النص المفهرس

صفحات 541-560

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
شرب
نعمْ، لوْ وجدَ عنهُ معدلاً، وأمكنَهُ التعريفُ بعبارةٍ أخرى .. فهوَ أولى ،
ولذلكَ يُقالَ للأعمى : البصيرُ ؛ عدولاً عنِ اسمِ النقصِ .
السادسُ : أنْ يكونَ مجاهراً بالفسقِ :
كالمخنَّثِ ، وصاحبِ الماخورِ ، والمجاهرِ بشربِ الخمرِ ، ومصادرةِ
الناسِ ، وكانَ ممنْ يتظاهرُ بالفسقِ ؛ بحيثُ لا يستنكفُ مِنْ أنْ يُذكرَ لهُ ،
ولا يكرهُ أنْ يُذكرَ بهِ ، فإذا ذُكرَ منهُ ما يتظاهرُ بهِ .. فلا إثمَ ، قالَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ ألقىُ جلبابَ الحياءِ عنْ وجهِهِ .. فلا غيبةً
لهُ))(١) .
برم ديد
مكن
حن
٧٥٠
وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ليسَ لفاجرِ حرمةٌ )(٢) ، وأرادَ
بهِ المجاهرَ بفسقِهِ دونَ المستترِ ؛ إذِ المستترُ لا بدَّ مِنْ مراعاةِ حرمتِهِ .
وقالَ الصَّلتُ بنُ طريفٍ : قلتُ للحسنِ : الرجلُ الفاجرُ المعلنُ بفجورِهِ
ذكري لهُ بما فيهٍ غيبةٌ؟ قالَ : لا، ولا كرامةً(٣).
وقالَ الحسنُ : ( ثلاثةٌ لا غيبةً لهمْ : صاحبُ الهوى ، والفاسقُ المعلنُ
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٨٦/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)»
( ١٠ /٢١٠ ).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٢٣٣).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٢٣٢).
٥٤١
حن شن حي ض ضن عن
كن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
بفسقِهِ، والإمامُ الجائرُ)(١)، وهؤلاءِ الثلاثةُ يجمعُهُمْ أنَّهمْ يتظاهرونَ بهِ ،
وربَّما يتفاخرونَ بهِ ، فكيفَ يكرهونَ ذلكَ وهمْ يقصدُونَ إظهارَهُ ؟!
نعمْ ؛ لوْ ذكرَهُ بغيرِ ما يتظاهرُ بهِ .. أَثُمَ .
وقالَ عوفٌ : دخلْتُ على ابن سيرينَ ، فتناولْتُ عندَهُ الحجَّاجَ ، فقالَ :
إنَّ اللهَ حكمٌ عدْلٌ ينتقمُ للحجاج ممَّنِ اغتابَهُ ، كما ينتقمُ مِنَ الحجاجِ لمَنْ
ظلمَهُ ، وإنَّكَ إِذا لقيتَ اللهَ تعالى غداً .. كانَ أصغرُ ذنبٍ أصبتَهُ أشدَّ عليكَ
مِنْ أعظمٍ ذنبٍ أصابَهُ الحجَّاجُ(٢).
ـيييين
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٣٥)، وروى عنه أيضاً (٢٣٧)
قال: (إذا ظهر فجوره .. فلا غيبة له ، قال : نحو المخنث ونحو الحرورية )،
والحرورية فرقة من الخوارج .
٢
(٢) كذا في ((الرسالة القشيرية)) ( ص ٢٨٤)، وبنحوه رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف))
(٣١٢٢٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ٢٧٠).
٥٤٢
ن

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
بيان كفارة الغيبة
اعلمْ : أنَّ الواجبَ على المغتابِ(١) أنْ يندمَ ويتوبَ، ويتأسَّفَ على
ما فعلَهُ؛ ليخرجَ بهِ مِنْ حقِّ اللهِ سبحانَهُ، ثمَّ يستحلَّ المغتابَ ليُحِلَّهُ فيخرجَ
مِنْ مظلمتِهِ ، وينبغي أنْ يستحلَّهُ وهوَ حزينٌ متأسَّفٌ نادمٌ على فعلِهِ ، إذ
المرائي قدْ يستحلُّ ليظهرَ مِنْ نفسِهِ الورعَ ، وفي الباطنِ لا يكونُ نادماً ،
فيكونُ قدْ قارفَ معصيةً أخرى .
وقالَ الحسنُ : ( يكفيهِ الاستغفارُ دونَ الاستحلالِ ) ، وربَّما احتجَّ في
ذلكَ بما روى أنسُ بنُ مالكِ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((كفَّارةُ مَنِ اغتبْتَ أنْ تستغفرَ لهُ))(٢).
٩٥
وقالَ مجاهدٌ : ( كفارةُ أكلِكَ لحمَ أخيكَ أنْ تثنيَ عليهِ ، وتدعوَ لهُ
بخيرٍ )(٣) .
وسئلَ عطاءُ بنُ أبي رباح عنِ التوبةِ مِن الفريةِ ، قالَ : أَنْ تمشيَ إلى
(١) أي: الذي اغتاب ، فهي صيغة اسم فاعل، وقوله بُعيدهُ: ( يستحل المغتاب ) أي :
الذي اغتيب ، فهي صيغة اسم مفعول ، والتفرقة تكون بالقرائن .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٢٩٣)، والخرائطي في « مساوىء
الأخلاق)) (٢١٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٣٦٨)، و((الدعوات الكبير))
(٥٠٧)، وروي هذا الرأي عن عبد الله بن المبارك، فقد روى البيهقي في ((الشعب))
(٦٣٦٧) عنه قال : (إذا اغتاب رجل رجلاً .. فلا يخبره به ، ولكن يستغفر الله).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٩٤).
تبه
تة
٥٤٣
حن
ٹں

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
ڈں.
صاحبكَ فتقولَ : كذبْتُ فيما قلْتُ، وظلمْتُ ، وأسأْتُ ، فإنْ شئْتَ ..
أخذْتَ بحقِّكَ، وإنْ شئتَ .. عفوتَ (١).
وهذا هوَ الأصح .
وقولُ القائلِ : العرْضُ لا عوضَ لهُ ؛ فلا يجبُ الاستحلالُ منهُ ؛
بخلافِ المالِ .. كلامٌ ضعيفٌ؛ إذْ قدْ وجبَ في العرضِ حدُّ القذفِ ،
وتثبتُ المطالبةُ بهِ .
بلْ في الحديثِ الصحيح: ما رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( مَنْ
كانَتْ لأخيهِ عندَهُ مظْلمَةٌ في عرضٍ أوْ مالٍ .. فليتحللْهُ منهُ مِنْ قبلِ أنْ يأتيَ
يومٌ ليسَ هناكَ دينارٌ ولا درهمٌ، إنَّما يؤخذُ مِنْ حسناتِهِ ، فإنْ لمْ يكُنْ لهُ
حسناتٌ .. أخذَ مِنْ سيئاتِ صاحبِهِ فزيدَتْ على سيِّئَاتِهِ)) (٢) .
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها لامرأةٍ قالَتْ لأخرى : إنَّها طويلةُ الذيل :
( قدِ اغتبتيها، فاستحلِّيها)(٣).
فإذاً؛ لا بدَّ مِنَ الاستحلالِ إنْ قدرَ عليهِ ، فإنْ كانَ غائباً أَوْ ميتاً ..
فينبغي أنْ يكثرَ لهُ الاستغفارَ والدعاءَ ، ويكثرَ مِنَ الحسناتِ .
حن
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٩٥).
(٢) رواه البخاري ( ٢٤٤٩) .
(٣) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٢٠٠).
٥٤٤

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
فإنْ قِلْتَ : فالتحليلُ هل يجبُ ؟
فأقولُ: لا؛ لأنَّهُ تبرُّعٌ، والتبزُّعُ فضلٌ وليسَ بواجبٍ ، ولكنَّهُ
مستحسنٌ ، وسبيلُ المعتذِرِ : أنْ يبالغَ في الثناءِ عليهِ ، والتَّودُّدِ إليهِ ، ويلازمَ
ذلكَ حتَّى يطيبَ قلبُهُ، فإنْ لمْ يطِبْ قلبُهُ .. كانَ اعتذارُهُ وتوذُّدُهُ حسنةً
محسوبةٌ لهُ ، يقابلُ بها سيئةَ الغيبةِ في القيامةِ .
بسعر
وكانَ بعضُ السلفِ لا يحللُ، قالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ : ( لا أحللُ مَنْ
ظلمَني )(١) .
حن
وقالَ ابنُ سيرينَ : ( إني لمْ أحرِّمْها عليهِ فأحلِّلَها لهُ، إنَّ اللهَ حرَّمَ الغيبةَ
عليهِ، وما كنتُ لأحلِّلَ ما حرَّمَهُ اللهُ أبداً)(٢).
فإنْ قلْتَ: فما معنى قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ينبغي أنْ
يستحلَّها)) وتحليلُ ما حرَّمَهُ اللهُ تعالى غيرُ ممكنٍ ؟
فنقولُ : المرادُ بهِ العفوُ عنِ المظلمةِ ، لا أنْ ينقلبَ الحرامُ حلالاً ،
(١) إذ لم يسامح من آذاه وضربه على البيعة لعبد الملك بن مروان كما في ((طبقات بن
سعد)) ( ٧/ ١٢٧ ) .
(٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٩٠)، وأبو نعيم في (( الحلية))
( ٢٦٣/٢ ) .
رہڭ
٥٤٥
حن حن حي حن جن ون

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
حجن
وما ذكرَهُ ابنُ سيرينَ حسنٌ في التحليلِ قبلَ الغيبةِ ، فإنَّهُ لا يجوزُ لهُ أنْ يحلِّلَ
لغيرِهِ الغيبةَ .
2G
فإنْ قلْتَ: فما معنى قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أيعجزُ أحدُكُمْ
أنْ يكونَ كأبي ضمضمٍ ؛ كانَ إذا خرجَ مِنْ بيتِهِ .. قَالَ : اللَّهمَّ ؛ إنِّي
تصدَّقتُ بعرضي على الناس )) (١) ، فكيفَ يتصدَّقُ بالعرْضِ ؟ ومنْ تصدَّقَ بهِ
فهلْ يُباحُ تناولُهُ ؟ فإنْ كانَ لا تنفذُ صدقتُهُ .. فما معنى الحثِّ عليهِ ؟
فنقولُ : معناهُ : أنِّي لا أطلبُ مظلمةً في القيامَةِ منهُ، ولا أخاصمُهُ ،
وإلَّ .. فلا تصيرُ الغيبةُ حلالاً بهِ ، ولا تسقطُ المظلمةُ عنهُ؛ لأنَّهُ عفوٌ قبلَ
الوجوب ، إلاَّ أنَّهُ وعدٌ، ولهُ العزمُ على الوفاءِ بألا يخاصمَ ، فإنْ رجعَ
وخاصمَ .. كانَ القياسُ كسائرِ الحقوقِ أنَّ لهُ ذلكَ، بلْ صرَّحَ الفقهاءُ بأنَّ مَنْ
أباحَ القذفَ .. لمْ يسقط حقُّهُ مِنْ حدِّ القذفِ ، ومظلمةُ الآخرةِ مثلُ مظلمةٍ
الدنيا .
وعلى الجملةِ : فالعفوُ أفضلُ، قالَ الحسنُ : ( إذا جثَتِ الأممُ بينَ
آن
حن
(١) رواه الطبراني في ((مكارم الأخلاق)) (٥٣)، وابن السني في (( عمل اليوم والليلة))
( ٦٥ ) .
٥٤٦
حن حن

ربع المهلكات
حر
كتاب آفات اللسان
يدي اللهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ .. نُودُوا: ليقُمْ مَنْ كانَ أجرُهُ على اللهِ ، فلا
يقومُ إلَّ العافونَ عنِ الناسِ في الدنيا)(١).
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ... ﴾ الآيةَ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((يا جبريلُ؛ ما هذا؟ فقالَ: إنَّ اللهَ يأمرُكَ أنْ تعفوَ عمَّنْ
ظلمَكَ، وتصلَ مَنْ قطعَكَ، وتعطيَ مَنْ حرمَكَ))(٢).
ورُوِيَ عنِ الحسنِ : أنَّ رجلاً قالَ لهُ : إنَّ فلاناً قدِ اغتابَكَ ، فبعثَ إليهِ
رُطباً على طبقٍ وقالَ : قَدْ بلغَني أنَّكَ أهديتَ إليَّ منْ حسناتِكَ ، فأردتُ أنْ
أكافِئَكَ عليها ، فاعذرْني ؛ فإنِّي لا أقدِرُ أنْ أكافئَكَ على التمام(٣).
مان
%
بيــ
.بي. جر
(١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٣٧٩)، ورواه البيهقي في (( الشعب))
(٧٩٦٠) مرفوعاً .
(٢) رواه أبو نعيم في (( معرفة الصحابة)) (٢٣١٠/٤) من حديث قيس بن سعد بن عبادة ،
ورواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٢٥) عن أمَيِّ الصيرفي.
(٣) الرسالة القشيرية (ص ٢٨٥).
٥٤٧
حن

تهـ
کتاب آفات اللسان
:00-
ربع المهلكات
ـحن
3
التميم
الآفة السّاوستة عشرة
قالَ اللهُ تعالى: ﴿هَمٍَّ قَّشَّكِمٍ بِنَمِيمٍ﴾، ثم قَالَ: ﴿عُثُلِ بَعْدَ ذَلِكَ
زَنِيمٍ﴾ .
%G
قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ : الزنيمُ : ولدُ الزنا الذي لا يكتمُ الحديثَ .
وأشارَ بهِ إلى أنَّ كلَّ مَنْ لمْ يكتمِ الحديثَ ومشى بالنميمةِ .. دلَّ على أنَّهُ
ولدُ زناً ؛ استنباطاً مِنْ قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿عُثُلِ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، والزنيمُ:
هوَ الدَّعيُّ .
وقالَ تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَّزَةٍ﴾، قيلَ: الْهُمْزَةُ: النَّمَامُ(١).
وقال تعالى: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، قيلَ: إِنَّها كانَتْ نمَّامةً، حمَّالةٌ
للحديثِ(٢).
وقال تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، قيلَ: كانتِ
امرأةُ لوطٍ تخبرُ بالضيفانِ ، وامرأةٌ نوح كانَتْ تخبرُ أنَّهُ مجنونٌ (٣).
حن
٤٠
(١) روى ذلك ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٢٦٤) عن ابن عباس رضي الله
عنهما .
كرة حن حز حن جن
(٢) روى ذلك ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٢٦٥) عن مجاهد .
(٣) روى ذلك ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٧١) عن ابن عباس رضي الله
عنهما .
ـدن
٥٤٨
حن
حن

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
وقد قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يدخلُ الجنَّةَ نَّمٌ))(١).
وفي حديثٍ آخرَ : (( لا يدخلُ الجنةَ قتَّاتٌ))(٢)، والقَّتُ: هوَ
النمَّامُ .
حن
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أحبُّكمْ إلى اللهِ
أحاسنُكُمْ أخلاقاً ، الموطؤونَ أكنافاً ، الذينَ يَألفونَ ويُؤلفونَ ، وإنَّ
أبغضَكمْ إلى اللهِ المشاؤونَ بالنميمةِ ، المفرِّقونَ بينَ الإخوانِ ، المُلْتمسونَ
للبرآءِ العثراتِ)) (٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( ألا أخبرُكمْ بشرارِكمْ؟)) قالُوا: بلى،
قالَ: ((المشاؤونَ بالنميمةِ، المفسدونَ بينَ الأحبَّةِ، الباغونَ للبرآءِ العنتَ))(٤).
مكن
حن
وقالَ أبو ذرٍّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ أشادَ على
مسلمٍ كلمةً ليشينَهُ بها بغيرِ حقِّ .. شانَهُ اللهُ بها في النارِ يومَ القيامةِ))(٥) .
وقالَ أبو الدرداءِ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أيُّما رجلٍ
أشاعَ على رجلٍ كلمةً وهوَ منها بريءٌ ليشينَهُ بها في الدنيا .. كانَ حقّاً على اللهِ
(١) رواه مسلم ( ١٠٥).
(٢) رواه البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٦٩/١٠٥).
(٣) رواه الطبراني في ((الصغير)) (٢٥/٢)، وابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس))
( ١٤٦ ) .
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٥٩/٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١٦٧/٢٤).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٥٨).
٥٤٩
حں۔
ٹن

كتاب آفات اللسان
ہے
ربع المهلكات
محن
أنْ يذيبَهُ بها يومَ القيامةِ في النارِ »(١)
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ شهدَ على
مسلمٍ شهادةً ليسَ لها بأهلِ .. فليتبوَّأْ مقعدَهُ مِنَ النّارِ))(٢).
ويقالُ : إنَّ ثلثَ عذابِ القبرِ منَ النميمةِ (٣).
وعنِ ابنِ عمرَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ تعالى لمَّا خَلَقَ
الجنَّةَ .. قالَ لها : تكلَّمي، فقالَتْ: سَعِدَ مَنْ دخلَني ، فقالَ الجَّارُ جلَّ
جلالُهُ : وعزَّتي وجلالي ؛ لا يسكنُ فيكِ ثمانيةُ نفرٍ مِنَ الناسِ ، لا يسكنُ
فيكِ مدمنُ خمرٍ ، ولا مصرٍّ على الزِّنا، ولا قتَّاتٌ - وهوَ النَّمامُ -
ولا ديوثٌ، ولا شُرَطِيٌّ ، ولا مخنثٌ ، ولا قاطعُ رحمٍ ، ولا الذي يقولُ :
عليَّ عهدُ اللهِ إنْ لمْ أَفعلْ كذا وكذا ثمَّ لمْ يفِ بهِ))(٤) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٥٩) موقوفاً على أبي الدرداء
رضي الله عنه ، قال الحافظ العراقي : ( ورواه الطبراني بلفظ آخر من حديثه مرفوعاً ) .
((إتحاف)) ( ٥٦٣/٧) .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٥٠٩/٢)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان))
(٢٦٠ ) .
حن
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٩٠) عن قتادة يذكره.
(٤) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده هكذا بتمامه، ولأحمد: (( لا يدخل الجنة عاق
لوالديه والديوث » ، وفيه من لم يسم ، وللنسائي من حديث ابن عمر : (( لا يدخل
الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر))، وفيه انقطاع واضطراب ، وللشيخين من حديث
حذيفة: ((لا يدخل الجنة قتات))، ولهما من حديث جبير بن مطعم: (( لا يدخل الجنة
قاطع "، وذكر صاحب ((الفردوس)) من حديث ابن عباس: (( لما خلق الله الجنة فقال =
ون فخ حن
ـون
حن حن
٥٥٠

ربع المهلكات
جـ
من
كتاب آفات اللسان
وروى كعبُ الأحبارِ : ( أنَّ بني إسرائيلَ أصابَهمْ قحطٌ ، فاستسقى
موسى عليهِ السَّلام مراتٍ فما سُقوا، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : إِنِّي
لا أستجيبُ لكَ ولمنْ معكَ وفيكمْ نمامٌ قدْ أصرَّ على النميمةِ ، فقالَ
موسى : يا ربِّ؛ منْ هوَ؟ دلَّني عليهِ حتَّى نخرجَهُ مِنْ بيننا ، قالَ :
يا موسى ؛ أنهاكُمْ عنِ النميمةِ وأكونُ نماماً؟! فتابوا جميعاً ؛ فسُقُوا ) .
ويُقالُ : اتبعَ رجلٌ حكيماً سبعَ مئةٍ فرسخٍ في سبعٍ كلماتٍ ، فلمَّا قدمَ
عليهِ .. قالَ : إنِّي جئتُكَ للذي آتَاكَ اللهُ تعالىْ مِنَ العلمِ ، أخبرني عنِ السماءِ
وما أثقلُ منها ، وعنِ الأرضِ وما أوسعُ منها ، وعنِ الحجرِ وما أقسى منهُ ،
وعنِ النارِ وما أحرُّ منها ، وعنِ الزمهريرِ وما أبردُ منهُ ، وعنِ البحرِ وما أغنى
منهُ ، وعنِ اليتيمٍ وما أذلُّ منهُ ؟ فقالَ لهُ الحكيمُ : البهتانُ على البريءِ أثقلُ
مِن السماواتِ ، والحقُّ أوسعُ مِنَ الأرضِ ، والقلبُ القانعُ أغنى مِنَ البحرِ ،
والحرصُ والحسدُ أحرُّ مِنَ النارِ ، والحاجةُ إلى القريبِ إذا لمْ تنجحْ أبردُ مِنَ
الزمهريرِ ، وقلبُ الكافرِ أقسىْ مِنَ الحجرِ ، والنَّمامُ إذا بانَ أمرُهُ .. أذلُّ مِنَ
(١)
اليتيمِ (١).
لها تكلمي تزيني ، فتزينت ، فقالت : طوبى لمن دخلني ورضي عنه إلهي ، فقال الله
=
عز وجل: لا يسكنك مخنث ولا نائحة))، ولم يخرجه ولده في (( مسنده))) .
(«إتحاف)) ( ٥٦٣/٧ ).
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٤٧٠).
ـمي
٥٥١
٤٠
بے
حن
ھے
حة

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
بيان حد القيمة وما يجب في روما
اعلمْ : أنَّ اسمَ النميمةِ إنَّما يُطلقُ في الأكثرِ على مَنْ ينُمُّ قولَ الغيرِ إلى
المقولِ فيهِ ؛ كما تقولُ : فلانٌ كانَ يتكلَّمُ فيكَ بكذا وكذا ، وليستِ النميمةُ
مخصوصةٌ بهِ ، بلْ حلُّها : كشفُ ما يُكرَهُ كشفُهُ ، سواءٌ كرهَهُ المنقولُ
عنهُ، أوِ المنقولُ إليهِ، أَوْ كرهَهُ ثالثٌ، وسواءٌ كانَ الكشفُ بالقولِ أَوْ
بالكِتبةِ أوْ بالرمزِ أوْ بالإيماءِ ، وسواءٌ كانَ المنقولُ مِنَ الأعمالِ أَوْ مِنَ
الأقوالِ ، وسواءٌ كانَ ذلكَ عيباً ونقصاً في المنقولِ عنهُ أوْ لمْ يكُنْ ، بلْ حقيقةُ
النميمةِ : إفشاءُ السِّرِّ، وهتكُ السترِ عمَّا يُكرهُ كشفُهُ، بلْ كلُّ ما رآهُ الإنسانُ
مِنْ أحوالِ الناسِ ممَّا يُكرَهُ .. فينبغي أنْ يسكتَ عنهُ، إلاَّ ما في حكايتِهِ فائدةٌ
لمسلمٍ ، أوْ دفعٌ لمعصيةٍ ؛ كما إذا رأىُ مَنْ يتناولُ مالَ غيرِهِ ، فعليهِ أنْ يشهدَ
بهِ ؛ مراعاةً لحقِّ المشهودِ لهُ، فأمَّا إذا رآهُ يخفي مالاً لنفسِهِ فذكرَهُ .. فهوَ
نميمةٌ، وإفشاءٌ للسِّرِّ .
ـحن
فإنْ كانَ ما ينُمُّ بهِ نقصاً وعيباً في المحكيِّ عنهُ .. كانَ قدْ جمعَ بينَ الغيبةِ
والنميمةٍ .
والباعثُ على النميمةِ : إمَّا إرادةُ السوءِ بالمحكيِّ عنهُ، أوْ إظهارُ الحبِّ
للمحكيِّ لهُ، أوِ التفرُّجُ بالحديثِ ، أوِ الخوضُ في الفضولِ والباطلِ .
وكلُّ مَنْ حُملَتْ إليهِ النميمةُ وقِيلَ لهُ : إِنَّ فلاناً قالَ فيكَ كذا وكذا ، أوْ
٥٥٢
سحن
جن جن حن
حرة
جن

ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
فعلَ في حقِّكَ كذا وكذا ، أوْ هوَ يدبِّرُ في إفسادِ أمرِكَ ، أَوْ في ممالأةٍ
عدوِّكَ ، أَوْ تقبيح حالِكَ ، أَوْ ما يجري مجراهُ . . فعليهِ ستةُ أمورٍ :
الأوّلُ : ألَّ يصدِّقَهُ؛ لأنَّ النمامَ فاسقٌ، وهوَ مردودُ الشهادةِ ، قالَ اللهُ
تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُّصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ﴾.
الثاني : أنْ ينهاهُ عنْ ذلكَ وينصحَهُ ، ويقبِّحَ لهُ فعلَهُ ، قالَ اللهُ تعالى :
﴿ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ .
ـشحن
الثالثُ : أنْ يبغضَهُ في اللهِ تعالى ؛ فإنَّهُ بغيضٌ عندَ اللهِ تعالىُ ، ويجبُ
بغضُ مَنْ يبغضُهُ اللهُ تعالى .
الرابعُ: ألَّ تظنَّ بأخيكَ الغائبِ السوءَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿اَجْتِبُواْ كَثِيرًا
مِنَ الَِّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلَّنِّ إِنْهٌ﴾.
الخامسُ : ألاَّ يحملَكَ ما حُكِيَ لكَ على التجسُّسِ والبحثِ لتتحقَّقَ ؛
لقولِهِ تعالى: ﴿ وَلَا تَّجَسَّسُواْ﴾ .
السادسُ : ألاَّ ترضى لنفسِكَ ما نهيتَ النَّمامَ عنهُ، فلا تحكي نميمتَهُ
فتقولَ : فلانٌ قدْ حكى لي كذا وكذا ، فتكونَ بهِ نمَّاماً ومغتاباً ، وتكونَ قدْ
أتيتَ ما عنهُ نَهيتَ .
وقدْ رُويَ عنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رضيَ اللهُ عنهَ أنَّهُ دخلَ عليهِ رجلٌ ،
فذكرَ عندَهُ عنْ رجلٍ شيئاً ، فقالَ عمرُ : إنْ شئتَ .. نظرنا في أمرِكَ ؛ فإنْ
كنتَ كاذباً .. فأنتَ منْ أهل هذهِ الآيةِ: ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبَإٍ فَتَبَيِّنُواْ﴾، وإنْ
-----
٥٥٣
حن: حن
ـن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
كنتَ صادقاً .. فأنتَ مِنْ أهلِ هذِهِ الآيةِ: ﴿هَمَّازٍ مَّشَآِ بِنَمِيمٍ﴾، وإنْ
شئتَ .. عفونا عنكَ ، فقالَ : العفوَ يا أميرَ المؤمنينَ ، لا أعودُ إليهِ أبداً .
وذكرَ أنَّ حكيماً مِنَ الحكماءِ زارَهُ بعضُ إخوانِهِ ، فأخبرَهُ بخبرٍ عنْ
بعضٍ أصدقائِهِ ، فقالَ لهُ الحكيمُ : قَدْ أبطأتَ في الزيارةِ وأتيتني بثلاثٍ
جناياتٍ : بِغَضْتَ أخي إليَّ، وشغلتَ قلبي الفارغَ، واتهمْتَ نفسَكَ
الأمينةَ .
ورُوِيَ أنَّ سليمانَ بنَ عبدِ الملكِ كانَ جالساً وعندَهُ الزهريُّ ، فجاءَهُ
رجلٌ ، فقالَ لهُ سليمانُ : بلغَني أنَّكَ وقعتَ فيَّ وقلتَ كذا وكذا ، فقالَ
الرجلُ : ما فعلتُ ولا قلْتُ ، فقالَ سليمانُ : إِنَّ الذي أخبرني صادقٌ ،
فقالَ لهُ الزهريُّ : لا يكونُ النمامُ صادقاً ، فقالَ سليمانُ : صدقْتَ ، ثمَّ قالَ
للرجلِ : اذهبْ بسلامٍ .
وقالَ الحسنُ: ( منْ نمَّ إليكَ .. نمَّ عليكَ)(١).
وهذا إشارةٌ إلى أنَّ النَّمامَ ينبغي أنْ يُبغضَ ولا يُوثقَ بقولِهِ ولا بصداقتِهِ ،
وكيفَ لا يُبغضُ وهوَ لا ينفكُ عنِ الكذبِ والغيبةِ ، والغدرِ والخيانةِ ، والغلِّ
والحسدِ والنفاقِ ، والإفسادِ بينَ الناسِ والخديعةِ ، وهوَ ممَّنْ يسعىُ في قطع
ما أمرَ اللهُ بهِ أنْ يوصلَ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾؟!
(١) تقدم عن الخليل بن أحمد .
٥٥٤
حق حن حن ص
حن

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ
اَلْحَقِّ﴾، والنمَّامُ منهُمْ .
ـة
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ مِنْ شرِّ الناسِ مَنِ اتقاهُ الناسُ
لشرِّهِ))(١) ، والنمَّامُ منهُمْ.
وقالَ : (( لا يدخلُ الجنةَ قاطعٌ))(٢) ، قيلَ: قاطعٌ بينَ الناسِ، وهوَ
النمَّامُ ، وقيلَ : قاطعُ الرحمِ .
ورُوِيَ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : أنَّ رجلاً سعى إليهِ برجلٍ ، فقالَ :
يا هذا؛ نحنُ نسألُ عمَّا قلْتَ؛ فإنْ كنتَ صادقاً .. مقتناكَ، وإنْ كنتَ
كاذباً .. عاقبناكَ، وإنْ شئتَ أنْ نقيلَكَ .. أقلْناكَ، فقالَ: أقلْني يا أميرَ
المؤمنينَ .
وقيلَ لمحمدِ بنِ كعبِ القُرظيِّ : أيُّ خصالِ المؤمنِ أوضعُ لهُ ؟ فقالَ :
كثرةُ الكلام ، وإفشاءُ السِّرِّ، وقبولُ قولِ كلِّ أحدٍ (٣).
وقالَ رجلٌ لعبدِ اللهِ بنِ عامٍ وكانَ أميراً : بلغَني أنَّ فلاناً أعلمَ الأميرَ أَنِّي
ذكرتُهُ بسوءٍ ، قالَ : قَدْ كانَ ذلكَ، قالَ : فأخبرني بما قالَ لكَ حتَّى أظهِرَ
كذبَهُ عندكَ، قالَ : ما أحبُّ أنْ أشتمَ نفسي بلساني ، وحسبي أنَّي لمْ
(١) رواه البخاري (٦٠٣٢)، ومسلم ( ٢٥٩١) .
(٢) رواه البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم ( ٢٥٥٦) .
(٣) رواه الخطابي في ((العزلة)) (ص ٧١).
٥٥٥

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
حز
أصدِّقْهُ فيما قالَ ، ولا أقطعُ عنكَ الوصالَ .
وذُكرتِ السعايةُ عندَ بعضِ الصالحِينَ ، فقالَ : ما ظنَّكُمْ بقوم يُحمدُ
الصدقُ مِنْ كلِّ طبقةٍ مِنَ الناسِ إلا منهُمْ ؟!
وقالَ مصعبُ بنُ الزبيرِ : ( نحنُ نرى أنَّ قبولَ السِّعايةِ شٍّ مِنَ السعايةِ ؛
لأَنَّ السعايةَ دلالةٌ ، والقبولُ إجازةٌ ، وليسَ مَنْ دلَّ على شيءٍ فأخبرَ بِهِ كمَنْ
قبلَهُ وأجازَهُ ، فاتقوا السَّاعيَ ، فلوْ كانَ صادقاً في قولِهِ .. لكانَ لئيماً في
صدقِهِ ؛ حيثُ لمْ يحفظِ الحرمةَ، ولمْ يسترِ العورةَ)(١).
والسعايةُ هيَ النميمةُ، إلاَّ أنَّها إذا كانَتْ إلى مَنْ يُخافُ جانبُهُ .. سُمَيِّتْ
سعايةً، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((السَّاعي بالناسِ إلى الناسِ لغيرِ
رِشْدَةٍ )»(٢) ؛ يعني : ليسَ بولِدِ حلالٍ .
ودخلَ رجلٌ على سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ ، فاستأذنَهُ في الكلام ، وقالَ :
إنِّي مكلِّمُكَ يا أميرَ المؤمنينَ بكلام فاحتملْهُ وإنْ كرهتَهُ ، فإنَّ وراءَهُ ما تحبُّ
إِنْ قبلْتَهُ، فقالَ : قلْ ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إِنَّهُ قدِ اكتنفَكَ رجالٌ
ابتاعوا دنياكَ بدينِهِمْ ، ورضاكَ بسخَطِ ربِّهمْ ، خافوكَ في اللهِ ولمْ يخافوا اللهَ
فيكَ ، فلا تأمنُهُمْ على ما ائتمنَكَ اللهُ عليهِ ، ولا تصخْ إليهمْ فيما
استحفظَكَ اللهُ إِيَّاهُ ، فإنَّهِمْ لنْ يألوا في الأمةِ خسفاً ، وفي الأمانةِ تضييعاً ،
(١) رواه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٢٢/٩) عن الإمام الشافعي .
(٢) رواه الحاكم في (( المستدرك)) (١٠٣/٤) ولم يصححه .
حة
٥٥٦
حن

ربع المهلكات
حن
كتاب آفات اللسان
والأعراضِ قطعاً وانتهاكاً ، أعلىْ قُرَبِهِمُ البغيُ والنميمةُ ، وأجلُّ وسائلِهِمُ
الغيبةُ والوقيعةُ، وأنتَ مسؤولٌ عمَّا اجترحُوا ، وليسوا بمسؤولينَ عمَّا
اجترحتَ ، فلا تصلحْ دنياهمْ بفسادٍ آخرتِكَ ، فإنَّ أعظمَ الناسِ غَبناً مَنْ باعَ
آخرتَهُ بدنيا غيرِهِ(١) .
وسعى رجلٌ بزيادٍ الأعجمِ إلى سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ ، فجمعَ بينَهُما
للموافقةِ ، فأقبلَ زيادٌ على الرجل وقالَ(٢):
[من الطويل]
فَأَنْتَ أَمْرُؤٌ إِمَّا ائْتَمَنْتُكَ خَالِياً فَخُنْتَ وَإِمَّا قُلْتَ قَوْلاً بِلا عِلْمِ
بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْخِيائَةِ وَآلْإِثْمِ
فَأَنْتَ مِنَ الأَمْرِ الَّذِي كَانَ بَيْنَا
وقالَ رجلٌ لعمرو بنِ عبيدٍ : إنَّ الأُسواريَّ ما يزالَ يذكرُكَ في قَصصِهِ
بشرٍّ، فقالَ لهُ عمرٌو : يا هذا؛ ما رعيتَ حقَّ مجالسةِ الرجلِ حيثُ نقلْتَ
إلينا حديثَهُ ، ولا أدَّتَ حقِّي حينَ أبلغتَي عنْ أخي ما أكرَهُ ، ولكنْ أبلغْهُ أنَّ
الموتَ يعمُّنا، والقبرَ يضمُّنا ، والقيامةً تجمعُنا، والله تعالى يحكمُ بينَنَا وهوَ
خيرُ الحاكمينَ(٣).
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ١٠٥)، وابن عساكر في (( تاريخ
دمشق)) ( ٦٨ / ١٧٤ ) .
!
(٢) الخبر ورد بسياقات مختلفة في المصادر. انظر ((عيون الأخبار)) (٤١/١)، و((روضة
العقلاء)) (ص١٧٧)، و((الأمالي)) (٤٦/٢)، و((الجليس الصالح)) (٣٠٢/١)،
و((بهجة المجالس)) (٥٧٧/١)، و((محاضرات الأدباء)) (٦١/٢)، و((التذكرة
الحمدونية)) ( ١٥٧/٣).
(٣) رواه أبو هلال العسكري في ((جمهرة الأمثال)) (٢٦٩/٢).
٥٥٧
. دن.
حن كن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
حر
ورفعَ بعضُ السعاةِ إلى الصاحبِ بنِ عبادٍ رقعةً نبَّةَ فيها على مالٍ يتيمٍ
يحملُهُ على أخذِهِ لكثرتِهِ ، فوقَّعَ على ظهرِها : السعايةُ قبيحةٌ وإنْ كانَتْ
صحيحةً ، فإنْ كنتَ أجريتَها مَجرى النصح .. فخسرانُكَ فيها أفضلُ مِنَ
الربح ، ومعاذَ اللهِ أنْ نقبلَ مهتوكاً في مستورٍ ، ولولا أنَّكَ في خفارةِ
شيبتِكَ .. لقابلناكَ بما يقتضيهِ فعلُكَ في مثلِكَ، فتوقَّ يا ملعونُ العيبَ ؛
فإِنَّ اللهَ أعلمُ بالغيبِ ، الميتُ رحمهُ اللهُ، واليتيمُ جَبَرَهُ اللهُ، والمالُ
ثُمَّرَهُ اللهُ ، والسَّاعي لعنَهُ اللهُ .
وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ إنِّي موصيكَ بخلالٍ ، إنْ تمسَّكتَ بهنَّ ..
لمْ تزلْ سيِّداً : ابسطْ خلُقَكَ للقريبِ والبعيدِ ، وأمسكْ جهلَكَ عنِ الكريمِ
واللئيم ، واحفظ إخوانَكَ ، وصلْ أقاربَكَ ، وآمنهُمْ مِنْ قبولِ قولِ ساعٍ ، أَوْ
سماعٍ باغٍ يريدُ فسادَكَ ويرومُ خداعَكَ ، وليكنْ إخوانُكَ مَنْ إذا فارقتَهمْ
ہے
وفارقوكَ .. لمْ تعبُهُمْ ولمْ يعيبوكَ)(١) .
وقالَ بعضُهمْ : ( النميمةُ مبنيّةٌ على الكذبِ والحسدِ والنفاقِ ، وهيَ
أثافي الذُّلِّ ) .
ـحة
وقالَ بعضُهمْ: ( لوْ صحَّ ما نقلَهُ النَّمامُ إليكَ .. لكانَ هوَ المجترىءَ
بالشتمٍ عليكَ ، والمنقولُ عنهُ أولى بحلمِكَ ؛ لأنَّهُ لمْ يقابلْكَ بشتمِكَ ) .
وعلى الجملةِ : فشرُّ النمامِ عظيمٌ ينبغي أنْ يُتوقَّى .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) ( ٥٠) عن محمد بن أبي الفضل.
٥٥٨
من حن حن
ـن
G

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
قالَ حمادُ بنُ سلمةَ : باعَ رجلٌ عبداً وقالَ للمشتري : ما فيهِ عيبٌ إلاّ
النميمةُ ، قالَ : قدْ رضيتُ ، فاشتراهُ فمكثَ الغلامُ أياماً ، ثمّ قالَ لزوجةٍ
مولاهُ : إِنَّ زوجَكِ لا يحبُّكِ ، وهوَ يريدُ أنْ يتسرَّى عليكِ ، فخذي الموسى
واحلقي مِنْ شعرِ قفاهُ عندَ نومِهِ شعراتٍ حتَّى أسحرَهُ عليها ، فيحبَّكِ ، ثم
قالَ للزوجِ : إنَّ امرأتَكَ اتخذَتْ خليلاً ، وتريدُ أنْ تقتَلَكَ ، فتناوَمْ لها حتَّى
تعرفَ ذلكَ ، قَالَ : فتناومَ لها ، فجاءَتِ المرأةُ بالموسى، فظنَّ أنَّها تريدُ
قتلَهُ ، فقامَ إليها فقتلَها ، فجاءَ أهلُ المرأةِ فقتلُوا الزوجَ ، فوقعَ القتالُ بينَ
القبيلتينِ ، وطالَ الأمرُ (١) ، فنسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ .
3
■■ العدد
١
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٧٠)، وابن حبان في ((روضة
العقلاء)) ( ص١٧٩ ) .
*G
٥٥٩
حن ..

كتاب آفات اللسان
ہے.
ربع المهلكات
الآفسة السابعة عشرة: كلام ذي اللّسانين
الذي يتردد بين المتعاويَيْن ويلم كلّ واحد بكلامٍ يوافقشه
وقلَّما يخلو عنهُ مَنْ يشاهدُ متعاديينِ ، وذلكَ عينُ النفاقِ .
قالَ عمارُ بنُ ياسرٍ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ كانَ لهُ
وجهانِ في الدنيا .. كانَ لهُ لسانانِ مِنْ نارِ يومَ القيامةِ))(١).
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( تجدونَ مِنْ
شرِّ عبادِ اللهِ يومَ القيامةِ ذا الوجهينِ ، الذي يأتي هؤلاءِ بحديثٍ هؤلاءِ ،
وهؤلاءِ بحديثٍ هؤلاءِ)).
وفي لفظٍ آخرَ: (( الذي يأتي هؤلاءِ بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ))(٢).
وقالَ أبو هريرةَ : ( لا ينبغي لذي الوجهينِ أنْ يكونَ أميناً
عندَ اللهِ )(٣).
وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : ( قرأتُ في التوراةِ : بطلَتِ الأمانةُ والرجلُ معَ
حن حن حن
(١) رواه أبو داوود ( ٤٨٧٣)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٢٩٢).
(٢) رواه البخاري (٣٤٩٤، ٦٠٥٨)، ومسلم (٢٥٢٦) بنحوه ، وبلفظ المصنف رواه
ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٢٧٧، ٢٧٨) .
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٨٩/٢)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان))
(٢٨٣) من حديثه مرفوعاً .
كن
ـحم
٥٦٠