النص المفهرس

صفحات 301-320

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
وجهَ كونِهِ نافعاً ، ولكنَّا نشرحُ لكَ ذلكَ إِنْ أردتَ أنْ ترتقيَ مِنْ درجةِ الإيمانِ
إلى درجةِ العلمِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَاُلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
دَرَجَاتٍ﴾ .
حن
فنقولُ : في الجوعِ عشرُ فوائدَ :
الفائدةُ الأولىُ : صفاءُ القلبِ ، وإيقادُ القريحةِ ، وإنفاذُ البصيرةِ :
من
فإنَّ الشبعَ يورثُ البلادةَ، ويعمي القلبَ ، ويكثرُ البخارَ في الدماغِ شبهَ
السكْرِ ، حتَّى يحتوي على معادنِ الفكرِ ، فيثقلُ القلبُ بسببِهِ عنِ الجريانِ في
الأفكارِ ، وعنْ سرعةِ الإدراكِ ، بلِ الصبيُّ إذا أكثرَ الأكل .. بطلَ حفظُهُ ،
وفسدَ ذهنُهُ، وصارَ بطيءَ الفهمِ والإدراكِ .
وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ: ( عليكَ بالجوعِ ؛ فإنَّهُ مذلَّةٌ للنفسِ ، ورقَّةٌ
للقلبِ ، وهوَ يورثُ العلمَ السماويَّ)(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أحيوا قلوبَكُمْ بقلَّةِ الضحكِ وقلَّةِ الشبعِ ،
وطهِّروها بالجوعِ ؛ تصفو وترقُّ))(٢).
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٠).
(٢) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٢٦٢) دون قوله: (وقلة الشبع) ،
أما بشأن الضحك .. فقد روى الترمذي (٢٣٠٥)، وابن ماجه ( ٤١٩٣) عن
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( لا تكثروا الضحك ؛ فإن كثرة الضحك تميت
القلب )) .
٣٠١
عن
دن
مدن

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
ممن
ويُقالُ : ( مثلُ الجوع مثلُ الرعدِ ، والقناعةُ كالسحاب ، والحكمةُ
كالمطرِ ) (١) .
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ أجاعَ بطنَهُ .. عظمَتْ فكرتُهُ ،
وفطنَ قلبُهُ))(٢).
تعـ
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ
شبعَ ونامَ .. قسا قلبُهُ))، ثمّ قالَ: ((لكلِّ شيءٍ زكاةٌ، وزكاةُ البدنٍ
الجوعُ))(٣) .
وقالَ الشبليُّ : ( ما جعتُ للهِ يوماً إلا رأيتُ في قلبي باباً مفتوحاً مِنَ
الحكمةِ والعبرةِ ما رأيتُهُ قطُّ )(٤) .
وليسَ يخفى أنَّ غايةَ المقصودِ مِنَ العباداتِ الفكرُ الموصلُ إلى المعرفةِ
والاستبصارِ بحقائقِ الحقِّ ، والشبعُ يمنعُ منهُ، والجوعُ يفتحُ بابَهُ ،
والمعرفةُ بابٌ مِنْ أبوابِ الجنةِ ، فبالحريِّ أنْ تكونَ ملازمةُ الجوعِ قرعاً لبابٍ
الجنةِ .
ـحة
كن حن حن حن حم حن حة
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٢).
(٢) كذا أورده الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٤).
سسـ
٩
(٣) كذا أورده عن ابن عباس مرفوعاً الخركوشيُّ في ((تهذيب الأسرار)» (ص ٢٦٥)، وقد
روى ابن ماجه ( ١٧٤٥) عن أبي هريرة مرفوعاً: (( لكل شيء زكاة ، وزكاة الجسد
الصوم )» .
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٦).
٣٠٢

١
ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
ولهذا قال لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ إذا امتلأَتِ المعدةُ .. نامَتِ
الفكرةُ، وخرسَتِ الحكمةُ، وقعدَتِ الأعضاءُ عنِ العبادةِ )(١) .
وقالَ أبو يزيدَ البسطاميُّ: ( الجوعُ سحابٌ، فإذا جاعَ العبدُ .. أُمطِرَ
القلبُ الحكمةَ)(٢) .
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( نورُ الحكمةِ الجوعُ، والتَّاعدُ
مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ الشبعُ ، والقربةُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ حتُّ المساكينِ والدنوُّ
منهُمْ ، لا تشبعوا فينطفىءَ نورُ الحكمةِ مِنْ قلوبِكُمْ، ومَنْ باتَ في خفَّةٍ مِنَ
الطعام .. باتَ الحورُ حولَهُ حتَّى يصبحَ))(٣).
S
ـيب
الفائدةُ الثانيةُ : رقَّةُ القلبِ وصفاؤُهُ الذي بهِ يتهيّأُ لإدراكِ لذَّةِ المناجاةِ والتأثّرِ
بالذکرِ :
1
1
فكمْ مِنْ ذكرٍ يجري على اللسانِ معَ حضورِ القلبِ ولكنَّ القلبَ لا يلتذُّ بهِ
ولا يتأثَّ(٤) ، حتَّى كأنَّ بِينَهُ وبينَهُ حجاباً مِنْ قساوةِ القلبِ ، وقدْ يرقُّ في
(١) أورده أبو حيان التوحيدي في ((الإمتاع والمؤانسة)) (ص ٤٨٨).
(٢) رواه أبو نعيم في («الحلية)) (٣٩/١٠).
(٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٤٧/١٩)، والديلمي في (( مسند الفردوس ))
(٦٧٣٠) من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
(٤) لفوات موجب الاستعداد الذي هو الرقة والصفاء الحاصلان من الجوع. (( إتحاف ))
(٣٩٥/٧ ) .
٣٠٣
ضنحن
ـمدن

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
بعضِ الأحوالِ فيعظمُ تأثُّرُهُ بالذكرِ ، وتلذذُّهُ بالمناجاةِ ، وخلوُّ المعدةِ هوَ
السببُ الأظھرُ فیهِ .
وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : ( أحلى ما تكونُ إليَّ العبادةُ إذا التصقَ
ظهري بطني )(١) .
وقالَ الجنيدُ : ( يجعلُ أحدُهُمْ بينَهُ وبينَ صدرِهِ مخلاةً مِنَ الطعام ويريدُ
أنْ يجدَ حلاوةَ المناجاةٍ! )(٢).
وقالَ أبو سليمان الدارانيُّ: ( إذا جاعَ القلبُ وعطشَ .. صفا ورقَّ،
وإذا شبعَ .. عميَ وبارَ)(٣).
فإذاً ؛ تأثُّرُ القلبِ بِلذَّةِ المناجاةِ أمرٌ وراءَ تيسيرِ الفكرِ واقتناصِ المعرفةِ ،
فهيَ فائدةٌ ثانیةٌ .
الفائدةُ الثالثةُ: الانكسارُ والذلُّ، وزوالُ البطَرِ والفرح والأشَرِ الذي هوّ مبدأُ
الطغيانِ والغفلة عنِ اللهِ تعالى :
فلا تنكسرُ النفسُ ولا تذلُّ بشيءٍ كما تذلُّ بالجوعِ ، فعندَهُ تسكنُ لربِّها ،
وتخشعُ لهُ ، وتقفُ على عجزِها وذلِّها ؛ إذْ ضعفَتْ مُنَّتُها وضاقَتْ حيلتُها
٢
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٣/٩) .
(٢) قوت القلوب (١٧٣/٢).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٦/٩).
٣٠٤

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
بلقمةِ طعام فاتَتْها (١) ، وأظلمَتْ عليها الدنيا لشربة ماءٍ تأخّرَتْ عنها ، وما لمْ
يشاهدِ الإنسانُ ذلَّ نفسِهِ وعجزَهُ .. لا يرىُ عزَّةَ مولاهُ ولا قهرَهُ، وإنَّما
سعادتُهُ في أنْ يكونَ دائماً مشاهداً نفسَهُ بعينِ الذلِّ والعجزِ ، ومولاهُ بعينٍ
العزِّ والقدرةِ والقَهْرِ .
فليكنْ دائماً جائعاً ، مضطراً إلى مولاهُ ، مشاهداً للاضطرارِ بالذوقِ .
ولأجلِ ذلكَ لمَّا عُرضَتِ الدنيا وخزائنُها على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ .. قالَ: (( لا ، بلْ أجوعُ يوماً وأشبعُ يوماً ، فإذا جعتُ .. صبرتُ
وتضرَّعتُ، وإذا شبعتُ .. شكرتُ))، أَوْ كما قالَ(٢).
مــ
فالبطنُ والفرْجُ بابٌ مِنْ أبوابِ النارِ ، وأصلُهُ الشبعُ ، والذلُّ والانكسارُ
بابٌ مِنْ أبوابِ الجنةِ، وأصلُهُ الجوعُ، ومَنْ أغلقَ باباً مِنْ أبوابِ النارِ ..
فقدْ فتحَ باباً مِنْ أبواب الجنةِ بالضرورةِ ؛ لأنَّهُما متقابلانِ ؛ كالمشرقِ
والمغربِ، فالقربُ مِنْ أحدِهِما بُعْدٌ مِنَ الآخرِ .
الفائدةُ الرابعةُ : ألا ينسى بلاءَ اللهِ وعذابَهُ ، ولا ينسى أهلَ البلاءِ :
فإِنَّ الشبعانَ ينسى الجائعَ ، وينسى الجوعَ، والعبدُ الفطِنُ لا يشاهدُ بلاءً
مِنْ غيرِهِ إِلا ويتذكَّرُ بلاءَ الآخرةِ ، فيذكرُ مِنْ عطشِهِ عطشَ الخلْقِ في عرصاتِ
(١) المُنَّةُ : القوَّة.
(٢) رواه الترمذي (٢٣٤٧).
٣٠٥
ـدن حن
حى حن.
مصر:

كتاب كسر الشهوتين
٢٥٠
ربع المهلكات
القيامةِ ، ومِنْ جوعِهِ جوعَ أهلِ النارِ ، حتَّى إِنَّهُمْ ليجوعونَ فيُطعمونَ الزقُومَ
والضريعَ ، ويُسقونَ الغسَّاقَ والمُهْلَ .
فلا ينبغي أنْ يغيبَ عنِ العبدِ عذاب الآخرةِ وآلامُها ، فإنَّهُ الذي يهِّجُ
الخوفَ، فَمَنْ لمْ يكنْ في ذَلَّةٍ ولا قلةٍ ولا علَّةٍ ولا بلاءٍ .. نسيَ عذابَ
الآخرةِ ، ولمْ يتمثَّلْ في نفسِهِ ، ولمْ يغلبْ على قلبِهِ .
فينبغي أنْ يكونَ العبدُ في مقاساةِ بلاءٍ أَوْ مشاهدةِ بلاءٍ ، وأولى
ما يقاسيهِ مِنَ البلاءِ الجوعُ ؛ فإنَّ فيهِ فوائدَ جمَّةً سوى تذكُّرِ عذاب الآخرةِ ،
وهذا أحدُ الأسبابِ الذي اقتضى اختصاصَ البلاءِ بالأنبياءِ والأولياءِ والأمثلِ
فالأمثلِ .
ولذلكَ قيلَ ليوسفَ عليهِ السلامُ : لِمَ تجوعُ وفي يديكَ خزائنُ الأرضِ ؟
فقالَ : أخافُ أنْ أشبعَ فأنسى الجائعَ(١) .
فذكْرُ الجائعينَ والمحتاجينَ إحدى فوائدِ الجوعِ ؛ فإنَّ ذلكَ يدعو إلى
عمر
الرحمةِ والإطعام ، والشفقةِ على خلْقِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، والشبعانُ في غفلةٍ عنْ
ألم الجائع .
عن حن
جن جن
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٣/٦) عن الحسن ، وهو عند الدينوري في
((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٨) عن وهب بن منبه .
محض مکن خن
٣٠٦

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
سكن
الفائدةُ الخامسةُ - وهيَ مِنْ أكبرِ الفوائدِ - : كسرُ شهواتِ المعاصي كلُّها ،
والاستيلاء على النفسِ الأمّارةِ بالسوءِ :
فإنَّ منشأَ المعاصي كلِّها الشهواتُ والقوى ، ومادةُ الشهواتِ والقوى -
لا محالةَ - الأطعمةُ، فتقليلُها يضعفُ كلَّ شهوةٍ وقوَّةٍ .
وإنَّما السعادةُ كلُّها في أنْ يملكَ الرجلُ نفسَهُ ، والشقاوةُ في أنْ تملكَهُ
نفسُهُ ، وكما أنَّكَ لا تملكُ الدائَّةَ الجموحَ إلا بضعْفِ الجوعِ، فإذا شبعَتْ
قويَتْ وشردَتْ وجمحَتْ . . فكذلكَ النفسُ؛ كما قيلَ لبعضِهِمْ : ما بالُكَ معَ
كبرِكَ لا تتعهَّدُ بدنَكَ وقدِ انهدَّ؟ فقالَ: لأنَّهُ سريعُ المرح ، فاحشُ الأَشَرِ ،
فأخافُ أنْ يجمحَ بي فيورِّطَني، فلأنْ أحملَهُ على الشدائدِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ
يحملَنِي على الفواحشِ .
وقالَ ذو النونِ : ( ما شبعتُ قطُّ إلا عصيتُ أوْ هممْتُ بمعصيةٍ)(١).
٠
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( أوَّلُ بدعةٍ حدثَتْ بعدَ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الشبعُ، إنَّ القومَ لمَّا شبعَتْ بطونُهُمْ .. جمحَتْ بِهِمْ
نفوسُهُمْ إلى هذهِ الدنيا )(٢).
وهذهِ ليسَتْ فائدةً واحدةً ، بلْ هيَ خزائنُ الفوائدِ ، ولذلكَ قيلَ :
( الجوعُ خزانةٌ مِنْ خزائنِ اللهِ تعالى )(٣).
(١) رواه أبو موسى المديني في ((نزهة الحفاظ)) (ص ٨٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الجوع)) (٢٢).
(٣) تقدم قريباً .
٣٠٧
لان

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
وأوَّلُ ما يندفعُ بالجوعِ شهوةُ الفرجِ وشهوةُ الكلامِ ؛ فإنَّ الجائعَ
لا يتحرَّكُ عليهِ شهوةُ فضولِ الكلام ، فيتخلّصُ بهِ مِنْ آفاتِ اللسانِ ؛
كالغيبةِ ، والفحشِ ، والكذبِ ، والنميمةِ ، وغيرِها، فيمنعُهُ الجوعُ مِنْ كلِّ
ذلكَ، وإذا شبعَ . . افتقرَ إلى فاكهةٍ، فيتفكَّهُ - لا محالةَ - بأعراضِ الناسِ ،
ولا يكُبُّ الناسَ على مناخرِهِمْ في النارِ إلا حصائدُ ألسنتِهِمْ .
وأمَّا شهوةُ الفرج .. فلا تخفى غائلتُها ، والجوعُ يكفي شرَّها ، وإذا شبعَ
الرجلُ .. لمْ يملكْ فَرْجَهُ، وإنْ منعَتْهُ التقوى .. فلا يملكُ عينَةُ، فالعينُ
تزني كما أنَّ الفرجَ يزني ، فإنْ ملكَ عينَهُ بغضِّ الطرفِ . . فلا يملكُ فكرَهُ ،
فيخطرُ لهُ مِنَ الأفكارِ الرديئةِ وحديثِ النفسِ بأسبابِ الشهوةِ ما تتشوَّشُ بهِ
مناجاتُهُ ، وربما عرضَ لهُ ذلكَ في أثناءِ الصلاةِ .
وإنَّما ذكرنا آفةَ اللسانِ والفرج مثالاً ، وإلا .. فجميعُ معاصي الأعضاءِ
السبعةِ سببُها القوَّةُ الحاصلةُ بالشبعِ .
قالَ حكيمٌ : ( كلُّ مريدٍ صبرَ على السياسةِ ، فصبرَ على الخبزِ البحْتِ سنةٌ
لا يخلطُ بهِ شيئاً مِنَ الشهواتِ ويأكلُ في نصفٍ بطنِهِ .. رفعَ اللهُ عنهُ مؤنةَ النساءِ ).
الفائدةُ السادسةُ : دفعُ النومِ ودوامُ السهرِ :
فإنَّ مَنْ شبعَ .. شربَ كثيراً، ومَنْ كثرَ شربُهُ .. كثرَ نومُهُ ، ولأجلِ ذلكَ
كانَ بعضُ الشيوخ يقولُ عندَ حضورِ الطعام : ( معاشرَ المريدينَ ؛ لا تأكلوا
حج جن جن جج جج حج حن جن حة
٣٠٨
٥
حر

ربع المهلكات
بجري
كتاب كسر الشهوتين
كثيراً، فتشربوا كثيراً، فترقدوا كثيراً، فتخسروا كثيراً)(١).
وأجمعَ رأيُ سبعينَ صديقاً على أنَّ كثرةَ النومِ مِنْ كثرةِ الشرْبِ(٢).
وفي كثرة النومِ ضياعُ العمرِ ، وفوتُ التهجُّدِ ، وبلادةُ الطبع ، وقساوةُ
القلبِ ، والعمرُ أنفسُ الجواهرِ ، وهوَ رأسُ مالِ العبدِ ، فيهِ يتَّجرُ ، والنومُ
موتٌ ، فتكثيرُهُ ينقصُ العمرَ .
ثُمَّ فضيلةُ التهجُّدِ لا تخفى ، وفي النومِ فواتها ، ومهما غلبَ النومُ ؛ فإنْ
تهجَّدَ .. لمْ يجدْ حلاوةَ العبادةِ ، ثمَّ المتعزبُ إذا نامَ على الشبع .. احتلمَ ،
ويمنعُهُ ذلكَ أيضاً مِنَ التهجُّدِ، ويحوجُهُ إلى الغسلِ ؛ إمّا بالماءِ الباردِ
فيتأذَّىُ بهِ ، أوْ يحتاجُ إلى الحمَّامِ وربمًّا لا يقدرُ عليهِ بالليلِ، فيفوتُهُ الوترُ إِنْ
كانَ قدْ أَخَّرَهُ إلى التهُّدِ ، ثمَّ يحتاجُ إلى مؤنةِ الحمَّامِ ، وربما تقعُ عينُهُ على
عورةٍ في دخول الحمام ؛ فإنَّ فيهِ أخطاراً ذكرناها في كتاب الطهارةِ ، وكلُّ
ذلكَ أثرُ الشبعِ .
وقدْ قالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : ( الاحتلامُ عقوبةٌ)(٣)، وإنَّما قالَ ذلكَ
لأنَّهُ يمنعُ مِنْ عباداتٍ كثيرةٍ ؛ لتعذُّرِ الغسلِ في كلِّ حالٍ ، فالنومُ منبعُ
الآفاتِ ، والشبعُ مجلبةٌ لهُ ، والجوعُ مقطعةٌ لهُ .
(١) قوت القلوب (٩٨/١).
(٢) روى ذلك البيهقي في ((الشعب)) (٥٣٢٩) عن أبي إسحاق الموصلي.
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٦/٩).
٣٠٩
ثن كن شن جن جن:
حن
2

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
الفائدةُ السابعةُ : تيسيرُ المواظبةِ على العبادةِ :
فإنَّ الأكلَ يمنعُ مِنْ كثرةِ العباداتِ ؛ لأنَّهُ يحتاجُ إلى زمانٍ يشتغلُ فيهِ
بالأكلِ ، وربَّما احتاجَ إلى زمانٍ في شراءِ الطعامِ وطبخِهِ ، ثمَّ يحتاجُ إلى
غسلِ اليدِ والخلالِ (١)، ثمَّ يكثرُ تردادُهُ إلى بيتِ الماءِ لكثرةِ شرِبِهِ ،
والأوقاتُ المصروفةُ إلى هذا لوْ صرفَها إلى الذكرِ والمناجاةِ وسائرٍ
العباداتِ .. لكثرَ ربحُهُ .
قالَ السريُّ : رأيتُ معَ عليٍّ الجرجانيِّ سَويقاً يستفُّ منهُ، فقلتُ:
ما دعاكَ إلى هذا ؟ فقالَ : إنِّي حسبتُ ما بينَ المضْغ إلى الاستفافِ سبعينَ
تسبيحةً ، فما مضغتُ الخبزَ منذُ أربعينَ سنةٌ(٢) .
فانظر كيفَ أشفقَ على وقتِهِ فلمْ يضيعْهُ في المضْغِ ، وكلُّ نَفَسٍ مِنَ العمرِ
جوهرةٌ نفيسةٌ لا قيمةً لها ، فينبغي أنْ يستوفيَ منهُ خزانةً باقيةً في الآخرةِ
لا آخرَ لها ، وذلكَ بصرفِهِ إلى ذكرِ اللهِ تعالى وطاعتِهِ .
حن حن حن جن حن *
ومِنْ جملةِ ما يتعذَّرُ بكثرةِ الأكلِ : الدوامُ على الطهارةِ وملازمةِ
المسجدِ ؛ فإنَّهُ يحتاجُ إلى الخروجِ لكثرةِ شربِ الماءِ وإراقتِهِ .
ومِنْ جملةِ ما يتعذَّر عليهِ : الصومُ ؛ فإنَّهُ يتيسَّرُ لمَنْ تعوَّدَ الجوعَ ،
فالصومُ ، ودوامُ الاعتكافِ ، ودوامُ الطهارةِ ، وصرفُ أوقاتٍ شغلِهِ بالأكلِ
٤٠
(١) في أسنانه؛ ليخرج فضول الطعام منها. ((إتحاف)) (٣٩٨/٧).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١١٠/١٠).
٣١٠
-ثن أن
كن

ربع المهلكات
٢بـ
كتاب كسر الشهوتين
هيحن
وأسبابِهِ إلى العبادةِ .. أرباحٌ كثيرةٌ، وإنَّما يستحقرُها الغافلونَ الذينَ لمْ
يعرفوا قدْرَ الدينِ، لكنْ رضوا بالحياةِ الدنيا واطمأنوا بها، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا
مِنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾.
وقدْ أشارَ أبو سليمانَ الدارانيُّ إلى ستِّ آفاتٍ في الشبع فقالَ : ( مَنْ
شبعَ .. دخلَ عليهِ ستُّ آفاتٍ : فقْدُ حلاوةِ المناجاةِ ، وتعذُّرُ حفْظِ
الحكمةِ ، وحرمانُ الشفقةِ على الخلقِ ؛ لأنَّهُ إذا شبعَ .. ظنَّ أنَّ الخلقَ كلَّهُمْ
شباعٌ ، وثقلُ العبادةِ ، وزيادةُ الشهواتِ ، وأنَّ سائرَ المؤمنينَ يدورونَ حولَ
المساجدِ والشباعُ يدورونَ حولَ المزابلِ )(١) .
الفائدةُ الثامنةُ : يستفيدُ مِنْ قلَّةِ الأكل صحَةَ البدنِ ودفعَ الأمراضِ :
فإنَّ سببَها كثرةُ الأكلِ ، وحصولُ فضْلةِ الأخلاطِ في المعدةِ والعروقِ ،
ثُمَّ المرضُ يمنعُ مِنَ العباداتِ ، ويشوِّشُ القلبَ ، ويمنعُ مِنَ الذكرِ والفكرِ ،
وينغِّصُ العيشَ ، ويحوجُ إلى الفصدِ والحجامةِ ، والدواءِ والطبيبِ ، وكلُّ
ذلكَ يحتاجُ إلى مؤنٍ ونفقاتٍ ، لا يخلو الإنسانُ فيها بعدَ التعبِ عنْ أنواعٍ مِنَ
المعاصي واقتحام الشبهاتِ ، وفي الجوع ما يدفعُ ذلكَ كلَّهُ .
حُكِيَ أنَّ الرشيدَ جمعَ أربعةَ أطباءَ ؛ هنديٌّ ، وروميٍّ ، وعراقيٌّ ،
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦١).
٣١١
على

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
اسسـ
وسَوادِيٌّ(١) ، وقالَ: ليصفْ كلُّ واحدٍ منكُمُ الدواءَ الذي لا داءَ فيهِ ، فقالَ
الهنديُّ: الدواءُ الذي لا داءَ فيهِ عندي هوَ الإِهْلِيلَجُ الأسودُ ، وقالَ
الروميُّ : هوَ حبُّ الرشادِ الأبيضِ ، وقالَ العراقيُّ: هوَ عندي الماءُ الحارُّ ،
فقالَ السواديُّ وكانَ أعلمَهُمْ: الإِهْلِيلَجُ يعفِصُ المعدةَ، وهذا داءٌ ، وحبُّ
الرشادِ يزلِقُ المعدةَ، وهذا داءٌ، والماءُ الحارُّ يرخي المعدةَ، وهذا داءٌ ،
قالوا : فما عندَكَ ؟ قالَ : الدواءُ الذي لا داءَ فيهِ عندي ألا تأكل الطعامَ حتَّى
تشتهيَهُ، وأنْ ترفعَ يدكَ عنهُ وأنتَ تشتهيهِ ، فقالوا : صدقتَ(٢).
وذُكِرَ لبعضِ الفلاسفةِ مِنْ أطباءِ أهلِ الكتابِ قولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((ثلثٌ للطعام ، وثلثٌ للشرابِ، وثلثٌ لِلنَّفَسِ))(٣)، فتعجَّبَ منهُ
وقالَ: ما سمعتُ كلاماً في قلَّةِ الأكلِ أحكمَ مِنْ هذا، وإِنَّهُ لكلامُ حكيمٍ (٤).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((البطنةُ أصلُ الدَّاءِ، والحميةُ أصلُ
الدَّواءِ ، وعوِّدوا كلَّ جسم ما اعتادَ ))(٥)، وأظنُّ أنَّ تعجُّبَ الطبيبِ جرىُ مِنْ
هذا الخبرِ ، لا من ذاكَ .
ـحر
مدن
(١) أي : من سواد العراق.
(٢) قوت القلوب (١٦٩/٢)، وقد رواه الخطيب البغدادي فى ((الفقيه والمتفقه)) (٨٧٦)
عن الأصمعي حدَّث به .
(٣) رواه الترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في ((الكبرى)) ( ٦٧٣٧)، وابن ماجه
( ٣٣٤٩ ) .
(٤) قوت القلوب (١٦٩/٢).
(٥) صدر الخبر رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٨٣/٢) من حديث أنس رضي الله عنه =
٣١٢
حن

ربع المهلكات
کتاب کسر الشهوتين
وقالَ ابنُ سالمٍ : مَنْ أكلَ خبزَ الحنطةِ بحثاً بأدبٍ . . لمْ يعتلَّ إلا علَّةَ
الموتِ ، قيلَ : وما الأدبُ؟ قالَ: يأكلُ بعدَ الجوع ، ويرفعُ قبلَ
الشبعِ(١) .
وقالَ بعضُ أفاضلِ الأطباءِ في ذمِّ الاستكثارِ : ( إنَّ أنفعَ ما أدخلَ الرجلُ
بطنَهُ الرُّمانُ ، وأضرَّ ما أدخلَ معدتَهُ المالحُ ، ولأنْ يقلَّلَ مِنَ المالح خيرٌ لهُ
مِنْ أنْ يستكثرَ مِنَ الرُّمانِ)(٢) .
3
وفي الحديثِ: ((صوموا تصخُوا)) (٣)، ففي الصوم والجوعِ وتقليلٍ
الطعامِ صحَّةُ الأجسامِ مِنَ الأسقامِ ، وصحةُ القلوبِ مِنْ سقمِ الطغيانِ والبطَرِ
وغيرِهِما .
الفائدةُ التاسعةُ : خفَّةُ المؤونةِ :
فإنَّ مَنْ تعوَّدَ قلَّةَ الأكلِ كفاهُ مِنَ المالِ قدْرٌ يسيرٌ ، والذي تعوَّدَ الشبعَ
صارَ بطنُهُ غريماً ملازماً لهُ، آخذاً بمُخَتَّقِهِ في كلِّ يومٍ ، فيقولُ : ماذا تأكلُ
مرفوعاً: ((أصل كل داء البرد))، وإنما هو (( البَرّدة)) وهي التخمة ، كما بيَّن ذلك
=
بروايته العسكريُّ في ((تصحيفات المحدثين)) (١٥٥/١)، وإلا .. فهو بتمامه من
كلام طبيب العرب الحارث بن كلدة ، وانظر ((المقاصد الحسنة)) (١٠٣٥).
(١) وابن سالم هو شيخ أبي طالب المكي، انظر ((القوت)) (١٦٩/١).
(٢) قوت القلوب (١٧٠/٢).
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٨٣٠٨)، وابن عدي في ((الكامل)) (٥٧/٧).
ق؟.
٣١٣
جن جن
حن /جـ

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
المره جه ده
اليومَ ؟ فيحتاجُ إلى أنْ يدخلَ المداخلَ ، فيكتسبَ مِنَ الحرام فيعصيَ ، أَوْ
مِنَ الحلالِ فيذلَّ ويتعبَ ، وربَّما يحتاجُ إلى أنْ يمدَّ عينَ الطمعِ إلى الناسِ ،
وهوَ غايةُ الذلِّ والقماءةِ ، والمؤمنُ خفيفُ المؤونةِ .
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( إنِّي لأقضي عامَّةَ حوائجي بالتركِ ، فيكونُ ذلكَ
أروحَ لقلبي) (١) .
وقالَ آخرُ : ( إذا أردتُ أنْ أستقرضَ مِنْ غيري لشهوةٍ أوْ زيادةٍ ..
استقرضتُ مِنْ نفسي ، فتركتُ الشهوةَ ، فهيَ خيرُ غريمٍ لي )(٢) .
وكانَ إِبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ يسألُ أصحابَهُ عنْ سعرِ المأكولاتِ ،
فيُقالُ: إنَّها غاليةٌ، فيقولُ: أرخصوهُ بالتركِ(٣).
وقالَ سهلٌ رحمَهُ اللهُ : ( الأكولُ مذمومٌ في ثلاثةِ أحوالٍ : إنْ كانَ مِنْ
أهلِ العبادةِ .. فيكسلُ، وإنْ كانَ مكتسباً .. فلا يسلمُ مِنَ الآفاتِ ، وإنْ كانَ
ممَّنْ يدخلُ عليهِ شيءٌ(٤) .. فلا ينصفُ اللهَ تعالىُ مِنْ نفسِهِ ) .
وبالجملةِ : سببُ هلاكِ الناسِ حرصُهُمْ على الدنيا ، وسببُ حرصِهِمْ
على الدنيا البطنُ والفرجُ ، وسببُ شهوةِ الفرج شهوةُ البطنِ ، وفي تقليلٍ
(١) قوت القلوب (١٧٣/٢)، والمعنى: فإذا تركتها .. فكأني قضيتها. ((إتحاف))
( ٤٠١/٧ ) .
شن
(٢) قوت القلوب (١٧٣/٢ ).
(٣) قوت القلوب ( ١٧٣/٢ ).
(٤) أي : من الفيض من غير كسب.
٣١٤
05

...
ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
الأكلِ ما يحسمُ هذهِ الأبوابَ كلَّها ، وهيَ أبوابُ النارِ ، وفي حسمِها فتحُ
أبواب الجنةِ، كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أديموا قرْعَ بابِ الجنةِ
بالجوعِ ))(١) .
فمَنْ قنعَ برغيفٍ في كلِّ يومٍ .. قنعَ في سائرِ الشهواتِ أيضاً ، وصارَ
حرّاً ، واستغنى عنِ الناسِ ، واستراحَ مِنَ التعبِ ، وتخلَّى لعبادةِ اللهِ عزَّ
وجلَّ وتجارةِ الآخرةِ ، فيكونُ مِنَ الذينَ لا تلهيهِمْ تجارةٌ ولا بيعٌ عنْ
ذكرِ اللهِ ، وإنَّما لا تلهيهِمْ لاستغنائِهِمْ عنها بالقناعةِ، فأمَّا المحتاجُ .. فتلهيهِ
لا محالةٌ .
شن
الفائدةُ العاشرةُ : أنْ يتمكَّنَ مِنَ الإيثارِ والتصدُّقِ بما فضّلٌ مِنَ الأطعمةِ على
اليتامى والمساكينِ :
فيكونَ يومَ القيامةِ في ظلِّ صدقتِهِ كما وردَ بهِ الخبرُ(٢) ، فما يأكلُهُ كانَ
خزانتُهُ الكنيفَ ، وما يتصدَّقُ بهِ كانَ خزانتُهُ فضْلَ اللهِ ، فليسَ للعبدِ مِنْ مالِهِ
إلا ما تصدَّقَ فأبقى ، أوْ أكلَ فأفنى ، أوْ لبسَ فأبلى(٣) ، فالتصدُّقُ بفضلاتِ
الطعام أولىُ مِنَ التخمةِ والشبعِ .
(١) قوت القلوب (١٧١/٢) .
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٣١٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤١٦/١).
(٣) كما روى ذلك مسلم ( ٢٩٥٩).
فات
٣١٥

کتاب کسر الشھوتین
ـحر
ربع المهلكات
4G.
٢٥
وكانَ الحسنُ رحمةُ اللهِ عليهِ إذا تلا قولَهُ تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا
جَهُولًا﴾ .. قالَ: ( عرضَها على السماواتِ السبع الطباقِ الطرائقِ اللاتي
زينَها بالنجوم ، وحملةِ العرشِ العظيمِ ، فقالَ لها : هلْ تحملينَ الأمانةَ بما
فيها ؟ قالَتْ : وما فيها ؟ قالَ : إنْ أحسنتِ .. جُوزيتِ ، وإنْ أسأتِ ..
عُوقبتِ ، فقالَتْ : لا ، ثمَّ عرضها على الأرضِ كذلكَ، فأبتْ ، ثمّ عرضَها
على الجبالِ الصمِّ الشوامخِ البواذخِ الصعابِ الصلابِ ، فقالَ لها : هلْ
تحملينَ الأمانةَ بما فيها؟ قالَتْ: وما فيها ، فذكرَ الجزاءَ والعقوبةَ،
فقالَتْ : لا، ثمَّ عرضَها على الإنسانِ ، فحملَها ؛ إنَّهُ كانَ ظلوماً لنفسِهِ ،
جهولاً بأمرِ ربِّهِ ، فقدْ رأيناهُمْ واللهِ اشترَوُا الأمانةَ بأموالِهِمْ فأصابوا آلافاً ،
فماذا صنعوا فيها ؟ وسَّعُوا بها دورَهُمْ، وضيَّقوا بها قبورَهُمْ، وأسمنوا
براذينَهُمْ ، وأهزلوا دينَهُمْ، وأتعبوا أنفسَهُمْ بالغدوِّ والرواحِ إلى بابِ هذا
السلطانِ ، يتعرَّضونَ للبلاءِ وهُمْ مِنَ اللهِ في عافيةٍ ، يقولُ أحدُهُمْ : تبيعُني
أرضَ كذا وكذا وأزيدُكَ كذا وكذا، يتكىءُ على شمالِهِ ، ويأكلُ مِنْ غيرِ
مالِهِ، خدمَتُهُ سُخرةٌ، ومالُهُ حرامٌ، حتى إذا أخذَتْهُ الكِظَّةُ(١) ، ونزلَتْ بهِ
البطنةُ .. قالَ: يا غلامُ؛ ائتني بشيءٍ يهضمُ طعامي، يا لكعُ؛ أطعامَكَ
تهضمُ ؟! إنَّما دينَكَ تهضمُ ، أينَ الفقيرُ؟! أينَ الأرملةُ ؟! أينَ اليتيمُ ؟!
(١) الكظة : غمُّ المرء من امتلاء الطعام.
٣١٦

ربع المهلكات
أينَ المسكينُ الذي أمركَ اللهُ تعالى بهِ؟! )(١) .
فهذهِ إشارةٌ إلى هذهِ الفائدةِ ، وهوَ صرْفُ فاضلِ الطعامِ إلى الفقيرِ ؛
ليدَّخِرَ بهِ الأجرَ ، فذلكَ خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يأكلَهُ حتَّى يتضاعفَ الوزرُ عليهِ .
سكن حن :
ونظرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى رجلٍ سمينِ البطنِ ، فأومأً إلى
بطنِهِ بإصبعِهِ وقالَ: ((لوْ كانَ هذا في غيرِ هذا .. لكانَ خيراً لكَ))(٢)؛
أي : لوْ قدَّمْتَهُ لآخرتِكَ، وآثرتَ بهِ غيرَكَ .
وعنِ الحسنِ قالَ : ( واللهِ ؛ لقدْ أدركتُ أقواماً إنْ كانَ الرجلُ منهُمْ
ليُمسي وعندَهُ مِنَ الطعام ما يكفيهِ ، ولوْ شاءَ لأكلَهُ، فيقولُ : واللهِ ؛
لا أجعلُ هذا كلَّهُ لبطني حتَّى أجعلَ بعضَهُ للهِ)(٣) .
حر
فهذهِ عشرُ فوائدَ للجوع ، يتشغَّبُ عنْ كلِّ واحدةٍ فوائدُ لا ينحصرُ
عددُها ، ولا تتناهى فوائدُها ، فالجوعُ خزانةٌ عظيمةٌ لفوائدِ الآخرةِ ، ولأجلِ
هذا قالَ بعضُ السلفِ : ( الجوعُ مفتاحُ الآخرةِ، وبابُ الزهدِ ، والشبعُ
مفتاحُ الدنيا ، وبابُ الرغبةِ)(٤) ، بلْ ذلكَ صريحٌ في الأخبارِ التي رويناها ،
(١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٤ /٦٢) بنحوه .
(٢) رواه أحمد في «المسند)) (٤٧١/٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٢١/٤) من
حديث جعدة الجشمي رضي الله عنه .
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٢/٦).
(٤) قوت القلوب (١٧١/٢) .
حن ون:
حنحن جن
٣١٧
کتاب کسر الشھوتین
حن

كتاب كسر الشهوتين
ـدة
ربع المهلكات
وبالوقوفِ على تفصيلِ هذهِ الفوائدِ تدركُ معانيَ تلكَ الأخبارِ إدراكَ علمٍ
وبصيرةٍ ، فإذا لمْ تعرفْ هذا وصدَّقتَ بفضْلِ الجوع .. كانَتْ لكَ رتبةُ
المقلِّدينَ في الإيمانِ ، واللهُ أعلمُ بالصوابِ .
ـحن
شرع
ـكن
٣١٨
موخ مكن
۔۔

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
بيان طريق الرياضة في كسر شهوة البطن
اعلمْ : أنَّ على المريدِ في بطنِهِ ومأكولِهِ أربعَ وظائفَ :
الأولى : ألا يأكلَ إلا حلالاً :
فالعبادةُ معَ أكلِ الحرامِ كالبناءِ على أمواجِ البحرِ ، وقدْ ذكرنا ما تجبُ
مراعاتُهُ مِنْ درجاتِ الورعِ في كتابِ الحلالِ والحرامِ .
جــصجـ
وتبقىُ ثلاثُ وظائفَ خاصَّةٍ بالأكلِ ؛ وهوَ تقديرُ قدْرِ الطعام في القلَّةِ
والكثرةِ ، وتقديرُ وقتِهِ في الإبطاءِ والسرعةِ ، وتعيينُ الجنسِ المأكولِ في
تناولِ المشتهياتِ وتركِها .
٧
ـاب.
أمَّا الوظيفةُ الأولى في تقليلِ الطعامِ :
فسبيلُ الرياضةِ فيهِ التدريجُ ، فمَنِ اعتادَ الأكلَ الكثيرَ وانتقلَ دفعةً
واحدةً إلى القليل .. لمْ يحتملْهُ مزاجُهُ، وضعفَ، وعظمَتْ مشقَّتُهُ ،
فينبغي أنْ يتدرَّجَ إليهِ قليلاً قليلاً ، وذلكَ بأنْ ينقصَ قليلاً قليلاً مِن طعامِهِ
المعتادٍ .
ـيين
:5
٢٠٠
فإنْ كانَ يأكلُ رغيفينٍ مثلاً وأرادَ أنْ يردَّ نفسهُ إلى رغيفٍ واحدٍ .. فينقصُ
كلَّ يومٍ ربعَ سبع رغيفٍ ، وهوَ أنْ ينقصَ جزءاً مِنْ ثمانيةٍ وعشرينَ جزءاً ، أوْ
جزءاً مِنْ ثلاثينَ جزءاً ، فيرجعُ إلى رغيفٍ في شهرٍ ، ولا يستضُّ بهِ ،
"G
٣١٩
د

کتاب کسر الشھوتین
ربع المهلكات
ولا يظهرُ أثرُهُ، فإنْ شاءَ .. فعلَ ذلكَ بالوزنِ ، وإنْ شاءَ .. بالمشاهدةِ ،
فيتركُ كلَّ يومٍ مقدارَ لقمةٍ ، وينقصُهُ عمَّا أكلَّهَ بالأمسِ .
ثمّ هذا فیهِ أربعُ درجاتٍ :
أقصاها : أنْ يردَّ نفسَهُ إلى قدْرِ القوام الذي لا يبقى دونَهُ، وهوَ عادةٌ
الصديقينَ ، وهوَ اختيارُ سهْلٍ التستريِّ رحمةُ اللهِ عليهِ ؛ إذْ قالَ : إِنَّ اللهَ
استعبدَ الخلقَ بثلاثٍ : بالحياةِ ، والعقلِ ، والقوَّةِ ، فإنْ خافَ العبدُ على
اثنتينِ منها وهيَ الحياةُ والعقلُ .. أكلَ، وأفطرَ إنْ كانَ صائماً، وتكلَّفَ
الطلبَ إنْ كانَ فقيراً ، وإنْ لمْ يخفْ عليهما بلْ على القوَّةِ .. قالَ : فينبغي
ألا يباليَ ولوْ ضعفَ حتَّى صلَّى قاعداً ، ورأى أنَّ صلاتَهُ قاعداً معَ ضعْفٍ
الجوعِ أفضلُ مِنْ صلاتِهِ قائماً معَ قوةِ الأكلِ(١) .
وسئلَ سهلٌ عنْ بدايتِهِ وما كانَ يقتاتُ بهِ ؟ فقالَ : كانَ قُوتي في كلِّ سنةٍ
ثلاثةَ دراهمَ ، كنتُ آخذٌ بدرهمِ دِبْساً ، وبدرهمٍ سمناً ، وبدرهمٍ دقيقَ
الأرزِّ، وأخلطُ الجميعَ وأسوِّي منهُ بنادقَ، ثلاثَ مئةٍ وستينَ أُكْرَةً (٢) ، آخذُ
(١) فعلم من هذا أن المحافظة على العقل مقدمة على محافظة القوة ، فإن لم يصلح عقل
المريد بالخبز البحت .. فلا بأس أن يأتدم ببعض الأدهان ، وقد كان سهل رحمه الله
تعالى يقول للمتقللين من أهل عبادان - كما في ((القوت)) (١٧٢/٢) - : احفظوا
عقولكم، وتعاهدوا بالأدهان والدسم؛ فإنه ما كان ولي الله ناقص العقل. ((إتحاف))
( ٤٠٤/٧ ) .
(٢) الأُكْرَة: لغة في الكرة ؛ أي : يجعل من هذا الخليط كالكرات ، يأخذ كل فطور
واحدة .
٣٢٠
Co