النص المفهرس

صفحات 341-360

ربع المهلكات
کتاب کسر الشهوتين
الضرورةِ ، والشهواتُ ليسَتْ مِنَ الضروراتِ ، حتَّى قالَ أبو سليمانَ :
( الملحُ شهوةٌ)(١)؛ لأنَّهُ زيادةٌ على الخبزِ، وما زادَ على الخبزِ شهوةٌ ،
وهذا هوَ النهايةُ .
فمَنْ لمْ يقدرْ على ذلكَ .. فينبغي ألا يغفُلَ عنْ نفسِهِ ، ولا ينهمكَ في
الشهواتِ ، فكفى بالمرءِ إسرافاً أن يأكلَ كلَّ ما يشتهيهِ ، ويفعلَ كلَّ
ما يهواهُ ، فينبغي ألا يواظبَ على أكلِ اللحمٍ ، وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ :
( مَنْ تركَ اللحمَ أربعينَ يوماً .. ساءَ خلقُهُ، ومَنْ داومَ عليهِ أربعينَ يوماً ..
قسا قلبُهُ)(٢) .
وقيلَ : ( إنَّ للمداومةِ على اللحمِ ضراوةً كضراوةِ الخمرِ )(٣).
ومهما كانَ جائعاً ، وتاقَتْ نفسُهُ إلى الجماع .. فلا ينبغي أن يأكلَ
ويجامعَ ، فيعطيَ نفسَهُ شهوتينِ ، فتقوىُ عليهِ ، وربما طلبتِ النفسُ الأكلّ
لتنبسطَ في الجماعِ .
ويُستحبُّ ألا ينامَ على الشبع، فيجمعَ بينَ غفلتينِ ، فيعتادَ الفتورَ ،
ويقسوَ قلبُهُ لذلكَ، ولكنْ ليصلِّ، أوْ ليجلسْ فيذكرَ اللهَ تعالى ؛ فإنَّهُ أقربُ
إلى الشكرِ .
6
(١) روى القول ابنُ عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٥٦/٣٣).
(٢) كذا في ((القوت)) (١٧٢/٢)، وبنحوه رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥٥٠٩)،
ورواه عن حفص بن عمرو ابنُ أبي الدنيا في « إصلاح المال» ( ١٩٠).
(٣) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٣٥/٢) عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
٣٤١

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
وفي الحديثِ: (( أذيبوا طعامَكُمْ بالصلاة والذكرِ ، ولا تناموا عليهِ
فتقسوَ قلوبُكُمْ))(١) .
وأقلُّ ذلكَ أنْ يصلّيَ أربعَ ركعاتٍ ، أَوْ يسبِّحَ مئةَ تسبيحةٍ ، أوْ يقرأَ جزءاً
مِنَ القرآنِ عَقيبَ كلِّ أكلةٍ (٢) .
وقدْ كانَ سفيانُ الثوريُّ إذا شبعَ ليلةً .. أحياها، وإذا شبعَ في يومٍ ..
واصلَهُ بالصلاةِ والذكرِ ، وكانَ يقولُ: ( أشبع الزنجيَّ وكُدُّهُ ) ، ومرَّةً
يقولُ: (أشبعِ الحمارَ وكُدُّهُ)(٣) .
ے
ومهما اشتهى شيئاً مِنَ الطعام وطيباتِ الفواكهِ .. فينبغي أنْ يتركَ الخبزَ
ويأكلَها بدلاً منهُ ؛ لتكونَ قوتاً ، ولا تكونَ تفُّهاً؛ لئلا يجمعَ للنفسِ بينَ
عادةٍ وشهوةٍ .
نظرَ سهلٌ إلى ابنِ سالمٍ وفي يدهِ خبزٌ وتمرٌ ، فقالَ لهُ : ( ابتدىءْ
بالتمرِ ، فإنْ قامَتْ كفايتُكَ بهِ ، وإلا .. أخذتَ مِنَ الخبزِ بعدَهُ بقدْرِ
حاجتِكَ)(٤) .
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٩٤٩)، وابن عدي في ((الكامل)) (٤٠٥/١) من
حديث عائشة رضي الله عنها .
(٢) قوت القلوب (١٧٢/٢)، فإن وجد نشاطاً .. أطال في صلاته؛ إما بإطالة القراءة في
الركعات ، أو زاد على عدد الركعات ، فإن لحركة الأعضاء قياماً وقعوداً سرّاً بليغاً في
إذابة الطعام. ((إتحاف)) ( ٤١٩/٧) .
حن
(٣) قوت القلوب (١٧٢/٢)، وهو عند أبي نعيم في ((الحلية)) (٣٨٩/٦).
(٤) قوت القلوب (١٧٢/٢)، وابن سالم هو شيخ أبي طالب المكي.
٣٤٢
ـة.

ربع المهلكات
کتاب کسر الشهوتين
ومهما وجدَ طعاماً لطيفاً وغليظاً .. فليقدِّم اللطيفَ؛ فإنّهُ لا يشتهي
الغليظَ بعدَهُ، ولوْ قدَّمَ الغليظَ .. لأكلَ اللطيفَ أيضاً للطافتِهِ .
وكانَ بعضُهُمْ يقولُ لأصحابِهِ : ( لا تأكلوا الشهواتِ ، فإنْ أكلتموها ..
فلا تطلبوها ، فإنْ طلبتموها .. فلا تحبُّوها)(١).
وطلبُ بعضِ أنواع الخبزِ شهوةٌ ؛ قالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رحمةُ اللهِ
عليهما : ( ما تأتينا مِنَ العراقِ فاكهةٌ أحبُّ إلينا مِنَ الخبزِ )(٢) ، فرأىُ ذلكَ
الخبزَ فاكهةً .
وعلى الجملةِ : لا سبيلَ إلى إهمالِ النفسِ في الشهواتِ في المباحاتِ
واتباعِها بكلِّ حالٍ ، فبقدرِ ما يستوفي العبدُ مِنْ شهوتِهِ يخشى أنْ يُقالَ لهُ يومَ
القيامةِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَِّبَيِّكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الذُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾، وبقدْرِ ما يجاهدُ نفسَهُ
ويتركُ شهوتَهُ يتمتّعُ في الدارِ الآخرةِ بشهواتِهِ .
قالَ بعضُ أهلِ البصرةِ : نازعَتْني نفسي خبزَ أرزِّ وسمكاً ، فمنعتُها ،
فقويَتْ مطالبتُها ، واشتدَّتْ مجاهدتي لها عشرينَ سنةً ، فلمَّا ماتَ .. قالَ
بعضُهُمْ : رأيتُهُ في المنام ، فقلتُ لهُ: ماذا فعلَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : لا أحسنُ
أنْ أصفَ ما تلقَّني بهِ ربِّي مِنَ النعيمِ والكرامةِ ، وكانَ أوَّلُ شيءٍ استقبلَني بهِ
(١) قوت القلوب (١٧٤/٢).
(٢) قوت القلوب (١٧٤/٢).
٣٤٣

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
خبزَ أرزٍّ وسمكاً ، وقالَ: كُلْ شهوتَكَ اليومَ هنيئاً بغيرِ حسابٍ (١) .
وقدْ قالَ تعالى: ﴿كُواْ وَأَشْرَبُوْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْمَالِيَةِ﴾، وكانوا
قدْ أسلفوا تركَ الشهواتِ ، ولهذا قالَ أبو سليمانَ : ( تركُ شهوةٍ من
شهواتِ النفسِ أنفعُ للقلبِ مِنْ صيام سنةٍ وقيامِها)(٢)، وفَّقَنا اللهُ لما
يرضيهِ .
حن
(١) قوت القلوب ( ١٧٣/٢).
(٢) قوت القلوب (١٧٣/٢).
٣٤٤
حر

....
بيان اختلاف حكم الجوع، وفضيلة، واختلاف أحوال الناس فيه
اعلمْ : أنَّ المطلوبَ الأقصىُ في جميع الأمورِ والأخلاقِ الوسطُ ؛ إذْ
خيرُ الأمورِ أوساطُها ، وكلا طرفي قَصْدِ الأمورِ ذميمٌ .
وحن :::
وما أوردناهُ في فضائلِ الجوع ربَّما يومىُ إلى أنَّ الإفراطَ فيهِ مطلوبٌ ،
وهيهاتَ ، ولكنْ مِنْ أسرارِ حكمةِ الشريعةِ : أنَّ كلَّ ما يطلبُ الطبعُ فيهِ
الطرفَ الأقصى وكانَ فيهِ فسادٌ .. جاءَ الشرعُ بالمبالغةِ في المنْعِ منهُ على
وجهٍ يُومىُ عندَ الجاهلِ إلى أنَّ المطلوبَ مضادَّةُ ما يقتضيهِ الطبعُ بغايةٍ
الإمكانِ ، والعالمُ يدركُ أنَّ المقصودَ الوسطُ ؛ لأنَّ الطبعَ إذا طلبَ غايةَ
الشبع .. فالشرعُ ينبغي أنْ يمدحَ غايةَ الجوع ؛ حتَّى يكونَ الطبعُ باعثاً
والشرعُ مانعاً ، فيتقاومانِ، ويحصلُ الاعتدالُ، فإنَّ مَنْ يقدرُ على قمْعِ
الطبعِ بالكليّةِ بعيدٌ ، فيُعلمُ أنَّهُ لا ينتهي إلى الغايةِ .
فإِنْ أسرفَ مسرفٌ في مضادَّةِ الطّبْعِ .. كانَ في الشرعِ أيضاً ما يدلُّ على
إساءتِهِ ، كما أنَّ الشرعَ بالْغَ في الثناءِ على قيامِ الليلِ وصيامِ النهارِ ، ثمَّ لمَّا
علمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ حالِ بعضِهِمْ أنَّهُ يصومُ الدهرَ كلَّهُ ويقومُ
الليلَ كلَّهُ .. نهى عنهُ(١).
(١) رواه البخاري ( ٥٠٦٣)، ومسلم ( ١٤٠١)، والنسائي (٤ /٢١٠).
٣٤٥
--. .
ربع المهلكات
کتاب كسر الشهوتين

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
فإذا عرفتَ هذا .. فاعلمْ أنَّ الأفضلَ بالإضافةِ إلى الطبع المعتدلِ أنْ
يأكلَ بحيثُ لا يحسُّ بثقلِ المعدةِ ، ولا يحسُّ بألمِ الجوع ، بلْ ينسى
بطنَهُ، ولا يؤثِّرُ فيهِ الجوعُ أصلاً، فإنَّ مقصودَ الأكلِ بقاءُ الحياةِ وقوَّةُ
العبادةِ ، وثقلُ المعدةِ يمنعُ مِنَ العبادةِ ، وألمُ الجوع أيضاً يشغلُ القلبَ
ويمنعُ منها .
فالمقصودُ : أنْ يأكلَ أكلاً لا يبقى للمأكولِ فيهِ أثرٌ ؛ ليكونَ متشبِّهاً
بالملائكةِ ، فإنَّهُمْ مقدَّسونَ عنْ ثقلِ الطعامِ وألمِ الجوع ، وغايةُ الإنسانِ
الاقتداءُ بهِمْ، وإذْ لمْ يكنْ للإنسانِ خلاصٌ مِنَ الشبع والجوع .. فأبعدُ
الأحوالِ عنِ الطرفينِ الوسطُ ، وهوَ الاعتدالُ .
ومثالُ طلبِ الآدميِّ البعدَ عنْ هذهِ الأطرافِ المتقابلةِ بالرجوعِ إلى
الوسطِ مثالُ نملةٍ أُلقيَتْ في وسطِ حلقةٍ محمَّةٍ على النارِ ، مطروحةٍ على
الأرض ، فإنَّ النملةَ تهربُ مِنْ حرارةِ الحلقةِ وهيَ محيطةٌ بها لا تقدرُ على
الخروج منها ، فلا تزالُ تهربُ حتَّى تستقرَّ على المركزِ الذي هوَ الوسطُ ،
فلوْ ماتَتْ .. ماتَتْ على الوسطِ ؛ لأنَّ الوسطَ هوَ أبعدُ المواضع عنِ الحرارةِ
التي في الحلقةِ المحيطةِ ؛ فكذلكَ الشهواتُ محيطةٌ بالإنسانِ إحاطةَ تلكَ
الحلقةِ بالنملةِ ، والملائكةُ خارجونَ عنْ تلكَ الحلقةِ ، ولا مطمعَ للإنسانِ
في الخروج ، وهوَ يريدُ أنْ يتشبَّهَ بالملائكةِ في الخلاصِ ، فأشبهُ أحوالِهِ بهمُ
و
البعدُ ، وأبعدُ المواضع عنِ الأطرافِ الوسطَ ، فصارَ الوسطُ مطلوباً في
كن كن حن حن حن ح
ـون
Ci
ش
كن
٣٤٦

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
جميع هذهِ الأحوالِ(١) المتقابلةِ، وعنهُ عُبِّرَ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( خيرُ الأمورِ أوساطُها))(٢).
وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ﴾.
ومهما لمْ يحسَّ الإنسانُ بجوع ولا شبع .. تيسَّرَتْ لهُ العبادةُ والفكْرُ ،
وخفَّ في نفسِهِ وقويَ على العملِ معَ خفَّتِهِ ، ولكنَّ هذا بعدَ اعتدالِ الطبع .
أمَّا في بدايةِ الأمرِ ، إذا كانَتِ النفسُ جموحاً ، متشوِّقةً إلى الشهواتِ ،
مائلةً إلى الإفراطِ .. فالاعتدالُ لا ينفعُها ، بلْ لا بدَّ من المبالغةِ في إيلامِها
بالجوع ، كما يُبالغُ في إيلام الدابَةِ التي ليسَتْ مروضةً بالجوع والضربِ
وغيرِهِ إلى أنْ تعتدلَ ، فإذا ارتاضَتْ واستوتْ ، ورجعَتْ إلى الاعتدالِ ..
تركَ تعذيبَها وإيلامَها .
ولأجلِ هذا السرِّ يأمرُ الشيخُ مريدَهُ بما لا يتعاطاهُ هوَ في نفسِهِ ، فيأمرُّهُ
بالجوع وهوَ لا يجوعُ، ويمنعُهُ الفواكهَ والشهواتِ وقدْ لا يمتنعُ هوَ منها ؛
لأنَّهُ قدْ فرغَ مِنْ تأديبِ نفسِهِ ، فاستغنىُ عنِ التعذيبِ .
ولمَّا كانَ أغلبُ أحوالِ النفسِ الشرهَ والشهوةَ والجماحَ والامتناعَ عنِ
العبادةِ .. كانَ الأصلحُ لها الجوعَ الذي تحسُّ بألمِهِ في أكثرِ الأحوالِ ؛
2 ..
P
C:
(١) في غير (ج): (الأخلاق) بدل (الأحوال) .
(٢) رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة)) (٦/ ٣١٧٠) عن معبد الجهني عن بعض الصحابة
مرفوعاً .
٣٤٧
في من من %0
3
---------

کتاب کسر الشهو تین
ربع المهلكات
لتنكسرَ نفسُهُ، والمقصودُ: أنْ تنكسرَ حتَّى تعتدلَ ، فَتُردَّ بعدَ ذلكَ في الغذاءِ
أيضاً إلى الاعتدالِ .
وإنَّما يمتنعُ مِنْ ملازمةِ الجوعِ مِنْ سالكي طريقِ الآخرةِ إِمَّا صدِّيقُ، وإمَّا
مغرورٌ أحمقُ .
أمَّا الصدِّيقُ: فلاستقامةِ نفسِهِ على الصراطِ المستقيم ، واستغنائِهِ عنْ أنْ
يُساقَ بسياطِ الجوعِ إلى الحقِّ .
وأمَّا المغرورُ : فلظنِّهِ بنفسِهِ أنَّهُ الصدِّيقُ المستغني عنْ تأديبِ نفسِهِ ،
الظانُّ بها خيراً .
وهذا غرورٌ عظيمٌ، وهوَ الأغلبُ ؛ فإنَّ النفسَ قلمًا تتأدَّبُ تأذُّباً كاملاً ،
وكثيراً ما تغترُّ فتنظرُ إلى الصدِّيقِ ومسامحتِهِ نفسَهُ في ذلكَ ، فيسامحُ نفسَهُ ،
كالمريضِ ينظرُ إلى مَنْ قدْ صحَّ مِنْ مرضِهِ ، فيتناولُ ما يتناولُهُ ، ویظُ بنفسِهِ
الصحّةَ فيهلكُ .
والذي يدلُّ على أنَّ تقديرَ الطعامِ بمقدارٍ يسيرٍ في وقتٍ مخصوصٍ ونوعٍ
مخصوصٍ ليسَ مقصوداً في نفسِهِ ، وإنَّما هوَ مجاهدةُ نفسٍٍ متنائيةٍ عنِ الحقِّ ،
غيرِ بالغةٍ رتبةَ الكمالِ .. أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يكنْ لهُ تقديرٌ
وتوقيتٌ لطعامِهِ ، قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ يصومُ حتَّى نقولَ: لا يفطرُ، ويفطرُ حتَّى نقولَ: لا يصومُ)(١).
(١) رواه البخاري ( ١٩٦٩)، ومسلم ( ١١٥٦).
٣٤٨

ربع المهلكات
کتاب کسر الشھوتین
وكانَ يدخلُ على أهلِهِ فيقولُ: « هلْ عندَكُمْ مِنْ شيءٍ ؟ فإنْ قالوا :
نعمْ .. أكلَ، وإنْ قالوا: لا .. قالَ: ((إنِّي إذاً صائمٌ)) (١).
وكانَ يُقدَّمُ إليهِ الشيءُ فيقولُ: ((أما إنِّي قدْ كنتُ أردتُ الصومَ))، ثُمَّ
يأكلُ (٢).
وخرجَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يوماً وقالَ: ((إنِّي صائمٌ))، فقالَتْ لهُ
عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قدْ أُهديَ إلينا حَيْسٌ، فقالَ: (( كنتُ أردتُ
الصومَ، ولكنْ قرِّيهِ))(٣) .
ولذلكَ حُكِيَ أنَّ سهلاً قيلَ لهُ : كيفَ كنتَ في بدايتِكَ ؟ فأخبرَ بضروبٍ
مِنَ الرياضاتِ ؛ منها أنَّهُ كانَ يقتاتُ ورقَ النَّبْقِ مدَّةً ، ومنها أنَّهُ أكلَ دقاقَ
التبْنِ(٤) مدَّةَ ثلاث سنينَ ، ثمَّ ذكرَ أنَّهُ اقتاتَ بثلاثةِ دراهمَ في ثلاثٍ سنينَ ،
فقيلَ لهُ : فكيفَ أنتَ في وقتِكَ هذا؟ فقالَ : آكلُ بلا حدٍّ ولا توقيتٍ(٥) .
وليسَ المرادُ بقولهِ : ( بلا حدٍّ ولا توقيتٍ ) أنِّي آكلُ كثيراً ، بلْ :
لا أقدِّرُ بمقدارٍ واحدٍ ما آكلُهُ .
(١) رواه مسلم (١١٥٤) من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٢) هو ضمن الخبر قبله الذي رواه مسلم ( ١١٥٤) ولفظه عنده: ((قد كنت أصبحت
صائماً)) ، كما سيبينه في الخبر بعده .
(٣) هو ضمن الخبر قبله كذلك، ولفظ المصنف في تجزيئه الخبر تبع لصاحب ((القوت))
( ١٧٦/٢ ) .
(٤) في (ب): (دقاق شجرة التين)، وفي (ك، ق): ( دقاق التين) .
(٥) قوت القلوب (١٧٧/٢ ).
٣٤٩

کتاب کسر الشهوتين
حر
ربع المهلكات
وقدْ كانَ معروفٌ الكرخِيُّ يُهدى إليهِ طيباتُ الطعام ، فيأكلُ ، فقيلَ لهُ :
إِنَّ أخاكَ بشراً لا يأكلُ مثلَ هذا، فقالَ: إنَّ أخي بشراً قبضَهُ الورعُ، وأنا
بسطَتْني المعرفةُ ، ثمَّ قالَ: إنَّما أنا ضيفٌ في دارِ مولايَ ، فإذا أطعمَني ..
أكلتُ، وإذا جوَّعَني .. صبرتُ، ما لي وللاعتراضٍِ والتمييزِ؟!(١).
ودفعَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ إلى بعضٍ إخوانِهِ دراهمَ وقالَ: خذْ لنا بهذهِ الدراهمِ
زُبْداً وعسلاً وخبزاً حوارياً، فقالَ : يا أبا إسحاقَ ؛ بهذا كلِّهِ ؟! قالَ:
ويحَكَ، إذا وجدْنا .. أكلْنا أكلَ الرجالِ، وإذا عدمْنا .. صبرْنا صبرَ الرجالِ (٢).
وأصلحَ ذاتَ يومٍ طعاماً فأكثرَ ، ودعا نفراً يسيراً، فيهمُ الأوزاعيُّ
والثوريُّ ، فقالَ لهُ الثوريُّ: يا أبا إسحاقَ ؛ أما تخافُ أنْ يكونَ هذا إسرافاً ؟
فقالَ : ليسَ في الطعام إسرافٌ، إنَّما الإسرافُ في اللباس والأثاثِ (٣).
فالذي أخذَ العلمَ مِنَ السماع والنقْلِ تقليداً يرى هذا مِنْ إبراهيمَ بنِ أدهمَ ،
ويسمعُ عنْ مالكِ بنِ دينارٍ أَنَّهُ قالَ : ( ما دخلَ الملحُ بيتي منذُ عشرينَ سنةً ) ،
وعنْ سريٍّ السقطيِّ أنَّهُ منذُ أربعينَ سنةً يشتهي أنْ يغمسَ جزرةً في دِئْسٍ فما
فعلَ(٤) .. فيراهُ متناقضاً، فيتخَيرُ، أوْ يقطعُ بأنَّ أحدَهُما مخطىءٌ .
(١) قوت القلوب (٢/ ١٧٧ ) .
(٢) قوت القلوب (١٧٧/٢) .
(٣) قوت القلوب (١٧٧/٢)، وقد روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٧١٣٧) عن
الحسن قوله : ( ليس في الطعام إسراف ) .
(٤) تقدم قريباً .
حن من جن حن كن فخ حن حق
تّ
٣٥٠
حن
۔۔
سعـ

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
والبصيرُ بأسرارِ العلم يعلمُ أنَّ كلَّ ذلكَ حقٌّ ، ولكنَّ بالإضافةِ إلى
اختلافِ الأحوالِ .
ثمَّ هذهِ الأحوالُ المختلفةُ يسمعُها فِطِنٌ محتاطٌ ، أوْ غبيٌّ مغرورٌ :
فيقولُ المحتاطُ : ( ما أنا مِنْ جملةِ العارفينَ حتَّى أسامحَ نفسي ، فليسَ
نفسي أطوعَ مِنْ نفْسٍ سريِّ السقطيِّ ومالكِ بنِ دينارٍ ، وهؤلاءِ مِنَ الممتنعينَ
عن الشهواتِ ) ، فيقتدي بهِمْ .
حن
والمغرورُ يقولُ: ( وما نفسي بأعصى عليَّ مِنْ نفسِ معروف الكرخيِّ
وإبراهيمَ بنِ أدهمَ ، فأقتدي بهما ، وأرفعُ التقديرَ في مأكولي ، فأنا أيضاً
ضيفٌ في دارِ مولايَ، فما لي وللاعتراضٍ ) ، ثمَّ إِنَّهُ لوْ قصَّرَ أحدٌ في حقِّهِ
وتوقيرِهِ ، أو في مالِهِ وجاهِهِ بطرفة عينٍ واحدةٍ .. قامَتِ القيامةُ عليهِ ،
واشتغل بالاعتراضِ !
وهذا مجالٌ رحْبٌ للشيطانِ معَ الحمقىُ ، بلْ رفعُ التقديرِ في الطعامِ
والصيام وأكلِ الشهواتِ لا يسلمُ إلا لمَنْ ينظرُ مِنْ مشكاةِ الولايةِ أوِ النبؤَّةِ ،
فيكونُ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى علامةٌ في استرسالِهِ وانقباضِهِ ، ولا يكونُ ذلكَ إلا
بعدَ خروجِ النفسِ عنْ طاعةِ الهوى والعادةِ بالكلِّيَّةِ ، حتَّى يكونَ أكلُهُ إذا أكلَ
على نيّةٍ كما يكونُ إمساكُهُ علىَ نِيَّةٍ ، فيكونُ عاملاً للهِ في أكلِهِ وإفطارِهِ .
فينبغي أنْ يتعلَّمَ الحزمَ مِنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ؛ فإنَّهُ كانَ يرىُ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يحبُّ العسلَ ويأكلُهُ، ثمَّ لمْ يقسْ نفسَهُ عليهِ ، بلْ لمَّا
٣٥١
حن
0>

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
عرضَتْ عليهِ شربةٌ باردةٌ ممزوجةٌ بعسلٍ .. جعلَ يديرُ الإناءَ في يدِهِ ويقولُ :
( أشربُها وتذهبُ حلاوتُها وتبقى تبعتُها ؟! اعزلوا عنّي حسابَها )،
وترکَها(١) .
وهذهِ الأسرارُ لا يجوزُ لشيخِ أنْ يكاشفَ بها مريدَهُ ، بلْ يقتصرُ على
مدْحِ الجوع فقط، ولا يدعوهُ إلى الاعتدالِ، فإنَّهُ يقصرُ - لا محالةَ - عمَّا
يدعوهُ إليهِ ، فينبغي أنْ يدعوَهُ إلى غايةِ الجوع، حتَّى يتيسَّرَ لهُ الاعتدالُ،
ولا يذكرَ لهُ أنَّ العارفَ الكاملَ يستغني عنِ الرياضةِ ؛ فإنَّ الشيطانَ يجدُ
متعلَّقاً مِنْ قلبهِ ، فيلقي إليهِ كلَّ ساعةٍ : إنَّكَ عارفٌ كاملٌ ، وما الذي فاتَكَ
مِنَ المعرفةِ والكمالِ ؟
بلْ كانَ مِنْ عادةِ إبراهيمَ الخوَّاصِ أنْ يخوضَ معَ المريدِ في كلِّ رياضيةٍ
كانَ يأمرُهُ بها ؛ كي لا يخطرَ ببالِهِ أنَّ الشيخَ لمْ يأمرُهُ بما لمْ يفعلْهُ ، فينفرَهُ
ذلك في ریاضتِهِ .
والقويُّ إذا اشتغلَ بالرياضةِ وإصلاحِ الغيرِ .. لزمَهُ النزولُ إلى حدٍّ
الضعفاءِ تشبّهاً بِهِمْ ، وتلطّفاً في سياقتِهِمْ إلى السعادةِ ، وهذا ابتلاءٌ عظيمٌ
للأنبياءِ والأولياءِ .
وإذا كانَ حدُّ الاعتدالِ خفيّاً في حقِّ كلِّ شخصٍ .. فالحزمُ والاحتياطُ
ينبغي ألا يتركَ في كلِّ حالٍ .
(١) تقدم قريباً .
ـرة
٣٥٢

ربع المهلكات
کتاب کسر الشهوتين
ـدن
ولذلكَ أذَّبَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ ولدَهُ عبدَ اللهِ؛ إذْ دخلَ عليهِ فوجدَهُ يأكُل
لحماً مأدوماً بسمن ، فعلاهُ بالدِّرَةِ وقالَ: ( لا أمَّ لكَ، كُلْ يوماً خبزاً
ولحماً ، ويوماً خبزاً ولبناً ، ويوماً خبزاً وسمناً ، ويوماً خبزاً وزيتاً ، ويوماً
خبزاً وملحاً ، ويوماً خبزاً قَفاراً ) .
وهذا هوَ الاعتدالُ ، فأمَّا المواظبةُ على اللحم والشهواتِ .. فإفراطٌ
وإسرافٌ، ومهاجرةُ اللحم بالكلِّيَّةِ إقتارٌ، وهذا قَوامٌ بينَ ذلكَ .
٣٥٣
حن حن حن

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
بيان آفة الزّياء المتطرق إلى مَن تركك الخُل الشّهوات وقلَّل الطّعام
اعلمْ : أنَّهُ يدخلُ على تاركِ الشهواتِ آفتانِ عظيمتانِ ، هما أعظمُ مِنْ
أكلِ الشهواتِ :
إحداهما : ألا تقدرَ النفسُ على ترْكِ بعضِ الشهواتِ فيشتهيَها ، ولكن
لا يريدُ أنْ يُعرفَ بأنَّهُ يشتهيها ، فيخفي الشهوةَ ، ويأكلُ في الخلوةِ ما لا
يأكلُهُ معَ الجماعةِ ، وهذا هوَ الشرْكُ الخفيُّ .
فيمه
سُئِلَ بعضُ العلماءِ عنْ بعضِ الزهادِ ، فسكتَ عنهُ، فقيلَ لهُ : هلْ تعلمُ
بهِ بأساً ، قالَ: يأكلُ في الخلوةِ ما لا يأكلُ في الجماعةِ(١).
وهذهِ آفةٌ عظيمةٌ ، بلْ حُّ العبدِ إذا ابتليَ بالشهواتِ وحبِّها أنْ يظهرَها ؛
فإنَّ هذا صدقُ الحالِ ، وهوَ يدلُّ على فواتِ المجاهداتِ بالأعمالِ ؛ فإنَّ
إخفاءَ النقصِ وإظهارَ ضدِّهِ من الكمالِ هوَ نقصانانِ متضاعفانٍ ، والكذبَ معَ
الإخفاءِ كذبانِ ، فيكونُ مستحقّاً لمقتينِ ، ولا يُرضى منهُ إلا بتوبتينِ
صادقتينٍ، ولذلكَ شدَّدَ اللهُ أمرَ المنافقينَ(٢)، فقال تعالى: ﴿إِنَّ المُفِقِينَ فِى
عين ون عن
(١) قوت القلوب (١٧٥/٢) .
(٢) فغضب عليهم ، ومقتهم مقتين ، ثم لم يرض منهم إلا بتوبتين ، واشترط عليهم
شرطين. («إتحاف)) (٤٢٦/٧)، وقد جاء البيان الإلهي بتعذيب المنافقين مرتين إذ
قال سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّرَ الْأَعْرَابِ مُتَفِقُونٌّ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا
تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيِنِ ثُمَ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ .
تن
٣٥٤
جرب

ربع المهلكات
کتاب کسر الشهوتين
جنا
ـتن
الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ لأنَّ الكافرَ كفرَ وأظهرَ ، وهذا كفرَ وسترَ ، فكانَ
سترُهُ لكفرِهِ كفراً آخرَ ؛ لأنَّهُ استخفَّ بنظرِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى إلى قلبهِ ،
وعظّمَ نظرَ المخلوقينَ ، فمحا الكفرَ عنْ ظاهرِهِ(١).
والعارفونَ يُتْلَوْنَ بالشهواتِ بلْ بالمعاصي ، ولا يُبتلوْنَ بالرياءِ والغشِّ
والإخفاءِ ، بلْ كمالُ العارفِ أنْ يتركَ الشهواتِ اللهِ تعالى ، ويظهرَ مِنْ نفسِهِ
الشهوةَ ؛ إسقاطاً لمنزلتِهِ مِنْ قلوبِ الخلقِ .
وكانَ بعضُهُمْ يشتري الشهواتِ ويعلّقُها في البيتِ وهوَ فيها مِنَ
الزاهدينَ ، وإنَّما يقصدُ بهِ تلبيسَ حالِهِ ؛ ليصرفَ عنْ نفسِهِ قلوبَ الغافلينَ ،
حتَّى لا يتشوَّشَ حالُهُ(٢).
4٢٠
فنهايةُ الزهدِ الزهدُ في الزهدِ بإظهارِ ضدِّهُ ، وهذا عملُ الصدِّيقينَ، فإنَّهُ
جمْعٌ بينَ صدقينِ ، كما أنَّ الأوَّلَ جمعٌ بينَ كذبينٍ ، وهذا قدْ حملَ على
النفسِ ثقلينٍ ، وجرَّعَها كأسَ الصبرِ مرَّتينِ ؛ مرَّةٌ بشربِهِ ، ومرَّةً برميهِ ، فلا
جرمَ أولئكَ يُؤْتونَ أجرَهُمْ مرَّتينٍ بما صبروا .
٥٠
وهذا يضاهي طريقَ مَنْ يُعطى جهراً فيأخذُ، ويردُّ سرّاً؛ ليكسرَ نفسَهُ
(١) فزاد الله في هوانه، وشدد في توبته بما وكده في شرطه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا
وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، وهذا مما لا يمتحن به عالم بالله تعالى
ولا غافل عن الله تعالى ولله الحمد. ((إتحاف)) ( ٤٢٦/٧).
(٢) قوت القلوب (١٧٥/٢) .
٣٥٥

فية
کتاب کسر الشهوتين
عب صر
ربع المهلكات
بالذلِّ جهراً ، وبالفقرِ سرّاً ؛ فمَنْ فاتَهُ هذا .. فلا ينبغي أنْ يفوتَهُ إظهارُ
شهوتِهِ ونقصانِهِ والصدقُ فيهِ ، ولا ينبغي أنْ يغرَّهُ قولُ الشيطانِ : ( إِنَّكَ إذا
أظهرتَ .. اقتدىُ بكَ غيرُكَ، فاسترْهُ إصلاحاً لغيرِكَ) ؛ فإنَّهُ لوْ قصدَ
إصلاحَ غيرِهِ .. لكانَ إصلاحُ نفسِهِ أهمَّ عليهِ مِنْ غيرِهِ ، فهذا إنَّما يقصدُ
الرياءَ المجرَّدَ ، ويروِّجُهُ عليهِ الشيطانُ في معرضٍٍ إصلاحِ غيرِهِ ، فلذلكَ
يثقلُ عليهِ ظهورُ ذلكَ منهُ وإنْ علمَ أنَّ مَنِ اطلعَ عليهِ ليسَ يقتدي بهِ في
الفعلِ ، أو لا ينزجرُ باعتقادِهِ أنَّهُ تاركٌ للشهواتِ .
الآفةُ الثانيةُ : أنْ يقدرَ على ترْكِ الشهواتِ ، لكنَّهُ يفرحُ أنْ يُعرفَ بهِ ،
فيشتهرَ بالتعفُّفِ عنِ الشهواتِ ، فقدْ خالفَ شهوةٌ ضعيفةً ، وهيَ شهوةٌ
الأكلِ، وأطاعَ شهوةً هيَ شرٌّ منها، وهيَ شهوةُ الجاهِ ، وتلكَ هيَ الشهوةُ
الخفيّةُ، فمهما أحسَّ بذلكَ مِنْ نفسِهِ .. فكسْرُ هذِهِ الشهوةِ آكدُ مِنْ كِسْرِ
شهوةِ الطعام ، فليأكلْ ؛ فهوَ أولى لهُ .
قالَ أبو سليمانَ : ( إذا قُدمَتْ إليكَ شهوةٌ وقدْ كنتَ تاركاً لها .. فأصبْ
منها شيئاً يسيراً ، ولا تعطِ نفسَكَ مُناها ، فتكونَ قدْ أسقطتَ عنْ نفسِكَ
الشهوةَ ، وتكونَ قدْ نَغَّصتَ عليها إذْ لمْ تعطِها شهوتَها )(١).
وقالَ جعفرُ بنُ محمدٍ الصادقُ: (إذا قُدِّمَتْ إليَّ شهوةٌ .. نظرتُ إلى
جن: حم حن حة
(١) قوت القلوب (١٧٦/٢).
٣٥٦
کں

ربع المهلكات
کتاب كسر الشهوتين
نفسي ، فإنْ هيَ أظهرَتْ شهوتها .. أطعمتُها منها، وكانَ ذلكَ أفضلَ مِنْ
منعِها ، وإنْ أخفتْ شهوتها ، وأظهرَتِ العزوفَ عنها .. عاقبتُها بالتركِ،
ولمْ أنلْها منها شيئاً ) .
وهذا طريقٌ في عقوبةِ النفسِ على هذهِ الشهوةِ الخفيَّةِ .
وبالجملةِ : مَنْ تركَ شهوةَ الطعام ووقعَ في شهوةِ الرياءِ .. كانَ كمَنْ
هربَ مِنْ عقربٍ وفزعَ إلى حيَّةٍ ؛ لأنَّ شهوةَ الرياءِ أضرُّ كثيراً مِنْ شهوةِ
الطعام ، واللهُ وليُّ التوفيقِ .
حن ..
٣٥٧

کتاب کسر الشھوتین
ربع المهلكات
القول يفى شهوة الفرج
اعلمْ : أنَّ شهوةَ الوقاع سُلِّطَتْ على الإنسانِ لفائدتينِ :
إحداهما : أنْ يدركَ لذَّتَهُ، فيقيسَ بهِ لذَّاتِ الآخرةِ ، فإنَّ لذَّةَ الوقاع لو
دامَتْ .. لكانَتْ أقوىُ لذَّاتِ الأجسادِ ، كما أنَّ النارَ وآلامَها أعظمُ
آلام الجسدِ ، والترغيبُ والترهيبُ يسوقُ الناسَ إلى سعادتِهِمْ، وليسَ ذلكَ
إلاَّ بألمٍ محسوسِ ولذَّةٍ مدركَةٍ ؛ فإنَّ ما لا يدركُ بالذوقِ لا يعظمُ إليهِ
الشوقُ .
الفائدةُ الثانيةُ: بقاءُ النسلِ ، ودوامُ الوجودِ .
فهذهِ فائدتُها ، ولكنْ فيها مِنَ الآفاتِ ما يهلكُ الدينَ والدنيا إنْ لمْ تُضبطْ
ولمْ تَقُهرْ ولمْ تُردَّ إلى حدِّ الاعتدالِ .
وقدْ قيلَ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهِ ﴾
،
معناهُ : الغلمةُ(١) .
وعنِ ابنِ عباسٍ في قولهِ تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ هوَ قيامُ
الذَّكَرِ ، وقدْ أسندَهُ بعضُ الرواةِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، إلاَّ أنَّهُ
(١) رواه الخرائطي في ((اعتلال القلوب)) ( ٢٠٣) عن مكحول، وابن عدي في ((الكامل))
(٣١١/٣) عن مجاهد .
ئرے
٣٥٨
ش

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
قالَ في تفسيرِهِ: الذَّكَرُ إذا دخلَ(١).
وقدْ قيلَ : ( إذا قامَ ذكرُ الرجلِ .. ذهبَ ثلثا عقلِهِ)(٢).
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في دعائِهِ : ((أعوذُ بكَ مِنْ شرِّ سمعي
وبصري وقلبي ومَنِّي))(٣) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((النساءُ حبائلُ الشيطانِ))(٤)
ولولا هذهِ الشهوةُ .. لما كانَ للنساءِ سلطنةٌ على الرجالِ .
4
ورُوِيَ أنَّ موسى عليهِ السلامُ كانَ جالساً في بعض مجالسِهِ ، إذْ أقبلَ إليهِ
إبليسُ وعليهِ برنسٌ يتلوَّنُ فيهِ ألواناً ، فلمَّا دنا منهُ . . خلعَ البرنسَ فوضعَهُ ،
ثُمَّ أتاهُ ، فقالَ : السلامُ عليكَ يا موسى ، فقالَ لهُ موسىُ : مَنْ أنتَ ،
فقالَ : أنا إبليسُ ، فقال: لا حَيَّاكَ اللهُ، ما جاءَ بكَ ؟ قالَ : جئتُ لأسلِّمَ
عليكَ لمنزلتِكَ مِنَ اللهِ ومكانتِكَ منهُ ، قالَ : فما الذي رأيتُ عليكَ ؟ قالَ :
برنسٌ أختطفُ بهِ قلوبَ بني آدمَ ، قالَ : فما الذي إذا صنعَهُ الإنسانُ ..
استحوذتَ عليهِ؟ قال : إذا أعجبَتْهُ نفسُهُ، واستكثرَ عملَهُ ، ونسيَ ذنوبَهُ ،
(١) تقدم الكلام عن هذا الخبر وشاهده .
(٢) رواه ابن المقرىء فى ((معجمه)) (٨٠٥) عن تمام بن نجيح .
(٣) رواه أبو داوود (١٥٥١)، والترمذي (٣٤٩٢).
(٤) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٥٥)، والبيهقي في ((دلائل النبوة))
(٢٤٢/٥)، والرافعي في ((التدوين في أخبار قزوين)) (١٨٥/٣) من حديث
خالد بن زيد الجهني رضي الله عنه مرفوعاً ضمن خطبة طويلة .
٣٥٩

کتاب کسر الشھونین
ربع المهلكات
حن
وأحذِّرُكَ ثلاثاً : لا تخلُ بامرأةٍ لا تحلُّ لكَ ؛ فإنَّهُ ما خلا رجلٌ بامرأةٍ
لا تحلُّ لهُ إلا كنتُ صاحبَهُ دونَ أصحابي حتَّى أفتنَهُ بها وأفتنَها بهِ ،
ولا تعاهدِ اللهَ عهداً إلا وفَيتَ بهِ ، ولا تخرجَنَّ صدقةً إلا أمضيتَها، فإنَّهُ
ما أخرجَ رجلٌ صدقةً فلمْ يمضِها إلا كنتُ صاحبَهُ دونَ أصحابي حتَّى أحولَ
بينَهُ وبينَ الوفاءِ بها ، ثمَّ ولَّى وهوَ يقولُ: يا ويلتاهُ ، علمَ موسى ما يحذِّرُ بهِ
بني آدمَ (١).
وعنْ سعيدِ بنِ المسيَّبِ قالَ : ( ما بعثَ اللهُ نبيّاً فيما خلا إلا لمْ ييئسْ
إبليسُ أنْ يهلكَهُ بالنساءِ ، ولا شيءَ أخوفُ عندي منهنَّ ، وما بالمدينةِ بيتٌ
أدخلُهُ إلا بيتي وبيتُ ابنتي ، أغتسلُ فيهِ يومَ الجمعةِ، ثمَّ أروحُ)(٢).
وقالَ بعضُهُمْ : ( إنَّ الشيطانَ يقولُ للمرأةِ : أنتِ نصفُ جندي ، وأنتِ
سهمي الذي أرمي بهِ فلا أخطىءُ ، وأنتِ موضعُ سرِّي ، وأنتِ رسولي في
حاجتي) (٣) .
فنصفُ جندِهِ الشهوةُ ، ونصفُ جندِهِ الغضبُ ، وأعظمُ الشهواتِ شهوةٌ
النساءِ.
ـحن
- ر **
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٣١٧١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٢٥/٦١)
عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم .
(٢) روى الشطر الأول من القول بدرُ الدين الشبلي في (( آكام المرجان)) ( ٤٢٦).
(٣) رواه بدر الدين الشبلي في ((أكام المرجان)) (٤٢٣).
٣٦٠
..---