النص المفهرس

صفحات 261-280

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
والوقاحةَ وشرهَ الطعام واللباسِ والتزيّنَ والتفاخرِ .. نبا قلبُهُ عنْ قبولِ الحقِّ
نبوةً الحائطِ عنِ الطينِ اليابسِ .
فأوائلُ الأمورِ هيَ التي ينبغي أنْ تُراعى ؛ فإنَّ الصبيَّ بجوهرِهِ خُلِقَ قابلاً
للخيرِ والشرِّ جميعاً، وإنَّما أبواهُ يميلانِ به إلى أحدِ الجانبينِ، قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: ((كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ ، وإنَّما أبواهُ يهوِّدانِهِ وينصِّرانِهِ
ويمجِّسانِهِ))(١) .
قالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ : كنتُ وأنا ابنُ ثلاثٍ سنينَ أقومُ بالليلِ ،
فأنظرُ إلى صلاةِ خالي محمدِ بنِ سوارٍ ، فقالَ لي يوماً : ألا تذكرُ اللهَ الذي
خلقَكَ ؟ فقلتُ : كيفَ أذكرُهُ ؟ قالَ : قُلْ بقلبكَ عندَ تقلُبُكَ في ثيابِكَ ثلاثَ
مرَّاتٍ مِنْ غيرِ أنْ تحرِّكَ بهِ لسانَكَ: ( اللهُ معي ، اللهُ ناظرٌ إليَّ، الله
شاهدي ) ، فقلتُ ذلكَ لياليَ ، ثمَّ أعلمتُهُ، فقالَ: قُلْ في كلِّ ليلةٍ سبعَ
مرَّاتٍ ، فقلتُ ذلكَ ، ثمَّ أعلمتُهُ، فقالَ : قُلْ ذلكَ كلَّ ليلةٍ إحدى عشرةَ
مرَّةٌ ، فقلتُهُ ، فوقعَ في قلبي حلاوتُهُ .
فلمَّا كانَ بعدَ سنةٍ .. قالَ لي خالي: احفظْ ما علَّمتُكَ، ودُمْ عليهِ إلى
أنْ تدخلَ القبرَ ؛ فإنَّهُ ينفعُكَ في الدنيا والآخرةِ ، فلمْ أزلْ على ذلكَ سنينَ ،
فوجدتُ لهُ حلاوةَ في سرِّي ، ثمَّ قالَ لي خالي يوماً : يا سَهْلُ؛ مَنْ كانَ اللهُ
(١) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨)، واللام في قوله : ( الفطرة ) للعهد ،
والمعهود : فطرة الله التي فطر الناس عليها ؛ أي : الخلقة التي خلق الناس عليها من
الاستعداد لقبول الدين والتهيؤ للتمييز بين الخطأ والصواب. ((إتحاف)) (٢٣٣/٧).
٢٦١
ـن
ـن
٨٠٠

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
حز
معَهُ ، وهوَ ناظرٌ إليهِ، وشاهدُهُ .. يعصيهِ؟! إِيَّاكَ والمعصيةَ.
فكنتُ أخلو بنفسي ، فبعثوا بي إلى المكتبِ ، فقلتُ : إنِّي لأخشى أنْ
يتفرَّقَ عليَّ همِّ ، ولكنْ شارطوا المعلِّمَ أني أذهبُ إليهِ ساعةً فأتعلَّمُ ، ثمَّ
أرجعُ ، فمضيتُ إلى الكتَّابِ ، وحفظتُ القرآنَ وأنا ابنُ ستِّ سنينَ أوْ سبعِ
سنينَ ، وكنتُ أصومُ الدهرَ ، وقُوتي مِنْ خبزِ الشعيرِ اثنتي عشرةَ سنةً ،
فوقعَتْ لي مسألةٌ وأنا ابنُ ثلاثَ عشرةَ سنةٌ ، فسألتُ أهلي أن يبعثوا بي إلى
أهلِ البصرةِ لأسألَ عنها ، فأتيتُ البصرةَ ، فسألتُ علماءَها ، فلمْ يشفِ أحدٌ
عنِّي شيئاً ، فخرجتُ إلى عبَّادانَ إلى رجلٍ يُعرفُ بأبي حبيبٍ حمزةَ ابنِ
أبي عبدِ اللهِ العبَّادانيِّ، فسألتُهُ عنها، فأجابَني، فأقمتُ عندَهُ مدَّةٌ أنتفعُ
بكلامِهِ ، وأتأذَّبُ بآدابِهِ .
ثُمَّ رجعتُ إلى تُسْتَرَ ، فجعلتُ قُوتي اقتصاداً على أنْ يُشترى لي بدرهمٍ
مِنَ الشعيرِ الفرقَ ، فيُطحنَ ويُخبزَ لي، فأفطرَ عندَ السحرِ على أوقيَّةٍ كلَّ ليلةٍ
بحتاً بغيرِ ملح ولا أَدْم ، فكانَ يكفيني ذلكَ الدرهمُ سنةٌ ، ثمَّ عزمتُ على أنْ
أطويَ ثلاثَ ليالٍ ثمَّ أفطرَ ليلةً، ثمَّ خمساً، ثمَّ سبعاً، ثمَّ خمساً وعشرينَ
ليلةً ، فكنتُ على ذلكَ عشرينَ سنةً ، ثمَّ خرجتُ أسيحُ في الأرضِ سنينَ ،
ثُمَّ رجعتُ إلى تُسْتَرَ ، وكنتُ أقومُ الليلَ كلَّهُ(١).
(١) أورد هذا الخبر بتمامه القشيريُّ في ((رسالته)) (ص٦٥).
قى.
٢٦٢
ٹن.
02

ربع المهلكات
کتاب رياضة النفس
بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة
وتدريج المريد في سلوك سبيل الرياضة
اعلمْ : أنَّ مَنْ شاهدَ الآخرةَ بقلبهِ مشاهدةَ يقينٍ .. أصبحَ بالضرورةِ مريداً
حرْثَ الآخرةِ ، مشتاقاً إليها ، سالكاً سُبُلَها ، مستهيناً بنعيم الدنيا ولذَّاتِها ؛
فإنَّ مَنْ كانَتْ معَهُ خرزةٌ فرأى جوهرةً نفيسةً .. لمْ تبقَ لهُ رغبةٌ في الخرزةِ ،
وقويَتْ إرادتُهُ في بيعِها بالجوهرةِ .
ومَنْ ليسَ مريداً حرْثَ الآخرةِ ، ولا طالباً للقاءِ اللهِ تعالى .. فهوَ لعدم
إيمانِهِ باللهِ واليوم الآخرِ ، ولستُ أعني بالإيمانِ حديثَ النفسِ وحركةَ اللسانِ
بكلمتي الشهادةِ مِنْ غيرِ صدْقٍ وإخلاصٍ ؛ فإنَّ ذلكَ يضاهي قولَ مَنْ صدَّقَ
بأنَّ الجوهرةَ خيرٌ مِنَ الخرزةِ إلا أنَّهُ لا يدري مِنَ الجوهرةِ إلا لفظَها، وأمَّا
حقيقتُها .. فلا ، ومثلُ هذا المصدِّقِ إذا ألفَ الخرزةَ قدْ لا يتركُها ،
ولا يعظُمُ اشتياقُهُ إلى الجوهرةِ .
فإذاً ؛ المانعُ مِنَ الوصولِ عدمُ السلوكِ ، والمانعُ مِنَ السلوكِ عدمُ
الإرادةِ ، والمانعُ مِنَ الإرادةِ عدمُ الإيمانِ ، وسببُ عدم الإيمانِ عدمُ الهداةِ
والمذكِّرِينَ ، والعلماءِ باللهِ تعالى الهادينَ إلى طريقِهِ ، والمنبِّهينَ على حقارةِ
الدنيا وانقراضِها ، وعظم أمرِ الآخرةِ ودوامِها ، فالخلقُ غافلونَ قدِ انهمكوا
٢٦٣

کتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
في شهواتِهِمْ، وغاصوا في رقدتِهِمْ ، وليسَ في علماءِ الدينِ مَنْ ينبِّهُهُمْ ،
فإنْ تنبََّ منهُمْ متنبّةٌ .. عجزَ عنْ سلوك الطريقِ لجهلِهِ ، فإنْ طلبَ الطريقَ مِنَ
العلماءِ .. وجدَهُمْ مائلينَ إلى الهوى ، عادلينَ عنْ نهج الطريقِ ، فصارَ
ضعفُ الإرادةِ والجهلُ بالطريقِ ونطقُ العلماءِ بالهوى سبباً لخلوِّ طريقِ اللهِ
تعالى عنِ السالكينَ فيهِ .
ومهما كانَ المطلوبُ محجوباً ، والدليلُ مفقوداً ، والهوى غالباً ،
والطالبُ غافلاً .. امتنعَ الوصولُ، وتعطَّلَتِ الطرقُ لا محالةً .
فإنْ تنبَّهَ متنبّةٌ مِنْ نفسِهِ ، أَوْ مِنْ تنبيهِ غيرِهِ ، وانبعثَ لهُ إرادةٌ في حرْثٍ
الآخرةِ وتجارتِها .. فينبغي أنْ يعلمَ أنَّ لهُ شروطاً لا بدَّ مِنْ تقديمِها في بدايةِ
الإرادةِ ، ولهُ معتصَمٌ لا بدَّ مِنَ التمشُّكِ بهِ ، ولهُ حصْنٌ لا بدَّ مِنَ التحصُّنِ
بهِ ؛ ليأمنَ مِنَ الأعداءِ القطّاعِ لطريقِهِ ، ولهُ وظائفُ لا بدَّ مِنْ ملازمتِها في
وقتٍ سلوكِ الطريقِ .
أمّا الشروطُ التي لا بدَّ مِنْ تقديمِها في الإرادةِ : فهيَ رفعُ السدِّ والحجابِ
الذي بينَهُ وبينَ الحقِّ ، فإنَّ حرمانَ الخلقِ عنِ الحقِّ سببُهُ تراكمُ الحجُبِ ،
ووقوعُ السّدِّ على الطريقِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ
خَلْفِهِمْ سَدَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ .
والسدُّ بينَ المريدِ وبينَ الحقِّ أربعةٌ: المالُ، والجاهُ، والتقليدُ،
والمعصيةُ .
عنسسـ
٢٦٤
جن حن حن حن حن
جن جن

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
وإنَّما يرتفعُ حجابُ المالِ بخروجِهِ عنْ ملكِهِ ، حتَّى لا يبقى لهُ إلا قدْرُ
الضرورةِ ، فما دامَ يبقى لهُ درهمٌ يلتفتُ إليهِ قلبُهُ .. فهوَ مقيَّدٌ بهِ ، محجوبٌ
عنِ اللهِ تعالى .
وإنَّما يرتفعُ حجابُ الجاهِ بالبعدِ عنْ موضع الجاهِ ، وبالتواضعِ وإيثارٍ
الخمولِ ، والهربِ مِنْ أسبابِ الذكرِ ، وتعاطي أعمالٍ تنفِّرُ قلوبَ الخلقِ
عنهُ .
وإنَّما يرتفعُ حجابُ التقليدِ بأنْ يتركَ التعصُّبَ للمذاهبِ ، وأنْ يصدِّقَ
بمعنىُ قولِهِ : ( لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ ) تصديقَ إيمانٍ ،
ويحرصَ في تحقيقِ صدقِهِ بأنْ يرفعَ كلَّ معبودٍ لهُ سوى اللهِ تعالى ، وأعظمُ
معبودٍ لهُ الهوى ، حتَّى إذا فعلَ ذلكَ .. انكشفَ لهُ حقيقةُ الأمرِ في معنى
اعتقادِهِ الذي تلقَّفَهُ تقليداً ، فينبغي أنْ يطلبَ كشفَ ذلكَ مِنَ المجاهدةِ ،
لا مِنَ المجادلةِ ، فإنْ غلبَ عليهِ التعصُّبُ لمعتقدِهِ ، ولمْ يبقَ في نفسِهِ متسعٌ
لغيرِهِ .. صارَ ذلكَ قيداً لهُ وحجاباً؛ إذْ ليسَ مِنْ شرطِ المريدِ الانتماءُ إلى
مذهبٍ معيَّنِ أصلاً .
وأمَّا المعصيةُ .. فهيَ حجابٌ، ولا يرفعُها إلا التوبةُ والخروجُ مِنَ
المظالمِ ، وتصميمُ العزْمِ على ترْكِ العَوْدِ ، وتحقيقُ الندم على ما مضى ،
وردُّ المظالمِ ، وإرضاءُ الخصومِ ؛ فإنَّ مَنْ لمْ يصححِ التوبةَ ، ولمْ يهجرٍ
المعاصيّ الظاهرةَ ، وأرادَ أنْ يقفَ على أسرارِ الدينِ بالمكاشفةِ .. كانَ كمَنْ
٢٦٥

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
يريدُ أنْ يقفَ على أسرارِ القرآنِ وتفسيرِهِ وهوَ بعدُ لمْ يتعلَّمْ لغةَ العربِ ؛ فإنَّ
ترجمةً غريبِ القرآنِ لا بدَّ مِنْ تقديمِها أوَّلاً، ثمَّ الترقِّي منها إلى أسرارِ
معانيهِ ، فكذلكَ لا بدَّ مِنْ تصحيح ظاهرِ الشريعةِ أوَّلاً وآخراً ، ثمَّ الترقِّي إلى
أغوارِها وأسرارِها .
فإذا قدَّمَ هذهِ الشروطَ الأربعةَ، وتجرَّدَ عنِ المالِ والجاهِ .. كانَ كمَنْ
تطهّرَ وتوضَّأَ ورفعَ الحدثَ ، وصارَ صالحاً للصلاةِ ، فيحتاجُ إلى إمامِ يقتدي
بهِ ، فكذلكَ المريدُ يحتاجُ إلى شيخ وأستاذٍ يقتدي بهِ لا محالةَ ؛ ليهدیَهُ إلى
سواءِ السبيلِ ؛ فإنَّ سبيلَ الدينِ غامضٌ ، وسبلَ الشيطانِ كثيرةٌ ظاهرةٌ ، فمَنْ
لمْ يكنْ لهُ شيخٌ يهديهِ .. قادَهُ الشيطانُ إلى طرقِهِ لا محالةً ، فمَنْ سلكَ سبلَ
البوادي المهلكةَ بغيرِ خفيرٍ . . فقدْ خاطرَ بنفسِهِ وأهلكَها .
ويكونُ المريدُ المستقلُّ بنفسِهِ كالشجرةِ التي تنبتُ بنفسِها ؛ فإنَّها تجفُ
على القرْبِ ، وإنْ بقيَتْ مدَّةً وأورقَتْ .. لمْ تثمرْ ، فمعتصمُ المريدِ بعدَ
تقديمِ الشروطِ المذكورةِ شيخُهُ ، فليتمسَّكْ بهِ تمسُّكَ الأعمىُ على شاطىءٍ
النهرِ بالقائدِ ، بحيثُ يفوِّضُ أمرَهُ إليهِ بالكليّةِ ، ولا يخالفُهُ في ورْدٍ
ولا صدْرٍ ، ولا يبقي في متابعتِهِ شيئاً ولا يذرُ ، ويعلمُ أن نفعَهُ في خطأٍ
شيخِهِ لوْ أخطأَ أكثرُ مِنْ نفعِهِ في صوابِ نفسِهِ لوْ أصابَ(١).
حن
(١) وقد نقل الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٩/١) عن الزاهد قطب الدين بن محمد =
٢٦٦

ربع المهلكات
کتاب رياضة النفس
فإذا وجدَ مثلَ هذا المعتصَمِ .. وجبَ على معتصَمِهِ أنْ يحميَهُ ويعصمَهُ
بحصن حصينٍ ، يدفعُ عنهُ قواطعَ الطريقِ ، وهيَ أربعةُ أمورٍ : الخلوةُ ،
والصمتُ ، والجوعُ، والسهرُ، وهذا تحصُّنٌ مِنَ القواطع ؛ فإنَّ مقصودَ
المريدِ إصلاحُ قلبهِ ؛ ليشاهدَ بهِ ربَّهُ ، ويصلحَ لقرِبِهِ .
ـحة.
أمَّا الجوعُ: فإنَّهُ ينقصُ دمَ القلبِ وبيِّضُهُ، وفي بياضِهِ نورُهُ ، ويذيبُ
شحمَ الفؤادِ ، وفي ذوبانِهِ رقَّتُهُ، ورقَّتُهُ مفتاحُ المكاشفةِ ، كما أنَّ قسوتَهُ
سببُ الحجابِ ، ومهما نقصَ دمُ القلبِ .. ضاقَ مسلكُ العدوِّ ؛ فإنَّ مجاريَهُ
العروقُ الممتلئةُ بالشهواتِ .
الأردبيلي قال : ( قال حجة الإسلام : كنت في بداية أمري منكراً لأحوال الصالحين
=
ومقامات العارفين ، حتى صحبت شيخي يوسف النساج بطوس ، فلم يزل يصقلني
بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات ، فرأيت الله في المنام ، فقال لي : يا أبا حامد ؛
قلت : أوَ الشيطان يكلمني ؟ قال : لا ، بل أنا الله المحيط بجهاتك الست ، ثم قال :
يا أبا حامد ؛ ذر مساطرك ، واصحب أقواماً جعلتهم في أرضي محل نظري ، وهم
الذين باعوا الدارين بحبي ، فقلت : بعزتك إلا أذقتني برد حسن الظن بهم ، فقال : قد
فعلت ، والقاطع بينك وبينهم تشاغلك بحب الدنيا ، فاخرج منها مختاراً قبل أن تخرج
منها صاغراً ، فقد أفضت عليك أنواراً من جوار قدسي ، ففز ونل .
فاستيقظت فرحاً مسروراً ، وجئت إلى شيخي يوسف النساج ، فقصصت عليه المنام ،
فتبسم ، فقال : يا أبا حامد ؛ هذه ألواحنا في البداية ، محوناها بأرجلنا ، بل إن
صحبتني .. سيكحل بصر بصيرتك بإثمد التأييد حتى ترى العرش ومن حوله ، ثم
لا ترضى بذلك حتى تشاهد ما لا تدركه الأبصار ، فتصفو من كدر طبيعتك ، وترقى
على طور عقلك ، وتسمع الخطاب من الله تعالى كموسى : إني أنا الله رب العالمين ) .
٢٦٧
ئن
مئز

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
قالَ عيسى عليه السلامُ: ( يا معشرَ الحواريينَ ؛ جوِّعوا بطونَكُمْ، لعلَّ
قلوبَكُمْ ترى ريَّكُمْ)(١) .
وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التستريُّ: ( ما صارَ الأبدالُ أبدالاً إلا بأربع
خصالٍ : بإخماصِ البطونِ ، والسهرِ ، والصمتِ ، والاعتزالِ عنِ
الناسٍ )(٢) .
ففائدةُ الجوع في تنويرِ القلبِ أمرٌ ظاهرٌ ، تشهدُ لهُ التجربةُ ، وسيأتي
بيانُ وجهِ التدريجِ فيهِ في كتابٍ كسرِ الشهوتينِ .
وأمَّا السهرُ : فإنَّهُ يجلو القلبَ، ويصفيهِ وينوِّرُهُ ، فينضافُ ذلكَ إلى
الصفاءِ الذي حصلَ منَ الجوعِ ، فيصيرُ القلبُ كالكوكبِ الدرِّيِّ ، والمرآةِ
المجلوَّةِ ، فيلوحُ فيهِ جمالُ الحقِّ ، ويشاهدُ فيهِ رفيعَ الدرجاتِ في الآخرةِ ،
وحقارةَ الدنيا وآفاتِها ، فتتمُّ بذلكَ رغبتُهُ عنِ الدنيا وإقبالُهُ على الآخرةِ .
والسهرُ أيضاً نتيجةُ الجوعِ ؛ فإنَّ السهرَ معَ الشبعِ غيرُ ممكنٍ ، والنومُ
يقسِّي القلبَ ويميتُهُ ، إلا إذا كانَ بقدْرِ الضرورةِ ، فيكونُ سببَ المكاشفةِ
الأسرارِ الغيبِ ، فقدْ قيلَ في صفةِ الأبدالِ : (إنَّ أكلَهُمْ فاقةٌ، ونومَهُمْ
غلبةٌ ، وكلامَهُمْ ضرورةٌ )(٣).
(١) أورده الإمام أبو طالب في ((القوت)) (٩٥/١)، وكذلك (٦٧/٢) وزاد : ( وقد رواه
عبد الرحمن بن يحيى الأسود عن طاووس رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
(٢) قوت القلوب (٩٥/١).
(٣) قوت القلوب (١٥٤/١).
٢٦٨

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
وقالَ إبراهيمُ الخوَّاصُ رحمهُ اللهُ: ( أجمعَ رأيُ سبعينَ صدِّيقاً على أنْ
كثرةً النومِ مِنْ كثرةِ شرْبِ الماءِ )(١) .
وأمَّا الصمتُ : فإنَّهُ تسهّلُهُ العزلةُ، ولكنِ المعتزلُ لا يخلو عنْ مشاهدةِ
مَنْ يقومُ لهُ بطعامِهِ وشرابِهِ وتدبيرِ أمرِهِ ، فينبغي ألا يتكلّمَ إلا بقدْرِ
الضرورةِ ؛ فإنَّ الكلامَ يشغلُ القلبَ ، وشَرَهُ القلوبِ إلى الكلام عظيمٌ ؛ فإنّهُ
يستروحُ إليهِ ، ويستثقلُ التجرُّدَ للذكْرِ والفكرِ ، فيستريحُ إليهِ ، فالصمتُ
يلقحُ العقلَ، ويجلبُ الورعَ، ويعلُّمُ التقوى .
جن
قيمة
عر عر
وأمَّا الخلوةُ : ففائدتُها دفعُ الشواغلِ ، وضبطَ السمع والبصرِ ؛ فإنَّهُما
دهليزُ القلبِ ، والقلبُ في حكْمٍ حوضٍ تنصبُّ إليهِ مياهٌ كريهةٌ كدرةٌ قذرةٌ مِنْ
أنهارِ الحواسِّ ، ومقصودُ الرياضةِ تفريغُ الحوضِ مِنْ تلكَ المياهِ ، ومِنَ الطينِ
الحاصلِ منها ؛ لينفجرَ أَصلُ الحوضِ ، فيخرجُ منهُ الماءُ النظيفُ الطاهرُ .
وكيفَ يصحُّ لهُ أنْ ينزحَ الماءَ مِنَ الحوضِ والأنهارُ مفتوحةٌ إليهِ ، فيتجدَّدُ
في كلِّ حالٍ أكثرَ ممَّا ينقصُ ؟!
فلا بدَّ مِنْ ضبطِ الحواسِّ إلا عنْ قدْرِ الضرورةِ ، وليسَ يتمُّ ذلكَ إلا
بالخلوةِ في بيتٍ مظلمٍ ، وإنْ لمْ يكنْ لهُ مكانٌ مظلمٌ .. فليلفَّ رأسَهُ في
جيبهِ ، أَوْ يتدثَّرْ بكساءٍ أَوْ إزارٍ ، ففي مثلِ هذهِ الحالةِ يسمعُ نداءَ الحقِّ ،
ويشاهدُ جلالَ الحضرةِ الربوبيةِ، أما ترى أنَّ نداءَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
قويو جو جوجو
(١) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٥٣٢٩) عن أبي إسحاق الموصلي.
ق؟
٢٦٩

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
وسلَّمَ بلغَهُ وهوَ على مثلِ هذِهِ الصفةِ، فقيلَ لهُ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، ﴿يَأَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ﴾(١).
فهذهِ الأربعةُ جُنَّةٌ وحصْنٌ ، بها تُدفعُ عنهُ القواطعُ ، وتُمنعُ العوارضُ
القاطعةُ للطريقِ .
فإذا فعلَ ذلكَ .. اشتغلَ بعدَهُ بسلوكِ الطريقِ ، وإنَّما سلوكُهُ بقطْع
العقباتِ ، ولا عقبةً على طريقِ اللهِ تعالى إلا صفاتُ القلبِ التي سببُها
الالتفاتُ إلى الدنيا ، وبعضُ تلكَ العقباتِ أعظمُ مِنْ بعضٍ .
والترتيبُ في قطعِها : أنْ يشتغلَ بالأسهلِ فالأسهلِ ، وهيَ - أعني : تلكَ
الصفاتِ - أسرارُ العلائقِ التي قطعَها في أولِ الإرادةِ وآثارُها ؛ أعني: آثارٌ
المالِ ، والجاهِ ، وحبِّ الدنيا ، والالتفاتِ إلى الخلقِ ، والتشوُّفِ إلى
المعاصي ، فلا بدَّ أنْ يخليَ الباطنَ عنْ آثارِها كما أخلى الظاهرَ عنْ أسبابِها
الظاهرةِ ، وفيهِ تطولُ المجاهدةُ ، ويختلفُ ذلكَ باختلافِ الأحوالِ ، فربّ
شخصٍ قَدْ كُفِيَ أكثرَ الصفاتِ ، فلا تطولُ عليهِ المجاهدةُ ، وقدْ ذكرنا أنَّ
طريقَ المجاهدةِ مضادَّةُ الشهواتِ ، ومخالفةُ الهوى في كلِّ صفةٍ غالبةٍ على
نفسِ المريدِ ، كما سبقَ ذكرُهُ .
(١) رواه البخاري (٤)، ومسلم (١٦٠)، وقوله: (بلغه وهو على هذه الصفة ) يؤكد
هذا النداءُ بالحال؛ إذ ناداه بالمدثر والمزمل وهو ملابس لذلك ؛ ليستشعر الملاطفة
منه سبحانه .
٢٧٠
حن:
محنة.

1
-
ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
فإذا كُفِيَ ذلكَ ، أَوْ ضعفَ بالمجاهدةِ ولمْ يبقَ في قلبهِ علاقةٌ .. شغلَهُ بعدَ
ذلكَ بذكْرٍ يلزمُ قلبَهُ على الدوامِ ، ويمنعُهُ مِنْ تكثيرِ الأورادِ الظاهرةِ ، بلْ يقتصرُ
على الفرائضٍ والرواتبٍ(١)، ويكونُ وردُهُ ورداً واحداً، وهوَ لبابُ الأورادِ
وثمرتُها ؛ أعني : ملازمةَ القلبِ لذكرِ اللهِ تعالىُ بعدَ الخلوِّ مِنْ ذكرٍ غيرِهِ .
ولا يشغلُهُ بهِ ما دامَ قلبُهُ ملتفتاً إلى علائقِهِ ، قالَ الشبليُّ للحصريِّ :
( إنْ كانَ يخطرُ بقلبكَ مِنَ الجمعةِ التي تأتيني فيها إلى الجمعةِ الأخرى شيءٌ
غيرُ اللهِ تعالى .. فحرامٌ عليكَ أنْ تأتيَني)(٢).
وهذا التجرُّدُ لا يحصلُ إلا معَ صدْقِ الإرادةِ ، واستيلاءِ حبِّ اللهِ تعالى
على القلبِ ، حتَّى يكونَ في صورةِ العاشقِ المستهتَرِ (٣) ، الذي ليسَ لهُ إلا همّ
واحدٌ .
فإذا كانَ كذلكَ .. ألزمَهُ الشيخُ زاويةً ينفردُ بها، ويوكلُ بهِ مَنْ يقومُ لهُ
(١) قال الإمام القشيري في ((رسالته)) (ص٦٢٥): ( وليس من آداب المريدين كثرة
الأوراد في الظاهر ؛ فإن القوم في مكابدة إخلاء خواطرهم ، ومعالجة أخلاقهم ، ونفي
الغفلة عن قلوبهم ، لا في تكثير أعمال البر، والذي لا بد لهم منه إقامة الفرائض
والسنن الراتبة ، فأما الزيادة من الصلوات النافلة .. فاستدامة الذكر بالقلب أتم لهم ) .
(٢) أورده القشيري في (( رسالته)) ( ص٦٢١ ) .
(٣) والمستهتَر: المولع بالشيء المأخوذ به ، كأنه قد وَلِهَ، مرَّ غير مرة ، وقد روى أحمد
في (( المسند)) (٧١/٣) وابن حبان في ((صحيحه)) (٨١٧) من حديث أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: ((أكثروا ذكر الله حتى يقولوا : مجنون)).
٢٧١

كتاب رياضة النفس
ـرقـ
ربع المهلكات
بقدْرِ يسيرِ مِنَ القوتِ الحلالِ ؛ فإنَّ أصلَ طريقِ الدينِ القوتُ الحلالُ ، وعندَ
ذلكَ يلقِّنُهُ ذكراً مِنَ الأذكارِ ، حتَّى يشغلَ بهِ لسانَهُ وقلبَهُ ، فيجلسُ ويقولُ
مثلاً : ( الله، الله، الله)(١) ، أَوْ ( سبحانَ اللهِ، سبحانَ اللهِ )، أَوْ ما يراهُ
الشيخُ مِنَ الكلماتِ .
فلا يزالُ يواظبُ عليهِ حتَّى تسقطَ حركةُ اللسانِ ، وتكونَ الكلمةُ كأنَّها
جاريةٌ على اللسانِ مِنْ غيرِ تحريكٍ .
ثمَّ لا يزالُ يواظبُ عليهِ حتَّىَّ يسقطَ الأثرُ عنِ اللسانِ ، وتبقى صورةٌ
اللفظِ في القلبِ .
ثمَّ لا يزالُ كذلكَ حتَّى ينمحيَ عنِ القلبِ حروفُ اللفظِ وصورتُهُ ، وتبقى
حقيقةُ معناهُ لازمةً للقلبِ ، حاضرةً معَهُ ، غالبةً عليهٍ ، قدْ فرغَ عنْ كلِّ
ما سواهُ ؛ لأنَّ القلبَ إذا شُغِلَ بشيءٍ .. خلا عنْ غيرِهِ أيَّ شيءٍ كانَ ، فإذا
اشتغلَ بذكرِ اللهِ تعالى وهوَ المقصودُ .. خلا - لا محالةَ - عنْ غيرِهِ .
وعندَ ذلكَ يلزمُهُ أنْ يراقبَ وساوسَ القلبِ ، والخواطرَ التي تتعلَّقُ
بالدنيا ، وما يتذكَّرُ فيهِ ممَّا قدْ مضىُ مِنْ أحوالِهِ وأحوالِ غيرِهِ ؛ فإنَّهُ مهما
اشتغلَ بشيءٍ منهُ ولوْ في لحظةٍ .. خلا قلبُهُ عنِ الذكرِ في تلكَ اللحظةِ ،
وكانَ ذلكَ نقصاناً ، فليجتهدْ في دفع ذلكَ .
ومهما دفعَ الوساوسَ كلَّها وردّ النفسَ إلى هذهِ الكلمةِ .. جاءتهُ
(١) في (ب): ( ويقول مثلاً: لا إله إلا الله، أو يقول مثلاً: الله، الله ، الله).
٢٧٢
بمن حن
حن: جن جن حنحن:

قـ
ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
الوساوسُ مِنْ هذهِ الكلمةِ ، وأنَّها ما هيَ ؟ وما معنى قولِنا : ( الله) ؟
ولأيِّ معنىّ كانَ إلهاً وكانَ معبوداً ؟ ويعتريهِ عندَ ذلكَ خواطرُ تفتحُ عليهِ بابَ
الفكرِ ، وربَّما يردُ عليهِ مِنْ وساوس الشيطانِ ما هوَ كفرٌ أَوْ بدعةٌ ، ومهما
كانَ كارهاً لذلكَ ، ومتشمِّراً لإماطتِهِ عنِ القلبِ .. لمْ يضرُّهُ ذلكَ .
والخواطرُ منقسمةٌ :
إلى ما يُعلمُ قطعاً أنَّ اللهَ تعالى منَّزَهُ عنهُ ، ولكنَّ الشيطانَ يلقي ذلكَ في
قلبهِ ، ويجريهِ على خاطرِهِ ، فشرطُهُ ألا يباليَ بهِ ، ويفزعَ إلى ذكرِ اللهِ
تعالى، ويبتهلَ إليهِ ليدفعَهُ عنهُ، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
الشَيْطَنِ نَزْعٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيٌ (٤) إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَسَُّهُمْ طَِّفٌ
مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْفَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾.
وإلى ما يُشَكُّ فيهِ ، فينبغي أنْ يعرضَ ذلكَ على شيخِهِ ، بلْ كلُّ ما يجدُ
في قلبِهِ مِنَ الأحوالِ مِنْ فترةٍ ، أَوْ نشاطٍ ، أوِ التفاتٍ إلى عُلْقَةٍ ، أَوْ صدْقٍ في
إرادةٍ .. فينبغي أنْ يظهرَ ذلكَ لشيخِهِ ، وأنْ يسترَهُ عنْ غيرِهِ ، فلا يطلعَ عليهِ
أحداً .
ثُمَّ إِنَّ شيخَهُ ينظرُ في حالِهِ ، ويتأمَّلُ في ذكائِهِ وكياستِهِ ، فإنْ علمَ أنَّهُ لوْ
تركَهُ وأمرَهُ بالفكْرِ تنَّهَ مِنْ نفسِهِ لحقيقةِ الحقِّ .. فينبغي أنْ يحيلَهُ على
الفكرِ ، ويأمرَهُ بملازمتِهِ ، حتَّى يقذفَ في قلبهِ مِنَ النورِ ما يكشفُ لهُ
حقيقته .
ـو
25.
٢٧٣

کتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
وإنْ علمَ أنَّ ذلكَ ممَّا لا يقوى عليهِ مثلُهُ .. ردَّهُ إلى الاعتقادِ القاطع بما
يحتملُهُ قلبُهُ مِنْ وعظٍ وذكرٍ ودليلٍ قريبٍ مِنْ فهمِهِ(١) .
وينبغي أنْ يتأنَّقَ الشيخُ ويتلطَّفَ بهِ ، فإنَّ هذهِ مهالكُ الطريقِ ومواضعُ
أخطارِها ، فكمْ مِنْ مريدِ اشتغلَ بالرياضةِ فغلبَ عليهِ خيالٌ فاسدٌ لمْ يقوَ على
كشفِهِ ، فانقطعَ عليهِ طريقُهُ، فاشتغلَ بالبطالةِ ، وسلكَ طريقَ الإباحةِ ،
وذلكَ هوَ الهلاكُ العظيمُ .
ومَنْ تجرَّدَ للذكرِ ، ودفعَ العلائقَ الشاغلةَ عنْ قلبِهِ .. لمْ يخلُ عنْ أمثالِ
هذهِ الأفكارِ ، فإنَّهُ قدْ ركبَ سفينةَ الخطرِ ، فإنْ سلمَ .. كانَ مِنْ ملوكِ
الدينِ ، وإنْ أخطأَ .. كانَ مِنَ الهالكينَ .
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عليكُمْ بدينِ العجائزِ))(٢)، وهوَ
(١) وعبارة الإمام القشيري في ((رسالته)) (ص٦٢٣): ( فالواجب على شيخه إن رأى فيه
كياسة أن يحيله على الحجج العقلية ، فإن بالعلم يتخلص - لا محالة - المتعرف مما
يعتريه من الوساوس ، وإن تفرس شيخه فيه القوة والثبات في الطريقة .. أمره بالصبر
واستدامة الذكر ، حتى تسطع في قلبه أنوار القبول ، وتطلع في سره شموس الوصول ،
وعن قريب يكون ذلك ، ولكن لا يكون هذا إلا لأفراد المريدين ).
(٢) قال الحافظ العراقي: ( قال ابن طاهر في كتاب ((التذكرة)): هذا اللفظ تداوله
العامة ، ولم أقف له على أصل يرجع إليه من رواية صحيحة ولا سقيمة ، حتى رأيت
حديثاً لمحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه
وسلم : ((إذا كان في آخر الزمان ، واختلفت الأهواء .. فعليكم بدين أهل البادية
والنساء)) ، وابن البيلماني له عن أبيه عن ابن عمر نسخة كان يتهم بوضعها ) .
(إتحاف)) (٣٧٦/٧)، وهذا اللفظ رواه ابن حبان في ((المجروحين)) (٢٧٤/٢)،
والديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٩٩٦).
ـدة
٢٧٤

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
تلقي أصلِ الإيمانِ وظاهرِ الاعتقادِ بطريقِ التقليدِ ، والاشتغالُ بأعمالٍ
الخيرِ ؛ فإنَّ الخطرَ في العدولِ عنْ ذلكَ كبيرٌ(١).
ولذلكَ قيلَ : على الشيخ أنْ يتفرَّسَ في المريدِ ، فإنْ لمْ يكنْ ذكيّاً فطناً
متمكِّناً مِنِ اعتقادِ الظاهرِ .. لمْ يشغلْهُ بالذكرِ والفكرِ ، بلْ يردُّهُ إلى الأعمالِ
الظاهرةِ والأورادِ المتواترةٍ(٢)، أوْ يشغلُهُ بخدمةِ المتجرِّدينَ للفكرِ ؛ لتشملَهُ
بركتُهُمْ ؛ فإنَّ العاجزَ عنِ الجهادِ في صفِّ القتالِ ينبغي أنْ يسقيَ القومَ ،
ويتعهَّدَ دوابَّهُمْ؛ ليُحشرَ يومَ القيامةِ في زمرتِهِمْ، وتعمَّهُ بركتُهُمْ، وإنْ كانَ
٠٫٠ (٣)
لا يبلغُ درجتَهُمٌْ
ثمَّ المريدُ المتجرِّدُ للذكرِ والفكرِ قدْ تقطعُهُ قواطعُ كثيرةٌ ؛ مِنَ العجْبِ ،
(١) وهو ما قاله ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٢٩٣/١)، قال: ( دين الأعراب
والغلمان والصبيان : الوقوف عند قبول ظاهر الشريعة ، واتباعها من غير تفتيش عن
الشبه، وتنقير عن أقوال أهل الزيغ والأهواء ، ومثله قوله: ((عليكم بدين
العجائز)))، فليس دين العجائز رأياً ومذهباً تقول به فرقة من الفرق ، بل الوقوف على
الظواهر ، والجد في العمل دون ميل لقول دون قول ، وانظر (( فيض القدير )"
(١/ ٤٢٤ ) .
(٢) كصلاة الليل وصلاة الضحى والإشراق والأوابين ، ومتابعة الصيام ، والأوراد
المتواترة، وأفضلها القرآن. ((إتحاف)) (٣٧٦/٧) .
(٣) فبخدمته لهم ، وحبِّه إياهم يبلغ درجتهم مع قصور حاله نسبةً إليهم ، كما روى البخاري
(٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩) من قول أنس رضي الله عنه: ( فأنا أحب النبي صلى الله
عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم ولم أعمل بمثل
أعمالهم ) .
٢٧٥
. ,دت

كتاب رياضة النفس
يومــ
ربع المهلكات
والرياءِ ، والفرح بما ينكشفُ لهُ مِنَ الأحوالِ ، وما يبدو مِنْ أوائلِ
الكراماتِ ، ومهما التفتَ إلى شيءٍ مِنَ ذلكَ وشغلَ بهِ نفسَهُ .. كانَ ذلكَ
فتوراً في طريقِهِ أوْ وقوفاً(١) ، بلْ ينبغي أنْ يلازمَ حالَهُ جملةَ عمرِهِ ملازمةً
العطشانِ الذي لا ترويهِ البحارُ ولَوْ أُفْيضَتْ عليهِ ، ويدومُ علىُ ذلكَ ، ورأسُ
مالِهِ الانقطاعُ عنِ الخلقِ إلى الحقِّ والخلوةُ .
قالَ بعضُ السياحينَ : قلتُ لبعضِ الأبدالِ المنقطعينَ عنِ الخلقِ : كيفَ
الطريقُ إلى التحقيقِ ؟ فقالَ: أنْ تكونَ في الدنيا كأنَّكَ عابرُ طريقٍ ، وقالَ
مرَّةً : قلتُ لهُ : دلَّني على عملٍ أعملُهُ أجدُ فيهِ قلبي معَ اللهِ تعالى على
الدوام ، فقالَ لي : لا تنظرُ إلى الخلْقِ ؛ فإنَّ النظرَ إليهِمْ ظلمةٌ ، قلتُ :
لا بدَّ لي مِنْ ذلكَ ، قالَ : فلا تسمعْ كلامَهُمْ؛ فإنَّ كلامَهُمْ قسوةٌ ، قلتُ :
لا بدَّ لي مِنْ ذلكَ، قالَ: فلا تعاملْهُمْ؛ فإنَّ معاملتَهُمْ وحشةٌ ، قلتُ : أنا
بينَ أظهرِهِمْ، لا بدَّ لي مِنْ معاملتِهِمْ، قالَ : فلا تسكنْ إليهِمْ ؛ فإنَّ
السكونَ إليهِمْ هلكةٌ ، قلتُ : هذهِ العلَّةُ، فقالَ: يا هذا؛ أتنظرُ إلى
الغافلينَ، وتسمعُ كلامَ الجاهلينَ، وتعاملُ البطَّالِينَ، وتريدُ أن تجدَ قلبَكَ
معَ اللهِ عزَّ وجلَّ على الدوامِ ؟! هذا ما لا يكونُ أبداً(٢).
:03
(١) قال الإمام القشيري في ((رسالته)) (ص٦٢٢): ( والفرق بين الفترة والوقفة : أن
الفترة رجوع عن الإرادة وخروج منها ، والوقفة سكون عن السير باستحلاء حالات
الكسل ، وكل مريد وقف في ابتداء إرادته .. لا يجيء منه شيء ) .
(٢) قوت القلوب ( ٩٩/١).
٢٧٦

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
فإذاً؛ منتهى الرياضةِ أنْ يجدَ قلبَهُ معَ اللهِ تعالى على الدوام ، ولا يمكنُ
ذلكَ إلا بأنْ يخلوَ عنْ غيرِهِ ، ولا يخلو عنْ غيرِهِ إلا بطولِ المجاهدةِ (١).
فإذا حصلَ قلبُهُ معَ اللهِ تعالى .. انكشفَ لهُ جلالُ الحضرةِ الربوبيةِ ،
وتجلَّى لهُ الحقُّ، وظهرَ لَهُ مِنْ لطائفِ اللهِ تعالى ما لا يجوزُ أنْ يُوصفَ ، بلْ
لا يحيطُ بهِ الوصفُ أصلاً(٢).
جن.
وإذا انكشفَ للمريدِ شيءٌ مِنْ ذلكَ .. فأعظمُ القواطع عليهِ أنْ يتكلَّمَ بهِ
وعظاً ونصحاً ، ويتصدَّى للتذكيرِ ، فتجدُ النفسُ فيهِ لذَّةٌ ليسَ وراءَها لذةٌ ،
فتدعوهُ تلكَ اللذَّةُ إلى أنْ يتفكّرَ في كيفيَّةِ إيرادِ تلكَ المعاني ، وتحسينٍ
الألفاظِ المعبِّرةِ عنها ، وترتيبِ ذكرِها ، وتزيينها بالحكاياتِ وشواهدِ القرآنِ
والأخبارِ ، وتحسينٍ صيغةِ الكلام ؛ لتميلَ إليهِ القلوبُ والأسماعُ .
والشيطانُ ربَّما يخيِّلُ إليه أنَّ هذا إحياءٌ منكَ لقلوبِ الموتى الغافلينَ
عنِ اللهِ تعالى، وإنَّما أنتَ واسطةٌ بينَ يدي اللهِ تعالى وبينَ الخلقِ ، تدعو
عبادَهُ إليهِ ، وما لكَ فيهِ نصيبٌ، ولا لنفسِكَ فيهِ لذَّةٌ .
(١) فإذا تمت له الهداية .. ارتقى إلى مقام الإحسان الذي فسر في الحديث: أن تعبد ربك
كأنك تراه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: بمعية الشهود
والانكشاف. ((إتحاف)) ( ٣٧٧/٧).
(٢) أصل التجلي هو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب باعتبار تعدد أمور التجلي ؛ فإن
لكل اسم إلهي بحسب حيطته ووجوهه تجلياتٍ متنوعة. ((إتحاف)) ( ٣٧٧/٧)،
وانظر ((التعريفات)) للجرجاني ( ص١١٣).
٢٧٧
كن

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
ويتَّضحُ كيدُ الشيطانِ بأنْ يظهرَ في أقرانِهِ مَنْ يكونُ أحسنَ كلاماً منهُ ،
وأجزلَ لفظاً ، وأقدرَ على استجلابِ قلوبِ العوامّ ؛ فإنَّهُ يتحرَّكُ في باطنِهِ
عقربُ الحسدِ - لا محالةَ - إِنْ كانَ محرِّكُهُ للَّةَ القبولِ، وإنْ كانَ محرِّكُهُ هوَ
الحقَّ حرصاً على دعوةِ عبادِ اللهِ تعالى إلى صراطِهِ المستقيمِ .. فيعظمُ به
فرحُهُ ، ويقولُ : ( الحمدُ للهِ الذي عضدني وأيَّدَني بمَنْ وازرَني على إصلاحِ
عبادِهِ ) ؛ كالذي وجبَ عليهِ مثلاً أنْ يحملَ ميِّاً ليدفنَهُ إِذْ وجدَهُ ضائعاً ،
وتعيَّنَ عليهِ ذلكَ شرعاً ، فجاءَ مَنْ أعانَهُ عليهِ ، فإنَّهُ يفرحُ بهِ ، ولا يحسدُ
معينَهُ ، والغافلونَ موتى القلوبِ، والوغَّاظُ هُمُ المنبِّهونَ والمحيونَ لهُمْ ،
ففي كثرتِهِمْ استرواحٌ وتناصرٌ ، فينبغي أنْ يعظمَ الفرحُ بذلكَ ، وهذا عزيزُ
الوجودِ جدّاً ، فينبغي أنْ يكونَ المريدُ على حذرِ منهُ ؛ فإنَّهُ أعظمُ حبائلِ
الشيطانِ في قطع الطريقِ على مَنِ انفتحَتْ لهُ أوائلُ الطريقِ ، فإنَّ إيثارَ الحياةِ
الدنيا طبعٌ غالبٌ على الإنسانِ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَّوَةَ
الذُّنْيَا﴾(١)، ثمَّ بيَّنَ أنَّ الشرَّ قديمٌ في الطباع، وأنَّ ذلكَ مذكورٌ في الكتبِ
صُحُفٍ إِنْزَهِيمَ
السالفةِ، فقالَ تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِىِ الضُّحُفِ الْأُولَى
وَمُوسَى﴾ .
ـحن:
فهذا منهاجُ رياضةِ المريدِ وتربيتِهِ في التدريج إلى لقاءِ اللهِ تعالى .
٥
(١) أي: يختارونها على الآخرة ، فلا يفعلون ما يسعدهم في الآخرة ، ولو علموا علماً يقيناً
فناءها وبقاء الآخرة .. لما آثروها. ((إتحاف)) (٣٧٨/٧).
٢٧٨

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
فأمَّا تفصيلُ الرياضةِ في كلِّ صفةٍ .. فسيأتي ؛ فإنَّ أغلبَ الصفاتِ على
الإنسانِ بطنُهُ وفرجُهُ ولسانُهُ ؛ أعني بهِ الشهواتِ المتعلقةَ بها ، ثمَّ الغضبُ
الذي هوَ كالجندِ لحمايةِ الشهواتِ ، ثمَّ مهما أحبَّ الإنسانُ شهوةَ البطنِ
والفرج وأنسَ بهما .. أحبَّ الدنيا، ولمْ يتمكَّنْ منها إلا بالمالِ والجاهِ ،
وإذا طلبَ المالَ والجاهَ .. حدثَ فيهِ الكبْرُ والعجبُ والرئاسةُ ، وإذا ظهرَ
ذلكَ .. لمْ تسمحْ نفسُهُ بتركِ الدنيا رأساً، وتمسّكَ مِنَ الدينِ بما فيهِ
الرئاسةُ ، وغلبَ عليه الغرورُ .
فلهذا وجبَ علينا بعدَ تقديمِ هذينِ الكتابينِ أنَّ نستكملَ ربعَ المهلكاتِ
بثمانيةٍ كتبٍ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
الســـ
كتابٌ في كسرِ شهوةِ البطنِ والفرجِ .
وكتابٌ في كسْرِ شَرَهِ الكلامِ .
وكتابٌ في كسرِ الغضبِ والحقدِ والحسدِ .
وكتابٌ في ذمِّ الدنيا وتفصيلِ خدعِها .
وكتابٌ في كسرِ حبِّ المالِ وذمِّ البخلِ .
وكتابٌ في ذمِّ الرياءِ وحبِّ الجاهِ .
وكتابٌ في ذمِّ الكبْرِ والعجْبِ .
وكتابٌ في مواقعِ الغرورِ .
٢٧٩
فنحن.
ے

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
وبذكرِ هذِهِ المهلكاتِ وتعليمِ طرقِ المعالجةِ فيها يتمُّ غرضُنا مِنْ ربع
المهلكاتِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى ؛ فإنَّ ما ذكرناهُ في الكتابِ الأوَّلِ هوَ شرحٌ
الصفاتِ القلبِ الذي هوَ معدنُ المهلكاتِ والمنجياتِ ، وما ذكرناهُ في
الكتابِ الثاني هوَ إشارةٌ كليّةٌ إلى طريقِ تهذيبِ الأخلاقِ ومعالجةِ أمراضٍ
القلوبِ ، أمَّا تفصيلُها : فإنَّهُ يأتي في هذه الكتبِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
تم كتاب ياضة النفس تهذيب الخلق ومعالجة أمراض القلب
وهو الكتاب الثاني من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين
محمد الله وعونه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تعميماً
يثلون كتاب كسر الشّهوتين
٢٨٠