النص المفهرس

صفحات 521-540

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
الثالثُ : أنْ يستشعرَ مِنْ إنسانٍ أنَّهُ سيقصدُهُ ويطوِّلُ لسانَهُ فيهِ ، أَوْ يقبِّحُ
حالَهُ عندَ محتشم، أوْ يشهدُ عليهِ بشهادةٍ ، فيبادرُهُ قبلَ أنْ يقبِّحَ هوَ حالَهُ
ويطعنُ فيهِ ليُسقِطُ أثرَ شهادتِهِ ، أَوْ يبتدىُ بذكرٍ ما فيهِ صادقاً ليكذبَ عليهِ
بعدَهُ ، فيروِّجُ كذبَهُ بالصدقِ الأوَّلِ ، ويستشهدُ بهِ ويقولُ ما مِنْ عادتي
الكذبُ ؛ فإنِّي أخبرتُكُمْ بكذا وكذا مِنْ أحوالِهِ ، فكانَ كما قلتُ .
الرابعُ : أنْ يُنسبَ إلى شيءٍ ، فيريدُ أنْ يتبرّأَ منهُ ، فيذكرُ الذي فعلَهُ ،
وكانَ مِنْ حقِّهِ أنْ يبرِّىَ نفسَهُ ، ولا يذكرَ الذي فعلَهُ ، فلا ينسبَ غيرَهُ إليهِ ، أوْ
يذكرَ غيرَهُ بأنَّهُ كانَ مشاركاً لهُ في الفعلِ ؛ ليمهِّدَ بذلكَ عذرَ نفسِهِ في فعلِهِ .
الخامسُ : إرادةُ التصنُّع والمباهاةِ ، وهوَ أنْ يرفَع نفسَهُ بتنقيصٍ غيرِهِ ،
فيقولُ : فلانٌ جاهلٌ ، وفهمُهُ ركيكٌ، وكلامُهُ ضعيفٌ ، وغرضُهُ : أنْ يثبتَ
في ضمنِ ذلكَ فضلَ نفسِهِ ، ويريَهُمْ أنَّهُ أفضلُ منهُ ، أوْ يحذَّرَ أنْ يُعظَّمَ مثلَ
تعظيمهِ ؛ فیقدحُ فيهِ لذلكَ .
السادسُ : الحسدُ، وهوَ أنَّهُ ربَّما يحسدُ مَنْ يثني الناسُ عليهِ، ويحبُّونَهُ
ويكرمونَهُ ، فيريدُ زوالَ تلكَ النعمةِ عنهُ، فلا يجدُ سبيلاً إليهِ إلاَّ بالقدْح
فيهِ ، فيريدُ أنْ يسقطَ ماءَ وجههِ عندَ الناس ؛ حتَّى يكفُّوا عنْ إكرامِهِ والثناءِ
٥٢١

كتاب آفات اللسان
٥٠
ربع المهلكات
عليهِ ؛ لأنَّهُ يثقلُ عليهِ أنْ يسمعَ ثناءَ الناسِ عليهِ ، وإكرامَهُمْ لهُ ، وهذا هوَ
عينُ الحسَدِ ، وهوَ غيرُ الغضبِ والحقدِ ، فإنَّ ذلكَ يستدعي جنايةٌ مِنَ
المغضوبِ عليهِ، والحسدُ قدْ يكونُ معَ الصديقِ المحسنِ والقريبِ الموافقِ .
السابعُ : اللعبُ ، والهزلُ ، والمطايبةُ، وتزجيةُ الوقتِ بالضَّحكِ ،
فيذكرُ غيرَهُ بما يضحِكُ الناسَ على سبيلِ المحاكاةِ والتَّعجُّبِ والتَّعجيبِ .
نع.
الثامنُ : السخريةُ والاستهزاءُ استحقاراً لهُ ، فإنَّ ذلكَ قدْ يجري في
الحضورِ ويجري أيضاً في الغَيْبةِ، ومنشؤُهُ التكتُّرُ واستصغارُ المستهزأ بهِ .
وأمَّا الأسبابُ الثلاثةُ التي هيَ في الخاصَّةِ .. فهيَ أغمضُها وأدقُّها ؛ لأنَّها
شرورٌ خبأَها الشيطانُ في معرِضِ الخيراتِ ، وفيها خيرٌ، ولكنْ شابَ
الشيطانُ بها الشَّرَّ .
الأولُ : أنْ تنبعثَ مِنَ الدينِ داعيةُ التَّعُبِ مِنْ إنكارِ المنكرِ والخطأِ في
الدينِ ، فيقولَ : ما أعجبَ ما رأيتُ مِنْ فلانٍ ؛ فإنَّهُ قَدْ يكونُ بهِ صادقاً ،
ويكونُ تعجبُهُ مِنَ المنكرِ ، ولكنْ كانَ حقُّهُ أنْ يتعجَّبَ ولا يذكرَ اسمَهُ ،
فيسهّلُ الشيطانُ عليهِ ذكرَ اسمِهِ في إظهارِ تعجّبهِ ، فصارَ بهِ مغتاباً وآثماً مِنْ
حيثُ لا يدري .
ته.
٥٢٢
ج شن ثن ش وم كن ضن
-----

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
ومِنْ ذلكَ قولُ الرجلِ : تعجَّتُ مِنْ فلانٍ كيفَ يحبُّ جاريتَهُ وهيَ
قبيحةٌ ، وكيفَ يجلسُ بينَ يديْ فلانٍ وهوَ جاهلٌ .
الثاني : الرَّحمةُ، وهوَ أنْ يغتمَّ بسببٍ ما يُبتلى بهِ ، فيقولَ : مسكينٌ
فلانٌ قدْ غمَّني أمرُهُ وما ابتُليَ بهِ ، فيكونُ صادقاً في دعوى الاغتمامِ ، ويلهيهِ
الغمُّ عنِ الحذرِ عنْ ذكرِ اسمِهِ ، فيذكرُهُ ، فيصيرُ بهِ مغتاباً ، فيكونُ غمُّهُ
ورحمتُهُ خيراً، وكذا تعجّبُهُ، ولكنْ ساقَهُ الشيطانُ إلى شرٍّ مِنْ حيثُ
لا يدري، والتَّرخُمُ والاغتمامُ ممكنٌ دونَ ذكرِ اسمِهِ ، فيهيِّجُهُ الشَّيطانُ على
ذكرِ اسمِهِ ؛ ليبطلَ بهِ ثوابَ اغتمامِهِ وترخُمِهِ .
الثالثُ : الغضبُ للهِ تعالى ؛ فإنَّهُ قدْ يغضبُ على منكرٍ قارفَهُ إنسانٌ إذا
رآهُ أوْ سمعَهُ ، فَيُظهرُ غضبَهُ ويذكرُ اسمَهُ ، وكانَ الواجبُ أنْ يُظهِرَ غضبَهُ
عليهِ بالأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ ، ولا يُظهِرَهُ على غيرِهِ ، أَوْ يسترَ
اسمَهُ ولا يذكرَهُ بالسُّوءِ .
حن
فهذِهِ الثلاثةُ مما يغمضُ دَرْكُها على العلماءِ فضلاً عنِ العوامِّ ؛ فإنَّهمْ
يظنُّونَ أنَّ التعجُبَ والرحمةَ والغضبّ إذا كانَ اللهِ تعالى .. كانَ عذراً في ذکرِ
الاسم ، وهوَ خطأً ، بلِ المرخّصُ في الغيبةِ حاجاتٌ مخصوصةٌ لا مندوحةً
فيها عنْ ذكرِ الاسمِ كما سيأتي ذكرُهُ .
رُوِيَ عنْ عامرِ بنِ وائلةَ : أنَّ رجلاً مرَّ على قوم في حياةِ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فسلَّمَ عليهمْ، فردُّوا عليهِ السَّلامَ ، فلمَّا جاوزَهُم ..
٥٢٣
حى عن شن جن جن جن حة

کتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
قالَ رجلٌ منهُمْ : إنِّي لأبغضُ هذا للهِ تعالى ، فقالَ أهلُ المجلسِ : لبئسَ
ما قلْتَ ، واللهِ ؛ لننبثنَّهُ، ثمَّ قالُوا: قمْ يا فلانٌ - لرجلٍ منهُمْ - فأدركْهُ
فأخبرْهُ بما قالَ : فأدرَكَهُ رسولُهُمْ فأخبرَهُ بما قالَ ، فأتى الرجلُ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وحكى لهُ ما قالَهُ، وسألَهُ أنْ يدعوَهُ، فدعاهُ وسألَهُ ،
فقالَ : قدْ قلْتُ ذلكَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لِمَ
تبغضُهُ؟))، قالَ: أنا جارُهُ، وأنا بهِ خابرٌ، واللهِ ؛ ما رأيتُهُ يصلي صلاةً
قطُّ إلاَّ هذهِ المكتوبةَ، قالَ : فاسألْهُ يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ رآني قطَّ أخرْتُها عنْ
وقتِها ، أَوْ أسأتُ الوضوءَ لها ، أوِ الركوعَ والسجودَ فيها ؟ فسألَهُ ، فقالَ :
لا ، فقالَ: واللهِ ؛ ما رأيتُهُ يصومُ شهراً قطُّ إلاَّ هذا الشَّهرَ الذي يصومُهُ البَرّ
والفاجرُ ، قالَ : فاسألْهُ يا رسولَ اللهِ: هلْ رآني قطُّ أفطرْتُ فيهِ ، أَوْ نقصْتُ
مِنْ حقِّهِ شيئاً؟ فسألَهُ ، فقالَ : لا، قالَ: واللهِ ؛ ما رأيتُهُ يُعطي سائلاً
ولا مسكيناً قطُّ، ولا رأيتُهُ ينفقُ مِنْ مالِهِ شيئاً في سبيلِ اللهِ إلاَّ هذهِ الزكاةَ
التي يؤدِّيها البَؤُّ والفاجرُ ، قالَ : فاسألهُ يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ رآني نقصْتُ منها
شيئاً ، أوْ ماكَسْتُ فيها طالبَها الذي يسألُها ؟ فسألَهُ ، فقالَ: لا، فقالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للرَّجلِ: ((قمْ فلعلَّهُ خيرٌ منكَ))(١).
حن
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٥٥/٥).
٥٢٤
2

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
بيان العلاج الّذي بهلجمع اللسان من الغيبة
اعلمْ : أنَّ مساوىءَ الأخلاقِ كلَّها إنَّما تُعالجُ بمعجونِ العلمِ والعملِ ،
وإنَّما علاجُ كلِّ علةٍ بمضادَّةٍ سببها ، فلنفحصْ عنْ سببها .
وعلاجُ كفِّ اللسانِ عنِ الغيبةِ على وجهينِ ؛ أحدُهما على الجملةِ ،
والآخرُ على التَّفَصيلِ .
أمَّا على الجملةِ: فهوَ أنْ يعلمَ تعرُّضَهُ لسخطِ اللهِ تعالى بغيبتِهِ بهذهِ الأخبارِ
التي رويناها ، وأنْ يعلمَ أنَّها تحبطُ حسناتِهِ يومَ القيامةِ ؛ فإنَّها تنقلُ يومَ القيامةِ
حسناتِهِ إِلى مَنِ اغتابَهُ بدلاً عمَّ اجتاحَهُ مِنْ عرضِهِ ، فإنْ لمْ تكُنْ لهُ حسناتٌ ..
نُقْلَ إليهِ مِنْ سيئاتٍ خصمِهِ ، وهوَ معَ ذلكَ متعرِّضٌ لمقتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ومشبّهٌ
عندَهُ بآكلِ الميتةِ ، بلِ العبدُ يدخلُ النارَ بأنْ تترجَّحَ كِفَّةُ سيئاتِهِ على ◌ِفَّةٍ
حسناتِهِ ، وربَّما تُنقلُ إليهِ سيئةٌ واحدةٌ ممَّنِ اغتابَهُ فيحصلُ بها الرجحانُ ويدخلُ
بها النارَ ، وإنَّما أقلُّ الدرجاتِ أنْ تنقصَ مِنْ ثوابِ أعمالِهِ ، وذلكَ بعدَ
المخاصمةِ والمطالبةِ ، والسؤالِ والجوابِ والحسابِ ، قالَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما النَّارُ في اليبسِ بأسرعَ مِنَ الغيبةِ في حسناتِ
العبدِ ))(١) .
(١) ما رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٠٢) عن الحسن قوله: ( إياكم
والغيبة ، والذي نفسي بيده ؛ لهي أسرع في الحسنات من النار في الحطب ) ، أما
مرفوعاً .. فقد قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٥٤٨/٧ ).
٥٢٥

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
ورُوِيَ أنَّ رجلاً قالَ للحسنِ : بلغَني أنَّكَ تغتابُني ، فقالَ : ما بلغَ مِنْ
قدرِكَ عندي أنْ أحكِّمَكَ في حسناتِي .
فمهما آمنَ العبدُ بما وردَ مِنَ الأخبارِ في الغيبةِ .. لمْ يطلقْ لسانَهُ بها خوفاً
مِنْ ذلكَ .
وينفعُهُ أيضاً : أنْ يتدبّرَ في نفسِهِ ، فإنْ وجدَ فيها عيباً .. اشتغلَ بعيبٍ
نفسِهِ، وذكرَ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( طوبى لمَنْ شغلَهُ عيبُهُ عنْ عيوبٍ
النَّاسِ))(١) .
ومهما وجدَ عيباً .. فينبغي أنْ يستحييَ مِنْ أنْ يتركَ ذمَّ نفسِهِ ويذمَّ غيرَهُ ،
بلْ ينبغي أنْ يتحقَّقَ أنَّ عجزَ غيرِهِ عنْ نفسِهِ في التنزُّهِ عنْ ذلكَ العيبِ
كعجزِهِ ، وهذا إنْ كانَ ذلكَ عيباً يتعلَّقُ بفعلِهِ واختيارِهِ .
وإنْ كانَ أمراً خلْقيّاً .. فالذمُ لهُ ذمٌّ للخالقِ ، فإنَّ مَنْ ذمَّ صنعةً .. فقدْ ذمَّ
صانعَها ، قالَ رجلٌ لحكيم : يا قبيحَ الوجهِ ، قالَ : ما كانَ خلقُ وجهي إليَّ
فأحسنَهُ .
متن
ئن
كرة
وإنْ لمْ يجدِ العبدُ عيباً في نفسِهِ .. فليشكرِ اللهَ تعالى ، ولا يلوِّثنَّ نفسَهُ
بأعظم العيوبِ ، فإنَّ ثلبَ الناسِ وأكل لحمِ الميتةِ مِنْ أعظمِ العيوبِ ، بلْ لوْ
أنصفَ .. لعلمَ أنَّ ظنَّهُ بنفسِهِ أنَّهُ بريءٌ مِنْ كلِّ عيبٍ جهلٌ بنفسِهِ ، وهوَ مِنْ
أعظمِ العيوبِ .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٧٩).
٥٢٦
حن ون

ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
ون
وينفعُهُ أنْ يعلمَ أنَّ تألُمَ غيرِهِ بغيبتِهِ كتألُمِهِ بغيبةٍ غيرِهِ لهُ ، فإذا كانَ
لا يرضى لنفسِهِ أنْ يُغتابَ .. فينبغي ألاَّ يرضى لغيرِهِ ما لا يرضاهُ لنفسِهِ.
فهذهِ معالجاتٌ جمليَّةٌ .
أمّا التفصيلُ : فهوَ أنْ ينظرَ في السببِ الباعثِ لهُ على الغيبةِ ، فإنّ علاج
العلةِ بقطع سببها ، وقدْ قدَّمنا الأسبابَ .
أمَّا الغضبُ .. فيعالجُهُ بما سيأتي في كتابِ آفاتِ الغضبِ ، وهوَ أنْ
يقولَ : إنِّي إنْ أمضيتُ غضبي عليهِ .. فلعلَّ اللهَ يمضي غضبَهُ عليَّ بسببٍ
الغيبةِ ؛ إذْ نهاني عنها فاجترأتُ على نهيهِ واستخففْتُ بزجرِهِ .
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إنَّ لجهنمَ باباً لا يدخلُ منهُ إلَّ مَنْ
شفى غيظَهُ بمعصيةِ اللهِ تعالى))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((منِ اتَّقَى رَبَّهُ .. كلَّ لسانُهُ، ولمْ يشفِ
غيظَهُ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( منْ كظمَ غيظاً وهوَ يقدرُ على أنْ
يمضيَهُ .. دعاهُ اللهُ تعالى يومَ القيامةِ على رؤوسِ الخلائقِ حتَّى يخيَِّهُ في أيٍّ
الحورِ شاءَ))(٣).
ـويه
١
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (٥١٨٠)، وابن عدي في ((الكامل)) (٥١/٦)، والبيهقي
في ((الشعب)) ( ٧٩٧٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الورع)) (١٠٤)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٧٣٤/٢).
(٣) رواه أبو داوود ( ٤٧٧٧)، والترمذي (٢٤٩٣)، وابن ماجه ( ٤١٨٦).
٥٢٧
حن
ں
حن من
عن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
دن
وفي بعضٍِ الكتبِ المنزلةِ علىُ بعضِ النبيينَ : ( يا بنَ آدَمَ ؛ اذكرْني حينَ
تغضبُ .. أذكرْكَ حينَ أغضبُ، فلا أمحقُكَ فيمَنْ أمحقُ)(١).
وأمَّا الموافقةُ(٢) .. فبأنْ تعلمَ أنَّ اللهَ تعالى يغضبُ عليكَ إذا طلبتَ
سخطَهُ في رضا المخلوقينَ ، فكيفَ ترضى لنفسِكَ أنْ توقِّرَ غيرَكَ وتحقّرَ
مولاكَ ، فتتركَ رضاهُ لرضاهُمْ؟! إلاَّ أنْ يكونَ غضبُكَ اللهِ تعالى ، وذلكَ
لا يوجبُ أنْ تذكرَ المغضوبَ عليهِ بسوءٍ ، بلْ ينبغي أنْ تغضبَ للهِ أيضاً على
رفقائِكَ إذا ذكروهُ بالشُّوءِ ؛ فإنَّهِمْ عصَوا ربّكَ بأفحشِ الذنوبِ ، وهيَ
الغيبةُ .
وأمَّا تنزيهُ النفس بنسبةِ الغيرِ إلى الجنايةِ ؛ حيثُ يُستغنى عنْ ذكرِ الغيرِ ..
فتعالجُهُ بأنْ تعرفَ أنَّ التعرُّضَ لمقتِ الخالقِ أشدُّ مِنَ التعرُّضِ لمقتٍ
المخلوقينَ ، وأنتَ بالغيبةِ متعرِّضٌ لسخطِ اللهِ يقيناً ، ولا تدري أنَّكَ
تتخلَّصُ مِنْ سخطِ الناسِ أمْ لا ، فتخلّصُ نفسَكَ في الدنيا بالتوهُّم ، وتَهلِكُ
في الآخرةِ وتخسرُ حسناتِكَ بالحقيقةِ ، ويحصلُ لكَ ذمُّ اللهِ عزَّ وجلَّ نقداً
وتنتظرُ دفعَ ذمِّ الخلقِ نسيئةً ، وهذا غايةُ الجهلِ والخذلانِ .
ـص ..
وأمَّا عذرُكَ ؛ كقولِكَ: إنِّي إنْ أكلْتُ الحرامَ ففلانٌ يأكلُهُ ، وإنْ قبلْتُ
مالَ السلطانِ ففلانٌ يقبلُهُ .. فهذا جهلٌ ؛ لأنَّكَ تعتذرُ بالاقتداءِ بمَنْ لا يجوزُ
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (ص٤٥)، وابن حبان في ((روضة العقلاء)) ( ص ٥٠ ) عن
وهيب بن الورد المكي .
(٢) أي : مع الرفقاء .
٥٢٨

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
الاقتداءُ بهِ ، فإنَّ مَنْ خالفَ أمرَ اللهِ تعالى لا يُقتدىُ بهِ كائناً مَنْ كانَ ، ولوْ
دخلَ غيرُكَ النارَ وأنتَ تقدرُ على ألا تدخلَها .. لمْ توافقْهُ، ولوْ وافقتهُ ..
لُّفِّهَ عقلُكَ ، فما ذكرتَهُ غيبةٌ وزيادةُ معصيةٍ أضفتَها إلى ما اعتذرْتَ عنهُ ،
وسَجَّلْتَ معَ الجمع بينَ المعصيتينِ على جهلِك وغباوتِكَ ، وكنتَ كالشاةِ
تنظرُ إلى العنزِ تردِّي نفسَها من قُلَّةِ الجبلِ ، فهيَ أيضاً تردِّي نفسَها ولوْ كانَ
لها لسانٌ ناطقٌ وصرَّحْت بالعذرِ وقالَتْ : العنزُ أكيسُ منِّي وقدْ أهلكَتْ
نفسَها ، فكذلكَ أفعلُ .. لكنتَ تضحكُ من جهلِها ، وحالُكَ مثلُ حالِها ،
ثمَّ لا تعجبُ ولا تضحكُ مِنْ نفسكَ !!
مثن
بدن
%
شارع
يسوجيسـ
وأمَّا قصدُكَ المباهاةَ وتزكية النفسِ بزيادةِ الفضلِ بأنْ تقدحَ في غيرِكَ ..
فينبغي أنْ تعلمَ أنَّكَ بما ذكرتَهُ بهِ أبطلْتَ فضلَكَ عندَ اللهِ ، وأنتَ مِنِ اعتقادٍ
الناس فضلَكَ على خطرٍ ، وربَّما نقصَ اعتقادُهُمْ فيكَ إذا عرفوكَ بثلْبِ
الناس ، فتكونُ قَدْ بعتَ ما عندَ الخالقِ يقيناً بما عندَ المخلوقينَ وهْماً ، ولوْ
حصلَ لكَ مِنَ المخلوقينَ اعتقادُ الفضلِ .. لكانُوا لا يغنونَ عنكَ مِنَ اللهِ
شيئاً .
وأمّا الغيبةُ لأجلِ الحسدِ .. فهوَ جمعٌ بينَ عذابينِ ؛ لأنَّكَ حسدْتَهُ على
نعمةِ الدنيا ، وكنتَ في الدنيا معذَّباً بالحسدِ ، فما قنعْتَ بذلكَ حتَّى أضفْتَ
إليهِ عذابَ الآخرةِ لتجمعَ بينَ النَّكالينِ ، فكنتَ خاسراً في الدنيا ، فصرْتَ
أيضاً خاسراً في الآخرةِ ، فقدْ قصدتَ محسودَكَ فأصبتَ نفسَكَ ، وأهديتَ
إليهِ حسناتِكَ ، فإذا أنتَ صديقُهُ وعدوُ نفسِكَ، إذْ لا تضرُّهُ غيبتُكَ وتضرُّكَ ،
٥٢٩
زيت

كتاب آفات اللسان
حن
ربع المهلكات
وتنفعُهُ إِذْ تنقلُ إليهِ حسناتِكَ أَوْ تنقلُ إليكَ سيئاتِهِ ولا تنفعُكَ ، وقدْ جمعْتَ
إلى خبثِ الحسدِ جهلَ الحماقةِ ، وربَّما يكونُ حسدُكَ وقدحُكَ سببَ انتشار
فضلِ محسودِكَ ، فقدْ قيلَ(١):
[من الكامل]
طُوِيَتْ أَتَاحَ لَها لِسانَ حَسُودٍ
وَإِذا أَرادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ
وأمَّا الاستهزاءُ .. فمقصودُكَ منهُ إخزاءُ غيرِكَ عندَ الناسِ بإخزاءِ نفسِكَ
عندَ اللهِ تعالى وعندَ الملائكةِ والنبيِينَ عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ ، فلوْ تفكّرتَ
في حسرتِكَ وجنايتِكَ وخجلتِكَ وخزيِكَ يومَ القيامةِ ، يومَ تحملُ سيئاتِ مَنِ
استهزأْتَ بهِ وتُساقُ إلى النارِ .. لأدهشَكَ ذلكَ عنْ إخزاءِ صاحبِكَ ، ولوْ
عرفْتَ حالَكَ .. لكنتَ أولى أنْ يُضحَكَ منكَ ، فإنَّكَ سخرْتَ بهِ عندَ نفرٍ
قليلٍ ، وعرَّضتَ نفسَكَ لأَنْ يأخذَ يومَ القيامةِ بيدكَ على ملأٍ مِنَ الناسِ
ويسوقُكَ تحتَ سيئاتِهِ كما يُساقُ الحمارُ إلى النارِ ، مستهزئاً بكَ ، وفَرِحاً
بخزيكَ، ومسروراً بنصرةِ اللهِ تعالى إِيَّهُ عليكَ، وتسلَّطِهِ على الانتقام
منكَ .
وأمَّا الرحمةُ لهُ على إثمِهِ .. فهوَ حسنٌ ، ولكنْ حسدَكَ إبليسُ فأضلَّكَ ،
واستنطقَكَ بما ينقلُ مِنْ حسناتِكَ إليهِ ما هوَ أكثرُ مِنْ رحمتِكَ ، فيكونُ جبراً
لإثمِ المرحوم ، فيخرجُ عنْ كونِهِ مرحوماً ، وتنقلبُ أنتَ مستحقاً لأَنْ تكونَ
مرحوماً ؛ إذْ حبطَ أجرُكَ ، ونقَّصتَ مِنْ حسناتِكَ .
٢
حن
١٢
ـدن
-
(١) البيت لأبي تمام في ((ديوانه بشرح التبريزي)) (٣٩٧/١).
٥٣٠
٠أر؟

ربع المهلكات
0p.
کتاب آفات اللسان
وكذلكَ الغضبُ للهِ عزَّ وجلَّ لا يوجبُ الغيبةَ ، وإنَّما الشيطانُ حبَّب إليكَ
الغيبةَ ليحبطَ أجرَ غضبكَ، وتصيرَ مُعرَّضاً لغضبِ اللهِ عزَّ وجلَّ بالغيبةِ .
وأمَّا التعجُّبُ إذا أخرجَكَ إلى الغيبةِ .. فتعجَّبْ مِنْ نفسِكَ أَنَّكَ كيفَ
أهلكْتَ نفسَكَ ودينَكَ بدينِ غيرِكَ أوْ بدنياهُ وأنتَ معَ ذلكَ لا تأمنُ عقوبةَ
الدنيا ، وهوَ أنْ يهتِكَ اللهُ سترَكَ كما هتكتَ بالتعجُّبِ سترَ أخيكَ .
فإذاً ؛ علاجُ جميع ذلكَ : المعرفةُ فقطْ ، والتحقُّقُ بهذهِ الأمورِ التي
هيَ مِنْ أبوابِ الإيمانِ ، فمَنْ قويَ إيمانُهُ بجميع ذلكَ .. انكفَّ لسانُهُ عن
الغيبةِ لا محالةَ .
٥٣١
.
ـون

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
بيان تحريم الغيبة بالقلب
اعلمْ: أَنَّ سوء الظنِّ حرامٌ مثلَ سوءِ القولِ ، فكما يحرمُ عليكَ أنْ تحدِّثَ
غيرَكَ بلسانِكَ بمساوىءٍ الغيرِ .. فليسَ لكَ أنْ تحدِّثَ نفسَكَ وتسيءَ الظنّ
بأخيكَ، ولستُ أعني بهِ إلَّ عقدَ القلبِ وحكمَهُ على غيرِهِ بالسوءِ، فأمَّا الخواطرُ
وحديثُ النفسِ .. فهوَ معفوٌّ عنهُ، بلْ الشكُّ أيضاً معفوٌ عنهُ ، ولكنَّ المنهيَّ عنهُ
أنْ يظنَّ، والظنُّ : عبارةٌ عمَّا تركُنُ إليهِ النفسُ ، ويميلُ إليهِ القلبُ ، وقدْ
قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِّ إِنَ بَعْضَ اُلَّنِّ إِثْمٌ﴾.
وسببُ تحريمِهِ : أنَّ أسرارَ القلوبِ لا يعلمُها إلاَّ علَّمُ الغيوبِ ، فليسَ
لكَ أنْ تعتقدَ في غيرِكَ سوءاً إلا إذا انكشفَ لكَ بعِيانٍ لا يحتملُ التأويلَ ،
فعندَ ذلكَ لا يمكنُكَ ألا تعتقدَ ما علمتَهُ وشاهدتَهُ ، وما لمْ تشاهدْهُ بعينِكَ ،
ولمْ تسمعْهُ بأذنِكَ، ثمَّ وقعَ في قلبكَ .. فإنَّما الشيطانُ يلقيهِ إليكَ ، فينبغي
أنْ تكذِّبَهُ؛ فإنَّهُ أفسقُ الفسَّاقِ، وقَدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن
جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ ﴾ فلا يجوزُ تصديقُ إبليسَ.
وإنْ كانَ ثَمَّ مَخْيَلةٌ تدلُّ على فسادٍ واحتُمِلَ خلافُهُ .. لمْ يجزْ أنْ تصدِّقَ
بهِ ؛ لأنَّ الفاسقَ يُتصوَّرُ أنْ يصدقَ في خبرِهِ ، ولكنْ لا يجوزُ لكَ أنْ تصدِّقَ
بهِ ، حتَّى إنَّ منِ استنكِهَ فوُجِدَ منهُ رائحةُ الخمرِ لا يجوزُ أنْ يُحَدَّ؛ إذْ يُقالُ:
يمكنُ أنْ يكونَ قدْ تمضمضَ بالخمرِ ومَّها وما شربَها ، أَوْ حُمِلَ عليهِ
مرُهُ
٥٣٢

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
قهراً ، فكلُّ ذلكَ لا محالةَ دلالةٌ محتملةٌ ، فلا يجوزُ تصديقُها بالقلب وإساءةُ
الظنِّ بالمسلمِ بها .
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ حرَّمَ مِنَ المسلم دمَهُ ومالَهُ،
وأنْ يُظنَّ بهِ ظنُّ السوءِ))(١).
فلا يُستباحُ ظنُّ السوءِ إلَّ بما يُستباحُ بهِ المالُ، وهوَ يقينُ مشاهدتِهِ ، أوْ
بَِّةٌ عادلةٌ ، فإذا لمْ يكنْ ذلكَ، وخطرَ لكَ سوءُ الظَّنِّ .. فينبغي أنْ تدفعَهُ عنْ
نفسِكَ، وتقرَّرَ عليها أنَّ حالَهُ عندَكَ مستورٌ كما كانَ، وأنَّ ما رأيتَهُ منهُ
يحتملُ الخيرَ والشَّرَّ .
فإنْ قلْتَ : فبماذا يُعرفُ عقدُ الظَّنِّ والشكوكُ تختلجُ والنفسُ تحدِّثُ ؟
فأقولُ : أمارةُ عقدِ الظَّنِّ : أنْ يتغيَّرَ القلبُ معَهُ عمّا كانَ، فينفرَ عنهُ
نفوراً ما ، ويستثقلَهُ ، ويفترَ عنْ مراعاتِهِ وتفقُّدِهِ وإكرامِهِ والاغتمامِ بسبِهِ ،
فهذهِ أماراتُ عقدِ الظنِّ وتحقيقِهِ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ثلاثٌ
في المؤمنِ ولهُ منهنَّ مخرجٌ، فمخرجُهُ مِنْ سوءِ الظَّنِّ ألاَّ يحقّقَهُ)) (٢)
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٦٢٨٠).
(٢) رواه الطبراني في (( الكبير)) (٢٢٨/٣) من حديث حارثة بن النعمان رضي الله عنه ،
ولفظه مرفوعاً: ((ثلاث لازمات لأمتي؛ الطيرة والحسد وسوء الظن))، فقال رجل :
ما يذهبهن يا رسول الله ممن هو فيه؟ قال: ((إذا حسدت .. فاستغفر الله، وإذا
ظننت .. فلا تحقّق، وإذا تطيّرت .. فامضٍ)).
٢٢:٠
٥٣٣

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
من
أيْ : لا يحقّقَهُ في نفسِهِ بعقدٍ ولا فعلٍ ، لا في القلبِ ولا في الجوارحِ ، أمَّا
في القلبِ .. فبتغيُّرِهِ إلى النفرةِ والكراهةِ ، وأمَّا في الجوارحِ .. فبالعملِ
بموجَبهِ ، والشيطانُ قَدْ يقرِّرُ على القلبِ بأدنى مَخْيلةٍ مساءةَ الناسِ ، ويلقي
إليهِ أنَّ هذا مِنْ فطنتِكَ وسرعةِ تنتُّهِكَ وذكائِكَ ، وأنَّ المؤمنَ ينظرُ بنورِ اللهِ
تعالى ، وهوَ على التحقيقِ ناظرٌ بغرورِ الشيطانِ وظُلمتِهِ .
فأمَّا إذا أخبرَكَ بهِ عدْلٌ، فمالَ ظنُّكَ إلى تصديقِهِ .. كنتَ معذوراً ؛
لأَنَّكَ لوْ كَذَّبْتَهُ .. لكنتَ جانياً على هذا العدْلِ؛ إذْ ظننْتَ بهِ الكذبَ ،
وذلكَ أيضاً مِنْ سوءِ الظَّنِّ ، فلا ينبغي أنْ تحسنَ الظَّنَّ بواحدٍ وتسيءَ
بالآخرِ .
نعمْ، ينبغي أنْ تبحثَ هلْ بينَهُما عداوةٌ ومحاسدةٌ وتعثُّتْ ، فتتطرّقَ
التهمةُ بسببهِ ؟ فقدْ ردَّ الشرعُ شهادةَ الأبِ العدلِ للولدِ للتهمةِ ، وردّ شهادةً
العدوّ (١)، فلكَ عندَ ذلكَ أنْ تتوقَّفَ وإنْ كانَ عدلاً؛ فلا تصدقَهُ
ولا تكذبَهُ ، ولكنْ تقولُ في نفسِكَ: المذكورُ حالُهُ كانَ في سترِ اللهِ تعالى
عندي ، وكانَ أمرُهُ محجوباً عنِّي، وقد بقيَ كما كانَ، لمْ ينكشفْ لي شيءٌ
مِنْ أمرِهِ .
(١) فقد روى الترمذي (٢٢٩٨) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: ((لا تجوز
شهادة خائن ولا خائنة ، ولا مجلود حداً ولا مجلودة ، ولا ذي غمر لأخيه ،
ولا مجرَّب شهادة ، ولا القانع أهل البيت لهم ، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة))، والقانع
هنا : التابع .
٢
حن
٥٣٤
حر

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
وقدْ يكونُ الرجلُ ظاهرُهُ العدالةُ ولا محاسدةَ بينَهُ وبينَ المذكورِ ، ولكنْ
يكونُ مِنْ عادتِهِ التعرُّضُ للناسِ ، وذكرُ مساوئِهِمْ، فهذا قدْ يُظنُّ أنَّهُ عدلٌ
وليسَ بعدلٍ ؛ فإنَّ المغتابَ فاسقٌ، وإنْ كانَ ذلكَ مِنْ عادتِهِ .. رُدَّتْ
شهادتُهُ ، إلاَّ أنَّ الناسَ لكثرةِ الاعتيادِ تساهلُوا في أمرِ الغيبةِ ، ولمْ يكترثوا
بتناولِ أعراضِ الخلقِ .
ثن
ومهما خطرَ لكَ خاطرُ سوءٍ على مسلمٍ .. فينبغي أنْ تزيدَ في مراعاتِهِ ،
وتدعوَ لهُ بالخيرِ ؛ فإنَّ ذلكَ يغيظُ الشيطانَ ، ويدفعُهُ عنكَ ، فلا يلقي إليكَ
الخاطرَ السوءَ ؛ خيفةً مِنِ اشتغالِكَ بالدعاءِ والمراعاةِ .
ـان
ومهما عرفتَ هفوةَ مسلمٍ بحجَّةٍ .. فانصحْهُ في السِّرِّ، ولا يخدعنَّكَ
الشيطانُ فيدعوَكَ إلى اغتيابِهِ ، وإذا وعظتَهُ .. فلا تعظْهُ وأنتَ مسرورٌ
باطلاعِكَ على نقصِهِ لينظرَ إليكَ بعينِ التعظيمِ ، وتنظرَ إليهِ بعينٍ
الاستحقار ، وتترفَّعَ عليهِ بدالَّةِ الوعظِ ، وليكنْ قصدُكَ تخليصَهُ مِنَ الإثمِ
وأنتَ حزينٌ ؛ كما تحزنُ على نفسِكَ إذا دخلَ عليكَ نقصانٌ في دينِكَ .
وينبغي أنْ يكونَ تركُهُ لذلكَ مِنْ غيرِ نصحِكَ أحبَّ إليكَ مِنْ ترکِهِ
بالنصيحةِ ، فإذا أنتَ فعلتَ ذلكَ .. كنتَ قدْ جمعتَ بينَ أجرِ الوعظِ وأجرٍ
الغمِّ بمصيبتِهِ وأجرِ الإعانةِ لهُ على دينِهِ .
ومِنْ ثمراتِ سوءِ الظنِّ : التجشُّسُ ، فإنَّ القلبَ لا يقنعُ بالظنِّ ، ويطلبُ
التحقيقَ، فيشتغلُ بالتجسُّسِ ، وهوَ أيضاً منهيٌّ عنهُ ، قالَ اللهُ تعالى :
٥٣٥
شي ش .ش
---
كسس -..
-------

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
حر:
﴿وَلَا تَسَّسُواْ﴾، فالغيبةُ وسوءُ الظنِّ والتجسُّسُ منهيٌّ عنهُ في آيةٍ واحدةٍ .
ومعنى التجسُّسِ : ألَّ تتركَ عبادَ اللهِ تحتَ سترِ اللهِ ، فتتوصلَ إلى
الاطلاع وهتكِ السترِ حتَّى ينكشفَ لكَ ما لوْ كانَ مستوراً عنكَ .. كانَ أسلمَ
لقلبكَ ودينِكَ ، وقدْ ذكرْنا في كتابِ الأمرِ بالمعروفِ حكمَ التجشُّسِ
وحقيقتهُ .
٥٣٦

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
بيان الأعذار المرخصة في الغيبة
اعلمْ : أَنَّ المرخِّصَ في الغيبةِ وذكرٍ مساوىءِ الغيرِ هوَ غرضٌ صحيحٌ في
الشرع لا يمكنُ التوصُّلُ إليهِ إلا بهِ ، فيدفعُ ذلكَ إثمَ الغيبةَ .
وهيَ ستَةُ أمورٍ :
الأولُ : التظلُّمُ :
حن
فإنَّ مَنْ ذكرَ قاضياً بالظُّلمِ والخيانةِ وأخذِ الرشوةِ .. كانَ مغتاباً عاصياً إنْ
لمْ يكنْ مظلوماً .
أمَّا المظلومُ مِنْ جهةِ القاضي .. فلهُ أنْ يتظلَّمَ إلى السلطانِ وينسبَهُ إلى
الظُّلم ؛ إذْ لا يمكنُهُ استيفاءُ حقِّهِ إلا بهِ ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً))(١).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَطْلُ الغنيِّ ظلْمٌ))(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((لَيُّ الواجدِ يُحِلُّ عرضَهُ وعقوبتَهُ))(٣).
(١) رواه البخاري (٢٣٠٦)، ومسلم ( ١٦٠١).
(٢) رواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤) .
(٣) رواه أبو داوود (٣٦٢٨)، والنسائي (٣١٦/٧)، وابن ماجه (٢٤٢٧)، واللَّيُّ:
المطل .
٥٣٧
حن
حن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
شن
الثاني : الاستعانةُ على تغييرِ المنكرِ ورةِّ العاصي إلى منهج الصلاح :
كما رُوِيَ أنَّ عمرَ مرَّ على عثمانَ - وقيلَ : على طلحةَ رضيَ اللهُ عنهمْ
أجمعينَ - فسلّمَ عليهِ فلم يردَّ السلامَ ، فذهبَ إلى أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ
فذكرَ لهُ ذلكَ، فجاءَ أبو بكرٍ إليهِ ليصلحَ ذلكَ ، ولمْ يكنْ ذلكَ غيبةً
. و .(١)
عندَهُمْ (١) .
وكذلكَ لمَّا بلغَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ أبا جندلٍ قدْ عاقرَ الخمرَ بالشام ..
كتبَ إليهِ : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ: ﴿حَمَ : تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
اَلْعَلِيمِ ﴾: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَائِلِ التَّوْبِ شَدِيدٍ الْعِقَابٍ ... ﴾ الآيةَ، فتابَ(٢)، ولمْ يرَ
عمرُ ذلكَ ممَّنْ أبلغَهُ غيبةً؛ إذْ كانَ قصدُهُ أنْ ينكرَ عليهِ عمرُ فينفعُهُ نصحُهُ
ما لا ينفعُهُ نصحُ غيرِهِ .
قات
وإنَّما إباحةُ هذا بالقصدِ الصحيح ، فإنْ لمْ يكنْ ذلكَ هوَ المقصودَ ..
كانَ حراماً .
الثالثُ : الاستفتاءُ :
كما يقولُ للمفتي : قَدْ ظلمَني أبي أوْ أخي أوْ زوجتي ، فكيفَ طريقي
تـ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٦/١)، وسبب عدم ردِّ عثمان رضي الله عنه لذهوله بوفاة
سيد الوجود عليه الصلاة والسلام .
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٤٤/٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(١٠٥/٩ ).
كن حن حن حن حن
٥٣٨
ثان
مدنى
Q
حن

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
في الخلاصِ ، والأسلمُ التعريضُ ، بأنْ يقولَ : ما قولُكَ في رجلٍ ظلمَهُ
أبوهُ أوْ أخوهُ أوْ زوجتُهُ؟ ولكنَّ التعيينَ مباحٌ بهذا العذرِ ؛ لما رُويَ عنْ هندَ
بنتِ عتبةَ أنَّها قالَتْ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ
لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي ، أفآخذُ مِنْ غيرِ علمِهِ ؟ فقالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: ((خُذي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ))(١)، فذكرَتِ الشُّحَّ،
والظلمَ لها ولولدِها ، ولمْ يزجرْها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ إذْ كانَ
قصدُها الاستفتاءَ .
الرابعُ : تحذيرُ المسلمينَ مِنَ الشَّرِّ :
فإذا رأيتَ متفقٌّهاً يتردّدُ إلى مبتدع أوْ فاسقٍ، وخفتَ أنْ تتعدّى إليهِ بدعتُهُ
أو فسقُهُ .. فلكَ أنْ تكشفَ لهُ بدعتَهُ وفسقَهُ، مهما كانَ الباعثُ لكَ الخوفَ
عليهِ مِنْ سرايةِ البدعةِ والفسقِ لا غيرُ ، وذلكَ موضعُ الغرورِ ؛ إذْ قدْ يكونُ
الحسدُ هوَ الباعثَ ، ويلبُّ الشيطانُ ذلكَ بإظهارِ الشفقةِ على الخلقِ .
وكذلكَ مَنِ اشترى مملوكاً وقدْ عرفْتَ المملوكَ بالسرقةِ أوْ بالفسقِ أوْ
بعيبٍ آخرَ ، فلكَ أنْ تذكرَ ذلكَ ؛ فإنَّ في سكوتِكَ ضررَ المشتري ، وفي
ذكرِكَ ضررَ العبدِ ، والمشتري أولى بمراعاةٍ جانبِهِ .
وكذلكَ المزِّ إذا سُئلَ عنِ الشاهدِ ، فلهُ الطعنُ فيهِ إنْ علمَ مَطعناً .
(١) رواه البخاري (٢٢١١)، ومسلم ( ١٧١٤ ) .
2
رہٹ
٥٣٩

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
وكذلكَ المستشارُ في التزويج وإيداع الأمانةِ لهُ أنْ يذكرَ ما يعرفُهُ على
قصدِ النصحِ للمستشيرِ ، لا على قصدِ الوقيعةِ ، فإنْ علمَ أنَّهُ يتركُ التزويجَ
بمجردِ قولِهِ : ( لا يصلحُ لكَ) .. فهوَ الواجبُ، وفيهِ الكفايةُ ، وإنْ علمَ
أنَّهُ لا ينزجرُ إلَّ بالتصريحِ بعيبِهِ . . فلهُ أنْ يصرِّحَ بهِ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «أَتَرِعونَ عنْ ذكرِ الفاجرِ ؟ هتَّكُوهُ
حتَّى يعرفَهُ الناسُ، اذكرُوهُ بما فيهِ حتَّى يحذرَهُ النَّاسُ)) (١) .
وكانُوا يقولونَ : ( ثلاثةٌ لا غيبةَ لهمْ : الإمامُ الجائرُ ، والمبتدعُ ،
والمجاهرُ بفسقِهِ )(٢).
الخامسُ : أنْ يكونَ الإنسانُ معروفاً بلقبٍ يعربُ عنْ عيبِهِ :
كالأعرج والأعمشِ ، فلا إثمَ على مَنْ يقولُ: روى أبو الزِّنادِ عن
الأعرج ، وسليمانُ عنِ الأعمشِ ، وما يجري مجراهُ ، فقدْ فعلَ العلماءُ
ذلكَ لضرورةِ التعريفِ، ولأنَّ ذلكَ قدْ صارَ بحيثُ لا يكرهُهُ صاحبُهُ لوْ علمَهُ
بعدَ أنْ صارَ مشهوراً بهِ .
ـدن
شارع
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٢١)، والطبراني في (( الأوسط ))
(٤٣٦٩)، وأتَرِعون : أتتحرَّجون وتمتنعون ؛ من ورع يرع كوعد يعد ، وهتكوه :
اكشفوا حاله وارفعوا ستره. ((إتحاف)) (٥٥٥/٧).
C
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٢٧) بنحوه.
خنه
٥٤٠
طان
ش قر