النص المفهرس

صفحات 281-300

توقنده
ڪِتَابُ
كِ الشَّهُوَبَيُ
وهو الكتاب الثالث من ربع المهلكات
من كتب إحياء علوم الدين
٠
٢٨١
جنة

ربع المهلكات
کتاب کسر الشهوتين
كتاب كسر الشَّهوتين
بِسِْلهِ الرَّمِ الرَّحَيَّةِ
الحمدُ للهِ المنفردِ بالجلالِ في كبريائِهِ وتعاليهِ ، المستحقِّ للتحميدِ
والتقديسٍ والتسبيح والتنزيهِ ، القائم بالعدْلِ فيما يبرمُهُ ويقضيهِ ، المتطوِّلِ
بالفضْلِ فيما ينعمُ بهِ ويسديهِ ، المتكفِّلِ بحفْظِ عبدِهِ في جميع مواردِهِ
ومجاريهِ ، المنعمِ عليهِ بما يزيدُ على مهمَّاتِ مقاصدِهِ بلْ بما يفي بأمانيهِ ،
فهوَ الذي يرشدُهُ ويهديهِ ، وهوَ الذي يميتُهُ ويحييهِ ، وإذا مرضَ .. فهوَ
يشفيهِ ، وإذا ضعُفَ .. فهوَ يقوِّيهِ ، وهوَ الذي يوفِّقُهُ للطاعةِ ويرتضيهِ ، وهوَ
الذي يطعمُهُ ويسقيهِ ، ويحفظُهُ مِنَ الهلاكِ ويحميهِ ، ويحرسُهُ بالطعامِ
والشرابِ عمَّا يهلكُهُ ويرديهِ ، ويمكِّنُهُ مِنَ القناعةِ بقليلِ القوتِ ويقوِّيهِ ، حتَّى
تضيِّقَ بهِ مجاريَ الشيطانِ الذي يناويِهِ (١) ، ويكسرُ بهِ سطوةَ النفسِ التي
تعاديهِ ، فيدفعُ شرَّها ثمَّ يعبدُ ربَّهُ ويتَّقَيهِ ، هذا بعدَ أنْ يوسِّعَ عليهِ ما يلتذُّ بهِ
ويشتهيهِ ، ويكثِّرَ عليهِ ما يهيِّجُ بواعثَهُ ويؤكِّدُ دواعيهِ (٢) ، كلُّ ذلكَ یمتحنُهُ بهِ
ويبتليهِ ، فينظرُ كيفَ يؤثرُهُ على ما يهواهُ وينتحيهِ ، وكيفَ يحفظُ أوامرَهُ
حمد
(١) أي : حتى تضيق القناعة بقليل القوت مجاري الشيطان .
(٢) مراعاة للسجعة، وهي لغة أيضاً، والأصل: ( دواعيَهُ).
٢٨٣
كن من كن شن حن حن حن .

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
وينتهي عنْ نواهيهِ ، ويواظبُ على طاعتِهِ وينزجرُ عنْ معاصيهِ .
والصلاةُ على محمدٍ عبدِهِ النبيهِ ، ورسولِهِ الوجيهِ ، صلاةً تزلفُهُ
وتحظيهِ ، وترفعُ منزلتَهُ وتعليهِ ، وعلى الأبرارِ مِنْ عترتِهِ وأقربيهِ ، والأخيار
مِنْ صحابتِهِ وتابعيهِ .
أما بعد:
فأعظمُ المهلكاتِ لابنِ آدمَ شهوةُ البطنِ ، فبها أُخرجَ آدم وحواءُ مِنْ دارِ
القرارِ إلى دارِ الذلِّ والافتقارِ ؛ إذْ نُهيا عنِ الشجرةِ ، فغلبَتْهُما شهواتُهما ،
حتَّى أكلا منها فبدَتْ لهما سوءَاتُهما .
والبطنُ على التحقيقِ ينبوعُ الشهواتِ ، ومنبتُ الأدواءِ والآفاتِ ؛ إذْ
تتبعُها شهوةُ الفرج وشدَّةُ الشبقِ إلى المنكوحاتِ ، ثمَّ يتبعُ شهوةَ الطعام
والنكاح شدَّةُ الرغبةِ في المالِ والجاهِ اللذينِ هما الوسيلةُ إلى التوسُّع في
المطعوماتِ والمنكوحاتِ ، ثمَّ يتبعُ استكثارَ المالِ والجاهِ أنواعُ الرعوناتِ ،
وضروبُ المنافساتِ والمحاسداتِ ، ثمَّ يتولَّدُ بينَهُما آفةُ الرياءِ ، وغائلةُ
التفاخرِ والتكاثرِ والكبرياءِ ، ثمَّ يتداعى ذلكَ إلى الحسدِ والحقدِ ، والعداوةِ
والبغضاءِ ، ثمَّ يفضي ذلكَ بصاحبِهِ إلى اقتحامِ البغي والمنكرِ والفحشاءِ ،
وكلُّ ذلكَ ثمرةُ إهمالِ المعدةِ ، وما يتولَّدُ منها مِنْ بطرِ الشبع والامتلاءِ .
ولوْ ذَلَّلَ العبدُ نفسَهُ بالجوع، وضيَّقَ بهِ مجاريَ الشيطانِ .. لأذعنَتْ
لطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولمْ تسلكْ سبيلَ البطرِ والطغيانِ ، ولمْ ينجرَّ بهِ ذلكَ
ته
G
٢٨٤
ـكن
دن
حن :

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
إلى الانهماكِ في الدنيا ، وإيثارِ العاجلةِ على العقبى، ولمْ يتكالبْ كلَّ هذا
التكالبِ على الدنيا .
وإذا عظمَتْ آفةُ شهوةِ البطنِ إلى هذا الحدِّ .. وجبَ شرحُ غوائِلِها
وآفاتِها ؛ تحذيراً منها ، ووجبَ إيضاحُ طريقِ المجاهدةِ لها ، والتنبيهُ على
فضلِها ؛ ترغيباً فيها ، وكذلكَ شرحُ شهوةِ الفرج ؛ فإنَّها تابعةٌ لها .
ونحنُ نوضحُ ذلكَ بعونِ اللهِ تعالى في فصولٍ ، يجمعُها بيانُ فضيلةٍ
الجوع ، ثمَّ فوائدِ الجوعِ، ثمَّ طريقِ الرياضةِ في كسْرِ شهوةِ البطنِ بالتقليلٍ
مِنَ الطعامِ والتأخيرِ ، ثمَّ بيانُ اختلافِ حكمِ الجوعِ وفضيلتِهِ باختلافِ أحوالٍ
الناسِ ، ثمَّ بيانُ الرياءِ في تركِ الشهوةِ ، ثمَّ القولُ في شهوةِ الفرْجِ ، ثمَّ بيانٌ
ما على المريدِ في تركِ التزويجِ وفعلِهِ ، ثمَّ بيانُ فضيلةِ مَنْ يخالفُ شهوةً
البطنِ والفرْجِ والعينِ .
٢٨٥
حل

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
بيان فضيلة الجوع وذم الشَّيع
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((جاهدوا أنفسَكُمْ بالجوعِ
والعطشِ ؛ فإنَّ الأجرَ في ذلكَ كأجرِ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ ، وإنَّهُ ليسَ مِنْ
عملٍ أحبَّ إلى اللهِ مِنْ جوعٍ وعطشٍ)) (١) .
وقالَ ابنُ عباسٍ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يدخلُ ملكوتَ
السماءِ مَنْ ملَأَ بطنَهُ))(٢).
وقيلَ : يا رسولَ اللهِ؛ أيُّ الناس أفضلُ؟ قالَ: «مَنْ قلَّ مطعمُهُ
وضحكُهُ، ورضيَ بما يستُرُ بهِ عورتَهُ))(٣) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((سيِّدُ الأعمالِ الجوعُ، وذلُّ النَّفْسِ لباسُ
الصوفِ))(٤) .
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
ـحر
(١) قال الحافظ العراقي: (لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٣٨٦/٧). وروى أبو نعيم
في ((الحلية)) (١٨١/٥) عن مكحول قال: ( أفضل العبادة بعد الفرائض الجوع
والظمأ ) .
.53
(٢) رواه ابن الأعرابي في (( معجمه)) (٢٣٥٠) عن الحسن مرسلاً ، وأورده عن ابن عباس
مرفوعاً الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٢٦٤) .
(٣) كذا أورده عقب الحديث السابق الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٤).
(٤) أورده عن مكحول مرسلاً الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٤)، وفيه :
(( ... وذل النفس، ولباس الصوف)).
٢٨٦
.كن

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
حن
((البسوا وكلوا واشربوا في أنصافِ البطونِ؛ فإنَّهُ جزءٌ مِنَ النبوّةِ))(١).
وقالَ الحسنُ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الفكرُ نصفُ العبادةِ ،
وقلَّةُ الطعامِ هيَ العبادةُ))(٢).
وقالَ الحسنُ أيضاً: قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أفضلُكُمْ عندَ اللهِ منزلةً
يومَ القيامةِ أطولُكُمْ جوعاً وتفكُّراً في اللهِ سبحانَهُ، وأبغضُكُمْ عندَ اللهِ عزَّ
وجلَّ كلُّ نؤُومٍ أكولٍ شروبٍ))(٣) .
وفي الخبرِ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يجوعُ مِنْ غيرِ عوزٍ ؛
أيْ : مختاراً لذلكَ (٤) .
بعر
جن
(١) كذا أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٤)، وهو عند الديلمي في
((مسند الفردوس)) (٣٣٩) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، وهو عند صاحب
((القوت)) (١٦٧/٢) من حديث الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه .
(٢) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٥) عن الحسن مرسلاً.
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٥) عن الحسن مرسلاً .
(٤) ولفظ الخبر عند أبي طالب في ((القوت)) (٩٧/١): (وروي عن عائشة رضي الله عنها
قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجوعون من غير إعواز ؛ أي :
مختارين )، وهو معنى قولها رضي الله عنها كما رواه عنها البيهقي في ((الشعب)) (٥٢٥٢):
( لو شئنا أن نشبع .. شبعنا، ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يوثر على نفسه) .
وروى أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٠/١) عن ابن سيرين: أن رجلاً قال لابن عمر :
أجعل لك جوارش ؟ قال : وأي شيءٍ الجوارش؟ قال: شيء إذا كظَّك الطعام فأصبت
منه .. سهل عليك ، قال : فقال ابن عمر : ما شبعت من الطعام منذ أربعة أشهر ،
وما ذاك ألا أكون له واجداً ، ولكني عهدت قوماً يشبعون مرة ويجوعون أخرى .
٢٨٧
حن

کتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ تعالى يباهي الملائكةَ بمَنْ قلَّ
مطعمُهُ ومشربُهُ في الدنيا ، يقولُ اللهُ تعالى : انظروا إلى عبدي ، ابتليتُهُ
بالطعام والشرابِ في الدنيا ، فصبرَ وتركَهُما ، اشهدوا يا ملائكتي ؛ ما مِنْ
أكلةٍ يدعُها إلا أبدلتُهُ بها درجاتٍ في الجنةِ )).
ـعيـ
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا تميتوا القلوبَ بكثرةِ الطعامِ
والشَّرابِ ؛ فإنَّ القلبَ كالزرع يموتُ إذا كثرَ عليهِ الماءُ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرّاً مِنْ بطنِهِ ، حسبُ
ابنِ آدمَ لقيماتٌ يقمْنَ صلبَهُ ، فإنْ كانَ لا بدَّ فاعلاً .. فثلثُ لطعامِهِ ، وثلثٌ
لشرابِهِ ، وثلثٌ لِنَفَسِهِ)) (٢).
وفي حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ وحديثِ أبي هريرةَ الطويلِ ذكرُ فضيلةِ
الجوع، إذْ قالَ فيهِ : ((إنَّ أقربَ النَّاسِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ مَنْ طالَ
جوعُهُ وعطشُهُ وحزنُهُ في الدنيا ، الأحفياءُ الأتقياءُ ، الذينَ إنْ شَهدوا .. لمْ
يُعرفوا، وإنْ غابوا .. لمْ يُفتقدوا، تعرفُهُمْ بقاعُ الأرضِ ، وتحفُّ بِهِمْ
ملائكةُ السماءِ ، نعمَ الناسُ بالدنيا ، ونَعموا بطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، افترشَ
الناسُ الفُرُشَ الوثيرةَ، وافترشوا الجباهَ والرُّكَبَ، ضيَّعَ الناسُ فعلَ النّبِّينَ
وأخلاقَهُمْ، وحفظُوها هُمْ ، تبكي الأرضُ إذا فقدَتْهُمْ، ويسخطُ اللهُ تعالى
C
(١) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف له على أصل). ((إتحاف)) (٣٨٧/٧).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧٣٧)، وابن ماجه (٣٣٤٩).
٢٨٨
جن جن

سعة
ربع المهلكات
حن
کتاب کسر الشهوتين
على كلِّ بلدةٍ ليسَ فيها منهُمْ أحدٌ ، لمْ يتكالبوا على الدنيا تكالبَ الكلاب
على الجيفِ ، أكلوا الفِلَقَ ولبسوا الخِرَقَ، شعثاً غيراً ، يراهُمُ الناسُ فيظنونَ
أنَّ بِهِمْ داءَ وما بهِمْ داءٌ، ويُقالُ: قدْ خُولطوا وذهبَتْ عقولُهُمْ وما ذهبَتْ
عقولُهُمْ ، ولكنْ نظرَ القومُ بقلوبِهِمْ إلى أمرِ اللهِ الذي أذهبَ عنهُمُ الدنيا ،
فهُمْ عندَ أهلِ الدنيا يمشونَ بلا عقولٍ ، عَقلوا حينَ ذهَبَتْ عقولُ الناسِ ، لَهُمُ
الشرفُ في الآخرةِ .
يا أسامةُ؛ إذا رأيتُهُمْ في بلدةٍ .. فاعلمْ أنَّهُمْ أمانٌّ لأهلِ تلكَ البلدةِ ،
ولا يعذِّبُ اللهُ تعالى قوماً هُمْ فِيهِمْ، الأرضُ بهِمْ فرحةٌ ، والجبَّارُ عنهُمْ
راضٍ ، اتخذْهُمْ لنفسِكَ إخواناً ؛ عسى أنْ تنجوَ بهِمْ، وإن استطعتَ أنْ
يأتيَكَ الموتُ وبطنُكَ جائعٌ وكبدُكَ ظمآنُ .. فافعلْ ؛ فإنَّكَ تدركُ بذلكَ
شرفَ المنازلِ، وتحلُّ معَ النبيِّينَ ، وتفرحُ بقدوم روحِكَ الملائكةُ ،
ويصلِّي عليكَ الجبّارُ))(١) .
(١) كذا في ((القوت)) (١٦٥/٢)، وفيه قال: ( وروينا في حديث أسامة بن زيد
وأبي يزيد الطويل ، اختصرته ... ) وذكر ما نقله المصنف عنه هنا ، والحديث رواه
الحارث بن أسامة في ((مسنده)) ( ٣٤٧)، والخطيب في (( الزهد)) ( ٩٦ )، وابن
عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٨/ ٧٥) من طريق الخطيب البغدادي ، وقال في آخره :
( ورويت هذه الوصية عن محمد بن علي مرسلة ، وعن ابن عباس من وجه أعلى من
هذا ) .
ـجن.
والفلق : جمع فلقة ، وهي كسرة الخبز، وفي (ب): ( العلق ) بدل ( الفلق ) ،
وعليه مشى الحافظ الزبيدي (٣٨٨/٧)، وهو جمع عُلْقة ؛ ما يتبلَّغ به من العيش،
وكلا المعنيين مناسب .
٢٨٩
حق حن

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
وروى الحسنُ عنْ أبي هريرةَ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ :
((البسوا الصوفَ، وشمِّروا، وكلوا في أنصافِ البطونِ .. تدخلوا في
ملكوتِ السماءِ ))(١) .
ے
وقالَ عيسىُ عليهِ السلامُ : ( يا معشرَ الحواريينَ ؛ أجيعوا أكبادَكُمْ،
وأعروا أجسادَكُمْ؛ لعلَّ قلوبَكُمْ ترى اللهَ عزَّ وجلَّ)(٢).
ورُوِيَ ذلكَ أيضاً عنْ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، رواهُ طاووسٌ(٣).
ك
٣٠٠٠
وقيلَ : ( مكتوبٌ في التوراةِ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لِيَبغضُ الحبْرَ
السمينَ)(٤)؛ لأنَّ السمنَ يدلُّ على الغفلةِ وكثرةِ الأكلِ ، وذلكَ قبيحٌ ،
خصوصاً بالحبْرِ .
(١) كذا في ((القوت)) (١٦٧/٢)، والحديث عند الديلمي في ((مسند الفردوس))
(٣٣٨ ) .
(٢) كذا في ((القوت)) (١٦٧/٢)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ٣٧٠) عن مالك بن
دينار بلاغاً .
(٣) إذ قال صاحب ((القوت)) (١٦٧/٢): (وقد رواه عبد الرحمن بن يحيى الأسود عن
طاووس ، رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وكذا أورده مرفوعاً الخركوشي
في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٢٦١).
(٤) روى ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٣٣٣/٧/٥) عن سعيد بن جبير قال: جاء
رجل من اليهود يقال له : مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ؛ أما تجد في
التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟)) وكان حبراً سميناً ، فغضب فقال : والله ؛
ما أنزل الله على بشر من شيء ... الخبر .
ـون
٢٩٠

ربع المهلكات
2, 9
٤٠
کتاب كسر الشهوتين
ولأجلِهِ قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إنَّ اللهَ تعالى يبغضُ القارىءَ
السمينَ مِنَ الشبعِ)(١) .
حن .
وفي خبرٍ مرسلٍ : (( إنَّ الشيطانَ ليجري مِنِ ابنِ آدمَ مجرى الدّمِ ،
فضيِّقُوا مجاريَهُ بالجوعِ والعطشِ)) (٢).
وفي الخبرِ : ( إنَّ الأكلَ على الشبع يورثُ البرصَ)(٣).
حن
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((المؤمنُ يأكلُ في مِعِىّ واحدٍ ، والمنافقُ
يأكلُ في سبعةِ أمعاءٍ )) (٤) ، أيْ: يأكلُ سبعةَ أضعافِ ما يأكلُ المؤمنُ ، أوْ
تكونُ شهوتُهُ سبعةَ أضعافِ شهوتِهِ ، وذكرُ المعاءِ كنايةٌ عنِ الشهوةِ ؛ لأنَّ
الشهوةَ هيَ التي تقبلُ الطعامَ وتأخذُهُ كما يأخذُهُ المِعَى ، وليسَ المعنى زيادةً
عددٍ مِعَى المنافقِ على مِعَى المؤمنِ .
وروى الحسنُ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالَتْ : سمعتُ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((أديموا قرْعَ بابِ الجنَّةِ .. يُفتحْ لكُمْ))،
(١) قوت القلوب (١٦٨/٢).
(٢) قوت القلوب (١٦٨/٢)، وهو من مرسلات الحسن كما هو عند الخركوشي في
((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٣) والشطر الأول منه رواه البخاري (٢٠٣٨)، ومسلم
(٢١٧٤) مرفوعاً .
(٣) قوت القلوب (١٦٨/٢)، وكل من المصنف وأبي طالب رحمهما الله تعالى لم
يرفعه .
(٤) رواه البخاري ( ٥٣٩٣)، ومسلم ( ٢٠٦٠).
٢٩١
ـون

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
قلتُ: وكيفَ نديمُ قرْعَ بابِ الجنةِ؟ قالَ: ((بالجوع والظمأِ)) (١).
ورُوِيَ أنَّ أبا جُحَيْفَةَ تجثَّأَ في مجلسٍ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فقالَ لهُ : ((أقصرْ مِنْ جُشائِكَ؛ فإنَّ أطولَ الناسِ جوعاً يومَ القيامةِ أكثرُهُمْ
شبعاً في الدنيا))(٢).
6
وكانَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها تقولُ : إِنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
لمْ يمتلىءْ قطُّ شبعاً، وربَّما بكيتُ رحمةً لهُ ممَّا أرى بهِ مِنَ الجوع ، فأمسحُ
بطنَهُ بيدي ، وأقولُ: نفسي لكَ الفداءُ ، لوْ تبلَّغْتَ مِن الدنيا بقدرِ ما يقوتُكَ
ويمنعُكَ مِنَ الجوع؟ فيقولُ: (( يا عائشةُ؛ إخواني مِنْ أولي العزْمِ مِنَ
الرسلِ قدْ صبروا على ما هوَ أشدُّ مِنْ هذا ، فمضوا على حالِهِمْ ، فقدموا
علىُ ربِّهِمْ، فأكرمَ مَآبَهُمْ ، وأجزلَ ثوابَهُمْ، فأجدُني أستحيي إنْ ترفَّهْتُ في
معيشتي أنْ يقصُرَ بِي غداً دونَهُمْ ، فالصبرُ أياماً يسيرةً أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ ينقصَ
حظّي غداً في الآخرةِ ، وما مِنْ شيءٍ أحبّ إليَّ مِنَ اللحوقِ بأصحابي
وإخواني ))، قالَتْ عائشةُ: فواللهِ؛ ما استكملَ بعدَ ذلكَ جمعةُ حتَّى
قبضَهُ اللهُ إليهِ)) (٣).
٩٠
(١) قوت القلوب (١٧١/٢).
(٢) رواه الترمذي ( ٢٤٧٨)، وابن ماجه (٢٣٥٠) عن ابن عمر يذكر رجلاً ، ورواه عن
أبي جحيفة الخركوشيُّ في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٥٩)، والبيهقي في (( الشعب))
( ٥٢٥٤ ) .
(٣) كذا أورده القاضي عياض في ((الشفا)) (ص ١٨٧ ) بنحوه ، وقد روى ابن أبي حاتم في
((تفسيره)) ( ١٨٥٨٣)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي وآدابه)) (٨٠٦) عنها قالت : =
٢٩٢

ربع المهلكات
جوع
حـ
کتاب كسر الشهوتين
X
وعنْ أنسِ قالَ : جاءَتْ فاطمةُ رضوانُ اللهِ عليها بكسرة خبزٍ إلى
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: (( ما هذهِ الكسرةُ؟)) قالَتْ:
قرصٌ خبزتُهُ ، ولمْ تطبْ نفسي حتَّى أتيتُكَ منهُ بهذهِ الكسرةِ ، فقالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أما إنَّهُ أوَّلُ طعامٍ دخلَ فمَ أبيكِ منذُ ثلاثةِ أيامٍ »(١) .
وقالَ أبو هريرةَ : ( ما أشبعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أهلَهُ ثلاثةَ أيامٍ
تباعاً مِنْ خبزِ الحنطةِ حتَّى فارقَ الدنيا )(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أهلَ الجوع في الدنيا هُمْ أهلُ الشبع في
الآخرةِ ، وإنَّ أبغضَ الناسِ إلى اللهِ المتخمونَ الملأى ، وما تركَ عبدٌ أكلةٌ
يشتهيها إلا كانَتْ لهُ درجةً في الجنةِ)) (٣).
= ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً ثم طواه ، ثم ظل صائماً ثم طواه ، ثم ظل
صائماً ، قال: (( يا عائشة ؛ إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد ، يا عائشة ؛
إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها ، والصبر عن
محبوبها ، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: ﴿فَأَصْبِرِ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ
مِنَ الرُّسُلِ﴾، وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي، ولا قوة إلا بالله)).
(١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٤٤/١)، وأحمد في ((المسند)) (٢١٣/٣)،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩٩٤٥).
(٢) رواه مسلم ( ٢٩٧٦) .
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٤) عن عكرمة مرسلاً ، وهو إلى
قوله: (في الآخرة) قد رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٦٧/١١)، وأبو نعيم في
«الحلية)) ( ٣٤٥/٣) عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً.
٢٩٣
جر
بان:

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إِيَّاكُمْ والبطنةَ ؛ فإنَّها ثقلٌ في الحياةِ نتنٌ
في المماتِ )(١) .
وقالَ شقيقُ البلخيُّ : ( العبادةُ حرفةٌ، حانوتُها الخلوةُ، وآلتُها
المجاعةٌ)(٢).
وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ إذا امتلأَتِ المعدةُ .. نامَتِ الفكرةُ،
وخرسَتِ الحكمةُ، وقعدَتِ الأعضاءُ عنِ العبادةِ )(٣).
وكانَ الفضيلُ بنُ عياضٍ يقولُ لنفسِهِ : ( أيَّ شيءٍ تخافينَ ؟ أتخافينَ أنْ
تجوعي ؟ لا تخافي ذلكِ ، أنتِ أهونُ على اللهِ مِنْ ذلكِ، إنَّما يجوعُ محمدٌ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابُهُ ) .
وكانَ كَهْمَسُ يقولُ : ( إلهي ؛ أجعتَي وأعريتَني ، وفي ظلمِ الليالي بلا
مصباحٍ أجلستَي ، فبأيِّ وسيلةٍ بلَّغْتَي ما بلَّغْتَني؟! )(٤).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الجوع)) (٨١) بلفظ: ( أيها الناس ؛ إياكم والبطنة من
الطعام ؛ فإنها مكسلة عن الصلاة ، مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، وإن الله تبارك
وتعالى يبغض الحبر السمين ... ).
(٢) رواه الأزدي في ((طبقات الصوفية)) ( ص ٩٩).
(٣) أورده التوحيدي في ((الإمتاع والمؤانسة)) ( ص ٤٨٨).
(٤) نسبه الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٣٩٢/٧) لصاحب ((القوت)).
٢٩٤

ربع المهلكات
کتاب کسر الشهوتين
ـان
وكانَ فتحُّ الموصليُّ إذا اشتدَّ مرضُهُ وجوعُهُ .. يقولُ: ( إلهي ؛
ابتليتَي بالمرضِ والجوع ، وكذلكَ تفعلُ بأوليائِكَ ، فبأيِّ عملٍ أؤدِّي شكرَ
ما أنعمتَ بهِ عليَّ؟!)(١).
وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : قلتُ لمحمدِ بنِ واسع : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ طوبى
لمَنْ كانَتْ لهُ غُلَيْلٌ تقوتُهُ وتغنيهِ عنِ الناسِ ، فقالَ لي : يا أبا يحيى ؛ طوبى
لمَنْ أَمسى وأصبحَ جائعاً وهوَ عنِ اللهِ راضٍ (٢).
وكانَ الفضيلُ بنُ عياضٍ يقولُ : ( إلهي ؛ أجعتَي وأجعتَ عيالي ،
وتركتَي في ظلمِ الليلِ بلا مصباح، وإنَّما تفعلُ هذا بأوليائِكَ ، فبأيِّ منزلةٍ
نلتُ هذا منكَ؟!)(٣).
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : ( جوعُ الراغبينَ منبهةٌ ، وجوعُ التائبينَ تجرِبةٌ ،
وجوعُ المجتهدينَ كرامةٌ ، وجوعُ الصابرينَ سياسةٌ ، وجوعُ الزاهدينَ
حكمةٌ )(٤) .
حسـ
وفي التوراةِ : ( اتقِ اللهَ، وإذا شبعتَ .. فاذكرِ الجياعَ).
(١) نسبه الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٣٩٢/٧) لصاحب ((القوت)).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٦) بنحوه .
(٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٩٤) ، وأورده الخركوشي في
((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٣ ).
(٤) أورده الطوسي في ((اللمع)) (ص ٢٦٩)، والقشيري في (( رسالته)) (ص ٢٥٩) عنه
بنحوه .
٢٩٥

کتاب کسر الشهوتين
ربع المهلكات
وقالَ أبو سليمانَ : ( لأنْ أتركَ لقمةٌ مِنْ عشائي أحبُّ إليَّ مِنْ قيامِ ليلةٍ
إلى الصبحِ)(١) .
وقال أيضاً : ( الجوعُ عندَ اللهِ في خزائنِهِ، لا يعطيهِ إلا لمَنْ أحبَّهُ)(٢).
وكانَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التستريُّ يطوي نيفاً وعشرينَ يوماً لا يأكلُ ، وكانَ
يكفيهِ لطعامِهِ في السنةِ درهمٌ، وكانَ يعظّمُ الجوعَ ويبالغُ فيهِ ، حتَّى قَالَ :
( لا يوافي القيامةَ عملُ برِّ أفضلُ مِنْ ترْكِ فضولِ الطعام ، والاقتداءِ بالنبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في أكلِهِ )(٣) .
وقالَ : ( لمْ يرَ الأكياسُ شيئاً أنفعَ مِنَ الجوعِ للدنيا والدينِ ) .
وقالَ : ( لا أعلمُ شيئاً أضرَّ على طلابِ الآخرةِ مِنَ الأكلِ ) .
وقالَ : ( وُضعَتِ الحكمةُ والعلمُ في الجوع، ووُضعَتِ المعصيةُ
والجهلُ في الشبع )(٤) .
وقالَ : ( ما عُبدَ اللهُ بشيءٍ أفضلَ مِنْ مخالفةِ الهوى في تركِ الحلالِ ،
(١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٩٢٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ١٢٩/٣٤ ) .
(٢) هو عند الطوسي في ((اللمع)) (ص ٢٦٩)، وقد رواه أبو نعيم في (( الحلية ))
(٢٧٨/٩ ) .
(٣) هو ضمن خبر أورده القشيري في (( رسالته)) ( ص٦٥).
(٤) رواه القشيري في (( رسالته)) (ص ٢٥٩) .
٢٩٦

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
وقد جاءَ في الحديثِ: ((ثلثٌ للطعام))، فمَنْ زادَ عليهِ .. فإنَّما يأكلُ مِنْ
حسناتِهِ ) .
ـحة
وسُئِلَ عنِ الزيادةِ ، فقالَ: ( لا يجدُ الزيادةَ حتَّى يكونَ التركُ أحبَّ إليهِ
مِنَ الأكلِ ، ويكونَ إذا جاعَ ليلةً .. سألَ اللهَ أنْ يجعلَها ليلتين، فإذا كانَ
ذلكَ .. وجدَ الزيادةَ ) .
وقالَ : ( ما صارَ الأبدالُ أبدالاً إلا بإخماصِ البطونِ ، والصمتِ والسهرِ
والخلوةِ )(١) .
وقالَ: (رأسُ كلِّ برِّ مُنزلٍ مِنَ السماءِ إلى الأرضِ الجوعُ، ورأسُ كلِّ
فجورٍ بينَهُما الشبعُ)(٢) .
وقالَ : ( مَنْ جوَّعَ نفسَهُ .. انقطعَتْ عنهُ الوساوسُ)(٣).
وقالَ : ( إقبالُ اللهِ عزَّ وجلَّ على العبدِ بالجوع والسقمِ والبلاءِ إِلا مَنْ
شاءَ اللهُ)(٤) .
وقالَ : ( اعلموا أنَّ هذا زمانٌ لا ينالُ أحدٌ فيهِ النجاةَ إلا بذبحِ
(١) قوت القلوب (٩٥/١) .
(٢) روى بعضه ابن أبي الدنيا في ((الجوع)) (٩٣) عن يوسف بن أسباط ، وبعضه عند
الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٢) عن سهل رحمه الله تعالى .
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٧) بلفظ : ( من جوع نفسه .. لم
يقربه الشيطان بإذن الله عز وجل ) .
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٦).
٢٩٧
مدن.
$
حن.

کتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
نفسِهِ وقتلِها بالجوع والصبرِ والجهدٍ )(١).
وقالَ : ( ما مرَّ على وجهِ الأرضِ أحدٌ شربَ مِنْ هذا الماءِ حتَّى رويَ
فسلمَ مِنَ المعصيةِ وإنْ شكرَ اللهَ تعالى ، فكيفَ الشبعُ مِنَ الطعام ؟! ) .
وسُئلَ حكيمٌ : بأيِّ قيدٍ أقيّدُ نفسي ؟ قالَ: ( قَيِّدْها بالجوع والعطشِ ،
وذلِّلْها بإخمالِ الذكرِ وتركِ العزِّ ، وصغِّرْها بوضعِها تحتَ أرجلِ أبناءٍ
الآخرةِ ، واكسرْها بتركِ زيِّ القرَّاءِ عنْ ظاهرِها ، وانجُ مِنْ آفاتِها بدوامٍ سوءِ
الظنِّ بها ، واصحبْها بخلافٍ هواها ) .
وكانَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ يقسمُ باللهِ تعالى أنَّ اللهَ تعالى ما صافى أحداً إلا
بالجوع ، ولا مشوا على الماءِ إلا بالجوع، ولا طُوَيَتْ لَهُمُ الأرضُ إلا
بالجوعِ ، ولا والاهُمُ اللهُ تعالىُ إِلا بالجوعِ(٢).
من
وقالَ أبو طالبٍ المكيُّ : (مثلُ البطْنِ مثلُ المِزهرِ ، وهوَ العودُ المجوَّفُ
ذو الأوتارِ ، إنَّما حسنَ صوتُهُ لخفَّتِهِ ورقَّتِهِ ، ولأنَّهُ أجوفُ غيرُ ممتلىءٍ ،
وكذلكَ الجوفُ إذا خلا .. كانَ أعذبَ للتلاوةِ ، وأدومَ للقيامِ ، وأقلَّ
للمنامِ )(٣) .
ـحن
وقالَ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المزنيُّ : ( ثلاثةٌ يحبُّهُمُ اللهُ تعالى: رجلٌ قليلُ
ـحن
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠١/١٠).
(٢) رواه أبو طالب في ((القوت)) (١٧١/٢).
(٣) قوت القلوب (٢/ ١٧٤) بنحوه .
٢٩٨
ثن كن حن حو حن

ربع المهلكات
كتاب كسر الشهوتين
الأكلِ ، قليلُ النومِ ، قليلُ الراحةِ )(١) .
ورُوِيَ أنَّ عيسىُ عليهِ السلامُ مكثَ يناجي ربَّهُ ستينَ صباحاً لمْ يأكلْ ،
فخطرَ ببالِهِ الخبزُ ، فانقطعَ عنِ المناجاةِ ، فإذا رغيفٌ موضوعٌ بينَ يديهِ ،
فجلسَ يبكي لفقدِ المناجاةِ، وإذا شيخٌ قدْ أظلَّهُ ، فقالَ لهُ عيسى: باركَ اللهُ
فيكَ يا وليَّ اللهِ ؛ ادعُ اللهَ تعالى لي ، فإنِّي كنتُ في حالةٍ ، فخطرَ ببالي
الخبزُ، فانقطعَتْ عنِّي ، فقالَ الشيخُ : اللهمَّ؛ إنْ كنتَ تعلمُ أنَّ الخبزَ خطرَ
بيالي منذُ عرفتُكَ .. فلا تغفرْ لي، بلْ كانَ إذا حضرَ لي شيءٌ .. أكلتُهُ مِنْ
غيرِ فكرٍ وخاطرٍ (٢).
2
ورُوِيَ أنَّ موسى عليهِ السلامُ لمَّا قَرَّبَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ نجيّاً .. كانَ قدْ تركَ
الأكلَ أربعينَ يوماً ، ثلاثينَ ثمَّ عشراً على ما وردَ بهِ القرآنُ ؛ لأنهُ أمسكَ بغيرِ
تبييتٍ يوماً ، فزيدَ عشرةَ لأجلِ ذلكَ(٣).
٠٢٨
25. 95. . 06.
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٤).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٧).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٦٧) ، وصومه عليه الصلاة والسلام
الأربعين وسر ذلك مبثوث بكتب التفسير، وانظر ((عوارف المعارف)) (٣٥٦/١)،
وفيه قال العلامة السهروردي : ( ولم يكن صوم موسى عليه السلام ترك الطعام بالنهار
وأكله بالليل ، بل طوى الأربعين من غير أكل ، فدل على أن خلو المعدة من الطعام
أصل كبير في الباب ، حتى احتاج موسى إلى ذلك مستعداً به لمكالمة الله تعالى) .
قام
٢٩٩
ـمن
-من

كتاب كسر الشهوتين
ربع المهلكات
بيان فوائد الجوع وآفات الشيع
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( جاهدُوا أَنفسَكُمْ بالجوعِ
والعطشِ ؛ فإنَّ الأجرَ في ذلكَ))(١) .
ولعلَّكَ تقولُ : هذا الفضلُ العظيمُ للجوعِ مِنْ أينَ هوَ؟ وما سببُهُ وليسَ
فيهِ إلا إيلامُ المعدةِ ومقاساةُ الأذى ؟ فإنْ كانَ كذلكَ .. فينبغي أنْ يعظمَ
الأجرُ في كلِّ ما يتأذَّى بهِ الإنسانُ ؛ مِنْ ضربِهِ لنفسِهِ ، وقطعِهِ للحمِهِ ،
وتناولِهِ الأشياءَ المكروهةَ ، وما يجري مجراهُ .
فاعلمْ : أنَّ هذا يضاهي قولَ مَنْ شربَ دواءً فانتفعَ بهِ فظنَّ أنَّ منفعتَهُ
لمرارةِ الدواءِ وكراهيتِهِ ، فأخذَ يتناولُ كلَّ ما هوَ مكروهٌ مِنَ المذاقِ ، وهوَ
غلطِّ ، بلْ نفعُهُ في خاصِّيَّةٍ مِنَ الدواءِ ، وليسَ لكونِهِ مرّاً ، وإنَّما يقفُ على
تلكَ الخاصِّيَّةِ الأطباءُ ، فكذلكَ لا يقفُ على علَّةِ نفع الجوع إلا سماسرةُ
العلماءِ .
ـكن
ومَنْ جوَّعَ نفسَهُ مصدِّقاً لما جاءَ في الشرعِ مِنْ مدحِ الجوعِ .. انتفعَ بهِ
وإنْ لمْ يعرفْ علََّ المنفعةِ؛ كما أنَّ مَنْ شربَ الدواءَ .. انتفعَ وإنْ لمْ يعلمْ
(١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). («إتحاف)) (٣٨٦/٧). وروى أبو نعيم
في ((الحلية)) (١٨١/٥) عن مكحول: ( أفضل العبادة بعد الفرائض الجوع
والظمأ ) .
ـتن
٣٠٠
من مان حن