النص المفهرس
صفحات 501-520
ربع المهلكات كتاب آفات اللسان في الليلةِ التي هيَّتُها وأدخلتُها على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومعي نسوةٌ ، قالَتْ : فواللهِ ؛ ما وجدْنا عندَهُ قِرِىٌ إلَّ قدحاً مِنْ لبنِ ، فشربَ ثمَّ ناولَهُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها ، قالَتْ : فاستحيَتِ الجاريةُ ، قالَتْ فقلْتُ : لا تردِّي يدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، خذي منهُ ، قالَتْ: فأخذَتُهُ على حياءٍ فشربَتْ منهُ، ثمَّ قالَ: ((ناولي صواحبَكِ))، فقلْنَ: لا نشتهيهِ، فقالَ: ((لا تجمعْنَ جوعاً وكذباً))، قالَتْ: فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ؛ إنْ قالَتْ إحدانا لشيءٍ تشتهيهِ: لا أشتهيهِ .. أيُعدُّ ذلكَ كذباً؟ قالَ: ((إنَّ الكذبَ ليُكتَبُ كذباً حتَّى الكُذَيبةُ كُذِيبَةٌ)) (١) . وقدْ كانَ أهلُ الورعِ يحتَرِزونَ عنِ الشَّسامحِ بمثلِ هذا الكذبِ ، قالَ اللَّيثُ بنُ سعدٍ : كانَتْ ترمَصُ عينا سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، حتَّى يبلغَ الرَّمصُ خارجَ عينيهِ ، فيُقالُ لهُ: لوْ مسحْتَ هذا الرَّمصَ ، فيقولُ : فأينَ قولُ الطبيبِ وهوَ يقولُ لي: لا تمسَّ عينيكَ، فأقولُ: لا أفعلُ ؟!(٢). (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣٨/٦)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٥٢٤ )، كلاهما عن أسماء بنت عميس ، قال الحافظ الهيثمي في (( مجمع الزوائد » (٥٤/٤): (رواه أحمد والطبراني في « الكبير))، وفيه شداد عن مجاهد، روى عنه ابن جريج ويونس بن يزيد ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، إلا أن أسماء بنت عميس كانت بأرض الحبشة مع زوجها جعفر حين تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة ، والصواب حديث أسماء بنت يزيد والله أعلم ) ، وهو عن أسماء بنت يزيد عند ابن ماجه (٣٢٩٨) بلفظ المرفوع دون ذكر القصة مفصلة . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٥١١). ٥٠ كتاب آفات اللسان ربع المهلكات مدن وهذهِ مراقبةُ أهلِ الورع، ومَنْ تركَهُ .. انسلَّ لسانُهُ في الكذبِ عنِ حدٍّ اختيارِهِ ، فيكذبُ ولا يشعرُ . وعن جوَّابِ التيميِّ قالَ : جاءَتْ أختُ الربيع بنِ خُثيمٍ عائدةً إلى بُنِيٌّ لَهُ ، فانكبَّتْ عليهِ ، فقالَتْ : كيفَ أنتَ يا بُنيَّ ؟ فجلسَ الربيعُ فقالَ : أرضعتيهِ ؟ قالَتْ : لا ، قالَ : ما عليكِ لوْقلتِ : يا بنَ أخي فصدقْت؟!(١). ومِنَ العادةِ أنْ يقولَ : يعلمُ اللهُ فيما لا يعلمُهُ(٢) ، قالَ عيسىَ عليهِ السلامُ : ( إنَّ مِنْ أعظم الذنوبِ عندَ اللهِ أنْ يقولَ العبدُ : إنَّ اللهَ يعلمُ لما لا يعلمُ )(٣). وربَّما يكذبُ في حكايةِ المنامِ ، والإثمُ فيهِ عظيمٌ ؛ قالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّ مِنْ أَعْظمِ الفِرَى أنْ يَدَّعيَ الرَّجلُ إلى غيرِ أبيهِ، أَوْ يُرِيَ عينَهُ في المنامِ ما لمْ ترَ ، أوْ يقولَ عليَّ ما لمْ أَقُلْ))(٤) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ كذبَ في حُلْمِهِ .. كُلَّفَ يومَ القيامةِ أنْ يعقِدَ بينَ شعيرتينٍ ، وليسَ بعاقدٍ بينَهما أبداً ))(٥) . حن (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٥٣٣)، ووقع في النسخ : ( خوات ) بدل ( جواب ) . (٢) أي : القائل. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٧٢٧) عن سعيد بن عبد العزيز . (٤) رواه البخاري (٣٥٠٩) . (٥) رواه البخاري (٧٠٤٢)، وأبو داوود (٥٠٢٤ ). ٥٠٢ ـكن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان الآفى الخامسة عشرة: الغِيبة والنظرُ فيها طويلٌ، فلنذكرْ أوَّلاً مذمَّةَ الغيبةِ، وما وردَ فيها مِنْ شواهدِ الشرعِ. وقدْ نصَّ اللهُ سبحانَهُ على ذمِّها في كتابِهِ ، وشبَّهَ صاحبَها بآكلٍ لحمٍ الميتةِ . فقالَ تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب ◌َعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ ؛ دمُّهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ))(١) ، والغيبةُ تناولُ العِرضِ، وقدْ جمعَ اللهُ بينَهُ وبينَ الدمِ والمالِ . وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تحاسدُوا، ولا تباغضُوا، ولا تناجَشُوا، ولا تدابَرُوا، ولا يغتبْ بعضُكمْ بعضاً ، وكونوا عبادَ اللهِ إخواناً))(٢). وعنْ جابرٍ وأبي سعيدٍ قالا: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِيَّاكُمْ والغيبةَ ، فإنَّ الغيبةَ أشدُّ مِنَ الزنا، إنَّ الرَّجلَ قدْ يزني ويتوبُ فيتوبُ اللهُ سبحانَهُ عليهِ، وإنَّ صاحبَ الغيبةِ لا يُغفرُ لهُ حتَّى يغفرَ لهُ صاحبُهُ))(٣). (١) رواه مسلم ( ٢٥٦٤ ) ضمن حدیث . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٦٣)، وأصله في (( الصحيحين)) وقد تقدم . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٦٤). ٥٠٣ جن جم خن کتاب آفات اللسان ـحز ربع المهلكات وقالَ أنسٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مرزْتُ ليلةَ أُسريَ بي على قومٍ يخمِشُونَ وجوهَهُم بأظافيرِهِمْ، فقلْتُ : يا جبريلُ؛ مَنْ هؤلاءِ ؟ قالَ : هؤلاءِ الذينَ يغتابونَ الناسَ ويقعونَ في أعراضِهمْ))(١). وقالَ سليمُ بنُ جابرٍ : أتيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقلْتُ : علِّمني خيراً ينفعُني اللهُ بهِ ، فقالَ: (( لا تحقرَنَّ مِنَ المعروفِ شيئاً ولوْ أنْ تصبَّ مِنْ دلوكَ في إناءِ المستسقي ، وأنْ تلقى أخاكٌ ببشرٍ حسنٍ ، وإذا أدبرَ .. فلا تغتابُهُ))(٢). G وقالَ البراءُ : خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى أسمعَ العواتقَ في بيوتِها ، فقالَ: (( يا معشرَ مَنْ آمَنَ بلسانِهِ ولمْ يؤمنْ بقلبهِ ؛ لا تغتابُوا المسلمينَ ، ولا تتَّعُوا عوراتِهِمْ؛ فإنَّهُ مَنْ يتَبَعْ عورةَ أخيهِ .. يتّبع اللهُ عورتَهُ، ومَنْ يشَبع اللهُ عورتهُ .. يفضحْهُ في جوفٍ بيتِهِ))(٣). وقيلَ : أوحى اللهُ تعالى إلى موسى عليهِ السَّلامُ: ( مَنْ ماتَ تائباً مِنَ الغيبةِ .. فهوَ آخرُ مَنْ يدخلُ الجنةَ، ومَنْ ماتَ مصرّاً عليها .. فهوَ أوَّلُ مَنْ يدخلُ النارَ )(٤). (١) رواه أبو داوود (٤٨٧٨)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٦٥). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٦٦). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٦٧)، ورواه أبو داوود ( ٤٨٨٠) من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه . (٤) الرسالة القشيرية (ص٢٨٤) . ٥٠٤ ربع المهلكات كتاب آفات اللسان وقالَ أنسٌ : أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الناسَ بصوم يومٍ وقالَ: (( لا يفطرَنَّ أحدٌ حتَّى آذنَ لهُ)) ، فصامَ الناسُ، حتَّى إذا أمسَوا .. جعلَ الرجلُ يجيءُ فيقولُ : يا رسولَ اللهِ ؛ ظللْتُ صائماً، فأذنْ لي لأفطرَ ، فيأذنُ لهُ، والرجلُ والرجلُ ، حتَّى جاءَ رجلٌ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ فتاتانِ مِنْ أهلكَ ظلَّتَا صائمتينٍ ، وإنَّهما يستحيانِ أنْ يأتياكَ ، فأذنْ لهما أنْ يفطرا، فأعرض عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمَّ عاودَهُ فأعرض عنهُ، ثمَّ عاودَهُ، فقالَ: (( إنَّهما لمْ يصوما ، وكيفَ صامَ منْ ظلَّ هذا اليومَ يأكلُ لحومَ النَّاسِ ، اذهبْ فمرْهُما إنْ كانتا صائمتَينِ أنْ تستقْبِئًا)» ، فرجعَ إليهما فأخبرَهُما، فاستقاءَتا ، فقاءَتْ كلُّ واحدةٍ منهمَا علقةٌ مِنْ دم ، فرجعَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبرَهُ ، فقالَ: ((والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ؛ لوْ بقيَتَا في بطونِهِما .. لأكلَتْهُما النَّارُ))(١). وفي روايةٍ: أنَّهُ لمَّا أعرضَ عنهُ .. جاءَهُ بعدَ ذلكَ وقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إِنَّهما واللهِ لقدْ ماتًا أوْ كادَنا أنْ تموتا ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ائتوني بهما))، فجاءَتا، فدعا بعُسَّ، فقالَ لإحداهما: ((قيئي))، فقاءَتْ مِنْ قيحِ ودمٍ وصديدٍ حتَّى ملأتِ القدحَ، وقالَ للأخرىُ: ((قيئي))، فقاءَتْ كذلكَ ، فقالَ : ((إنَّ هاتينِ صامتًا عمَّا أحلَّ اللهُ لهما، وأفطرتا على ما حرَّمَ اللهُ عليهما، جلسَتْ إحداهما إلى الأخرى، فجعلَتا تأكلانِ لحومَ الناس))(٢). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٧٠ ). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣١/٥)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (١٧١ )، وقد تقدمت هذه الرواية . ٥٠٥ 4 كتاب آفات اللسان ربع المهلكات كن وقالَ أنسٌ : خطبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فذكرَ الرِّبا وعظَّمَ شأنَهُ، فقالَ : ((إنَّ الدرهَمَ يصيبُهُ الرَّجلُ من الرِّبا أعظمُ عندَ اللهِ في الخطيئةِ مِنْ ستٍّ وثلاثينَ زنيةً يزنيها الرَّجلُ، وإنَّ أَرْبى الربا عِرْضُ الرَّجلِ المسلمٍ ))(١) . وقالَ جابرٌ : كنَّا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في مسيرٍ ، فأتى على قبرينٍ يُعذّبُ صاحباهُما، فقالَ: (( إنَّهما يُعذَّبانِ ، وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ ، أمَّا أحدُهُما .. فكانَ يغتابُ النَّاسَ، وأمَّا الآخرُ .. فكانَ لا يستنزهُ مِنْ بَولِهِ)»، ودعا بجريدةٍ رطبةٍ أوْ جريدتينٍ، فكسرَهُما ، ثمَّ أمرَ بكلِّ كسرةٍ فغرِسَتْ على قبرِ ، فقالَ: (( أمَا إنَّه سيُهَوَّنُ مِنْ عذابِهِما ما كانَتَا رطبتيْنِ))، أوْ (( ما لمْ يَيْبَسا))(٢). ولمَّا رَجَمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ماعزاً في الزنا .. قالَ رجلٌ لصاحبهِ : هذا أُقْعِصَ كما يُقْعَصُ الكلبُ ، فمرَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهما معَهُ بجيفةٍ ، فقالَ: ((انهَشا منها))، فقالا: يا رسولَ اللهِ ؛ ننهشُ جيفةً ؟! فقالَ: (( ما أصبْتُما مِنْ أخيكُما أنتنُ مِنْ هَذِهِ))(٣). 03- كن جن حة (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٧٥)، وإنما شبهه بالربا للاستطالة وتناول الزيادة مما لا يجوز في حقه . (٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٣٥)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (١٧٦)، وعند البخاري (٢١٦)، ومسلم ( ٢٩٢) وفيهما ذكر النميمة بدل الغيبة . ـحن ـحة (٣) رواه الطيالسي في ((مسنده)) ( ٢٤٧٣)، وفيه: ( انهسا) بدل ( أنهشا)، والنهش = ◌ِ ٥٠٦ ح ربع المهلكات كتاب آفات اللسان وكانَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُم يتلاقونَ بالبشْرِ ، ولا يغتابونَ عندَ الغَيْبةِ ، ويرونَ ذلكَ أفضلَ الأعمالِ ، ويرونَ خلافَهُ عادةَ المنافقينَ . وقالَ أبو هريرةَ : ( مَنْ أكل لحمَ أخيهِ في الدُّنيا .. قُرِّبَ إليهِ لحمُهُ في الآخرةِ ، فقيلَ له : كُلُّهُ ميتاً كما أكلْتَهُ حيّاً ، فيأكلُهُ ویضِجُ ويكلَحُ ) ، ورُويَ مرفوعاً كذلكَ(١) . جم ورُوِي أنَّ رجلينٍ كانا قاعدينٍ عندَ بابٍ مِنْ أبوابِ المسجدِ ، فمرَّ بهما رجلٌ كانَ مختَّئاً فتركَ ذلكَ ، فقالا: لقدْ بقيَ فيهِ منهُ شيءٌ ، فأقيمَتِ الصلاةُ ، فدخلا فصلَّيا معَ الناسِ ، فحاكَ في أنفسِهما ممَّا قالا ، فأتيا عطاءً فسألاهُ ، فأمرَهُما أنْ يُعيدا الوضوءَ والصلاةَ ، وأمرَهما إنْ كانا صائمين أنْ يقضيا صيامَ ذلكَ اليومِ(٢). وعنْ مجاهدٍ قالَ: (﴿وَيْلٌ لِكَكُلّ هُمَزَقٍ ثُمَّزَةِ﴾ الهُمَزَةُ: الطَّعَّانُ فِي الناسِ ، واللُّمِزَةُ : الذي يأكلُ لحومَ الناسِ )(٣). وقالَ قتادةُ : ( ذُكِرَ لنا أنَّ عذابَ القبرِ ثلاثةُ أثلاثٍ : ثلثٌ مِنَ الغيبةِ ، والنهس بمعنىّ، وبنحوه رواه أبو داوود (٤٤٢٨)، والنسائي في « السنن الكبرى)» = ( ٧١٢٧ ) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٧٨)، ورواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٩٣) عنه مرفوعاً، ويضجُ: يصيح ويتململ ، ويكلح : یعبس وجهه . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٨١). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٨٥). ٥٠٧ دن حن حن مل كتاب آفات اللسان ہے ربع المهلكات وثلثٌ مِنَ البولِ ، وثلثٌ مِنَ النميمةِ)(١). وقالَ الحسنُ : ( واللهِ ؛ لَلْغيبةُ أسرعُ في دينِ المؤمنِ مِنَ الأَكَلَةِ في جسدِهِ )(٢). وقالَ بعضُهُم : ( أدركْنا السَّلفَ وهمْ لا يرونَ العبادةَ في الصَّومِ ولا في الصَّلاةِ ، ولكنْ في الكفِّ عنْ أعراضٍِ الناسِ)(٣). وقالَ ابنُ عباس : ( إذا أردتَ أنْ تذكرَ عيوبَ صاحبكَ .. فاذكرْ عيوبَكَ )(٤) . وقالَ أبو هريرةَ : ( يبصرُ أحدُكمُ القَذَى في عينِ أخيهِ ويدعُ الجذّعَ في عينِ نفسِهِ )(٥) . وكانَ الحسنُ يقولُ : ( ابنَ آدمَ ؛ إنَّكَ لنْ تصيبَ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى لا تعيبَ الناسَ بعيبِ هوَ فيكَ، وحتَّى تبدأَ بصلاح ذلكَ العيبِ فتصلحَهُ مِنْ ٩ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٩٠). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٩٢). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٩٣) عن خصاف وخصيف وعبد الكريم بن مالك . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٩٤). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) ( ١٩٥) وفيه ( الجذل ) بدل ( الجذع)، ورواه عنه مرفوعاً بلفظ المصنف القضاعي في (( مسند الشهاب)) (٦١٠)، وقد تقدم . ٥٠٨ حن .. حز كن جن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان نفسِكَ ، فإذا فعلْتَ ذلكَ .. كانَ شغْلُكَ في خاصَّةِ نفسِكَ ، وأحبُّ العبادِ إلى اللهِ مَنْ كانَ هكذا)(١) . وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : مرَّ عيسىُ عليهِ السَّلامُ ومعَهُ الحواريونَ على جيفةِ كلبٍ ، فقالَ الحواريُّونَ: ما أنتنَ ريحَ هذا الكلبِ ! فقالَ عيسى عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ما أشدَّ بياضَ أسنانِهِ(٢) . كأنَّهُ عليهِ السلامُ نهاهُمْ عنْ غيبةٍ الكلبِ ، ونبَّهَهُمْ على أنَّهُ لا يُذكرُ شيءٌ مِنْ خلقِ اللهِ إلاَّ أحسنُهُ . وسمعَ عليُّ بنُ الحسينِ رجلاً يغتابُ آخرَ ، فقالَ لهُ : ( إِيَّاكَ والغيبةَ ؛ فإنَّهَا إِدامُ كلابِ الناسِ ) (٣). C. وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( عليكُمْ بذكرِ اللهِ تعالى ؛ فإنَّهُ شفاءٌ ، وإِيَّاكُمْ وذكرَ النَّاسِ؛ فإنَّهُ داءٌ) (٤) . نسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ لطاعتِهِ . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٩٨). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٢٩٧). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٩٩). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٠٤)، وغالب ما رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)» بما يخص الغيبة قد رواه في ((ذم الغيبة والنميمة )) كذلك . ٥٠٩ كتاب آفات اللسان ربع المهلكات ـحر بيان معنى الغيبة وحدّها ٥ اعلمْ : أنَّ حدَّ الغيبةِ : أنْ تذكُرَ أخاكَ بما يكرهُهُ لوْ بلغَهُ ، سواءٌ ذكرْتَ نقصاً في بدنِهِ ، أوْ في نسبِهِ ، أوْ في خُلُقِهِ ، أوْ في فعلِهِ ، أوْ في قولِهِ ، أوْ في دينِهِ ، أوْ في دنياهُ ، وحتَّى في ثوبِهِ ، وفي دارِهِ ودابتِهِ . أمّا البدنُ : فكذكرِكَ العمشَ والحوَلَ ، والقَرَعَ ، والقِصَرَ والطولَ ، والسَّوادَ والصفرةَ ، وجميعَ ما يتصوَّرُ أنْ يُوصفَ بهِ ممَّا يكرهُهُ كيفما كانَ. وأمَّا النسبُ : فأنْ تقولَ : أبوهُ نَبَطِيٌّ، أوْ هنديٌّ، أوْ فاسقٌ ، أَوْ خسيسٌ ، أوْ إسكافٌ، أوْ زَالٌ، أوْ شيءٌ ممَّا يكرهُهُ كيفما كانَ. وأمَّا الخُلُقُ : فأنْ تقولَ : هوَ سيِّىءُ الخُلُقِ، بخيلٌ ، متكبٌِّ ، مُراءٍ ، شديدُ الغضب ، جبانٌ ، عاجزٌ ، ضعيفُ القلبِ ، متهوِّرٌ ، وما يجري مجراهُ . وأمَّا في أفعالِهِ المتعلقةِ بالدِّينِ : فكقولِكَ: سارقٌ ، وكذابٌ ، وشاربُ خمرٍ ، وخائنٌ ، وظالمٌ ، ومتهاونٌ بالصلاةِ والزكاةِ ، ولا يحسنُ الركوعَ والسجودَ ، ولا يحترزُ عنِ النجاساتِ ، وليسَ بارّاً بوالديهِ ، ولا يضعُ الزكاةَ موضعَها ، ولا يحسنُ قسمتَها ، ولا يحرُسُ صومَهُ مَنَ الرفثِ والغيبةِ والتعرُّضِ لأعراضِ الناسِ . حة وأمَّا فعلُهُ المتعلِّقُ بالدنيا : فكقولِكَ : إنَّهُ قليلُ الأدب ، متهاونٌ ٥١٠ ربع المهلكات ےے كتاب آفات اللسان بالناسِ ، ولا يرى على نفسِهِ لأحدٍ حقّاً ويرى لنفسِهِ حقّاً ، وإنَّهُ كثيرٌ الكلامِ ، كثيرُ الأكلِ ، وإِنَّهُ نؤومٌ ، وينامُ في غيرِ وقتِ النومِ ، ويجلسُ في غيرِ موضعِهِ . وأمَّا في ثوبِهِ : فكقولِكَ: إِنَّهُ واسعُ الكُمِّ ، طويلُ الذَّيلِ ، وسخُ الثيابِ. وقالَ قومٌ : لا غيبةَ في الدِّينِ ؛ لأنَّهُ ذُّ ما ذمَّهُ اللهُ تعالى، فذكرُهُ بالمعاصي وذمُّهُ بها يجوزُ، بدليلٍ ما رُويَ : أنَّهُ ذُكِرَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ امرأةٌ وكثرةُ صلاحِها وصومِها وصلاتِها ، ولكنَّها تُؤذي جيرانَها بلسانِها، فقالَ: ((هيَ في النَّارِ))(١)، وذكرَتْ عندَه امرأةٌ أخرى بأنَّها بخيلةٌ، فقالَ: ((فما خيرُها إذاً؟!))(٢). ميــ جن وهذا فاسدٌ ؛ لأنَّهم كانُوا يذكرونَ ذلكَ لحاجتِهِمْ إلى تعرُّفِ الأحكام بالسؤالِ، ولمْ يكنْ غرضُهمُ التَّقُّصَ ، ولا يُحتاجُ إليهِ في غيرِ مجلسٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . والدليلُ عليهِ : إجماعُ الأمةِ أنَّ مَنْ ذكرَ غيرَهُ بما يكرهُهُ .. فهوَ مغتابٌ ؛ لأنَّهُ داخلٌ فيما ذكرَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حدِّ الغيبةِ ، وكلُّ هذا وإنْ كانَ صادقاً فيهِ .. فهوَ بِهِ مغتابٌ، عاصٍ لربِّهِ ، وآكلُ لحمَ أخيهِ ؛ بدليلٍ ما رُويَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: «هلْ تدرونَ ما الغيبةُ؟ )) (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ٤٤٠)، وابن حبان في (( صحيحه)) ( ٥٧٦٤) . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٤٣) عن أبي جعفر محمد بن علي مرسلاً . ٥١١ حن حن حن حن حن ش فن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات جر .. قالُوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ ، قالَ: ((ذكرُكَ أخاكَ بما يكرَهُ))، قيلَ: أرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ؟ قالَ: (( إنْ كانَ فيهِ ما تقولُ .. فقدِ اغتبتَهُ ، وإنْ لمْ يَكُنْ فِيهِ .. فقدْ بَهَّهُ)) (١) . وقالَ معاذُ بنُ جبلٍ : ذُكِرَ رجلٌ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالوا : ما أعجزَهُ! فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اغتبْتُمْ أخاكُمْ))، قالُوا : يا رسولَ اللهِ؛ قلنا ما فيهِ، قالَ: ((إنْ قلتُم ما ليسَ فيهِ .. فقدْ بهِتُّموهُ)) (٢). وعنْ أبي حذيفةَ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها ذكرَتْ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ امرأةٌ فقالَتْ: إنَّها قصيرةٌ ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اغتيْتِها))(٣). وقالَ الحسنُ : ( ذِكرُ الغيرِ ثلاثةٌ : الغيبةُ ، والبُهتانُ ، والإفكُ ، والكلُّ في كتابِ اللهِ تعالى ؛ الغيبةُ : أنْ تقولَ ما فيهِ ، والبُهتانُ : أَنْ تقولَ ما ليسَ فيهِ ، والإفكُ : أنْ تقولَ ما بلغَكَ ) . وذكرَ ابنُ سيرينَ رجلاً فقالَ : ذلكَ الرجلُ الأسودُ ، ثمّ قالَ : أستغفرُ اللهَ، إنِّي أَراني قدِ اغتبتُهُ(٤). (١) رواه مسلم (٢٥٨٩) . (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٩/٢٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٣٠٨). (٣) رواه أبو داوود (٤٨٧٥)، والترمذي (٢٥٠٢)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٢٠٧) واللفظ له ، والجميع رواه عن أبي حذيفة عن عائشة ، وفي النسخ: ( حذيفة ) بدل ( أبي حذيفة ) . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢١٤). ق ٥١٢ دن ربع المهلكات ٢٠ کتاب آفات اللسان وذكرَ ابنُ سيرينَ إبراهيمَ النخعيَّ فوضعَ يدَهُ على عينِهِ ، ولمْ يقلِ : الأعورَ . وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : لا يغتابنَّ منكمُ أحدٌ أحداً ؛ فإنِّي قَلْتُ لامرأةٍ مرّةً وأنا عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ هذهِ لطويلةُ الذَّيلِ، فقالَ: ((ألفظي الفظي))، فلفظتُ بضْعةً مِنْ لحمٍ (١). فن لكن . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢١٦)، والخرائطي في «مساوىء الأخلاق)) ( ٢٠١). ٥١٣ كتاب آفات اللسان حن ربع المهلكات خر بيان أن الغيبة لاتقتصر على اللّمان اعلمْ : أنَّ الذكرَ باللِّسانِ إنَّما حرُمَ لأنَّ فيهِ تفهيمَ الغيرِ نقصانَ أخيكَ وتعريفَهُ بما يكرهُهُ ، فالتعريضُ بهِ كالتصريح ، والفعلُ فيهِ كالقولِ ، والإشارةُ والإيماءُ والغمْزُ والرَّمزُ والكتابةُ والحركةُ وكلُّ ما يُفهِمُ المقصودَ .. فهوَ داخلٌ في الغيبةِ ، وهوَ حرامٌ . ومِنْ ذلكَ : قولُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها : دخلَتْ علينا امرأةٌ ، فلمَّا ولَّتْ .. أومأْتُ بيدي ؛ أيْ : أنَّها قصيرةٌ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ : ((اغتبْتيها))(١) . ـحر ومِنْ ذلكَ : المحاكاةُ ؛ بأنْ يمشيَ متعارجاً ، أوْ كما يمشي ؛ فهوّ غيبةٌ ، بلْ هوَ أشدُّ مِنَ الغيبةِ ؛ لأنَّهُ أعظمُ في التصويرِ والتفهيمِ . ولمّا رأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عائشةَ حكَتِ امرأةٌ .. فقالَ: (( ما يسرُّني أنِّي حكيتُ إنساناً ولي كذا وكذا)) (٢). وكذلكَ الغيبةُ بالكتابةِ ؛ فإنَّ القلمَ أحدُ اللسانينِ ، وذكرُ المصنَّفِ شخصاً معيَّاً ، وتهجينُ كلامِهِ في الكتابِ غيبةٌ ، إلاَّ أنْ يقترنَ بهِ شيءٌ مِنَ الأعذارِ المُحوِجةِ إلى ذكرِهِ ، كما سيأتي بيانُهُ . حج حن حن حن حن جو (١) تقدم قريباً . (٢) رواه أبو داوود ( ٤٨٧٥)، والترمذي (٢٥٠٢). ٥١٤ شن جن ش فن جى ان حرة ربع المهلكات ٥٠ كتاب آفات اللسان وأمَّا قولُه : قالَ قومٌ : كذا .. فليسَ ذلكَ بغيبةٍ، إنَّما الغيبةُ التعرُّضُ لشخصٍ معيَّنٍ ، إِمَّا حِيٍّ وإِمَّا مَيْتٍ . ومِنَ الغيبةِ : أنْ تقولَ : بعضُ مَنْ مرَّ بنا اليومَ ، أوْ بعضُ مَنْ رأيناهُ ، إذا كانَ المخاطبُ يفهمُ منهُ شخصاً معيّناً ؛ لأنَّ المحذورَ تفهيمُهُ ، دونَ ما بِهِ النَّفَهيمُ ، فأمَّا إذا لمْ يفهمْ عينَهُ .. جازَ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إذا كرِهَ مِنْ إنسانٍ شيئاً .. قالَ: (( ما بالُ أقوام يفعلونَ كذا وكذا)»، وكانَ لا يعيِّنُ(١). حن ہہ دن وقولُكَ : بعضُ مَنْ قَدِمَ مِنَ السفرِ ، أوْ بعضُ مَنْ يدَّعي العلمَ ، إذا كانَ معَهُ قرينةٌ تُفُهِمُ عينَ الشَّخصِ . . فهوَ غيبةٌ . وأخبثُ أنواع الغيبةِ : غيبةُ القرَّاءِ المرائينَ ، فإنَّهمْ يُفهمونَ المقصودَ على صيغةِ أهلِ الصَّلاحِ ؛ ليظهروا مِنْ أنفسِهِمْ التَّعفُّفَ عنِ الغيبةِ ، ويُفهمونَ المقصودَ ، ولا يدرونَ بجهلِهِمْ أنَّهمْ جمعوا بينَ فاحشتَنِ الرياءِ والغيبةِ ، وذلكَ مثلُ أنْ يُذكرَ عندَهُ إنسانٌ ، فيقولُ : ( الحمدُ للهِ الذي لمْ يبتِلِنا بالدُّخولِ على السلطانِ ، والتبذُّلِ في طلبِ الحطام ) ، أوْ يقولُ : ( نعوذُ باللهِ مِنْ قلَّةِ الحياءِ ، نسألُ اللهَ تعالى أنْ يعصمَنا منها ) ، وإنَّما قصدُهُ أنْ يفهِمَ عيبَ الغيرِ ، فيذكرَهُ بصيغةِ الدعاءِ . أروى. والع. (١) فقد روى أبو داوود (٤٧٨٨) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء .. لم يقل: ما بال فلان، ولكن يقول: (( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا)) ). ٥١٥ حن حن كتاب آفات اللسان ٢٠٠٦٠ ربع المهلكات وكذلكَ قدْ يقدِّمُ مدحَ مَن يريدُ غيبتَهُ ، فيقولُ: ( ما أحسنَ أحوالَ فلانٍ ، ما كانَ يقصِّرُ في العباداتِ ، ولكنْ قدِ اعتراهُ فتورٌ ، وابتلي بما يُبتلى بهِ كلُّنا ، وهوَ قلَّةُ الصبرِ ) ، فيذكرُ نفسَهُ ومقصودُهُ أَنْ يذمَّ غيرَهُ في ضمنٍ ذلكَ، وأنْ يمدحُ نفسَهُ بالتَّشْبُّهِ بالصالحينَ في ذمّ أنفسِهِمْ ، فيكونُ مغتاباً ومرائياً ومزكِّياً نفسَهُ ، فيجمَعَ بينَ ثلاثِ فواحشَ وهوَ يظنُّ بجهلِهِ أنَّهُ مِنَ الصالحينَ المتعففينَ عَنِ الغيبةِ . وكذلكَ يلعبُ الشيطانُ بأهلِ الجهلِ إذا اشتغلوا بالعبادةِ مِنْ غيرِ علمٍ ، فإنَّهُ يتعبُهمْ ، ويُحبطُ بمكايدِهِ عملَهُمْ ، ويضحَكُ عليهِمْ ، ويسخرُ منهمْ . ومِنْ ذلكَ : أنْ يُذكرَ عيبُ إنسانٍ فلا يتنبهُ لهُ بعضُ الحاضرينَ ، فيقولُ : سبحانَ اللهِ! ما أعجبَ هذا! حتَّى يُصغى إلى المغتابِ ويُعلمَ ما يقولُهُ ، فيذكرُ اللهَ تعالى ، ويستعملُ اسمهَ آلةً لهُ في تحقيقِ خبثِهِ ، وهو يمنُّ على اللهِ عزَّ وجلَّ بذكرِهِ جهلاً منهُ وغروراً . ـن مصر وكذلكَ يقولُ : لقدْ ساءَني ما جرى على صديقِنا مِنَ الاستخفافِ بهِ ، فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يروِّحَ نفسَه ، ويكونُ كاذباً في دعوى الاغتمامِ ، وفي إظهارِ الدعاءِ لهُ ، بلْ لوْ قصدَ الدعاءَ .. لأخفاهُ في خلوتِهِ عَقيبَ صلاتِهِ ، ولوْ كانَ يغتمُّ بهِ .. لاغتمَّ أيضاً بإظهارِ ما يكرهُهُ . وكذلكَ يقولُ : ذلكَ المسكينُ قدْ بُلِيَ بآفةٍ عظيمةٍ تابَ اللهُ علينا وعليهِ ، فهوَ في كلِّ ذلكَ يظهرُ الدعاءَ ، واللهُ مطّلعٌ على خُبْثِ ضميرِهِ وخفيٍّ قصدِهِ ، ٥١٦ ـون ربع المهلكات كتاب آفات اللسان وهوَ لجهلِهِ لا يدري أنَّهُ قدْ تعرَّضَ لمقتٍ أعظمَ ممَّا يتعرَّضُ لهُ الجَّالُ إذا جاهرُوا . ومِنْ ذلكَ : الإصغاءُ إلى الغيبةِ على سبيلِ التعجُّبِ ؛ فإنَّهُ إنَّما يُظهِرُ التعجُّبَ ليزيدَ نشاطَ المغتابِ في الغيبةِ ، فيندفعَ فيها ، فكأنَّه يستخرجُ الغيبةَ منهُ بهذا الطريقِ ، فيقولُ : عجبٌ! ما علمتُ أنَّه كذلكَ! ما عرفْتُهُ إلى الآنَ إلاَّ بالخيرِ ! وكنْتُ أحسبُ فيهِ غيرَ هذا! عافانا اللهُ مِنْ بلائِهِ ، فإنَّ كلَّ ذلكَ تصديقٌ للمغتابِ ، والتصديقُ بالغيبةِ غيبةٌ ، بلِ الساكتُ شريكُ المغتاب . شرع قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((المستمِعُ أحدُ المغتابَيْنِ))(١). وقد رُوِيَ عنْ أبي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّ أحدَهُما قالَ لصاحبهِ : إنَّ فلاناً لنؤومٌ، ثمَّ إنَّهما طلبا أُدْماً مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليأكلا بهِ الخبزَ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((قدِ ائتدَمْتُما))، فقالا: ما نعلمُهُ، فقالَ: (( بلى، إنَّكما أكلْتُما مِنْ لحم أخيكُما))(٢) ، فانظر كيفَ جمعَهما، وكانَ القائلُ أحدَهُما والآخرُ مستمعٌ ، وقالَ للرجلينِ اللذينِ قالَ أحدُهُما : (١) روى أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٣١٢٢/٦) عن الحسن قال: ( حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النياحة وعن سماع إلى النياحة ، ونهى عن الغيبة والاستماع إلى الغيبة . .. ) الخبر . (٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ١٨٨) من حديث أنس رضي الله عنه. ٥١٧ ں م كتاب آفات اللسان ربع المهلكات أُقْعِصَ الرجلُ كما يُقعَصُ الكلبُ : (( إِنهشا مِنْ هذِهِ الجيفةِ)) (١)، فجمعَ بينهما . فالمستمعُ لا يخرجُ مِنْ إثمِ الغيبةِ إلَّ بأنْ ينكرَ بلسانِهِ . فإِنْ خافَ .. فبقلبِهِ ، وإنْ قدَرَ على القيامِ أوْ قطعِ الكلامِ بكلامٍ آخرَ فلمْ يفعلْهُ .. لزمَهُ . وإنْ قالَ بلسانِهِ : ( اسكُتْ ) وهوَ مشتهٍ لذلكَ بقلبهِ .. فذلكَ نفاقٌ ، ولا يخرجُهُ مِنَ الإثمِ ما لم يكرهْهُ بقلبِهِ . ولا يكفي في ذلكَ أنْ يشيرَ باليدِ ؛ أي : اسكتْ ، أَوْ يشيرَ بحاجبهِ وجبينِهِ ، فإنْ ذلكَ استحقارٌ للمذكورِ ، بلْ ينبغي أنْ يعظَّمَهُ فيذبَّ عنهُ صريحاً . كر قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ أُذِلَّ عندَهُ مؤمِنٌ فلمْ ينصرْهُ وهوَ قادرٌ على أن ينصرَهُ .. أذلَّهُ اللهُ يومَ القيامةِ على رؤوسِ الخلائقِ)) (٢). وقالَ أبو الدرداءِ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ ردَّ عنْ عرضِ أخيهِ بالغيب .. كانَ حقّاً على اللهِ أنْ يردَّ عنْ عرضِهِ يومَ القيامةِ)) (٣). دن (١) تقدم قريباً . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٨٧/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٧٣/٦). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الغيبة والنميمة)) ( ١٠٣)، ورواه الترمذي (١٩٣١) بلفظ : ((من رد عن عرض أخيه .. رد الله عن وجهه النار يوم القيامة)). حن حن ئن ون نء ٥١٨ حن في ربع المهلكات كتاب آفات اللسان وقالَ أيضاً: (( من ذَ عنْ عرْضٍ أخيهِ بالغيبِ .. كانَ حقّاً على اللهِ أنْ يعتقَهُ مِنَ النَّارِ)) (١) . وقدْ وردَ في نصرةِ المسلمِ في الغَيْبةِ وفي فضلِ ذلكَ أخبارٌ كثيرةٌ ، أوردْناها في كتابٍ آدابِ الصُّحبةِ وحقوقِ المسلمينَ ، فلا نطوِّلُ بإعادتِها . ٠٥٨ ٠٠. (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٦١/٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١٧٦/٢٤). ----- ------ ٥١٩ حن کتاب آفات اللسان ربع المهلكات بيان الأسباب الباعثة على الغيبة اعلمْ : أنَّ البواعثَ على الغيبةِ كثيرةٌ ، ولكنْ يجمعُها أحدَ عشرَ سبباً ، ثمانيةٌ منها تطَّرَدُ في حقِّ العامَّةِ ، وثلاثةٌ تختصُّ بأهلِ الدينِ والخاصَّةِ . أما الثمانيةُ : فالأوَّلُ : أنْ يشفيَ الغيظَ ، وذلكَ إذا جرى سببٌ غضِبَ بهِ عليهِ ، فإنَّهُ إذا هاجَ غضبُهُ .. تشفَّى بذكرٍ مساوئِهِ، فيسبقُ اللِّسانُ إليهِ بالطَّبعِ إنْ لمْ يَكُنْ ثَمَّ دينٌ وازعٌ ، وقدْ يمتنعُ تشفِّي الغيظِ عندَ الغضبِ ، فيحتقِنُ الغضبُ في الباطنِ ، فيصيرُ حقداً ثابتاً ، فيكونُ سبباً دائماً لذكرِ المساوىء ، فالحقدُ والغضبُ مِنَ البواعثِ العظيمةِ على الغيبةِ . ـحر بكن تن الثاني : موافقةُ الأقرانِ ، ومجاملَةُ الرفقاءِ ، ومساعدتُهُمْ على الكلام ؛ فإنَّهُمْ إذا كانُوا يتفكّهونَ بذكرٍ الأعراضِ، فيرى أنَّهُ لوْ أنكرَ عليهِمْ أَوْ قطعَ المجلسَ .. استثقلُوهُ ونفرُوا عنهُ، فيساعدُهُمْ ويرى ذلكَ مِنْ حُسْنٍ المعاشرةِ ، ويظنُّ أنَّهُ مجاملةٌ في الصحبةِ ، وقدْ يغضبُ رفقاؤُهُ ، فیحتاجُ إلى أنْ يغضبَ لغضبهِمْ ؛ إظهاراً للمساهمةِ في السراءِ والضَّراءِ ، فيخوضُ معهم في ذكرِ العيوبِ والمساوىءٍ . ٥٢٠ من حن جن حن حنون