النص المفهرس

صفحات 361-380

ربع المهلكات
ے:
كتاب كسر الشهوتين
وهذهِ الشهوةُ أيضاً لها إفراطٌ وتفريطٌ واعتدالٌ :
فالإفراطُ : ما يقهرُ العقلَ حتَّى يصرفَ هِمَّةَ الرجالِ إلى الاستمتاعِ بالنساءِ
والجواري ، فيُحرمَ عنْ سلوكِ طريقِ الآخرةِ ، أَوْ يقهرُ الدينَ حتَّى يجرَّ إلى
اقتحام الفواحشِ ، وقدْ ينتهي إفراطُها بطائفةٍ إلى أمرينِ شنيعينٍ :
أحدُهُما : أنْ يتناولوا ما يقوِّي شهواتِهِمْ على الاستكثارِ مِنَ الوقاع ؛ كما
قدْ يتناولُ بعضُ الناسِ أدويةً تقوِّي المعدةَ لتعظمَ شهوةُ الطعام .
وما مثالُ ذلكَ إلا كمَنِ ابتليَ بسباعٍ ضاريةٍ وبهائمَ عاديةٍ فتنامُ عنهُ في
بعض الأوقاتِ ، فيحتالُ لإثارتِها وتهييجِها، ثمَّ يشتغلُ بإصلاحِها
وعلاجها ؛ فإنَّ شهوةَ الطعام والوقاع على التحقيقِ آلامٌ يريدُ الإنسانُ
الخلاصّ منها ، فيدركُ لذَّةً بسببِ الخلاصِ .
.
فإنْ قلتَ : فقدْ رُوِيَ في غريبِ الحديثِ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
قالَ: ((شكوتُ إلى جبريلَ ضعفَ الوقاع، فأمرَني بأكْلِ الهريسةِ))(١) .
فاعلمْ : أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ تحتَهُ تسعُ نسوةٍ ، ووجبَ علیهِ
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٥٩٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (١٤٤/٦)،
وتمام في ((فوائده)) ( ٩٨٨)، وقد قال العجلوني في ((كشف الخفاء)) (١٧٥/١ ):
( ألف الحافظ ابن ناصر الدين فيه جزءاً سماه: ((رفع الدسيسة عن أخبار الهريسة)))،
وانظر ((الإتحاف)) (٣٠٩/٥)، ولم يسلم المصنف ثبوت هذا الخبر فضلاً عن أن
يكون حجة؛ إذ قال هناك : (هذا إن صح .. لا محمل له إلا الاستعداد
للاستراحة ... )، ولكن المصنف على عادته يجيب عن مثل هذه التحريجات تنزُّلاً.
٣٦١
حن

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
تحصينُهُنَّ بالإمتاع ، وحرمَ على غيرِهِ نكاحُهُنَّ وإنْ طلَّقَهُنَّ، فكانَ طلبُهُ
القوَّةَ لهذا ، لا للتنقُّمِ .
٥
والأمرُ الثاني : أنَّهُ قَدْ تنتهي هذهِ الشهوةُ ببعضِ الضلاَّلِ إلى العشْقِ ،
وهوَ غايةُ الجهلِ بما وُضِعَ لهُ الوقاعُ، وهوَ مجاوزةٌ في البهيميَّةِ لحدٍّ
البهائمِ ؛ لأنَّ العاشقَ ليسَ يقنعُ بإراقةِ شهوةِ الوقاع - وهيَ أقبحُ الشهواتِ ،
وأجدرُها بأنْ يُستحيا منهُ - حتَّى اعتقدَ أنَّ الشهوةَ لا تنقضي إلا مِنْ محلِّ
واحدٍ ، والبهيمةُ تقضي الشهوةَ أينَ اتفقَ ، فتكتفي بهِ ، وهذا لا يكتفي إلا
بشخصٍ واحدٍ معيَّنٍ ، حتَّى يزدادَ بهِ ذلاً إلى ذلِّ، وعبوديةً إلى عبوديةٍ ،
وحتَّى يستسخرَ العقلَ لخدمةِ الشهوةِ ، وقدْ خُلِقَ ليكونَ مطاعاً ، لا ليكونَ
خادماً للشهوةِ ومحتالاً لأجلِها .
وما العشقُ إلا منبعُ إفراطِ الشهوةِ ، وهوَ مرضُ قلبٍ فارغ لا همَّ لهُ ،
وإنَّما يجبُ الاحترازُ مِنْ أوائِلِهِ بترْكِ معاودةِ النظرِ والفكْرِ ، وإلا فإذا
استحكمَ .. عسرَ دفعُهُ .
وكذلكَ عشقُ الجاهِ والمالِ والعقارِ والأولادِ ، حتَّى حبُّ اللعبِ بالطيورِ
والنردِ والشطرنج ، فإنَّ هذهِ الأمورَ قدْ تستولي على طائفةٍ بحيثُ تنغِّصُ
عليهِمُ الدينَ والدنيا ، ولا يصبرونَ عنها ألبتةَ(١).
بدن
حن حن
(١) أما نقص الدين عليهم .. فمن جهات متعددة ، وأما نقصان الدنيا ؛ فإنه إن كان
محترفاً .. يشتغل بها عن حرفته ، ويضيع عياله ، وإن كان ذا مال .. فإنه يضيعه فيما
يتعلق بتلك الأشياء ، وهلم جرّاً إلى أن ينفد، وأما عدم صبرهم عنها .. فذلك مشاهد=
ـكن
٣٦٢
ـكن
جن

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
ومثالُ مَنْ يكسرُ سَوْرَةَ العشقِ في أوَّلِ انبعاثِهِ مثالُ مَنْ يصرفُ عِنانَ الدائَّةِ
عندَ توجُّهها إلى بابٍ لتدخلَهُ ، وما أهونَ منعَها بصرْفِ عِنانِها ، ومثالُ مَنْ
يعالجُها بعدَ استحكامِها مثالُ مَنْ يتركُ الدابَّةَ حتَّى تدخلَ وتجاوزَ البابَ ، ثمَّ
يأخذُ بذنبها ويجرُّها إلى ورائِها ، وما أعظمَ التفاوتَ بينَ الأمرينِ في اليسرِ
والعسرِ .
فليكنِ الاحتياطُ في بداياتِ الأمورِ ، فأمَّا في أواخرِها .. فلا تقبلُ العلاجَ
إلا بجهدٍ جهيدٍ ، يكادُ يؤدِّي إلى نزعِ الروحِ .
فإذاً ؛ إفراطُ الشهوةِ أنْ يغلبَ العقلَ إلى هذا الحدِّ، وهوَ مذمومٌ جدّاً.
وتفريطُها : بالعنَّةِ ، أَوْ بالضعفِ عنْ إمتاع المنكوحةِ ، وهوَ أيضاً
مذمومٌ .
جن
وإنَّما المحمودُ أنْ تكونَ معتدلةً ، ومطيعةً للعقلِ والشرع في انقباضِها
وانبساطِها، ومهما أفرطَتْ .. فكسْرُها بالجوع وبالنكاح ؛ قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((معاشرَ الشبابِ ؛ عليكُمْ بالباءةِ ، فَمَنْ لمْ يستطعْ .. فعليهِ
بالصوم ؛ فإنَّهُ لهُ وجاءٌ))(١) .
كادت أن تحول بينهم وبين أكلهم. («إتحاف)» ( ٤٣١/٧).
=
ـيو
(١) رواه البخاري (٥٠٦٥)، ومسلم (١٤٠٠).
قتك
٣٦٣

کتاب کسر الشھوتین
ربع المهلكات
بيان ، على المريد في ترك الترويج وفعله
ـج5.
اعلمْ : أنَّ المريدَ في ابتداءِ أمرِهِ ينبغي ألا يشغلَ قلبَهُ ونفسَهُ بالتزويجِ ؛
فإنَّ ذلكَ شغلٌ شاغلٌ يمنعُهُ عنِ السلوكِ ، ويستجرُّهُ إلى الأنْسِ بالزوجةِ ،
ومَنْ أنسَ بغيرِ اللهِ تعالى .. شُغِلَ عنِ اللهِ .
ولا يغزَّنَّهُ كثرةُ نكاحِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّهُ كانَ
لا يشغلُ قلبَهُ جميعُ ما في الدنيا عنِ اللهِ تعالى، فلا تُقَاسُ الملائكةُ
بالحدَّادينَ .
ولذلكَ قالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : ( مَنْ تزوَّجَ .. فقدْ ركنَ إلى
الدنيا )(١) .
وقالَ : ( ما رأيتُ مريداً تزوَّجَ فثبتَ على ما كانَ عليهِ ) .
وقيلَ لهُ مرَّةً : ما أحوجَكَ إلى امرأةٍ تأنسُ بها ، فقالَ: لا آنسَني اللهُ
بها ؛ أيْ : إنَّ الأنسَ بها يمنعُ الأنسَ باللهِ تعالى .
ـب
وقالَ أيضاً : ( كلُّ ما شغلَكَ عنِ اللهِ مِنْ أهلِ ومالٍ وولدٍ فهوَ عليكَ
مشؤومٌ)(٢).
ـكن
(١) قوت القلوب (١٣٥/١)، وإنما قال ذلك لأن هذه الأمور مما توجب الركون إلى
الدنيا لا محالة. ((إتحاف)» (٤٣٢/٧).
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٣٦٢/٣٣).
٣٦٤
كن من: شن فن شن جن حة
...

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
وكيفَ يُقاسُ غيرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بهِ وقدْ كانَ استغراقُهُ
بحبّ اللهِ تعالى بحيثُ كانَ يخافُ احتراقَهُ فيهِ إلى حدٍّ كانَ يخشى منهُ في
بعضٍِ الأحوالِ أنْ يسريّ ذلكَ إلى قالبهِ فيهدمَهُ ؛ فلذلكَ كانَ يضربُ بيدِهِ
على فخذٍ عائشةَ أحياناً ويقولُ: ((كلِّميني يا عائشةُ))(١)؛ لتشغلَهُ بكلامِها
عنْ عظيمٍ ما هوَ فيهِ ، لقصورِ طاقةِ قالبهِ عنهُ ، فقدْ كانَ طبعُهُ الأنسَ باللهِ
عزَّ وجلَّ ، وكانَ أنسُهُ بالخلْقِ عارضاً رفقاً ببدنِهِ .
السسسـ
ثمَّ إِنَّهُ كانَ لا يطيقُ الصبرَ معَ الخلقِ إذا جالسَهُمْ ، فإذا ضاقَ صدرُهُ ..
قالَ : ((أرحْنا بها يا بلالُ))(٢)؛ حتَّى يعودَ إلى ما هوَ قرَّةُ عينِهِ(٣).
فالضعيفُ إذا لاحظَ أحوالَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في مثلِ هذهِ الأمورِ ..
فهوَ مغرورٌ ؛ لأنَّ الأفهامَ تقصرُ عنِ الوقوفِ على أسرارِ أفعالِهِ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ فشرطُ المريدِ العُزْبَةُ في الابتداءِ ، إلى أنْ يقوى في المعرفةِ ، هذا
إذا لمْ تغلبْهُ الشهوةُ .
فإِنْ غلبتْهُ الشهوةُ .. فليكسرها بالجوع الطويلِ، والصوم الدائمِ ، فإنّ
(١) قال الحافظ العراقي: (لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٤٣٣/٧)، وعند البخاري
(١١٦١)، ومسلم (٧٤٣) من حديث عائشة رضي الله عنها : ( كان النبي صلى الله
عليه وسلم إذا صلى؛ فإن كنت مستيقظة .. حدثني ، وإلا .. اضطجع حتى يؤذن
بالصلاة ) .
ج2. 0
(٢) رواه أبو داوود ( ٤٩٨٥ ) .
(٣) فقد روى النسائي (٦١/٧): («حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني
في الصلاة)).
٣٦٥
حز
٤٠
جن.
جن

کتاب کسر الشهوتين
0. 9
ربع المهلكات
لمْ تنقمع الشهوةُ بذلكَ ، وكانَ بحيثُ لا يقدرُ على حفظِ العينِ مثلاً وإنْ قدرَ
على حفظِ الفرجِ .. فالنكاحُ لهُ أولى؛ لتسكنَ الشهوةُ ، وإلا فمهما لمْ
يحفظْ عينَهُ .. لمْ يحفظْ فكرَهُ، ويتفرَّقُ عليهِ هُّهُ ، وربما وقعَ في بليّةٍ
لا يطيقُها، وزنا العينِ مِنْ كبارِ الصغائرِ ، وهوَ يؤدِّي على القرْبِ إلى الكبيرةِ
الفاحشِةِ، وهيَ زنا الفرجِ ، ومَنْ لمْ يقدر على غضِّ بصرِهِ .. لمْ يقدرْ على
حفظ دینه .
قالَ عيسى عليهِ السلامُ: ( إِيَّاكُمْ والنظرةَ ؛ فإنَّها تزرعُ في القلبِ
شهوةً ، وكفى بها فتنةٌ)(١) .
وقالَ سعيدُ بنُ جبيرِ : ( إنَّما جاءَتِ الفتنةُ لداوودَ عليهِ السلامُ مِنْ قبلِ
النظرةِ )(٢) .
ولذلكَ قالَ لابنِهِ سليمانَ عليهما السلام: ( يا بنيَّ ؛ امشِ خلفَ الأسدِ
والأسودِ(٣)، ولا تمشِ خلفَ المرأةِ) (٤).
وقيلَ ليحيىُ عليهِ السلامُ: ما بدْءُ الزنا؟ قالَ : النظرُ والتمنِّي(٥).
(١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣٨٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ٤٧ / ٤٦٢ ) .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٢٥٥٣).
(٣)
أي : من الحيات .
(٤) رواه أحمد في ((الزهد)) (٢١٩) عن سليمان بن داوود على نبينا وعليهما الصلاة
والسلام .
(٥) الخبر عن الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٨٧٧ ).
فشل :أن حن من حن
:G
٣٦٦
م
حن

ربع المهلكات
١٥٠ج
كتاب كسر الشهوتين
ـن
وقالَ الفضيلُ : يقولُ إبليسُ : هيَ قوسي القديمةُ ، وسهمي الذي
لا أخطىءُ بهِ ؛ يعني: النظرةَ (١).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((النظرةُ سهمٌ مسمومٌ مِنْ سهامٍ إبليسَ،
فمَنْ تركَها خوفاً مِنَ اللهِتعالى .. أعطاهُ اللهُ تعالى إيماناً يجدُ حلاوتَهُ في قلبِهِ)(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجالِ مِنَ
النِّساءِ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((اتقوا فتنةَ الدنيا وفتنةَ النساءِ ، فإنَّ أوَّلَ
فتنةِ بني إسرائيلَ كانَتْ مِنْ قِبَلِ النساءِ)) (٤).
وقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ ... ) الآيةَ.
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لكلِّ ابنِ آدمَ حظّ مِنَ الزنا ؛ فالعينانِ
تزنيانِ وزناهُما النظرُ ، واليدانِ تزنيانِ وزناهُما البطشُ ، والرجلانِ تزنيانِ
وزناهُما المشيُّ ، والفمُ يزني وزناهُ القُبَلُ ، والقلبُ يُهُمُّ أوْ يتمنَّى، ويصدِّقُ
ذلكَ الفرجُ أوْ يكذِّبُهُ))(٥).
19
(١) كما هو مبين في الحديث الآتي.
(٢) رواه الطبراني في «الكبير)) (١٧٣/١٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣١٣/٤)،
وأبو نعيم في (( الحلية)) (١٠١/٦).
(٣) رواه البخاري (٥٠٩٦) ومسلم (٢٧٤٠) .
(٤) رواه مسلم ( ٢٧٤٢ ) .
(٥) رواه البخاري ( ٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧)، والبيهقي في (( السنن الكبرى))
(٨٩/٧) واللفظ له .
٣٦٧

كتاب كسر الشهوتين
يوم
ےہ
ربع المهلكات
حن
.من
وقالَتْ أمُّ سلمةَ : استأذنَ ابنُ أمّ مكتوم الأعمى على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ وأنا وميمونةُ جالستانِ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((احتجبا)) ، فقلنا :
أوَليسَ بأعمى لا يبصرُّنا؟ فقالَ: ((وأنتما لا تبصرانِهِ؟!)) (١).
وهذا يدلُّ على أنَّهُ لا يجوزُ للنساءِ مجالسةُ العميانِ كما جرَتْ بهِ العادةُ
في المآتمِ والولائمٍ ، فيحرمُ على الأعمى الخلوةُ بالنساءِ ، ويحرمُ على
المرأةِ مجالسةُ الأعمى وتحديقُ النظرِ إليهِ لغيرِ حاجةٍ ، وإنَّما جُوِّزَ للنساءِ
محادثةُ الرجالِ والنظرُ إليهِمْ لأجلِ عمومِ الحاجةِ .
وإنْ قدرَ على حفظِ عينِهِ عنِ النساءِ ، ولمْ يقدرْ على حفظِها عنِ
الصبيانِ .. فالنكاحُ أولى بهِ ، فإنَّ الشَّ في الصبيانِ أكثرُ، فإنَّهُ لوْ مالَ قلبُهُ
إلى امرأةٍ .. أمكنَهُ الوصولُ إلى استباحتِها بالنكاح، والنظرُ إلى وجهِ الصبيِّ
بالشهوةِ حرامٌ ، بلْ كلُّ مَنْ يتأثَّرُ قلبُهُ بجمالِ صورةِ الأمردِ بحيثُ يدركُ
التفرقةَ بينَهُ وبينَ الملتحي .. لمْ يحلَّ لهُ النظرُ إليهِ .
C
فإنْ قلتَ : كُّ ذي حسِّ يدركُ التفرقةَ بينَ الجميلِ والقبيحِ لا محالةَ ،
ولمْ تزلْ وجوهُ الصبيانِ مكشوفةً ؟
فأقولُ : لستُ أعني تفرقةَ العينِ فقطْ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ إدراكُهُ التفرقةَ
ـكن
(١) رواه أبو داوود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨)، والنسائي في ((السنن الكبرى))
( ٩١٩٨ ).
٣٦٨
حن
حن

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
كإدراكِهِ التفرقةَ بينَ شجرةٍ خضراءَ وأخرى يابسةٍ ، وبينَ ماءٍ صافٍ وماءٍ
كذِرٍ ، وبينَ شجرةٍ عليها أزهارُها وأنوارُها وشجرةٍ تساقطَتْ أوراقُها، فإنَّهُ
يميلُ إلى إحداهما بعينِهِ وطبعِهِ ، ولكنْ ميلاً خالياً عنِ الشهوةِ ، ولأجلِ ذلكَ
لا يشتهي ملامسةَ الأزهارِ والأنوارِ وتقبيلَها ، ولا تقبيلَ الماءِ الصافي ،
وكذلكَ الشيبةُ الحسنةُ قدْ تميلُ العينُ إليها ، وتدركُ التفرقةَ بينَها وبينَ الوجهِ
القبيح ، ولكنَّها تفرقةٌ لا شهوةَ فيها ، ويُعرَفُ ذلكَ بميلِ النفسِ إلى القرْبِ
والملامسةِ ، فمهما وجدَ ذلكَ الميلَ في قلبهِ ، وأدركَ تفرقةً بينَ الوجهِ
الجميلِ ، وبينَ النباتِ الحسنِ ، والأثوابِ المنقَّشةِ ، والسقوفِ المذهبةِ ..
فنظرُهُ نظرُ شهوةٍ ، فهوَ حرامٌ ، وهذا ممَّا يتهاونُ بهِ الناسُ ، ويجرُّهُمْ ذلكَ
إلى المعاطبِ وهمْ لا يشعرونَ .
ہے.
وقالَ بعضُ التابعينَ : ( ما أنا بأخوفَ مِنَ السبع الضاري على الشابِّ
الناسكِ مِنْ غلامِ أمردَ يجلسُ إليهِ )(١) .
وقالَ سفيان الثوريُّ : ( لَوْ أنَّ رجلاً عبثَ بغلام بينَ إصبعينٍ مِنْ أصابعٍ
رجْلِهِ يريدُ الشهوةَ .. لكانَ لواطاً)(٢).
وعنْ بعضِ السلفِ قالَ : ( سيكونُ في هذهِ الأمَّةِ ثلاثةُ أصنافٍ
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥٠١٣)، كذا عن بعض التابعين .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الورع)) (١٣٧)، والخرائطي في (( مساوىء الأخلاق))
( ٤٤٠ ) .
٣٦٩
حن حن حن جن كن حن حن

کتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
حن
تن
الوطيونَ : صنفٌ ينظرونَ، وصنفٌ يصافحونَ، وصنفٌ يعملونَ)(١).
فإذاً ؛ آفةُ النظرِ إلى الأحداثِ عظيمةٌ ، فمهما عجزَ المريدُ عنْ غضِّ
بصرِهِ ، وضبطٍ فكرِهِ .. فالصوابُ لهُ أنْ يكسرَ شهوتَهُ بالنكاح ، فرَّ نفْسٍ
لا يسكنُ توقانُها بالجوعِ .
وقالَ بعضُهُمْ : غلبَتْ عليَّ شهوتي في بدْءِ إرادتي بما لمْ أَطقْ ، فأكثرتُ
الضجيجَ إلى اللهِ تعالى ، فرأيتُ شخصاً في المنام ، فقالَ : ما لكَ ،
فشكوتُ إليهِ ، فقالَ : تقدَّمْ إليَّ ، فتقدمتُ إليهِ ، فوضع يدهُ على صدري ،
فوجدتُ بردَها في فؤادي وجميع جسدي ، فأصبحتُ وقدْ زالَ ما بي ،
فبقيتُ معافىً سنةً ، ثمَّ عاودَني ذلكَ، فأكثرتُ الاستغاثةَ ، فجاءَني شخصٌ
في المنام فقالَ لي : أتحبُّ أنْ يذهبَ ما تجدُ وأضربَ عنقَكَ ؟ قلتُ :
نعمْ ، فقالَ: مُدَّ رقبتَكَ، فمددتُها ، فجرَّدَ سيفاً مِنْ نورٍ ، فضربَ بهِ
عنقي ، فأصبحتُ وقدْ زالَ ما بي ، فبقيتُ معافىّ سنةً ، ثمَّ عاودَني ذلكَ أوْ
أشدُّ منهُ ، فرأيتُ كأنَّ شخصاً يخاطبُني فيما بينَ جنبي وصدري ويقولُ :
ويحَكَ ، كمْ تسألُ اللهَ تعالى رفْعَ ما لا يحبُّ رفعَهُ! قالَ : فتزوجتُ ،
فانقطعَ ذلكَ عنِّي ووُلِدَ لي(٢).
سـ
حن حن
ـورة
طن
من
(١) رواه ابن الجوزي في ((ذم الهوى)) (٣٨١)، والبيهقي في (( الشعب)) (٥٠١٩).
(٢) قوت القلوب (٢ / ١٧٠).
٣٧٠

ربع المهلكات
کتاب کسر الشھوتین
من
ومهما احتاجَ المريدُ إلى النكاحِ .. فلا ينبغي أنْ يتركَ شرطَ الإرادةِ في
ابتداءِ النكاحِ ودوامِهِ ؛ أمَّا في ابتدائِهِ .. فبالنيّةِ الحسنةِ ، وفي دوامِهِ ..
بحسنِ الخلقِ ، وسدادِ السيرةِ ، والقيام بالحقوقِ الواجبةِ ، كما فصَّلْنا جميعَ
ذلكَ في كتابِ آدابِ النكاحِ ، فلا نطوِّلُ بإعادتِهِ .
وأمارةُ صدْقٍ إرادتِهِ أنْ ينكحَ فقيرةً متديّةً ، ولا يطلبَ الغنيّةَ .
قالَ بعضُهُمْ: ( مَنْ تزوَّجَ غنِيَّةً .. كانَ لهُ منها خمسُ خصالٍ : مغالاةٌ
الصداقِ ، وتسويفُ الزفافِ ، وفوتُ الخدمةِ ، وكثرةُ النفقةِ، وإذا أرادَ
طلاقَها .. لمْ يقدرْ ؛ خوفاً مِنْ ذهابٍ مالِها، والفقيرةُ بخلافِ ذلكِ)(١) .
وقالَ بعضُهُمْ: ( ينبغي أنْ تكونَ المرأةُ دونَ الرجلِ بأربع ، وإلا ..
استحقرَتْهُ: بالسنِّ، والطولِ ، والمالِ ، والحسبِ ، وأنْ تكونَ فوقَهُ
بأربع : بالجمالِ ، والأدبِ ، والخُلُقِ ، والورعِ)(٢) .
وعلامةُ صدْقِ الإرادةِ في دوامِ النكاحِ الخُلُقُ .
تزوَّجَ بعضُ المريدينَ بامرأةٍ ، فلمْ يزلْ يخدمُها حتَّى استحيتِ المرأةُ ،
وشكَتْ ذلكَ إلى أبيها ، وقالَتْ: قَدْ تحيَّرتُ في هذا الرجلِ ، أنا في منزِلِهِ
منذُ سنينَ ما ذهبتُ إلى الخلاءِ قطُّ إلا وحملَ الماءَ قبلي إليهِ !(٣).
(١) القول لمعاذ بن يعقوب النسفي، كما أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص
٦٣٨ ) .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٦٣٥).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٦٣٧ ).
٣٧١
حن ون ون جن من عن حن

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
ـجو
وتزوَّجَ بعضُهُمُ امرأةً ذاتَ جمالٍ ، فلمَّا قربَ زفافُها .. أصابَها
الجُدَرِيُّ، فاشتدَّ حزْنُ أهلِها لذلكَ ؛ خوفاً مِنْ أنْ يستقبحَها ، فأراهُمُ
الرجلُ أنَّ بهِ رمداً، ثمَّ أراهُمْ أنَّ بصرَهُ قدْ ذهبَ، حتَّى زُفَّتْ إليهِ المرأةُ ،
فزالَ عنهُمُ الحزنُ ، فبقيَتْ عندَهُ عشرينَ سنةً ، ثمَّ تُوفِيَتْ، ففتحَ عينيهِ حينَ
ذلكَ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ : تعمدتُهُ لأجلِ أهلِها حتَّى لا يحزنوا ،
فقيلَ لهُ: قَدْ سبقتَ إخوانَكَ بهذا الخلقِ(١).
وتزوَّجَ بعضُ الصوفيّةِ امرأةً سيّةَ الخلقِ ، فكانَ يصبرُ عليها ، فقيلَ لهُ :
لِمَ لا تطلقُها ؟ فقالَ : أخشى أنْ يتزوَّجَها مَنْ لا يصبرُ على خلقِها فيتأذَّى
بها (٢) .
فإنْ نكحَ المريدُ .. فهكذا ينبغي أنْ يكونَ ، وإنْ قدرَ على التركِ .. فهوَ
لهُ أولى إذا لمْ يمكنْهُ الجمعُ بينَ فضْلِ النكاحِ وسلوكِ الطريقِ ، وعلمَ أنَّ ذلكَ
يشغلُهُ عنْ حالِهِ .
كما رُوِيَ أنَّ محمدَ بنَ سليمانَ الهاشميَّ كانَ يملكُ منْ غلةِ الدنيا ثمانينَ
ألفَ درهم في كلِّ يومٍ ، فكتبَ إلى أهلِ البصرةِ وعلمائِها في امرأةٍ
يتزوَّجُها ، فأجمعوا كلُّهُمْ على رابعةَ العدويَّةِ رحمها اللهُ تعالى ، فكتبَ
إليها :
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٦٣٧).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٦٣٧ ).
٣٧٢
حن حن لان

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
بِسْبِاللهِ الرّحمنِ الرَّحِيَّةِ
أمَّا بعدُ: فإنَّ اللهَ تعالى قدْ مَلَّكَني مِنْ علَّةِ الدنيا في كلِّ يوم ثمانين ألفَ
درهمٍ ، وليسَ تمضي الليالي والأيامُ حتَّى أتمَّها مئة ألفٍ ، وأنا أصيِّرُ لكِ
مثلَها ومثلَها ، فأجيبيني .
فکتبَتْ إلیهِ :
2
بِسِْاللهِ الرَّمِ الرَّّةِ
أمَّا بعدُ : فإنَّ الزهدَ في الدنيا راحةُ القلبِ والبدنِ ، والرغبةَ فيها تورثُ
الهمَّ والحزّنَ ، فإذا أتاكَ كتابي هذا .. فهيِّىء زادَكَ، وقدِّمْ لمعادِكَ، وكُنْ
وصيَّ نفسِكَ، ولا تجعلِ الرجالَ أوصياءَكَ، فيقتسموا تراثَكَ ، وصمِ
الدهرَ ، واجعلْ فطرَكَ الموتَ، وأمَّا أنا .. فلوْ أنَّ اللهَ تعالى خوَّلَني أمثالَ
الذي خوَّلَكَ وأضعافَةُ .. ما سرّني أنْ أشتغلَ عنِ اللهِ طرفةَ عينٍ (١).
وهذهِ إشارةٌ إلى أنَّ كلَّ ما شغلَ عنِ اللهِ تعالى فهوَ نقصانٌ .
فلينظرِ المريدُ إلى حالِهِ وقلبِهِ ، فإنْ وجدَهُ في العزوبةِ .. فهوَ الأقربُ،
وإنْ عجزَ عنْ ذلكَ .. فالنكاحُ أولى بهِ .
ودواءُ هذهِ العلَّةِ ثلاثٌ : الجوعُ، وغضُّ البصرِ ، والاشتغالُ بشغلٍ
يستوفي القلبَ ، فإنْ لمْ تنفعْ هذهِ الثلاثةُ .. فالنكاحُ هوَ الذي يستأصلُ
مادَّتَها فقطْ ، ولهذا كانَ السلفُ يبادرونَ إلى النكاحِ وإلى تزويج البناتِ .
(١) رواه الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٦٤١).
٤٠-٨٠٨٠١٧
٣٧٣
من خن
جن جن إن كن

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
قالَ سعيدُ بنُ المسيّب : ( ما أيسَ الشيطانُ مِنْ أحدٍ إلا وأتاهُ مِنْ قبلِ
النساءِ )(١).
وقالَ سعيدٌ وهوُ ابنُ أربع وثمانينَ سنةً(٢) ، وقدْ ذهبَتْ إحدى عينيهِ وهوَ
ے
يعشو بالأخرى: ( ما شيءٌ أخوفَ عندي مِنَ النساءِ)(٣).
وعنْ ابنِ أبي وداعةً قالَ : كنتُ أجالسُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ ، ففقدَني
أياماً ، فلمَّا جئتُهُ .. قالَ : أينَ كنتَ ؟ قلتُ : تُوفيَتْ أهلي ، فاشتغلتُ
بها ، فقالَ : هلَّ أخبرتَنَا فشهدناها ، قالَ : ثمَّ أردتُ أنْ أقومَ ، فقالَ : هلٍ
استحدثتَ امرأةٌ ؟ فقلتُ: يرحمُكَ اللهُ تعالى، ومَنْ يزوِّجُني وما أملكُ إلا
درهمينٍ أوْ ثلاثةً ؟! فقالَ : أنا ، فقلتُ : وتفعلُ ؟! قالَ : نعمْ ، فحمدَ اللهَ
تعالى، وصلَّى على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وزوَّجَني على درهمينِ أَوْ
قالَ : ثلاثةٍ .
قالَ : فقمتُ وما أدري ما أصنعُ مِنَ الفرحِ ، فصرتُ إلى منزلي ،
وجعلتُ أفكِّرُ ممَّنْ آخذُ ، وممنْ أستدينُ ، فصلَّيتُ المغربَ ، وانصرفتُ
إلى منزلي ، فأسرجْتُ وكنتُ وحدي صائماً ، فقدمتُ عشائي لأفطرَ ، وكانَ
خبزاً وزيتاً ، وإذا بابي يُقرعُ، فقلتُ : مَنْ هذا؟ قالَ سعيدٌ : قالَ :
فأفكرتُ في كلِّ إنسانٍ اسمُهُ سعيدٌ إلا سعيدَ بنَ المسيَّبِ ، وذلكَ أنَّهُ لمْ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٦/٢).
(٢) وثمَّ خلاف في سنة وفاته ، وكأن الراجح أنه عاش أربعاً وسبعين سنة .
(٣) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) ( ١٦٦/٢).
٣٧٤
حں
.من

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
حر
عيـ
%
حن
يُرَ أربعينَ سنةً إلا بينَ دارِهِ والمسجدِ ، فقمتُ فخرجتُ إليهِ ، فإذا به
سعيدُ بنُّ المسيَّبِ ، فظننتُ أنَّهُ قدْ بدا لهُ ، فقلتُ : يا أبا محمدٍ ؛ لوْ أرسلتَ
إليَّ .. لأتيتُكَ، فقالَ: لا ، أنتَ أحقُّ أنْ تُؤْتِى ، قلتُ: فما تأمرُ ؟ قالَ :
إِنَّكَ كنتَ رجلاً عزباً ، فتزوجتَ ، فكرهتُ أنْ أبيتَكَ الليلةَ وحدَكَ ، وهذهِ
امرأتُكَ ، فإذا هيَ قائمةٌ خلفَهُ في طولِهِ ، ثمَّ أخذَ بيدِها ، فدفعَها في البابِ
وردَّهُ ، فسقطَتِ المرأةُ مِنَ الحياءِ ، فاستوثقتُ مِنَ البابِ ، ثمَّ تقدمتُ إلى
القصعةِ التي فيها الزيتُ والخبزُ ، فوضعتُها في ظلِّ السراج لكيلا تراهُ ، ثمَّ
صعدتُ السطحَ ، فرميتُ الجيرانَ ، فجاؤوني ، وقالوا : ما شأنُكَ ؟
قلتُ: ويحَكم! زوَّجَني سعيدُ بنُ المسيَّبِ بنتَهُ اليومَ ، وقدْ جاءَ بها الليلةَ
على غفلةٍ ، فقالوا : سعيدٌ زوَّجَكَ ؟! قلتُ : نعمْ، وههيَ في الدارِ ،
فنزلوا إليها ، وبلغَ ذلكَ أمِّي ، فجاءَتْ وقالَتَ : وجهي مِنْ وجهِكَ حرامٌ إِنْ
مسستَها قبلَ أنْ أصلحَها إلى ثلاثةِ أَيَّامِ ، قالَ : فأقمتُ ثلاثاً ، ثمَّ دخلتُ
بها ، فإذا هي مِنْ أجملِ النساءِ ، وأحفظِ الناسِ لكتابِ اللهِ تعالى ، وأعلِمِهِمْ
بسنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وأعرفِهِمْ بحقِّ الزوجِ .
قالَ : فمكثتُ شهراً لا يأتيني سعيدٌ ولا آتَيهِ ، فلمَّا كانَ قُرْبَ الشهرِ ..
أتيتُهُ وهوَ في حلقتِهِ، فسلَّمْتُ عليهِ ، فردَّ عليَّ السلامَ ولمْ يكلِّمْني حتَّى
تفرَّقَ الناسُ مِنَ المجلسِ ، فقالَ : ما حالُ ذلكَ الإنسانِ ؟ قلتُ : خيراً
يا أبا محمدٍ ، على ما يحبُّ الصديقُ ويكرهُ العدوُّ، قالَ: إنْ رابَكَ شيءٌ ..
فالعصا ، فانصرفتُ إلى منزلي ، فوجَّهَ إليَّ بعشرينَ ألفَ درهمٍ .
٣٧٥
ټن

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
قالَ عبدُ اللهِ بنُ سليمانَ : وكانَتْ بنتُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ خطبَها عبدُ
الملكِ بنُ مروانَ لابنهِ الوليدِ حينَ ولَهُ العهدَ، فأبى سعيدٌ أنْ يزوِّجَهُ ، فلمْ
يزلْ عبدُ الملكِ يحتالُ على سعيدٍ حتَّى ضربَهُ مئةَ سوطٍ في يومٍ باردٍ ، وصبّ
عليهِ جِرَّةَ ماءٍ، وألبسَهُ جبََّ صوفٍ (١).
فاستعجالُ سعيدٍ في الزفافِ تلكَ الليلةَ عرِّفُكَ غائلةَ الشهوةِ ، ووجوبَ
المبادرةِ إلى تطفئةٍ نارِها بالنكاحِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ورحمهُ .
كن حن
(١) الخبر بطوله رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٧/٢)، وابن أبي وداعة هو كثير بن
المطلب بن أبي وداعة السهمي القرشي .
٣٧٦
حن حن جرة
،ثر.

1
ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
بيان فضيلة من يخالف شهوة الفررج والعين
اعلمْ : أنَّ هذهِ الشهوةَ هيَ أغلبُ الشهواتِ على الإنسانِ ، وأعصاها
عندَ الهيجانِ على العقلِ ، إلا أنَّ مقتضاها قبيحٌ يُستحيا منهُ ، ويُخشىُ مِنِ
اقتحامِهِ .
وامتناعُ أكثرِ الناسِ عنْ مقتضاها إمَّا لعجزٍ ، أوْ لخوفٍ ، أوْ لحياءِ ، أوِ
لمحافظةٍ على حشمةٍ ، وليسَ في شيءٍ مِنْ ذلكَ ثوابٌ؛ فإنَّهُ إيثارُ حظٍّ مِنْ
حظوظِ النفسِ على حظٍّ آخرَ .
wwww.
نعمْ، مِنَ العصمةِ أَلا يقدرَ(١) ، ففي هذهِ العوائقِ فائدةٌ، وهيَ دفعُ
الإثم ، فإنَّ مَنْ تركَ الزنا .. اندفعَ عنهُ إثمُهُ بأيِّ سببٍ كانَ تركُهُ ، وإنَّما الفضْلُ
والثوابُ الجزيلُ في تركِهِ خوفاً مِنَ اللهِ تعالى معَ القدرةِ وارتفاع الموانع وتيسُرٍ
الأسبابِ ، لا سيما عندَ صدْقِ الشهوةِ ، وهذهِ درجةُ الصدِّيقينَ .
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ عشقَ فعفَّ فكتمَ فماتَ .. فهوَ
شهيدٌ))(٢).
(١) والمشهور على الألسنة: ومن العصمة ألا تجد ، والمراد بالعصمة هنا : الحفظ ؛ أي :
فإذا أراد الله حفظ عبده .. لم يجعله قادراً على الإتيان بشيء من المخالفات .
(«إتحاف)) (٤٣٩/٧).
(٢) رواه الأصفهاني في ((الزهرة)) (١١٧/١)، والخرائطي في ((اعتلال القلوب))
(١٠٦)، والسراج القاري في ((مصارع العشاق)) (١٤/١) من حديث ابن عباس =
٣٧٧
حن حنة
:بدر
ـهحن:
حن.

كتاب كسر الشهوتين
؟ــيـة
شن
ربع المهلكات
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( سبعةٌ يظلُّهُمُ اللهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلا
ظلُّهُ))، وعدَّ منهُمْ: (( رجلٌ دعتْهُ امرأةٌ ذاتُ حسبٍ وجمالٍ إلى نفسِها ،
فقالَ : إِنِّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمينَ))(١).
وقصَّةُ يوسفَ عليهِ السلامُ وامتناعُهُ مِنْ زليخا معَ القدرةِ ومعَ رغبتِها
معروفةٌ ، وقدْ أثنى اللهُ تعالىُ عليهِ بذلكَ في كتابِهِ العزيزِ ، وهوَ إمامٌ لكلِّ مَنْ
وُفِّقَ لمجاهدةِ الشيطانِ في هذهِ الشهوةِ العظيمةِ .
ورُوِيَ أنَّ سليمانَ بنَ يسارٍ كانَ مِنْ أحسنِ الناسِ وجهاً ، فدخلَتْ عليهِ
امرأةٌ ، فسألَتْهُ نفسَهُ ، فامتنعَ عليها ، وخرجَ هارباً مِنْ منزِلِهِ وتركَها فيهِ ،
قالَ سليمانُ : فرأيتُ تلكَ الليلةَ في المنامِ يوسفَ عليهِ السلامُ وكأنِّ أقولُ
لهُ : أنتَ يوسفُ ؟ قالَ : نعمْ، أنا يوسفُ الذي هممتُ ، وأنتَ سليمانُ
الذي لمْ تهمّ (٢).
أشارَ بهِ إلى قولهِ تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوَلَا أَن رَّءَا بُرْهَنَ
رَبِّهِ ﴾ .
وعنهُ أيضاً ما هوَ أعجبُ مِنْ هذا، وذلكَ أنَّهُ خرِجَ مِنَ المدينةِ حاجّاً
=
٢٠
شر»
رضي الله عنهما مرفوعاً، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٢ /٤٧٥) من حديث عائشة
رضي الله عنها مرفوعاً كذلك بنحوه ، ووسع القول فيه الحافظ الزبيدي في (( إتحافه )»
(٤٣٩/٧ ) .
حن ث ت
(١) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).
(٢) رواه أبو نعيم في («الحلية)) (١٩١/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٧٠٩).
تر:
٣٧٨
في

ربع المهلكات
کتاب كسر الشهوتين
حن
ون
ومعَهُ رفيقٌ لهُ، حتَّى نزلا بالأبواءِ ، فقامَ رفيقُهُ وأخذَ السفرةَ ، وانطلقَ إلى
السوقِ ليبتاعَ شيئاً ، وجلسَ سليمانُ في الخيمةِ ، وكانَ مِنْ أجملِ الناسِ
وجهاً وأورع الناسِ ، فبصرَتْ بهِ أعرابيّةٌ مِنْ قلَّةِ الجبلِ ، فلمَّا رأتْ جمالَهُ
وحسنَهُ .. انحدرَتْ إليهِ حتى وقفَتْ بينَ يديهِ وعليها البرقعُ والقفازانِ ،
فأسفرَتْ عنْ وجهٍ لها كأنَّهُ فلقةُ قمرٍ ، وقالَتْ : أهنئْني، فظنَّ أنَّها تريدُ
طعاماً فقامَ إلى فضلِ السفرةِ ليعطيَها ، فقالَتْ: لستُ أريدُ هذا، إنَّما أريدُ
ما يكونُ مِنَ الرجلِ إلى أهلِهِ ، فقالَ : جهّزَكِ إليَّ إبليسُ، ثمَّ وضعَ رأسَهُ
بينَ ركبتيهِ وأخذَ في النحيبِ ، فلمْ يزلْ يبكي ، فلمَّا رأتْ منهُ ذلكَ .. سدلَتِ
البرقعَ على وجهِها ، وانصرفَتْ راجعةً حتَّى بلغَتْ أهلَها .
ہ
وجاءَ رفيقُهُ، فرآهُ وقدِ انتفخَتْ عيناهُ مِنَ البكاءِ وانقطعَ حلقُهُ ، فقالَ :
ما يبكيكَ ؟ قالَ : خيرٌ، ذكرتُ صبيتي ، قالَ : لا واللهِ ، إلا أنَّ لكَ قصَّةً ،
إنَّما عهدُكَ بصبيتِكَ منذُ ثلاثٍ أوْ نحوِها ، فلمْ يزلْ بهِ حتَّى أخبرَهُ خبرَ
الأعرابيّةِ ، فوضعَ رفيقُهُ السفرةَ وجعلَ يبكي بكاءً شديداً ، فقالَ لهُ سليمانُ :
وأنتَ ما يبكيكَ ؟ قالَ : أنا أحقُّ بالبكاءِ منكَ ، لأنِّ أخشى أنْ لو كنتُ
مكانَكَ .. لما صبرتُ عنها ، فلمْ يزالا يبكيانِ .
فلمَّا انتهى سليمانُ إلى مكَّةَ، وطافَ وسعى .. أتى الحجرَ ، فاحتبى
بثوبِهِ ، فنعسَ فإذا رجلٌ وسيمٌ جميلٌ طوالٌ لهُ شارةٌ حسنةٌ ، ورائحةٌ طيبةٌ ،
فقالَ لهُ سليمانُ : مَنْ أنتَ رحمَكَ اللهُ؟ قالَ : أنا يوسفُ ، قالَ : يوسفُ
الصدِّيقُ ؟! قالَ : نعمْ، قالَ : إنَّ في شأنِكَ وشأنِ امرأةِ العزيزِ لعجباً،
٥٠٠
٣٧٩
ن
كرم

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
فقالَ لهُ يوسفُ : شأنُكَ وشأنُ صاحبةِ الأبواءِ أعجبُ(١).
G
NG
ورُوِيَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : سمعتُ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( انطلقَ ثلاثةُ نفرٍ ممَّنْ كانَ قبلَكُمْ، حتَّى آواهُمُ
المبيتُ إلى غارِ ، فدخلوهُ ، فانحدرَتْ صخرةٌ مِنَ الجبلِ ، فسدَّتْ عليهِمُ
الغارَ ، فقالوا: إنَّهُ لا ينجيكُمْ مِنْ هذهِ الصخرةِ إلا أنْ تدعوا الله تعالى بصالح
أعمالِكُمْ، فقالَ رجلٌ منهُمْ: اللهمَّ ؛ إنَّكَ تعلمُ أنَّهُ كانَ لي أبوانِ شيخانٍ
كبيرانِ، وكنتُ لا أغبقُ قبلَهُما أهلاً ولا مالاً(٢) ، فنأى بي طلبُ الشجرِ يوماً ،
فلمْ أُرِحْ عليهِما حتَّى ناما ، فحلبتُ لهما غَبُوقَهُما ، فوجدتُهما نائمينٍ ،
فكرهتُ أنْ أَغبقَ قبلَهُما أهلاً أوْ مالاً ، فلبثتُ والقدحُ في يدي أنتظرُ استيقاظَهُما
حتَّى طلعَ الفجرُ، والصبيةُ يتضاغَونَ حولَ قدمي ، فاستيقظا، فشربا
غَبُوقَهُما ، اللهمَّ ؛ إنْ كنتُ فعلتُ ذلكَ ابتغاءَ وجهِكَ .. ففرِّجْ عنَّا ما نحنُ فيهِ
مِنْ هذهِ الصخرةِ ، فانفرجَتْ شيئاً لا يستطيعونَ الخروجَ منهُ .
وقالَ الآخرُ : اللهمَّ ؛ إنَّكَ تعلمُ أنَّهُ كانَتْ لي ابنةُ عمِّ مِنْ أحبِّ الناسِ
إليَّ، فراودتُها عنْ نفسِها ، فامتنعَتْ مِنِّي، حتَّى ألمَّتْ بها سنةٌ مِنَ السنينَ ،
فجاءَتني ، فأعطيتُها مئةً وعشرينَ ديناراً على أنْ تخلِّيَ بيني وبينَ نفسِها ،
حن
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩١/٢).
(٢) أي : لا أقدم في الغبوق عليهما أحداً من الأهل ولا من المال ، والمراد بالأهل : زوجته
وصبيته، والمراد بالمال: الناطق. ((إتحاف)) (٤٤٢/٧)، والغبوق : ما يشرب
عشاءً .
ق
٣٨٠
حن