النص المفهرس
صفحات 421-440
ربع المهلكات هموم كتاب آفات اللسان وقالَ مسلمُ بنُ يسارِ : ( إياكُمْ والمراءَ ؛ فإنَّهُ ساعةُ جهلِ العالِمِ ، وعندَها يبتغي الشيطانُ زلَّتَهُ)(١) . مكة وقيلَ : ما ضلَّ قومٌ بعدَ إذْ هداهُمُ اللهُ إلا بالجدالِ . وقالَ مالكُ بنُ أنس رحمةُ اللهِ عليه : ( ليسَ هذا الجدالُ مِنَ الدينِ في شيءٍ)(٢) . وقال أيضاً : ( المراءُ يقسِّي القلوبَ، ويورِثُ الضغائنَ )(٣) وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ؛ لا تجادِلِ العلماءَ فيمقتوكَ )(٤). ٩٨٠. وقالَ بلالُ بنُ سعدٍ : ( إذا رأيتَ الرجلَ لَجوجاً ممارياً معجباً برأيهِ .. فقدْ تمَّتْ خسارتُهُ )(٥) . وقالَ سفيانُ : ( لوْ خالفتُ أخي في رمانةٍ ، فقالَ : حلوةٌ ، وقلْتُ : حامضةٌ .. لسعى بي إلى السلطانِ)(٦). (١) رواه الدارمي في ((سننه)) (٤١٠)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) ( ١٢٥ ) . (٢) رواه البيهقي في ((المدخل إلى السنن الكبرى)) (٢٣٨) بنحوه ، وأورده ابن عبد البر في (( الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) ( ص ٧٠ ). (٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٠٥/٦١). (٤) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٩١) عن الربيع الخولاني عنه ضمن خبر تقدم بعضه . (٥) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٧٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٨/٥). (٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) ( ١٢٢). ق ٤٢١ حن حن حن. كتاب آفات اللسان ربع المهلكات دن وقالَ أيضاً : ( صافٍ مَنْ شئْتَ ، ثمَّ أغضبْهُ بالمِراءِ ، فليرمينَّكَ بداهيةٍ تمنعُكَ العيشَ ) . وقالَ ابنُ أبي ليلى : ( لا أماري صاحبي ؛ فإمّا أنْ أكذبَهُ ، وإمَّا أنْ أغضبَهُ)(١) . وقالَ أبو الدرداءِ : ( كفى بكَ إثماً ألاَّ تزالَ ممارياً)(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تكفيرُ كلِّ لحاءِ ركعتانٍ))(٣) وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا تتعلمِ العلمَ لثلاثٍ ، ولا تتركْهُ لثلاثٍ ؛ لا تتعلمْ لتُماريَ بهِ ، ولا لتباهيَ بهِ ، ولا لترائيَ بهِ ، ولا تتركْهُ حياءً مِنْ طلبهِ ، ولا زهادةً فيهِ ، ولا رضاً بالجهلِ منهُ) (٤) . وقالَ عيسى عليهِ السلامُ: ( مَنْ كَثُرَ كذبُهُ .. ذهبَ جمالُهُ، ومَنْ لاحى الرِّجالَ .. سقطَتْ مروءتُهُ، ومَنْ كَثُرَ هُّهُ .. سقمَ جسمُهُ، ومَنْ ساءَ خلُقُهُ .. عذَّبَ نفسَهُ )(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٢٤). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٣٠). (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٤٩/٨)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٦٩/٥٠) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً، وأوقفه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٧٣١) على أبي هريرة رضي الله عنه . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٣١). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (١٣٣) عن العزيز بن حصين بلاغاً عنه عليه السلام . حن جن جن جن حن جن حنحن حن فى ٤٢٢ حن حنة. حن حن ربع المهلكات کتاب آفات اللسان وقيلَ لميمونٍ بن مهرانَ : ما لكَ لا يفارقُكَ أخٌ لكَ عنْ قلىّ ؟! قالَ : لأنِّي لا أشاريهِ ولا أماريهِ (١) . ٤٠ وما وردَ في ذمِّ المراءِ والجدالِ كثيرٌ . وحدُّ المراءِ : هوَ كلُّ اعتراضٍ على كلامِ الغيرِ ، بإظهارِ خللٍ فيهِ ؛ إمَّا في اللفظِ ، وإمَّا في المعنى ، وإمَّا في قصدِ المتكلمِ . وتركُ المراءِ : بتركِ الإنكارِ والاعتراضٍ ، فكلُّ كلام سمعتهُ ؛ فإنْ كانَ حقّاً .. فصدِّقْ بهِ ، وإنْ كان باطلاً أوْ كذباً ولمْ يكنْ متعلقاً بأمورِ الدينِ .. فاسکتْ عنهُ . ےے حر والطعنُ في كلام الغيرِ تارةً يكونُ في لفظهِ : بإظهارِ خللٍ فيهِ مِنْ جهةٍ النحوِ ، أوْ مِنْ جهةِ اللغةِ ، أَوْ مِنْ جهةِ العربيَّةِ ، أوْ مِنْ جهةِ النظمِ والترتيبِ بسوءٍ تقديم وتأخيرٍ ، وذلكَ تارةً يكونُ مِنْ قصورِ المعرفةِ ، وتارةً يكونُ بطغيانِ اللسانِ ، وكيفما كانَ .. فلا وجهَ لإظهارِ خللِهِ . سيسي وأمَّا في المعنى .. فبأنْ يقولَ: ليسَ كما تقولُ، وقدْ أخطأتَ فيهِ مِنْ وجه كذا وكذا . وأمَّا في قصدِهِ .. فمثلُ أنْ يقولَ : هذا الكلامُ حقٌّ، ولكنْ ليسَ قصدُكَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٤٦)، والمشاراة : المخاصمة . ٤٢٣ كتاب آفات اللسان ربع المهلكات منهُ الحقَّ ، وإنَّما أنتَ فيهِ صاحبُ غرضٍ ، وما يجري مَجراهُ ، وهذا الجنسُ إنْ جرى في مسألةٍ علميّةٍ .. فربّما خُصَّ باسمِ الجدلِ ، وهوَ أيضاً مذمومٌ ، بلِ الواجبُ السكوتُ ، أوِ السؤالُ في مَعْرِضِ الاستفادةِ ، لا على وجهِ العنادِ والنكادةِ ، أوِ التلطفُ في التعريفِ لا في مَعْرِضِ الطعنِ . وأمَّا المجادلةُ : فعبارةٌ عنْ قصدِ إفحام الغيرِ ، وتعجيزِهِ وتنقيصِهِ بالقدحِ في كلامِهِ ، ونسبتِهِ إلى القصورِ والجهلِ فيهِ . وآيةُ ذلكَ : أن يكونَ تنبيهُهُ للحقِّ منْ جهةٍ أخرى مكروهاً عندَ المجادَّلِ ، بلْ يحبُّ أنْ يكونَ هوَ المظهِرَ لهُ خطأَهُ ؛ ليبيِّنَ بهِ فضلَ نفسِهِ ونقصَ صاحبهٍ ، ولا نجاةً مِنْ هذا إلا بالسكوتِ عنْ كلِّ ما لا يأثمُ بهِ لوْ سکتَ عنهُ . وأمَّا الباعثُ على هذا : فهوَ الترفُّعُ بإظهارِ العلمِ والفضْلِ ، والتهجُمُ على الغيرِ بإظهارِ نقصِهِ ، وهما شهوتانِ باطنتانِ للنفسِ قويّتانِ . أمَّا إظهارُ الفضلِ .. فهوَ منْ قبيلِ تزكية النفسِ ، وهيَ مِنْ مقتضى ما في العبدِ مِنْ طغيانٍ دعوى العلوِّ والكبرياءِ ، وهيَ مِنْ صفاتِ الربوبيَّةِ . وأمَّا تنقيصُ الآخرِ .. فهوَ مِنْ مقتضى طبع السبعيَّةِ ؛ فإنَّهُ يقتضي أنْ يمزِّقَ غيرَهُ ، ويقصِمَهُ ويصدِمَهُ ويؤذيَهُ . ٢٠ وهاتانِ صفتانِ مذمومتانِ مهلكتانٍ ، وإنَّما قُوَّتُهما المراءُ والجدالُ ، فالمواظبُ على المراءِ والجدالِ مقوِّ لهذهِ الصفاتِ المهلكةِ ، وهذا مجاوزٌ ٤٢٤ حن ---------- ----....... 1- ربع المهلكات كتاب آفات اللسان حدَّ الكراهةِ، بلْ هوَ معصيةٌ مهما حصَلَ فيهِ إيذاءُ الغيرِ . ولا تنفكُّ المماراةُ عنِ الإيذاءِ وتهييجِ الغضبِ ، وحملِ المعترَضِ عليهِ على أنْ يعودَ فينصرَ كلامَهُ بما يمكنُهُ مِنْ حقٍّ أوْ باطلٍ ، ويقدحَ في قائِلِهِ بكلِّ ما يُتصوَّرُ لهُ ، فيثورُ الشجارُ بينَ المتماريينِ كما يثورُ الهِراشُ بينَ الكلبينِ ، يقصدُ كلُّ واحدٍ منهما أنْ يعضَّ صاحبَهُ بما هوَ أعظمُ نكايةً ، وأقوى في إفحامِهِ وإثخانِهِ . وأمَّا علاجُهُ : فهوَ بأنْ يكسِرَ الكبرَ الباعثَ لهُ على إظهارِ فضلِهِ ، والسبعيَّةَ الباعثةَ لهُ على تنقيصٍ غيرِهِ ، كما سيأتي ذلكَ في كتابٍ ذمِّ الكبرِ والعُجْبِ ، وكتابٍ ذمِّ الغضبِ ؛ فإنَّ علاجَ كلِّ علَّةٍ بإماطةِ سببها ، وسببُ المراءِ والجدالِ ما ذكرناهُ ، ثمَّ المواظبةُ عليهِ تجعلُهُ عادةً وطبعاً، حتَّى يتمكَّنَ مِنَ النفسِ ، ويعسرَ الصبرُ عنهُ . رُوِيَ أنَّ أبا حنيفةَ رحمهُ اللهِ عليهِ قالَ لداوودَ الطائيِّ: لمَ آثرْتَ الانزواءَ ؟ قالَ : لأجاهدَ نفسي بتركِ الجدالِ ، فقالَ : احضرِ المجالسَ واسمعْ ما يُقالُ ولا تتكلَّمْ ، قال : ففعلتُ ذلكَ ، فما رأيتُ مجاهدةٌ أشدّ عليَّ منها(١). (١) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤١/٧) عن أحمد بن أبي الحواري قال : حدثني بعض أصحابنا قال : إنما كان سبب [زهد] داوود الطائي أنه كان يجالس أبا حنيفة ، فقال له = ٤٢٥ حن ثن: 3 حن کتاب آفات اللسان ربع المهلكات وهوَ كما قالَ ؛ لأنَّ مَنْ سمعَ الخطأَ منْ غيرِهِ وهوَ قادرٌ على كشفِهِ .. تعسَّرَ عليهِ الصبرُ عندَ ذلكَ جداً، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ تركَ المراءَ وهوَ محقٌّ .. بنى اللهُ لهُ بيتاً في أعلى الجنَّةِ))؛ لشدَّةِ ذلكَ على النَّفْسِ. وأكثرُ ما يغلبُ ذلكَ في المذاهبِ والعقائدِ ؛ فإنَّ المراءَ طبعٌ ، فإذا ظنَّ أنَّ لهُ عليهِ ثواباً .. اشتدّ عليهِ حرصُهُ ، وتعاونَ الطبعُ والشرعُ عليهِ ، وذلكَ خطأٌ محضٌ ، بلْ ينبغي للإنسانِ أن يكفَّ لسانَهُ عنْ أهلِ القبلةِ ، وإذا رأى مبتدعاً .. تلطّفَ في نصحِهِ في خلوةٍ ، لا بطريقِ الجدالِ ؛ فإنَّ الجدالَ يخيّلُ إليهِ أنَّها حيلةٌ منهُ في التلبيسِ ، وأنَّ ذلكَ صنعةٌ يقدرُ المجادلونَ منْ أهلِ مذهبهِ على أمثالِها لو أرادوا ، فتستمرُّ البدعةُ في قلبهِ بالجدلِ وتتأكدُ . فإذا عرفَ أنَّ النصحَ لا ينفعُ .. اشتغلَ بنفسِهِ وتركَهُ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رحمَ اللهُ مَنْ كفَّ لسانَهُ عنْ أهلِ القبلةِ إلاَّ بأحسنِ ما يقدرُ عليهِ )) ، قالَ هشامُ بنُ عروةً : كانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يردِّدُ قولَه هذا سبعَ مراتٍ(١) . حن جح حن جن جن من أبو حنيفة : يا أبا سليمان ؛ أما الأداة .. فقد أحكمناها ، فقال داوود : فأي شيء بقي ؟ = قال : بقي العمل به ، قال : فنازعتني نفسي إلى العزلة والوحدة ، فقلت لها : حتى تجلسي معهم فلا تجيبي في مسألة ، قال : فكان يجالسهم سنة قبل أن يعتزل ، قال : فكانت المسألة تجيء وأنا أشد شهوة للجواب فيها من العطشان إلى الماء ، فلا أجيب فيها ، قال : فاعتزلهم بعد . دن (١) كذا رواه مرسلاً عن هشام بن عروة مع حكاية قوله ابنُ أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)» ( ١٣٧ ) . ن؟ ٤٢٦ ربع المهلكات مـ کتاب آفات اللسان وكلُّ مَنِ اعتادَ المجادلةَ مَّةً ، وأثنى الناسُ عليهِ ، ووجدَ لنفسِهِ بسببِهِ عزّاً وقبولاً .. قويَتْ فيهِ هذهِ المهلكاتُ ، فلا يستطيعُ عنها نزوعاً إذا اجتمعَ عليهِ سلطانُ الكبرِ والغضبِ ، والرياءِ ، وحبِّ الجاهِ ، والتعزُّزِ بالفضلِ ، وآحادُ هذهِ الصفاتِ يشقُّ مجاهدتُها ، فكيفَ بمجموعِها ؟! ت ٤٢٧ من حن حن جن ئن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات الآفة الخامسة: الخصومة وهيَ أيضاً مذمومةٌ ، وهيَ وراءَ المراءِ والجدالِ . فالمراءُ : طعنٌ في كلامِ الغيرِ ، بإظهارِ خللٍ فيهِ مِنْ غيرِ أنْ يرتبطَ بهِ غرضٌ سوى تحقيرِ الغيرِ ، وإظهارِ مزيَّةِ الكياسةِ . والجدالُ : عبارةٌ عنْ أمرٍ يتعلَّقُ بإظهارِ المذاهبِ وتقريرِها . والخصومةُ : لجاجٌ في الكلام ؛ ليُستوفىُ بهِ مالٌ أَوْ حقٌّ مقصودٌ ، وذلك تارةً يكونُ ابتداءً، وتارةً يكونُ اعتراضاً ، والمراءُ لا يكونُ إلا بالاعتراضِ على كلامِ سبقَ . فقدْ قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أبغضَ الرِّجالِ إلى اللهِ الألدُ الخصِمُ))(١) . ـكن وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: « مَنْ جادلَ في خصومةٍ بغيرِ علمٍ .. لمْ يزلْ في سخطِ اللهِ حتَّى ينزعَ))(٢). وقالَ بعضُهمْ : ( إِيَّاكُمْ والخصومةَ؛ فإنَّها تمحقُ الدِّينَ )(٣) (١) رواه البخاري (٢٤٥٧)، ومسلم ( ٢٦٦٨) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٥٣). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٥٤) عن جعفر بن محمد . ٤٢٨ حن خن ئن حن عن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان ويُقالُ : ( ما خاصمَ قُّ وَرِعٌ في الدينِ )(١) . وقالَ ابنُ قتيبةً : مرَّ بي بشيرُ بنُ عبيدِ اللهِ بنِ أبي بكرةَ فقالَ : ما يجلسُكَ ؟ قلتُ : خصومةٌ بيني وبينَ ابنِ عمَّ لي، فقالَ: إنَّ لأبيكَ عندي يداً ، وإنِّي أريدُ أنْ أجزيَكَ بها ، وإنِّي - واللهِ - ما رأيتُ شيئاً أذهبَ للدينِ، ولا أنقصَ للمروءةِ ، ولا أضيعَ للَّذةِ ، ولا أشغلَ للقلبِ .. مِنَ الخصومةِ ، قالَ : فقمتُ لأرجعَ ، فقالَ لي خصمي : ما لكَ ؟ قلتُ : لا أخاصمُكَ : قالَ: إِنَّكَ عرفتَ أنَّهُ حقِّي ؟ قلتُ : لا ، ولكنِّي أُكرِمُ نفسي عنْ هذا، قالَ : فإنِّي لا أطلبُ منهُ شيئاً ، هوَ لكَ(٢). % فإنْ قلتَ : فإذا كانَ للإنسانِ حقٌّ .. فلا بدَّ لهُ مِنَ الخصومِةِ في طلبِهِ أَوْ في حفظِهِ مهما ظلمَهُ ظالمٌ، فكيفَ يكونُ حكمُهُ؟ وكيفَ تُذَمُ خصومتُهُ ؟ فاعلمْ : أنَّ هذا الذمَّ يتناولُ الذي يخاصمُ بالباطلِ ، والذي يخاصمُ بغيرِ علمٍ ؛ مثلُ وكيلِ القاضي ، فإنَّهُ قبلَ أنْ يتعرَّفَ أنَّ الحقَّ في أيِّ جانبٍ هوَ يتوكّلُ في الخصومةِ مِنْ أيِّ جانبٍ يكونُ ، فيخاصمُ بغيرِ علمٍ . ويتناولُ الذي يطلبُ حقَّهُ ، ولكنَّهُ لا يقتصرُ على قدْرِ الحاجةِ ، بلْ يُظهِرُ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٥٥) عن عبد الكريم بن أمية . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٥٨). -- -- ته. ٤٢٩ ج سحر ـن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات اللَّدَدَ في الخصومةِ على قصدِ الشَّلُّطِ ، أوْ على قصدِ الإيذاءِ . ـيه ويتناولُ الذي يمزِجُ بالخصومةِ كلماتٍ مؤذيةٌ ليسَ يحتاجُ إليها في نصرةِ الحجَّةِ وإظهارِ الحقِّ . ويتناولُ الذي يحملُهُ على الخصومةِ محضُ العنادِ لقهرِ الخصمِ وكسرِهِ ، معَ أنَّهُ قَدْ يستحقِرُ ذلكَ القَدْرَ مِنَ المالِ ، وفي الناسِ مَنْ يصرِّحُ بهِ ويقولُ : إنَّما قصدي عنادُهُ وكسرُ غرضِهِ ، وإنِّي إنْ أخذتُ منهُ هذا المالَ .. ربّما رميتُ بهِ في بئرٍ ولا أبالي ، فهذا مقصودُهُ اللَّدَدُ والخصومةُ واللَّجاجُ ، وهوَ مذمومٌ جداً . أمّا المظلومُ الذي ينصرُ حجَّتَهُ بطريقِ الشرع مِنْ غيرِ لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادةِ لَجاجٍ على قدرِ الحاجةِ ، ومِنْ غيرِ قصدِ عنادٍ وإيذاءٍ .. ففعْلُهُ ليسَ بحرام ، ولكنِ الأولى تركُهُ ما وجدَ إليهِ سبيلاً ؛ فإنَّ ضبطَ اللسانِ في الخصومةِ على حدِّ الاعتدالِ متعذِّرٌ، والخصومةُ توغِرُ الصدرَ ، وتهيِّجُ الغضبَ ، وإذا هاجَ الغضبُ .. نُسِيَ المتنازعُ فيهِ ، وبقيَ الحقدُ بينَ المتخاصمَينِ ، حتَّى يفرحُ كلُّ واحدٍ بمساءةٍ صاحبهِ ، ويحزنُ بمسرَّتِهِ ، ويطلقُ اللَّسانَ في عرضِهِ ، فمَنْ بدأَ بالخصومةِ .. فقدْ تعرَّضَ لهذهِ المحذوراتِ ، وأقلُّ ما فيهِ تشويشُ خاطرِهِ ، حتَّى إنَّهُ في صلاتِهِ يشتغلُ بمحاجَّةِ خصمِهِ ، فلا يبقى الأمرُ على حدِّ الواجبٍ . حن ٤٠ ـحن فالخصومةُ مبدأُ كلِّ شرٍّ، وكذا الجدالُ والمراءُ ، فينبغي ألاَّ يُفتحَ بابُهُ إِلاَّ ٤٣٠ تن حن شن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان الضرورةٍ ، وعندَ الضرورةِ ينبغي أنْ يُحفظَ اللُّسانُ والقلبُ عَنْ تبعاتٍ الخصومةِ ، وذلكَ متعذِّرٌ جداً . فمنِ اقتصرَ على الواجبِ في خصومتِهِ .. سلمَ مِنَ الإثمٍ ، ولا تُدُمُ خصومتُهُ ، إلا أنَّهُ إنْ كانَ مستغنياً عنِ الخصومةِ فيما خاصمَ فيهِ لأنَّ معَهُ ما يكفيهِ .. فيكونُ تاركاً للأولى، ولا يكونُ آثماً . نعمْ ، أقلُّ ما يفوتُهُ في الخصومَةِ والمراءِ والجدلِ طيبُ الكلام ، وما وردَ فيهِ مِنَ الثوابِ ؛ إذْ أقلُّ درجاتِ طيبِ الكلامِ إظهارُ الموافقةِ ، ولا خشونةَ في الكلامِ أعظمُ مِنَ الطَّعنِ والاعتراضِ ، الذي حاصلُهُ إمَّا تجهيلٌ، وإمَّا تكذيبٌ ؛ فإنَّ مَنْ جادلَ غيرَهُ أوْ ماراهُ أوْ خاصمَهُ .. فقدْ جهَّلَهُ أوْ كَذَّبَهُ ، فيفوتُ بهِ طيبُ الكلام . وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يمكِّنُكُمْ مِنَ الجنَّةِ طيبُ الكلام وإطعامُ الطَّعام))(١) . وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : ( مَنْ سلَّمَ عليكَ مِنْ خلقِ اللهِ . . فارددْ عليهِ وإنْ كانَ مجوسيّاً؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿ وَإِذَا حُبِّيْتُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُزُوهَا﴾)(٢). (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١٥٤٧) من حديث جابر رضي الله عنه، وهو عند ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٣٠٤) عن محمد بن المنكدر . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٠٩). قعـ ٤٣١ حن من حن حن ـء کتاب آفات اللسان ربع المهلكات وقالَ ابنُ عباسٍ أيضاً : ( لوْ قالَ لي فرعونُ خيراً .. لرددتُ عليهِ)(١). وقالَ أنسٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِنَّ في الجنَّةِ غُرفاً ، يُرى ظاهرُها مِنْ باطنِها ، وباطنُها مِنْ ظاهرِها، أعدَّها اللهُ تعالى لمَنْ أطعمَ الطعامَ وألانَ الكلامَ))(٢). ورُوِيَ أنَّ عيسى عليهِ السلامُ مرَّ بهِ خنزيرٌ، فقالَ: مُرَّ بسلام ، فقيلَ : يا روحَ اللهِ ؛ أتقولُ هذا الخنزيرِ ؟! فقالَ : أكرهُ أنْ أعوِّدَ لساني الشرّ(٣). وقالَ نبيَّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((الكلمةُ الطَّيِّبةُ صدقةٌ)) (٤). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( اتقوا النارَ ولوْ بشقِّ تمرةٍ ، فإنْ لمْ يكنْ .. فبكلمةٍ طيبةٍ »(٥) . وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( البرُّ شيءٌ هيِّنٌ ؛ وجهٌ طليقٌ وكلامٌ لِيِّنٌ)(٦) . حن حن ئة (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣١١). (٢) رواه الترمذي (١٩٨٤). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣٠٨) عن أنس رضي الله عنه عنه عليه السلام . (٤) قطعة من حديث رواه مسلم ( ١٠٠٩). (٥) رواه البخاري (٦٠٢٣)، ومسلم (٦٨/١٠١٦). (٦) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٧٧٠٢)، وابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (١٠٩) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . ٤٣٢ حم حن ضن كن حن حن ربع المهلكات جوهر كتاب آفات اللسان وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( الكلامُ الليِّنُ يغسلُ الضغائنَ المستكنَّةَ في الجوارحِ )(١) . ـحة وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( كلُّ كلام لا يسخطُّ ربَّكَ إلا أنَّكَ ترضي بهِ جليسَكَ .. فلا تكنْ بهِ عليهِ بخيلاً؛ فلعلَّهُ يعوِّضُكَ منهُ ثوابَ المحسنينَ )(٢). فهذا كلُّهُ في فضْلِ الكلام الطيِّبِ، وتضادُّهُ الخصومةُ والمراءُ واللَّجاجُ والجدالُ ؛ فإنَّهُ الكلامُ المستكرهُ الموحشُ المؤذي للقلبِ ، المنغِّصُ للعيشِ ، المهيِّجُ للغضبِ ، الموغِرُ للصدرِ ، نسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ بمنِّهِ و کرمِهِ . یہے ٠٥٦ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣١٢)، وفيه: ( الجوانح ) بدل ( الجوارح ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣١٣). ٤٣٣ حں حن کتاب آفات اللسان ح ربع المهلكات الآفة السادسة: التَّمغرية الكلام بالتشكُّقِ ، وتكلُّفِ السجْع والفصاحةِ ، والتصنَّع فيهِ بالتشبيباتِ والمقدِّماتِ ، وما جرَتْ بهِ عادةُ المتفاصحينَ المذَّعينَ للخطابةِ. فكلُّ ذلكَ مِنَ التَّصنُّعِ المذمومِ ، ومِنَ التكلُّفِ الممقوتِ ، الذي قالَ فيهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أنا وأتقياءُ أمَّتي برآءُ مِنَ التَّكلُّفِ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أبغضَكُمْ إليَّ، وأبعدَكُمْ منِّ مجلساً يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ المتفيهقونَ المتشدِّقونَ في الكلام)) (٢). وقالَتْ فاطمةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( شرارُ أمَّتي الذينَ غُذُوا بالنَّعيمِ ، يأكلونَ ألوانَ الطعام ، ويلبسونَ ألوانَ الثيابِ ، ويتشدَّقونَ في الكلام ))(٣) (١) كذا في ((القوت)) (٢٢٩/٢)، وروى الديلمي في (( مسند الفردوس)) (٢٢٨) من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه مرفوعاً: ((إني بريءٌ من التكلف وصالحو أمتي)). (٢) رواه الترمذي (٢٠١٨) من حديث جابر رضي الله عنه ، وتمامه : قالوا : يا رسول الله ؛ قد علمنا الثرثارون والمتشدقون ، فما المتفيهقون ؟ قال : ((المتكبرون))، قال الترمذي: (والثرثار : هو الكثير الكلام ، والمتشدق : الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم ) . ـحن (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٥٠)، وابن عدي في (( الكامل)) (٣١٨/٥) . ٤٣٤ حن حن شن عن مئن من ربع المهلكات كتاب آفات اللسان وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا هلكَ المتنطُّعونَ)) ثلاثَ مراتٍ(١)، والشَّطُعُ : هوَ التعمُّقُ والاستقصاءُ . وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إِنَّ شقاشِقَ الكلام مِنْ شقاشِقٍ الشيطانِ)(٢). وجاءَ عمرُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ إلى أبيهِ سعدٍ يسألُهُ حاجةٌ ، فتكلَّمَ بينَ يدي حاجتِهِ بكلام ، فقالَ لهُ سعدٌ : ما كنتَ مِنْ حاجتِكَ أبعدَ منكَ اليومَ ، إنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((يأتي على النَّاسِ زمانٌ يتخلَّلونَ الكلامَ بألسنتِهِمْ كما تتخلَّلُ البقرُ الكلاَ بألسنتِها)»(٣). وكأنَّهُ أنكرَ عليهِ ما قدَّمَ على الكلامِ مِنَ التشبيبِ والمقدِّمةِ المصنوعةِ المتكلَّفةِ . ٥ حن ےے یےہ وهذا أيضاً مِنْ آفاتِ اللسانِ، ويدخلُ فيهِ كُّ سجْع متكلَّفٍ ، وكذلكَ التفاصحُ الخارجُ عنْ حدِّ العادةِ ، وكذلكَ تكلُّفُ السجْع في المحاوراتِ ؛ إذْ قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بغرَّةٍ في الجنينِ ، فقالَ بعضُ قومِ الجاني : كيفَ ندي مَنْ لا شربَ ولا أكلَ ، ولا صاحَ ولا استهلَّ ، ومثلُ ذلكَ يطلُّ؟! فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أسجْعاً كسجْع (١) رواه مسلم ( ٢٦٧٠). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٥٢). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٥/١)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (١٤٩) واللفظ له ، ورواه مختصراً أبو داوود (٥٠٠٥)، والترمذي ( ٢٨٥٣). ق؟- ٤٣٥ دن ڑےں .دن بكن كن ئن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات الأعراب؟! ))(١) ، وأنكرَ ذلكَ؛ لأنَّ أثرَ التكلُّفِ والتصنُّع بَيِّنٌ عليهِ ، بلْ ينبغي أنْ يقتصرَ في كلِّ شيءٍ على مقصودِهِ ، ومقصودُ الكلام التفهيمُ للغرضِ ، وما وراءَ ذلك تصنُّعٌ مذمومٌ . ولا يدخلُ في هذا تحسينُ ألفاظِ الخطابةِ ، والتذكيرُ مِنْ غيرِ إفراطٍ وإغرابٍ ؛ فإنَّ المقصودَ منها تحريكُ القلوبِ وتشويقُها ، وقبضُها وبسطُها ، فلر شاقةِ اللفظِ تأثیرٌ فیهِ ، فهوَ لائقٌ بهِ . فأمّا المحاوراتُ التي تجري في قضاءِ الحاجاتِ .. فلا يليقُ بها السجْعُ والتشدُّقُ ؛ فالاشتغالُ بهِ مِنَ التكلُّفِ المذموم ، ولا باعثَ عليهِ إِلا الرياءُ وإظهارُ الفصاحةِ، والتميُّرُ بالبراعةِ ، وكلُّ ذلكَ مذمومٌ يكرهُهُ الشَّرِعُ ويزجرُ عنهُ . ـحن (١) رواه مسلم ( ١٦٨٢). ـون: كن ٤٣٦ ربع المهلكات جوم کتاب آفات اللسان الآفة السابعة: الفحش والتّب وبذاءة الّسان وهوَ مذمومٌ منهيٌّ عنهُ، ومصدرُهُ : الخبثُ واللؤمُ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إِيَّاكُمْ والفحشَ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يحبُّ الفحشَ ولا التَّفَخُشَ)) (١). ونهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ أَنْ تُسبَّ قتلى بدرٍ مِنَ المشركينَ، فقالَ: (( لاَ تسُّوا هؤلاءِ ؛ فإنَّهُ لا يخلُصُ إليهِمْ شيءٌ ممَّا تقولونَ، وتؤذونَ الأحياءَ، ألا إنَّ البَذاءَ لؤْمٌ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ، ولا الفاحشِ ولا البذيءٍ)) (٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الجنَّةُ حرامٌ على كلِّ فاحشِ أنْ يدخلَها)) (٤). ٥ (١) كذا رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣١٩)، وهو ضمن حديث طويل رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٩/٢)، وابن حبان في (( صحيحه)) ( ٥١٧٦ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٢٣)، والخرائطي في « مساوىء الأخلاق )» ( ٦٨ ). (٣) رواه الترمذي ( ١٩٧٧). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٢٥)، وأبو نعيم في (( الحلية )) (٢٨٨/١ ) . ٤٣٧ كن حن من حن حن حن: 3 كتاب آفات اللسان ربع المهلكات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أربعةٌ يؤذونَ أهلَ النَّارِ في النارِ على ما بهمْ مِنَ الأذى ، يسعونَ بينَ الحميمِ والجحيمِ يدْعونَ بالويلِ والثُبُورِ ، رجلٌ يسيلُ فوهُ قيحاً ودماً ، فيُقالُ لهُ : ما بالُ الأبعدِ قدْ آذانا على ما بنا مِنَ الأذى ؟ فيقولُ : إنَّ الأبعدَ كانَ ينظرُ إلى كلِّ كلمةٍ قذعةٍ خبيثةٍ فيستلذُّها كما يستلِذُّ الرَّفثَ))(١). ے وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعائشةً: (( يا عائشةُ؛ لوْ كانَ الفحْشُ رجلاً .. لكانَ رجلَ سَوْءٍ))(٢). وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((البَذاءُ والبيانُ شعبتانِ مِنْ شُعبٍ النَّفَاقِ))(٣). به. ويُحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بالبيانِ كشفَ ما لا يجوزُ كشفُهُ، ويُحتملُ أيضاً : المبالغةَ في الإيضاح حتَّى ينتهيَ إلى حدِّ التكلُّفِ، ويُحتملُ أيضاً : البيانَ في أمورِ الدينِ ، وفي صفاتِ اللهِ تعالى؛ فإنَّ إلقاءَ ذلكَ مجملاً إلى أسماع العوامِّ أولى مِنَ المبالغةِ في بيانِهِ ؛ إذْ قدْ يثورُ مِنْ غايةِ البيانِ فيهِ شكوكٌ ووساوسُ، فإذا أُجمَلَتْ .. بادرَتِ القلوبُ إلى القبولِ ولمْ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٢٦) من حديث شفي بن ماتع ، وهو مختلف في صحبته . (٢) رواه الطيالسي في «مسنده)) (١٤٩٥)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣٣١ ) . (٣) رواه الترمذي ( ٢٠٢٧) . ٤٣٨ مثن ربع المهلكات حن كتاب آفات اللسان تضطربْ، ولكنْ ذكرُهُ مقروناً بالبَذاءِ يشبهُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ المجاهرةَ بما يستحيي الإنسانُ مِنْ بيانِهِ ، فإنَّ الأولىُ في مثلِهِ الإغماضُ والتغافلُ، دونَ الكشفِ والبيانِ . ؟ مدن وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ لا يحبُّ الفاحشَ المتفَحِّشَ الصَّيَّاحَ في الأسواقِ)) (١). وقالَ جابرُ بنُ سَمُّرةَ : كنتُ جالساً عندَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبي أمامي، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الفُحشَ والتفخُشَ ليسا مِنَ الإسلام في شيءٍ، وإنَّ أحسنَ الناسِ إسلاماً أحاسنُهُمْ أخلاقاً »(٢). ھے می حن وقالَ إبراهيمُ بنُ ميسرةَ : ( يُقالُ : الفاحشُ المتفخِّشُ يومَ القيامةِ في صورةٍ كلبٍ ، أَوْ في جوفِ كلبٍ )(٣). وقالَ الأحنفُ بنُ قيسٍ: ( ألا أخبرُكُمْ بأدْوَأٍ الداءِ ؟ اللسانُ البذيءُ ، والخلقُ الدنيءُ )(٤) . فهذهِ مذمَّةُ الفُحْشِ . (١) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣١٠)، وابن أبي الدنيا في « الصمت وآداب اللسان)» ( ٣٤٠) من حديث جابر رضي الله عنه . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٨٩/٥)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣٤٢ ) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٣٢٩). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٤١). ٤٣٩ من جن حن ش خن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات فأما حدُّهُ وحقيقتُهُ : فهوَ التعبيرُ عنِ الأمورِ المستقبحةِ (١) بالعباراتِ الصريحةِ . G ويجري أكثرُ ذلكَ في ألفاظِ الوِقاعِ وما يتعلَّقُ بهِ ، فإنَّ لأهلِ الفسادِ عباراتٍ صريحةً فاحشةً يستعملونَها فيهِ ، وأهلُ الصَّلاحِ يتحاشَوْنَ عنِ التعرُّضِ لها ، بلْ يكنونَ عنها ، ويدلُّونَ عليها بالرُّموزِ وبذكرِ ما يقاربُها ويتعلَّقُ بها . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ اللهَ حييٌّ كريمٌ ، يعفُّ ويكني ، كنى باللمسِ عنِ الجماعِ) (٢). فالمسيسُ واللمسُ ، والدخولُ، والصحبةُ .. كناياتٌ عَنِ الوقاعِ ، وليسَتْ بفاحشةٍ ، وهناكَ عباراتٌ فاحشةٌ يُستقبحُ ذكرُها، ويستعملُ أكثرُها في الشتمٍ والتعييرِ ، وهذهِ العباراتُ متفاوتةٌ في الفُحْشِ ، وبعضُها أفحشُ مِنْ بعضٍ ، وربَّما اختلفَ ذلكَ بعادةِ البلادِ ، وأوائلُها مكروهةٌ ، وأواخرُها محظورةٌ ، وبينَهُما درجاتٌ يُتردّدُ فيها . حن وليسَ يختصُّ هذا بالوِقاع ، بلِ الكنايةُ بقضاءِ الحاجةِ عنِ البولِ والغائطِ أولىُ مِنْ لفظِ التغوُّطِ والخِراءَةِ وغيرِها؛ فإنَّ هذا أيضاً ممَّا يُخفى، وكلُّ حن (١) شرعاً وعقلاً وطبعاً، بحيث يكرهه الطبع، كما ينكره العقل ، ويستخبثه الشرع . ((إتحاف)) ( ٧ /٤٨١ ) . (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٣٤/١)، والطبري في ((تفسيره)) ( ٤ /١٣٧/٥ ) . حن حن حق حن ٤٤٠