتى(٢). وقالَ مجاهدٌ: ( إنَّ لبني آدمَ جلساءَ مِنَ الملائكةِ، فإذا ذكرَ الرجلُ أخاهُ المسلمَ بخيرٍ .. قالَتِ الملائكةُ: ولكَ مثلُهُ، وإذا ذكرَهُ بسوءٍ .. قالَتِ الملائكةُ : يا بنَ آدَمَ المستورَ عورتُهُ ؛ ارْبَعْ على نفسِكَ ، واحمدِ اللهَ الذي سترَ عورتَكَ )(٣). فهذهِ آفاتُ المدحِ . (١) رواه ابن ماجه (٤٣٠٨)، وعند مسلم (٢٢٧٨): ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)). (٢) رواه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم ( ٩٤٩). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦١٥)، واربع على نفسك: ارفق بها . حن حن حن جرة كن ٥٧٠ ربع المهلكات کتاب آفات اللسان بيان ما على المدون اعلمْ : أنَّ على الممدوح أنْ يكونَ شديدَ الاحترازِ عنْ آفةِ الكبرِ والعُجبِ ، وآفةِ الفتورِ ، ولا ينجو منهُ إلاَّ بأنْ يعرفَ نفسَهُ ، ويتأمَّلَ في خطرٍ الخاتمةِ ، ودقائقِ الرياءِ ، وآفاتِ الأعمالِ ، فإنَّهُ يعرفُ مِنْ نفسِهِ ما لا يعرفُهُ المادحُ، ولوِ انكشفَ لهُ جميعُ أسرارِهِ وما يجري على خواطرِهِ .. لكفَّ المادحُ عنْ مدحِهِ . وعليهِ أنْ يُظهرَ كراهةَ المدحِ بإذلالِ المادحِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((احتُوا في وجوهِ المدَّاحينَ الترابَ)) (١). وقالَ سفيانُ بنُ عيينةَ: ( لا يضرُّ المدحُ مَنْ عرفَ نفسَهُ)(٢). وأُثنيَ على رجلٍ مِنَ الصالحينَ ، فقالَ: (اللهمَّ؛ إنَّ هؤلاءٍ لا يعرفوني، وأنتَ تعرفُني)(٣). وقالَ آخرُ لمَّا أُثْنِيَ عليهِ : ( اللَّهِمَّ؛ إنَّ عبدَكَ هذا تقرَّبَ إليَّ بمقتِكَ ، وأنا أشهدُكَ على مقتِهِ ) (٤) . (١) رواه مسلم (٣٠٠٢) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٦٠٨). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٠١). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٠٢). ٥٧١ حن كن حن حن جن ---------- -------.<<<<<<< كتاب آفات اللسان ربع المهلكات بثن ون وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا أُثنيَ عليهِ : ( اللَّهِمَّ ؛ اغفرْ لي ما لا يعلمونَ، ولا تؤاخذْني بما يقولونَ، واجعلْني خيراً ممَّا يظنُّونَ)(١). وأثنى رجلٌ على عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، فقالَ : ( أتهلكُني وتهلكُ نفسكَ ؟! )(٢). وأثنى رجلٌ على عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ في وجهِهِ ، وكانَ بلغَهُ أنَّهُ يقعُ فيهِ ، فقالَ عليٍّ: ( أنا دونَ ما قلتَ، وفوقَ ما في نفسِكَ)(٣). C حن حن جن حن حن حن حن (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٣٢/٣٠) عن الأصمعي يحكيه عن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦١٠). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦١١). ٥٧٢ حر ربع المهلكات حن کتاب آفات اللسان الآّفسِ اللّسعة عشرة: في الغفلة عن قائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيَّما فيما يتعلَّقُ باللهِ وصفاتِهِ ، ويرتبطُ بأمورِ الدينِ ، فلا يقدرُ على تقويمِ اللفظِ في أمورِ الدينِ إلَّ العلماءُ الفصحاءُ . فمَنْ قصَّرَ في علمٍ أوْ فصاحةٍ .. لمْ يخلُ كلامُهُ عنِ الزَّالِ، لكنَّ اللهَ تعالى يعفو عنهُ لجهلِهِ . مثالُهُ : ما قالَ حذيفةُ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يقلْ أحدُكُمْ : ما شاءَ اللهُ وشئْتَ، ولكنْ لِيقُلْ: ما شاءَ اللهُ ثُمَّ شئْتَ)) (١) . وذلكَ لأنَّ في العطفِ المطلقِ تشريكاً وتسويةً ، وهوَ على خلافٍ الاحترامِ . جيـ حن حن وقالَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فكلَّمَهُ في بعض الأمورِ ، فقالَ: ما شاءَ اللهُ وشئتَ ، فقالَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٤٤)، ورواه أبو داوود (٤٩٨٠)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٧٥٥) بلفظ: ((لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن قولوا : ما شاء الله ثم شاء فلان)) ، وبلفظ المصنف رواه ابن ماجه (٢١١٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وروى النسائي (٦/٧) من حديث قتيلة رضي الله عنها : أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم تندِّدون ، وإنكم تشركون ، تقولون : ما شاء الله وشئتَ ، وتقولون : والكعبةِ ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا : ورب الكعبة ، ويقولون : ما شاء الله ثم شئتَ . Co ٥٧٣ كتاب آفات اللسان ربع المهلكات صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أجعلتَي للهِ عديلاً؟! بلْ ما شاءَ اللهُ وحدَهُ))(١) وخطبَ رجلٌ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: مَنْ يطع اللهَ ورسولَهُ .. فقدْ رَشَدَ، ومَنْ يعصِهِمَا .. فقدْ غوى، فقالَ: (( قُلْ: ومَنْ يعصِ اللهَ ورسولَهُ .. فقدْ غَوى))(٢)، فكرةَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قولَهُ: ((ومَنْ يعصِهِما)) ؛ لأنَّهُ تسويةٌ وجمعٌ (٣) . وكانَ إبراهيمُ يكرَهُ أنْ يقولَ الرجلُ : أعوذُ باللهِ وبِكَ ، ويجوِّزُ أنْ يقولَ : أعوذُ باللهِ ثمَّ بكَ ، وأنْ يقولَ : لولا اللهُ ثمَّ فلانٌ ، ولا يقولُ : لولا اللهُ وفلانٌ (٤) . وكرِهَ بعضُهمْ أنْ يُقالَ : اللَّهمَّ ؛ أعتقْنا مِنَ النارِ ، ويقولُ : العتقُ يكونُ بعدَ الورودِ ، وكانوا يستجيرونَ مِنَ النارِ ، ويتعوَّذونَ مِنَ النّارِ(٥) . ـحر (١) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)) ( ١٠٧٥٩). (٢) رواه مسلم ( ٨٧٠ ) . (٣) أي: ذكرهما في حيز واحد ، هذا هو المشهور ، واختلف في ذلك ؛ فقيل : كان ذلك في أول الإسلام ، ثم لما شاع وانتشر وكمل نور الإيمان .. أبيح ذلك كما ذكره شرَّاح (( الشفاء))، وقال بعضهم: ولعل الأوجه أن يقال: العدول عن الاسمين الكريمين غير لائق وإن كان المقام يقتضي الضمير اختصاراً ، ولهذا ورد في كثير من القرآن : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ولله در القائل: أعدْ ذكرَ نَعمانَ لنا إنَّ ذكرَهُ هوَ المسكُ مَا كَزَّرْتَهُ يتضوَّعُ («إتحاف)) ( ٧ /٥٧٥ ) . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٤٧)، وإبراهيم هو النخعي. (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٤٨). ٥٧٤ حن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان حر وقالَ رجلٌ : اللَّهِمَّ ؛ اجعلْني ممَّنْ تصيبُهُ شفاعةُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ حذيفةُ : ( إنَّ اللهَ يُغني المؤمنينَ عنْ شفاعةِ محمدٍ ، وتكونُ شفاعتُهُ للمذنبينَ مِنَ المسلمينَ)(١). وقالَ إبراهيمُ : ( إذا قالَ الرجلُ للرجلِ : يا حمارُ ، يا خنزيرُ .. قيلَ لهُ يومَ القيامةِ : حماراً رأيتَتَي خلقتُهُ؟ خنزيراً رأيتَي خلقتُهُ؟ )(٢). وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( إنَّ أحدَكمْ ليشركُ حتَّى يشركَ بكلبهِ ، يقولُ: لولاهُ .. لسُرقْنا الليلةَ)(٣). وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ تعالى ينهاكُمْ أَنْ تحلفُوا بآبائِكُم ، مَنْ كانَ حالفاً .. فلْيحلِفْ باللهِ أوْ لِيَصْمُتْ))، قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: واللهِ؛ ما حلفْتُ بها منذُ سمعتُها (٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا تسمُّوا العنبَ الكرمَ، إنَّما الكرمُ الرجلُ المسلمُ)) (٥) . وقالَ أبو هريرةَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يقولنَّ أحدُكُمْ : عبدي وأمتي ، كلَّكمْ عبيدُ اللهِ ، وكلُّ نسائِكُمْ إماءُ اللهِ ، ولكنْ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٤٩). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٥٣). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣٦٠). (٤) رواه البخاري ( ٦٦٤٧)، ومسلم (٣/١٦٤٦) واللفظ له . (٥) رواه البخاري ( ٦١٨٣)، ومسلم (٢٢٤٧) واللفظ له . : ٥٧٥ ئن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات ليقُلْ : غلامي وجاريتي ، وفتايَ وفتاتي ، ولا يقُلِ المملوكُ: ربِّي ، ولا ربَّتي، ولكنْ ليقلْ: سيدي وسيدتي، فكلّكمْ عبيدُ اللهِ، والربُّ اللهُ سبحانَهُ وتعالى))(١). 0 وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تقولُوا للمنافقِ: سيدُنا؛ فإنَّهُ إنْ يكنْ سيدَكُمْ .. فقدْ أسخطْتُمْ رَّكمْ))(٢) . قتـ وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ قالَ: أنا بريءٌ مِنَ الإسلام ؛ فإنْ كانَ صادقاً .. فهوَ كما قالَ، وإنْ كانَ كاذباً .. فلنْ يرجعَ إلى الإسلامِ سالماً)) (٣). فهذا وأمثالُهُ ممَّا يدخلُ في الكلام ، ولا يمكنُ حصرُهُ . مھ ومَنْ تأمَّلَ جميعَ ما أوردناهُ مِنْ آفاتِ اللسانِ .. علمَ أنَّهُ إذا أطلقَ لسانَهُ .. لمْ يسلمْ ، وعندَ ذلكَ يعرفُ سرَّ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ صمتَ .. نجا))(٤)، لأنَّ هذهِ الآفاتِ كلَّها مهالكُ ومعاطبُ ، وهيَ على طريقٍ المتكلِّمِ . ـدو بان (١) رواه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٦٥) واللفظ له . (٢) رواه أبو داوود (٤٩٧٧)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٦٧) واللفظ له . (٣) رواه أبو داوود (٣٢٥٨)، والنسائي (٦/٧)، وابن ماجه (٢١٠٠). (٤) رواه الترمذي ( ٢٥٠١) . حج : حن. ٥٧٦ حن حن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان فإنْ سكتَ .. سلمَ مِنْ الكلِّ، وإنْ نطقَ وتكلَّمَ .. خاطرَ بنفسِهِ، إلاَّ أنْ يوافقَهُ لسانٌ فصيحٌ، وعلمٌ غزيرٌ، وورعٌ حافظٌ ، ومراقبةٌ لازمةٌ، ويقلِّلَ مِنَ الكلام ، فعساهُ يسلمُ عندَ ذلكَ ، وهوَ معَ جميع ذلكَ لا ينفكُ عنِ الخطرِ ، فإنْ كنتَ لا تقدرُ على أنْ تكونَ ممَّن تكلَّمَ فغنمَ .. فكنْ ممَّنْ سكَتَ فسلِمَ ؛ فالسلامةُ إحدى الغنيمتَيْنِ . ٥٧٧ انكم: كتاب آفات اللسان ربع المهلكات حن الآفة العشرون: سؤال العوامّ عن صفات الله تعالى وعن كلامن، وعن الحروف، وأنّها قديمة أو محدَثة ومِنْ حقُّهمُ الاشتغالُ بالعملِ بما في القرآنِ (١) ، إلاَّ أنَّ ذلك ثقيلٌ على النفوسِ ، والفضولَ خفيفٌ على القلبِ ، والعاميُّ يفرحُ بالخوضِ في العلمِ ؛ إذ الشيطانُ يخيِّلُ إليهِ : إنَّكَ مِنَ العلماءِ وأهلِ الفضلِ . ولا يزالُ يحبِّبُ إليهِ ذلكَ حتَّى يتكلَّمَ في العلمِ بما هوَ كفرٌ وهوّ لا يدري . وكلُّ كبيرةٍ يرتكبُها العاميُّ فهيَ أسلمُ لهُ مِنْ أنْ يتكلّمَ في العلمِ ، لا سيّما فيما يتعلَّقُ باللهِ وصفاتِهِ، وإنَّما شأنُ العوامِّ الاشتغالُ بالعباداتِ، والإيمانُ بما (١) أي: من الأوامر والنواهي. ((إتحاف)) (٥٧٩/٧)، ثم ما المراد بالعاميِّ في هذا الباب؟ يقول الحافظ الزبيدي موضحاً ومبيناً في ((إتحافه)) (٥٨١/٧): ( وليس المراد بالعوام السوقية والأجلاف من أهل السواد فقط ، بل في معنى العوام الأديب والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه والمتكلم ، بل كل عالم سوى المتجردين لعلم السباحة في بحار المعرفة القاصرين أعمارهم عليه ، الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات ، المعرضين عن المال والجاه والخلق وسائر اللذات ، المخلصين لله تعالى في العلوم والأعمال ، القائمين بجميع حدود الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات وترك المنكرات ، المفرغين قلوبهم بالجملة عن غير الله لله ، المستحقرين للدنيا بل للآخرة في جنب محبة الله تعالى ، فهؤلاء هم أهل الغوص في بحر المعرفة ، وهم مع ذلك كله على خطر عظيم ، يهلك في العشرة تسعة إلى أن يسعد واحد منهم بالدر المكنون والسر المخزون ) . كن كن ون كن حن حق حن حں 03 ٥٧٨ ـدن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان وردَ بهِ القرآنُ، والتسليمُ لما جاءَتْ بهِ الرسلُ مِنْ غيرِ بحثٍ . وسؤالُهُمْ عنْ غيرِ ما يتعلقُ بالعباداتِ سوءُ أدبٍ منهُمْ ، يستحقُّونَ بِهِ المقتَ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ويتعرَّضونَ لخطرِ الكفرِ ، وهوَ كسؤالِ ساسةٍ الدوابِ عنْ أسرارِ الملوكِ ، وهوَ موجبٌ للعقوبةِ ، وكلُّ منْ سألَ عنْ علمٍ غامضٍ ولمْ يبلغْ فهمُّهُ تلكَ الدرجةَ فهوَ مذمومٌ ؛ فإنَّهُ بالإضافةِ إليهِ عاميٌّ ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ذروني ما تركتُكُمْ، فإنَّما هلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم بكثرةِ سؤالِهِمْ ، واختلافِهِمْ على أنبيائِهِمْ ، ما نهيتُكُمْ عنهُ فاجتنبُوهُ، وما أمرتَكُمْ بهِ فأتوا منهُ ما استطعتُمْ))(١). وقالَ أنسٌّ : سألَ الناسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يوماً حتَّى أكثرُوا عليهِ وأغضبُوهُ، فصعدَ المنبرَ وقالَ: (( سلوني، فلا تسألُوني عنْ شيءٍ إلا أنبأتكُمْ بهِ))، فقامَ إليهِ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ؛ مَنْ أبي؟ فقالَ: « أبوكَ حذافةٌ)) ، فقامَ إليهِ شابَّانِ أخوانٍ ، فقالا : يا رسولَ اللهِ؛ مَنْ أبونا ؟ فقالَ : ((أبوكُما الذي تدعيانِ إليهِ ) فقامَ إليهِ رجلٌ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أفي الجنةِ أنا أمْ في النارِ ؟ فقالَ: لا، بلْ في النارِ )) ، فلمَّا رأى الناسُ غضبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. أمسكُوا، فقامَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : رضينا باللهِ ربّاً، وبالإسلام ديناً ، وبمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رسولاً، فقالَ: (( اجلسْ يا عمرُ؛ يرحمُكَ اللهُ، إنَّكَ ما علمتَ لموفقٌ)) (٢). ق (١) رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم ( ١٣٢٧). (٢) رواه البخاري (٩٣)، ومسلم (٢٣٥٩) وليس فيهما ذكر الشابين والسائل عن = ٥٧٩ مان جو بين حن حن حم جن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات وفي الحديثِ : ( نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ القيلِ والقالِ، وإضاعةِ المالِ ، وكثرةِ السؤالِ)(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يوشكُ الناسُ يتساءلونَ بينهُمْ حتَّى يقولوا هذا : خَلقَ اللهُ الخلقَ، فمَنْ خلقَ اللهَ؟ فإذا قالُوا ذلكَ .. فقولوا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ : اللَّهُ الصََّمَدُ ... ﴾ حتَّى تختموا السورةَ، ثمَّ ليتقُلْ أحدُكمْ عنْ يسارِهِ ثلاثاً ، وليستعذ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ))(٢). وقالَ جابرٌ : ( ما نزلَتْ آيَةُ التلاعنِ إلا لكثرةِ السؤالِ)(٣). وفي قصة موسى والخضرِ عليهما السلامُ تنبيهٌ على المنع مِنَ السؤالِ قبلَ أوانِ استحقاقِهِ؛ إذْ قالَ : ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسََّلْنِى عَن شَىْءٍ حَتََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، فلمَّا سألَ عنِ السفينةِ .. أنكرَ عليهِ حتَّى اعتذرَ، وقالَ: ﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾، فلمَّا لم يصبرْ حتَّى سألَ ثلاثاً .. قالَ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ﴾ وفارقَهُ . فسؤالُ العوامِّ عنْ غوامضِ الدينِ مِنْ أعظمِ الآفاتِ ، وهوَ مِنَ المثيراتِ عاقبته ، ورواه أحمد في «المسند» ( ١٦٢/٣) وليس فيه ذكر الشابين. ۔ (١) رواه البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (٥٩٣) ( كتاب الأقضية ، باب النهي عن كثرة المسائل ) . (٢) رواه أبو داوود ( ٤٧٢٢)، وبنحوه رواه البخاري (٧٢٩٦)، ومسلم (١٣٤). (٣) رواه الخطيب في ((الأسماء المبهمة)) (ص٤٨١). G ٥٨٠