النص المفهرس
صفحات 241-260
ربع المهلكات کتاب رياضة النفس وجرَّبوها في حالةِ الحزنِ ، فوجدوها ليَّةَ رقيقةً صافيةً قابلةً لأثرِ الذكرِ ، فعلموا أنَّ النجاةَ في الحزنِ الدائمِ ، والتباعدِ مِنْ أسبابِ البطرِ والفرحِ ، ففطموها عنْ ملاذُّها ، وعوَّدوها الصبرَ عنْ شهواتِها ، حلالِها وحرامِها ، وعلموا أنَّ حلالَها حسابٌ، وحرامَها عقابٌ، ومتشابهَها عتابٌ، وهوَ نوعُ عذابٍ ، فمَنْ نُوقشَ الحسابَ في عرصاتِ القيامةِ .. فقدْ عُذِّبَ (١) ، فخلَّصوا أنفسَهُمْ مِنْ عذابِها ، وتوصَّلُوا إلى الحريّةِ والملكِ الدائم في الدنيا والآخرةِ بالخلاصِ مِنْ أسرِ الشهواتِ ورقُّها ، والأنسِ بذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، والاشتغالِ بطاعتِهِ ، وفعلوا بها ما يُفعلُ بالبازي إذا قُصِدَ تأديبُهُ، ونقلُهُ مِنَ التوثُّبِ والاستيحاشِ إلى الانقيادِ والتأذُّبِ ، فإنَّهُ يُحبسُ أوَّلاً في بيتٍ مظلمٍ ، وتُخاطُ عيناهُ، حتَّى يحصلَ بهِ الفطامُ عنِ الطيرانِ في جوِّ الهواءِ ، وينسى ما قدْ كانَ ألفَهُ مِنْ طبع الاسترسالِ ، ثمَّ يُرفقُ بهِ باللحمِ حتَّى يأنسَ بصاحبهِ ويألفَهُ إلفاً، إذا دعاهُ .. أجابَهُ، ومهما سمعَ صوتَهُ .. رجعَ إليهِ . فكذلكَ النفسُ لا تألفُ ربَّها ولا تأنسُ بذكرِهِ إلا إذا فُطمَتْ عنْ عادتِها بالخلوةِ والعزلةِ أوَّلاً ؛ ليُحفظَ السمعُ والبصرُ عنِ المألوفاتِ ، ثمَّ عُودتٍ الثناءَ والذكرَ والدعاءَ ثانياً في الخلوةِ ؛ حتَّى يغلبَ عليها الأنسُ بذكرِ اللهِ تعالى عوضاً عنِ الأنسِ بالدنيا وسائرِ الشهواتِ . وذلكَ يثقلُ على المريدِ في البدايةِ ، ثمَّ يتنعَّمُ بهِ في النهايةِ ، كالصبيِّ يُفطمُ عنِ الثدى وهوَ شديدٌ عليهِ ؛ إذْ كانَ لا يصبرُ عنهُ ساعةً ، فلذلكَ يشتدُّ (١) كما جاء ذلك مرفوعاً عند البخاري (١٠٣)، ومسلم ( ٢٨٧٦) . ٢٤١ حن - حن في ح حن حن" کتاب رياضة النفس ربع المهلكات حي هل بكاؤُهُ وجزعُهُ عندَ الفطام ، ويشتدُّ نفورُهُ عنِ الطعام الذي يُقدَّمُ إليهِ بدلاً عنِ اللبنِ ، ولكنَّهُ إذا مُنعَ اللبنَ رأساً يوماً فيوماً ، وعظمَ تعبُهُ في الصبرِ وغلبَهُ الجوعُ .. تناولَ الطعامَ تكلُّفاً، ثمَّ يصيرُ لهُ طبعاً، فلوْ ردَّ بعدَ ذلكَ إلى الثدي .. لمْ يرجعْ إليهِ ، فيهجرُ الثديَ، ويعافُ اللبنَ، ويألفُ الطعامَ . وكذلكَ الدائَّةُ في الابتداءِ تنفرُ عنِ السرجِ واللجامِ والركوبِ ، فتُحملُ على ذلكَ قهراً ، بأنْ تُمنعَ عنِ الانسراحِ الذي ألفَتْهُ بالسلاسلِ والقيودِ أوَّلاً ، ثُمَّ تأنسُ بهِ ، بحيثُ تُتْركُ في موضعِها فتقفُ فيهِ مِنْ غيرِ قیدٍ . فكذلكَ تُؤدَّبُ النفسُ كما يُؤْذَّبُ الطيرُ والدوابُ ، وتأديبُها بأنْ تُمنعَ مِنَ الأَشَرِ والبطرِ والأنسِ والفرحِ بنعيمِ الدنيا ، بلْ بكلِّ ما يزايلُها بالموتِ ، إذْ قيلَ لهُ: أحببْ ما أحببتَ فإنَّكَ مفارقُهُ(١) ، فإذا علمَ أنَّهُ مَنْ أحبَّ شيئاً يلزمُهُ فراقُهُ، ويشقى لا محالةَ لفراقِهِ .. شغلَ قلبَهُ بحبٌّ ما لا يفارقُهُ ، وهوَ ذكرُ اللهِ تعالى ؛ فإنَّ ذلكَ يصحبُهُ في القبرِ ولا يفارقُهُ . وكلُّ ذلكَ يتمُّ بالصبرِ أولاً أياماً قلائلَ ؛ فإنَّ العمرَ قليلٌ بالإضافةِ إلى مدَّةِ حياةِ الآخرةِ ، وما مِنْ عاقلٍ إلا وهوَ راضٍ باحتمالِ المشقّةِ في سفرٍ وتعلُّمِ صناعةٍ وغيرِها شهراً ليتنعَّمَ بهِ سنةً أوْ دهراً ، وكلُّ العمرِ بالإضافةِ إلى الأبد أقلُّ مِنَ الشهرِ بالإضافةِ إلى عمرِ الدنيا ، فلا بدَّ مِنَ الصبرِ والمجاهدةِ ، فعندَ ـحن V (١) فقد روى الحاكم في (( المستدرك)) (٣٢٤/٤) عن سهل بن سعد قال : ( جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ؛ عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ) الحديث . ـحن ٢٤٢ حن ربع المهلكات كتاب رياضة النفس من الصباحِ يحمدُ القومُ السُّرى(١)، وتذهبُ عنهُمْ عماياتُ الكرى، كما قالهُ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ . وطريقُ المجاهدةِ والرياضةِ لكلِّ إنسانٍ تختلفُ بحسَبِ اختلافِ أحوالِهِ ، والأصلُ فيهِ : أنْ يتركَ كلُّ واحدٍ ما بهِ فرحُهُ مِنْ أسبابِ الدنيا ، فالذي يفرحُ بالمالِ ، أَوْ بالجاهِ ، أوْ بالقبولِ في الوعظِ ، أَوْ بالعزِّ في القضاءِ والولايةِ ، أوْ بكثرةِ الأتباع في التدريسِ والإفادةِ .. فينبغي أنْ يتركَ أوَّلاً ما بهِ فرحُهُ ، فإنَّهُ إنْ مُنِعَ عنْ شيءٍ مِنْ ذلكَ ، وقيلَ لهُ : ( ثوابُكَ في الآخرةِ لا ينقصُ بالمنع ) ، فكرهَ ذلكَ وتألَّمَ بهِ .. فهوَ ممَّنْ فرحَ بالحياةِ الدنيا واطمأنَّ بها ، وذلكَ مهلكٌ في حقُّهِ . ثمَّ إذا تركَ أسبابَ الفرحِ .. فليعتزلِ الناسَ ، ولينفردْ بنفسِهِ ، وليراقبْ قلبَهُ ؛ حتَّى لا يشتغلَ إلا بذكرِ اللهِ تعالى والفكرِ فيهِ ، وليترصَّدْ لما يبدو في نفسِهِ مِنْ شهوةٍ ووسواسٍ ؛ حتَّى يقمعَ ماذَّتَهُ مهما ظهرَ ، فإنَّ لكلِّ وسوسةٍ سبباً ، ولا تزولُ إلا بقطْع ذلكَ السببِ والعلاقةِ ، وليلازمْ ذلكَ بقيَّةَ العمرِ ، فليسَ للجهادِ آخرٌ إلا الموتَ . (١) وهو سير الليل، فمن أسهر ليله .. سار إلى مقصوده، فإذا أصبح ورأى نفسه قد قطع مفاوز لم يكن يمكن قطعها في النهار .. يحمد نفسه على حسن اجتهاده لنيله مقصوده ، بخلاف من آثر الكسل واختار الراحة والنوم ، يندم إذا أصبح عليه النهار ، وهذا مثل مشهور. ((إتحاف)) (٣٥٦/٧). ق ٢٤٣ كتاب رياضة النفس بجروح ربع المهلكات بيان علامات حسن الخُلق اعلمْ : أنَّ كلَّ إنسانٍ جاهلٌ بعيوبِ نفسِهِ ، فإذا جاهدَ نفسَهُ أدنى مجاهدةٍ ، حتَّى تركَ فواحشَ المعاصي .. ربَّما ظنَّ بنفسِهِ أنَّهُ قَدْ هذَّبَ نفسَهُ، وحسَّنَ خلقَهُ ، واستغنى عنِ المجاهدةِ ، فلا بدَّ مِنْ إيضاحِ علامةِ حسْنِ الخلُقِ ؛ فإنَّ حسْنَ الخلُقِ هوَ الإيمانُ ، وسوءَ الخلُقِ هوَ النفاقُ، وقدْ ذكرَ اللهُ تعالى صفاتٍ المؤمنينَ والمنافقينَ في كتابِهِ ، وهيَ بجملتِها ثمرةُ حسْنِ الخلقِ وسوءِ الخلقِ ، فلنوردْ جملةً مِنْ ذلكَ لتُعلمَ بهِ آيَةُ حسْنِ الخلقِ . :-- G قالَ اللهُ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ إلى قولِهِ : ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ وَبَشْرِ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ . ـحة وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَسْئُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُلْجَاهِلُونَ قَالُواْسَلَمًا ... ﴾ إلى آخرِ السورةِ. فمَنْ أشكلَ عليهِ حالُهُ .. فليعرضْ نفسَهُ على هذهِ الآياتِ ، فوجودُ جميع هذهِ الصفاتِ علامةُ حسْنِ الخُلُقِ ، وفقْدُ جميعها علامةُ سوءٍ الخلُقِ ، ووجودُ بعضِها دونَ بعضٍ يدلُّ على البعضِ دونَ البعضِ ، فليشتغلْ ـحة G ٢٤٤ من_حن دن ربع المهلكات کتاب رياضة النفس بتحصيلِ ما فقدَهُ ، وحفْظِ ما وجدَهُ . وقدْ وصفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المؤمنَ بصفاتٍ كثيرةٍ ، وأشارَ بجميعِها إلى محاسنِ الأخلاقِ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المؤمنُ يحبُّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسِهِ))(١). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ .. فليكرمْ ضيفَهُ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِر .. فليكرمْ جارَهُ))(٣). ے وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ .. فليقلْ خيراً أو ليصمُتْ))(٤). وذكرَ أنَّ صفاتِ المؤمنينَ هيَ حسْنُ الخلقِ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكملُ المؤمنينَ إيماناً أحسنُهُمْ أخلاقاً »(٥). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا رأيتُمُ المؤمنَ صموتاً وقوراً .. فادنوا منهُ؛ فإنَّهُ يُلقَّنُ الحكمةَ))(٦). (١) رواه البخاري ( ١٣)، ومسلم ( ٤٥ ) . (٢) رواه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم ( ٤٧). (٣) هو قطعة من الحديث السابق . هو قطعة من الحديث السابق . (٤) (٥) رواه الترمذي (٢٦١٢)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٩١٠٩). (٦) رواه ابن ماجه (٤١٠١) بنحوه . ٢٤٥ مكن : بون. جن: كتاب رياضة النفس ربع المهلكات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ سرَّتْهُ حسنتُهُ، وساءَتْهُ سيئتُهُ .. فهوَ مؤمنٌ))(١) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لا يحلُّ لمؤمنٍ أنْ يشيرَ إلى أخيهِ بنظرةٍ تؤذيهٍ))(٢) . وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يروِّعَ مسلماً))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّما يتجالسُ المتجالسانِ بأمانةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فلا يحلُّ لأحدِهِما أنْ يفشيَ على أخيهِ ما يكرهُهُ)) (٤) . وجمعَ بعضُهُمْ علاماتِ حسْنِ الخلقِ فقالَ : ( هوَ أنْ يكونَ كثيرَ الحياءِ ، قليلَ الأذى ، كثيرَ الصلاحِ ، صدوقَ اللسانِ ، قليلَ الكلامِ ، كثيرَ العملِ ، قليلَ الزللِ ، قليلَ الفضولِ ، برّاً، وصولاً ، وَقوراً ، صبوراً ، شكوراً ، رضيّاً، حليماً، رفيقاً، عفيفاً، شفيقاً، لا لقَّاناً، ولا سيَّاباً، (١) رواه الترمذي (٢١٦٥)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) (٩١٧٥) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعاً . من حن قن حن +0 (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٨٩) عن حمزة بن عبدة مرسلاً، وزاد الحافظ العراقي: (وفي ((البر والصلة)) له من زيادات الحسين المروزي : حمزة بن عبد الله بن أبي سمي، وهو الصواب). ((إتحاف)) (٢٥٥/٦)، وقال الحافظ المناوي في ((فيض القدير)) (٥٠٤/٥): (عن حمزة بن عبيد مرسلاً ، هو ابن عبد الله بن عمر ، قال الذهبي : ثقة إمام ) . (٣) رواه أبو داوود (٥٠٠٤ ). (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٩١)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ١٠٦٧٧) عن أبي بكر بن حزم مرسلاً . فاء ٢٤٦ حن ان ربع المهلكات كتاب رياضة النفس ولا نمَّاماً ، ولامغتاباً، ولا عجولاً، ولا حقوداً، ولا بخيلاً ، ولا حسوداً ، هشَّاشاً بشَّاشاً ، يحبُّ في اللهِ ويبغضُ في اللهِ ، ويرضىُ في اللّهِ ويغضبُ في اللهِ ، فهذا هوَ حسنُ الخلقِ )(١) . ۵٠ وسُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ علامةِ المؤمنِ والمنافقِ فقالَ : ((إنَّ المؤمنَ همَّتُهُ في الصلاةِ والصيامِ والعبادةِ ، والمنافقَ همَّتُهُ في الطعام والشرابِ كالبهيمةِ)) (٢). وقالَ حاتمٌ الأصمُّ : ( المؤمنُ مشغولٌ بالفكرِ والعبرِ ، والمنافقُ مشغولٌ بالحرصِ والأملِ ، والمؤمنُ آيسٌ مِنْ كلِّ أحدٍ إلا مِنَ اللهِ ، والمنافقُ راج كلَّ أحدٍ إلا منَ اللهِ ، والمؤمنُ آمنٌّ مِنْ كلِّ أحدٍ إلا مِنَ اللهِ ، والمنافقُ خائفٌ مِنْ كلِّ أحدٍ إلا مِنَ اللهِ ، والمؤمنُ يقدِّمُ مالَهُ دونَ دينِهِ ، والمنافقُ يقدِّمُ دينَهُ دونَ مالِهِ ، والمؤمنُ يحسِنُ ويبكي ، والمنافقُ يسيءُ ويضحكُ ، والمؤمنُ يحبُّ الخلوةَ والوحدةَ ، والمنافقُ يحبُّ الخلطةَ والملأَ ، والمؤمنُ يزرعُ ويخشى الفسادَ ، والمنافقُ يقلعُ ويرجو الحصادَ ، والمؤمنُ يأمرُ وينهى للسياسةِ فيصلحُ ، والمنافقُ يأمرُ وينهى للرئاسةِ فِيفسدُ )(٣). (١) روى هذا ضمن وصف طويل للمؤمن ابنُ عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤١٩/١٧) عن ذي النون المصري . (٢) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٣٥٩/٧)، وقال: (ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَعَنَّعُونَ وَيَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَّمْ﴾ ) . (٣) روى بعض ذلك متفرقاً أبو نعيم في ((الحلية)) (٦٨/٨-٧١) عن حاتم الأصم وشقيق البلخي . .5G ٢٤٧ جن صويسـ ـم حن 2 کتاب رياضة النفس ربع المهلكات كن وأولىُ ما يُمتحنُ بهِ حسْنُ الخلقِ الصبرُ على الأذى ، واحتمالُ الجفاءِ ، ومَنْ شكا مِنْ سوءِ خلقٍ غيرِهِ .. دلَّ ذلكَ على سوءِ خلقِهِ ؛ لأنَّ حسنَ الخلقِ احتمالُ الأذى ، فقدْ رُويَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يوماً يمشي ومعَهُ أنسٌ ، فأدركَهُ أعرابيٌّ ، فجذبَهُ جذباً شديداً وكانَ عليهِ برْدٌ نجرانيٌّ غليظُ الحاشيةِ ، قالَ أنسٌ : حتَّى نظرتُ إلى عنقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقدْ أثَّرَتْ فيهِ حاشيةُ البرْدِ مِنْ شدَّةٍ جذبِهِ ، فقالَ : يا محمدُ ؛ هبْ لي مِنْ مالِ اللهِ الذي عندَكَ، فالتفتَ إليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وضحكَ ، ثمّ أمرَ بإعطائِهِ(١) . ولمَّا أكثرَتْ قريشٌ إيذاءَهُ وضرْبَهُ .. قالَ: ((اللهمَّ؛ اغفرْ لقومي فإنَّهُمْ لا يعلمونَ ))(٢)، قيلَ: إنَّ هذا يومَ أحدٍ ، فلذلكَ أنزلَ اللهُ تعالى فيهِ : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . بين حن حة وقدْ حُكِيَ أنَّ إبراهيمَ بنَ أدهمَ خرِجَ يوماً إلى بعضٍ البراري ، فاستقبلَهُ رجلٌ جنديٌّ ، فقالَ : أنتَ عبدٌ؟ قالَ : نعمْ ، فقالَ لهُ : أينَ العمرانُ ؟ فأشارَ إلى المقبرةِ ، فقالَ الجنديُّ : إنَّما أردتُ العمرانَ ، فقالَ : هوَ المقبرةُ ، فغاظَهُ ذلكَ، فضربَ رأسَهُ بالسوطِ فشجَّهُ، وردّهُ إلى البلدِ ، فاستقبلَهُ أصحابُهُ، فقالوا : ما الخبرُ؟ فأخبرَهُمُ الجنديُّ ما قالَ لهُ ، فقالوا : هذا إبراهيمُ بنُ أدهمَ ، فنزلَ الجنديُّ عنْ فرسِهِ ، وقبَّلَ يديهِ (١) رواه البخاري (٣١٤٩)، ومسلم (١٠٥٧). (٢) رواه البخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢) ، يحكيه عن نبي من أنبياء الله تعالى. قـ ٢٤٨ حـ ربع المهلكات كتاب رياضة النفس ورجليه ، وجعلَ يعتذرُ إليهِ ، فقيلَ بعدَ ذلكَ لهُ: لِمَ قلتَ لهُ : أنا عبدٌ؟ فقالَ : إنَّهُ لمْ يسألْني عبدُ مَنْ أنتَ ، بلْ قالَ : أنتَ عبدٌ؟ فقلتُ : نعمْ ؛ لأَنِّي عبدُ اللهِ ، فلمَّا ضربَ رأسي .. سألتُ اللهَ لهُ الجنَّةَ، قيلَ: كيفَ وقدْ ظلمَكَ ؟ فقالَ : علمتُ أنَّني أُوجرُ على ما نالَني منهُ ، فلمْ أردْ أنْ يكونَ نصيبي منهُ الخيرَ، ونصيبُهُ مِنِّي الشرّ(١) . ودُعِيَ أبو عثمانَ الحيريُّ(٢) إلى دعوةٍ ، وكانَ الداعي يريدُ تجربتهُ ، فلمَّا بلغَ منزلَهُ .. قالَ لهُ: ليسَ لي وجهٌ، فرجعَ أبو عثمانَ ، فلمّا ذهبَ غيرَ بعيدٍ .. دعاهُ ثانياً فقالَ لهُ: يا أستاذُ ؛ ارجعْ، فرجعَ أبو عثمانَ ، ثمَّ دعاهُ الثالثةَ وقالَ : ارجعْ على ما يوجبُ الوقتُ، فرجعَ ، فلمَّا بلِغَ البابَ .. قالَ لهُ مثلَ مقالتِهِ الأولى، فرجعَ أبو عثمانَ ، ثمَّ جاءَهُ الرابعةَ فردَّهُ ، حتَّى عاملَهُ بذلكَ مرَّاتٍ وأبو عثمانَ لا يتغيّرُ ، فقالَ(٣) : إنَّما أردتُ أنْ أُختبرَكَ، فما أحسنَ خلفَكَ ! فقالَ : إنَّ الذي رأيتَ منِّي هوَ خلُقُ الكلبِ ؛ إنَّ الكلبَ إذا دُعِيَ .. أجابَ، وإذا زُجرَ .. انزجرَ(٤). ورويَ عنهُ أيضاً أنَّهُ اجتازَ يوماً في سكَّةٍ ، فطُرِحَتْ عليهِ إجَّانةُ رمادٍ ، (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٥)، والقشيري في ((رسالته)) ( ص ٤١٤ ) . (٢) في (أ) : ( وحكي أن بعض تلامذة أبي عثمان الحيري دعاه ) . (٣) في (أ): ( لا يتغيّر، فأكب على رجليه وقال: يا أستاذ؛ إنما ... ). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٦)، والقشيري في (( رسالته )) ( ص٤١٤ ) . ني. فات ٢٤٩ ـون كتاب رياضة النفس ربع المهلكات فنزلَ عنْ دابتِهِ ، فسجدَ سجدةَ الشكرِ ، ثمَّ جعلَ ينفضُ الرمادَ عنْ ثيابِهِ ولمْ يقلْ شيئاً، فقيلَ : ألا زبرتَهُمْ؟ فقالَ : إنَّ مَنِ استحقَّ النارَ فصُولحَ على الرمادِ .. لمْ يجزْ لهُ أنْ يغضبَ (١). ورُوِيَ أنَّ عليَّ بنَ موسى الرضا رحمةُ اللهِ عليهِ كانَ لونُهُ يميلُ إلى السوادِ ؛ إذْ كانَتْ أَقُّهُ سوداءَ ، وكانَ لهُ بنيسابورَ حمَّامٌ على بابِ دارِهِ ، وكانَ إذا أرادَ دخولَ الحمّام .. فَرَّغَهُ لهُ الحمَّامِيُّ، فدخلَ ذاتَ يومٍ ، فأغلقَ الحمَّاميُّ البابَ ، ومضى في بعضٍ حوائجِهِ ، فتقدَّمَ رجلٌ رُستاقِيٌّ إلى بابِ الحمّام ، ففتَحَهُ ودخلَ ، فنزعَ ثيابَهُ ودخلَ ، فرأى عليَّ بنَ موسى الرضا ، سے فظنَّ أنَّهُ بعضُ خذَّام الحمَّام ، فقالَ لهُ : قمْ واحملْ إليَّ الماءَ ، فقامَ عليٌّ بنُ موسى وامتثلَ جميعَ ما كانَ يأمرُهُ بهِ ، فرجعَ الحماميُّ ، فرأى ثيابَ الرُّستاقيِّ وسمعَ كلامَهُ معَ عليٍّ بنِ موسى الرضا ، فخافَ وهربَ وخلاَّهما ، فلمَّا خرجَ عليٍّ بنُ موسى .. سألَ عنِ الحمَّامِيِّ، فقيلَ لهُ: إنَّهُ خافَ ممَّا جرىُ فهربَ ، قالَ: لا ينبغي لهُ أنْ يهربَ ؛ إنَّما الذنبُ لمَنْ وضعَ ماءَهُ عندَ أمةٍ سوداءَ (٢). ورُويَ أَنَّ أبا عبدِ اللهِ الخَّاطَ كانَ يجلسُ على دَكَّانِهِ، وكانَ لهُ حَرِيفٌ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٦)، والقشيري في (( رسالته)) ( ص٤١٤ ) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٦). من من حن حم جو حن ٢٥٠ من ربع المهلكات کتاب رياضة النفس مجوسيٌّ يستعملُهُ في الخياطةِ(١)، فكانَ إذا خاطَ لهُ شيئاً .. حملَ إليهِ دراهمَ زائفةً ، فكانَ أبو عبدِ اللهِ يأخذُها منهُ ولا يخبرُهُ بذلكَ ولا يردُّها عليهِ ، فاتفقَ يوماً أنَّ أبا عبدِ اللهِ قامَ لبعضٍ حاجتِهِ ، فأتى المجوسيُّ فلمْ يجدْهُ ، فدفعَ إلى تلميذِهِ الأجرةَ ، واسترجعَ ما قدْ خاطَهُ ، ودفعَ إليهِ درهماً زائفاً ، فلما نظرَ إليهِ التلميذُ .. عرفَ أنَّهُ زائفٌ، فردَّهُ عليهِ ، فلما عادَ أبو عبدِ اللهِ .. أخبرَهُ بذلكَ، فقالَ: بئسَ ما عملتَ ، هذا المجوسيُّ يعاملُني بهذهِ المعاملةِ منذُ سنةٍ وأنا أصبرُ عليهِ ، فَآخذُ الدراهمَ منهُ وألقيها في البئرِ لئلا يغرَّ بها مسلماً(٢) . x وقالَ يوسفُ بنُ أسباطِ : ( علامةُ حسْنِ الخلُقِ عشرةُ أشياءَ : قلَّةُ الخلافِ ، وحسْنُ الإنصافِ ، وتركُ طلبِ العثراتِ ، وتحسينُ ما يبدو مِنَ السيئاتِ ، والتماسُ المعذرةِ، واحتمالُ الأذى، والرجوعُ بالملامةِ على النفسِ ، والتفرّدُ بمعرفةِ عيوبِ نفسِهِ دونَ عيوبٍ غيرِهِ ، وطلاقةُ الوجهِ للصغيرِ والكبيرِ ، ولطفُ الكلام لمَنْ دونَهُ ولمَنْ فوقَهُ )(٣). وسُئِلَ سهلٌ عنْ حسْنِ الخلقِ فقالَ: ( أدناهُ احتمالُ الأذى ، وتركُ المكافأةِ، والرحمةُ للظالم، والاستغفارُ لهُ، والشفقةُ عليهِ ) (٤) . (١) الحريف: المُعامل . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٧)، والقشيري في ((رسالته)) (ص ٤١٥ ) . (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٩). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٩). ٢٥١ حرب حن من ٥ كتاب رياضة النفس ربع المهلكات وقيلَ للأحنفِ بنِ قيسٍ : مِمَّنْ تعلمتَ الحِلْمَ ؟ فقالَ : مِنْ قيسٍ بِنِ عاصمٍ ، قيلَ : وما بلغَ مِنْ حلمِهِ ؟ قالَ: بينما هوَ جالسٌ في دارِهِ . . إذْ أتتْهُ جاريةٌ لهُ بسقُودٍ عليهِ شواءٌ(١) ، فسقطَ مِنْ يدِها ، فوقعَ على ابنٍ لهُ صغيرٍ ، فماتَ ، فدهشَتِ الجاريةُ ، فقالَ لها : لا روعَ عليكِ ، أنتِ حرَّةٌ لوجهِ اللهِ تعالى(٢) . وقيلَ : كانَ أويسٌ القرنيُّ إذا رآهُ الصبيانُ .. يرمونَهُ بالحجارةِ ، فكانَ يقولُ لهُمْ : يا إخوتاهُ ؛ إنْ كانَ ولا بدَّ .. فارموني بالصغارِ كي لا تدموا و ساقي فتمنعوني مِنَ الصلاةِ(٣). وشتمَ رجلٌ الأحنفَ بنَ قيسٍ وهوَ لا يجيبُهُ ، وكانَ يتبعُهُ ، فلمَّا قَرُبَ مِنَ الحيِّ .. وقفَ وقالَ: إنْ كانَ قَدْ بقيَ في نفسِكَ شيءٌ فقلْهُ ؛ كي لا يسمعَكَ بعضُ سفهاءِ الحيٍّ فيؤذوكَ (٤) . ورُويَ أنَّ علياً كرَّمَ اللهُ وجهَهُ دعا غلاماً لهُ فلمْ يجبُهُ ، فدعاهُ ثانياً وثالثاً فلمْ يجبْهُ ، فقامَ إليهِ ، فرآهُ مضطجعاً ، فقالَ : أما تسمعُ يا غلامُ ؟! قالَ : بلى ، قالَ : فما حملَكَ على تركِ جوابي ؟ قالَ : أمنتُ عقوبتَكَ ـسســ (١) سقُود : كتتُّور ويضم ، حديدة ذات شعب معقفة ، يشوى بها . بحد (٢) أورده القشيري في (( رسالته)) (ص٤١١). (٣) أورده القشيري في (( رسالته)) (ص ٤١٢). نب (٤) أورده القشيري في (( رسالته)) (ص٤١٢) . ٢٥٢ ربع المهلكات تن كتاب رياضة النفس فتكاسلتُ ، فقالَ : امضِ ، فأنتَ حرّ لوجهِ اللهِ تعالى(١). وقالَتِ امرأةٌ لمالكِ بنِ دينارٍ رحمهُ اللهُ : يا مرائي ، فقالَ : يا هذهِ ؛ وجدتِ اسمي الذي أضلَّهُ أهلُ البصرةِ(٢). ـمحن وكانَ ليحيى بنِ زيادٍ الحارثيِّ غلامُ سوءٍ ، فقيلَ لهُ : لِمَ تمسكُ هذا الغلامَ ؟ فقالَ : لأتعلَّمَ عليهِ الحلمَ (٣) . فهذهِ نفوسٌ قدْ ذُلِّلَتْ بالرياضةِ، فاعتدلَتْ أخلاقُها، ونُقِّيَتْ مِنَ الغشِّ والغلِّ والحقدِ بواطنُها ، فأثمرَتِ الرضا بكلِّ ما قدَّرَهُ اللهُ تعالى ، وهوَ منتهى حسْنِ الخلقِ ، فإنَّ مَنْ يكرهُ فعلَ اللهِ تعالى ولا يرضىُ بهِ .. فهوَ غايةُ سوءٍ خلقِهِ . فهؤلاءِ ظهرَتِ العلاماتُ على ظواهرِهِمْ كما ذكرناهُ ، فمَنْ لمْ يصادفْ مِنْ نفسِهِ هذِهِ العلاماتِ .. فلا ينبغي أنْ يغترَّ بنفسِهِ ، فيظنَّ بها حسنَ الخلقِ ، بلْ ينبغي أنْ يشتغلَ بالرياضةِ والمجاهدةِ إلى أنْ يبلغَ درجةَ حسْنٍ الخلقِ ، فإنَّها درجةٌ رفيعةٌ لا ينالُها إلا المقرَّبونَ والصدِّيقونَ . (١) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٤١٢) . (٢) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٤١٣) . (٣) أورده القشيري في (( رسالته)) ( ص٤١٣) . ٢٥٣ حن حن: حن كتاب رياضة النفس ٥٠ .٥ جمهي ربع المهلكات كن بيان الطريق في رياضة الصبيان في أوّل النشوء ووجد تأديبهم وحمين أخلاقهم اعلمْ : أنَّ الطريقَ في رياضةِ الصبيانِ مِنْ أهمِّ الأمورِ وآكدِها ، وأنَّ الصبيَّ أمانةٌ عندَ والديهِ ، وقلبَهُ الطاهرَ جوهرةٌ نفيسةٌ ساذجةٌ ، خاليةٌ عنْ كلِّ نقشٍ وصورةٍ ، وهوَ قابلٌ لكلِّ نقشٍ ، ومائلٌ إلى كلِّ ما يُمالُ بهِ إليهِ . فإِنْ عُوَّدَ الخيرَ وعُلِّمَهُ .. نشأَ عليهِ، وسعدَ في الدنيا والآخرةِ، وشاركَهُ في ثوابِهِ أبواهُ وكلُّ معلِّمٍ لهُ ومؤذِّبٍ . وإنْ عُوِّدَ الشرّ وأُهملَ إهمالَ البهائم .. شَقِيَ وهلكَ، وكانَ الوزرُ في رقبةِ القيِّمِ عليهِ والوالي لهُ . وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ٠ مكرر ومهما كانَ الأبُ يصونُهُ عنْ نارِ الدنيا .. فبأنْ يصونَهُ عنْ نار الآخرةِ أولى، وصيانتُهُ بأنْ يؤدِّبَهُ ويهذِّبَهُ، ويعلِّمَهُ محاسنَ الأخلاقِ ، ويحفظَهُ مِنْ القرناءِ السوءِ ، ولا يعوِّدَهُ التنثُّمَ ، ولا يحبِّبَ إليهِ الزينةَ وأسبابَ الرفاهيةِ ، فيضيِّعَ عمرَهُ في طلبها إذا كبرَ ، فيهلكَ هلاكَ الأبدِ ، بلْ ينبغي أنْ يراقبَهُ مِنْ أوَّلِ أمرِهِ ، فلا يستعملُ في حضانتِهِ وإرضاعِهِ إلا امرأةً صالحةً متديّنةً تأكلُ الحلالَ؛ فإنَّ اللبنَ الحاصلَ مِنَ الحرام لا بركةَ فيهِ ، فإذا وقعَ عليهِ نشوءُ الصبيِّ .. انعجنَتْ طينتُهُ مِنَ الخبثِ، فيميلُ طبعُهُ إلى ما يناسبُ الخبائثَ . ر44 ٢٥٤ زيت ربع المهلكات كتاب رياضة النفس ومهما رأى فيهِ مخايلَ التمييزِ .. فينبغي أنْ يحسنَ مراقبتَهُ، وأوَّلُ ذلكَ ظهورُ أوائلِ الحياءِ ؛ فإنَّهُ إذا كانَ يحتشمُ ويستحي ، ويتركُ بعضَ الأفعالِ .. فليسَ ذلكَ إلا لإشراقِ نورِ العقلِ عليهِ، حتَّى يرى بعضَ الأشياءِ قبيحاً ومخالفاً للبعض ، فصارَ يستحي مِنْ شيءٍ دونَ شيءٍ ، وهذهِ هديَّةٌ مِنَ اللهِ تعالى إليه ، وبشارةٌ تدلُّ على اعتدالِ الأخلاقِ وصفاءِ القلبِ ، وهوَ مبشِّرٌ بكمالِ العقلِ عندَ البلوغ ، فالصبيُّ المستحي لا ينبغي أنْ يُهملَ ، بلْ يُستعانُ على تأديبه بحیائِهِ وتمییزِهِ . ثن وأوَّلُ ما يغلبُ عليهِ مِنَ الصفاتِ شرهُ الطعام ، فينبغي أنْ يؤذَّبَ فيهِ ، مثلُ ألا يأخذَ الطعامَ إلا بيمينِهِ ، وأنْ يقولَ عليهِ : ( باسم اللهِ ) عندَ أخذِهِ ، وأنْ يأكلَ ممَّا يليهِ ، وألا يبادرَ إلى الطعام قبلَ غيرِهِ ، وألا يحدقَ إلى الطعام ولا إلى مَنْ يأكلُ ، وألا يسرعَ في الأكلِ ، وأنْ يجيدَ المضغَ ، وألا يواليَ بينَ اللقمِ ، ولا يلطِّخَ يدَهُ ولا ثوبَهُ، وأنْ يعوَّدَ الخبزَ القَفارَ في بعضٍ الأوقاتِ (١) ، حتى لا يصيرَ بحيثُ يرى الأُدْمَ حتماً . يييير ويقبِّحُ عندَهُ كثرةً الأكلِ ؛ بأنْ يشبَّ كلَّ مَنْ يكثرُ الأكلَ بالبهائمِ ، وبأنّ يذَّ بينَ يديهِ الصبيَّ الذي يكثرُ الأكلَ ، ويمدحَ عندَهُ الصبيَّ المتأدِّبَ القليلَ الأكلِ ، وأنْ يحبّبَ إليهِ الإيثارَ بالطعام ، وقلَّةَ المبالاةِ بهِ ، والقناعةَ بالطعام الخشنِ أيَّ طعام كانَ . (١) الخبز القفار: هو الذي لا أُدْم فيه ولا دسم، وعند الحافظ الزبيدي (٣٦٤/٧): اليابس وحده . وہہ. وبيّ. ٢٥٥ کتاب رياضة النفس ؟ ربع المهلكات وأنْ يحبِّبَ إليهِ مِنَ الثيابِ البيضَ دونَ الملوَّنِ والإبريسمِ ، ويقرِّرَ عندَهُ أنَّ ذلك شأنُ النساءِ والمخِِّينَ، وأَنَّ الرجالَ يستنكفونَ منهُ، ويكرِّرُ ذلكَ عليهِ ، ومهما رأى على صبيٍّ ثوباً مِنْ إِبريسمٍ أوْ ملوَنٍ .. فينبغي أنْ يستنكرَهُ ويذمَّهُ . ويُحفظَ الصبيُّ عنِ الصبيانِ الذينَ عُوِّدوا التنُّمَ والرفاهيةَ ، ولبسَ الثيابِ الفاخرةِ، وعنْ مخالطةِ كلِّ مَنْ يسمِعُهُ ما يرغِّبُهُ فيهِ ؛ فإنَّ الصبيَّ مهما أُهملَ في ابتداءِ نشوئِهِ .. خرجَ في الأغلبِ رديءَ الأخلاقِ ، كذَّاباً ، حسوداً ، سروقاً ، نمَّاماً ، لجوجاً ، ذا فضولٍ وضحكِ ، وكيادٍ ووقاحةٍ ومَجانةٍ ، وإنَّما يُحفظُ عنْ جميعِ ذلكَ بحسْنِ التأديبِ . ثُمَّ ينبغي أنْ يُشغلَ في المكتبِ ، فيتعلَّمُ القرآنَ(١) وأحاديثَ الأخبارِ، وحكاياتِ الأبرارِ وأحوالَهُمْ؛ لينغرسَ في نفسِهِ حبُّ الصالحينَ ، ويُحفظ و مِنَ الأشعارِ التي فيها ذكرُ العشقِ وأهلِهِ ، ويُحفظَ مِنْ مخالطةِ الأدباءِ الذينَ a يزعمونَ أنَّ ذلكَ مِنَ الظَّرْفِ ورقَّةِ الطبع ؛ فإنَّ ذلكَ يغرسُ في قلوبِ الصبيانِ بذرَ الفسادِ . ثمَّ مهما ظهرَ مِنَ الصبيِّ خلقٌ جميلٌ ، وفعلٌ محمودٌ .. فينبغي أنْ يُكرمَ عليهِ ، ويُجازى عليهِ بما يفرحُ بهِ ، ويُمدحَ بينَ أظهرِ الناسِ ، فإنْ خالفَ (١) أوَّلاً بترتيبه المعهود في بلده؛ من تقديم حروف الهجاء إفراداً ثم تركيباً. (( إتحاف)) ( ٣٦٤/٧ ) . ٢٤ ٢٥٦ ربع المهلكات کتاب رياضة النفس ذلكَ في بعضِ الأحوالِ مرَّةً واحدةً .. فينبغي أنْ يُتغافلَ عنهُ، ولا يُهتكَ سترُهُ ولا يُكاشفَ ، ولا يُظهرَ لهُ أنَّهُ يُتصوَّرُ أنْ يتجاسرَ أحدٌ على مثلِهِ ، ولا سيما إذا سترَهُ الصبيُّ واجتهدَ في إخفائِهِ ؛ فإنَّ إظهارَ ذلكَ ربَّما يفيدُهُ جسارةً حتَّى لا يباليَ بالمكاشفةِ ، فعندَ ذلكَ إنْ عادَ ثانياً .. فينبغي أنْ يُعاتبَ سرّاً، ويُعظَّمَ الأمرُ فيهِ ، ويُقالَ لهُ : ( إِيَّاكَ أنْ تعودَ بعدَ ذلكَ لمثل هذا، وأنْ يُطلعَ عليكَ في مثلِ هذا فتفتضحَ بينَ الناسِ ) . ولا تكثرِ القولَ عليهِ بالعتابِ في كلِّ حينٍ ؛ فإنَّهُ يهوّنُ عليهِ سماعَ الملامةِ ، وركوبَ القبائح ، ويسقط وقعَ الكلامِ مِنْ قلبِهِ . وليكنِ الأبُ حافظاً هيبةَ الكلام معَهُ ، فلا يوبِّحُهُ إلا أحياناً ، وينبغي للأمِّ أنْ تخوِّفَهُ بالأبِ وتزجرَهُ عنِ القبائحِ . وينبغي أنْ يُمنعَ عنِ النومِ نهاراً ؛ فإنَّهُ يورثُ الكسلَ ، ولا يُمنعُ منهُ ليلاً، ولكنْ يُمنعُ الفرشَ الوطيئةَ؛ حتَّى تتصلَّبَ أعضاؤُهُ ، ولا يسخفَ بدنُهُ(١) ، فلا يصبرُ عنِ التنقُّمِ، بلْ يعوّدُ الخشونةَ في المفرشِ والملبسِ والمطعمِ . وينبغي أنْ يُمنعَ مِنْ كلِّ ما يفعلُهُ في خفيةٍ ؛ فإنَّهُ لا يخفيهِ إلا وهوَ يعتقدُ أنَّهُ قبيحٌ ، فإذا تُركَ . . تعوَّدَ فعلَ القبيحِ . (١) أي: لا يرق. ((إتحاف)) ( ٣٦٥/٧). ٢٥٧ جن جن جن جن جنحة حن كتاب رياضة النفس ربع المهلكات ـثق ويُعوَّدُ في بعضِ النهارِ المشيَ والحركةَ والرياضةَ ؛ حتَّى لا يغلبَ عليهِ الكسلُ . ويُعوَّدُ ألا يكشفَ أطرافَهُ ، ولا يسرعَ المشيَ ، ولا يرخِيَ يديهِ ، بلْ يضُّهُما إلى صدرِهِ . .CG ويُمنعُ مِنْ أنْ يفتخرَ على أقرانِهِ بشيءٍ ممَّا يملكُهُ والداهُ ، أَوْ بشيءٍ مِنْ مطاعمِهِ وملابسِهِ ، أَوْ لوحِهِ ودواتِهِ ، بلْ يُعوَّدُ التواضعَ والإكرامَ لكلِّ مَنْ عاشرَهُ، والتلطُّفَ معَهُمْ في الكلامِ . ويُمنعُ مِنْ أَنْ يأخذَ مِنَ الصبيانِ شيئاً بدالَّةِ حشمتِهِ إنْ كانَ مِنْ أولادٍ المحتشمينَ ، بلْ يُعلَّمُ أنَّ الرفعةَ في الإعطاءِ لا في الأخذِ ، وأنَّ الأخذَ لؤمٌ وخسَّةٌ ودناءةٌ، وإنْ كانَ مِنْ أولادِ الفقراءِ .. فيُعلَّمُ أنَّ الطمعَ والأخذَ مهانةٌ وذلَّةٌ ، وأنَّ ذلكَ مِنْ دأبِ الكلبِ ؛ فإنَّهُ يبصبصُ في انتظارٍ لقمةٍ . حج حن حق : وبالجملةِ : يُقبَّحُ إلى الصبيانِ حبُّ الذهبِ والفضةِ ، والطمعُ فيهما ، ويُحذَّرُ منهما أكثرَ ممَّا يُحذَّرُ مِنَ الحِيَّاتِ والعقاربِ؛ فإنَّ آفةَ حبِّ الذهبِ والفضةِ والطمع فيهما أضرُّ مِنْ آفةِ السمومِ على الصبيانِ ، بلْ على الأكابرِ أيضاً . وينبغي أنْ يُعوَّدَ ألا يبصقَ في مجلسِهِ ، ولا يتمخَّطُ ولا يتثاءبَ بحضرةٍ ٢٥٨ من حن صن صل عن حن ربع المهلكات كتاب رياضة النفس غيرِهِ ، ولا يستدبرَ غيرَهُ، ولا يضعَ رِجْلاً على رِجْلٍ، ولا يضعَ (١) كفَّهُ تحتَ ذَقَنِهِ ، ولا يعمدَ رأسَهُ بساعدِهِ ؛ فإنَّ ذلكَ دليلُ الكسلِ . ويُعلَّمُ كيفيةَ الجلوسِ ، ويُمنعُ كثرةَ الكلام ، ويُبيِّنُ لهُ أنَّ ذلكَ يدلُّ على الوقاحةِ ، وأنَّهُ عادةُ أبناءِ اللئامِ . ويُمنعُ الأيمانَ رأساً ، صادقاً كانَ أوْ كاذباً ؛ حتَّى لا يعتادَ ذلكَ في الصغرِ . ويُمنعُ أنْ يبتدىءَ الكلامَ، ويُعوَّدُ ألا يتكلَّمَ إلا جواباً وبقْدرِ السؤالِ ، وأنْ يحسنَ الاستماعَ مهما تكلَّمَ غيرُهُ ممَّنْ هوَ أكبرُ منهُ سنّاً ، وأنْ يقومَ لمَنْ فوقَهُ ، ويوسعَ لهُ المكانَ ، ويجلسَ بينَ یدیهِ . ويُمنعُ مِنْ لغوِ الكلامِ وفحشِهِ ، ومِنَ اللعنِ والسبِّ ، ومِنْ مخالطةٍ مَنْ يجري على لسانِهِ شيءٌ مِنْ ذلكَ ؛ فإنَّ ذلكَ يسري لا محالةً مِنَ القرناءِ السوءِ ، وأصلُ تأديبِ الصبيانِ الحفظُ مِنْ قرناءِ السوءِ . وينبغي إذا ضربَهُ المعلِّمُ ألا يُكثرَ الصراخَ والشغبّ ، ولا يستشفعَ بأحدٍ ، بلْ يصبرُ، ويذكرُ لهُ أنَّ ذلكَ دأبُ الشجعانِ والرجالِ ، وأنَّ كثرةً الصراخِ دأبُ المماليكِ والنسوانِ . وينبغي أنْ يؤذنَ لهُ بعدَ الفراغ منَ المكتبِ أنْ يلعبَ لعباً جميلاً ، يستريحُ إليهِ مِنْ تعبِ المكتبِ ، بحيثُ لا يتعبُ في اللعبِ ؛ فإنَّ منعَ الصبيِّ مِنَ (١) في النسخ: (ولا يضرب)، والمثبت من (ق). G ٢٥٩ كتاب رياضة النفس ربع المهلكات اللعبِ وإرهاقَهُ إلى التعلُّم دائماً يميتُ قلبَهُ، ويبطلُ ذكاءَهُ ، وينغِّصُ عليهِ العيشَ، حتَّى يطلبَ الحيلةَ في الخلاصِ منهُ رأساً . وينبغي أنْ يُعلَّمَ طاعةَ والديهِ ومعلِّمِهِ ومؤدِّبِهِ ، وكلِّ مَنْ هوَ أكبرُ منهُ سنّاً ؛ مِنْ قريبٍ وأجنبيٍّ ، وأنْ ينظرَ إليهِمْ بعينِ الجلالةِ والتعظيم ، وأنْ يتركَ اللعبَ بينَ أيدِيهِمْ . ومهما بلغَ سنَّ التمييزِ .. فينبغي ألا يُسامحَ في تركِ الطهارةِ والصلاةِ ، ويُؤمرُ بالصوم في بعضٍ أيَّامِ رمضانَ ، ويُجنَّبُ لبْسَ الديباجِ والحريرِ والذهبِ، ويُعلَّمُ كلَّ ما يحتاجُ إليهِ مِنْ حدودِ الشرع ويُخوَّفُ مِنَ السرقةِ وأكلِ الحرامِ ، ومِنَ الكذبِ والخيانةِ والفخْشِ ، وكلِّ ما يغلبُ على الصبيانِ . ر فإذا وقعَ نشوءُهُ كذلكَ في الصبا ؛ فمهما قاربَ البلوغَ .. أمكنَ أنْ يعرفَ أسرارَ هذهِ الأمورِ ، فيُذكرُ لهُ أنَّ الأطعمةَ أدويةٌ ، وإنَّما المقصودُ منها أنْ يقوى الإنسانُ بها على عبادةِ اللهِ تعالى، وأنَّ الدنيا كلَّها لا أصل لها ؛ إذْ لا بقاءَ لها ، وأنَّ الموتَ يقطعُ نعيمَها، وأنَّها دارُ ممرّ لا دارُ مفرٍّ، وأنَّ الآخرةَ دارُ مقرٍّ لا دارُ ممرٍّ، وأنَّ الموتَ منتظَرٌّ في كلِّ ساعةٍ، وأنَّ الكيِّسَ العاقلَ مَنْ تزوَّدَ مِنَ الدنيا للآخرةِ، حتَّى تعظمَ عندَ اللهِ درجتُهُ ، وتتسعَ في الجنانِ نعمتُهُ . ـجن بون بون حن حج . حم * فإذا كانَ النشوءُ صالحاً .. كانَ هذا الكلامُ عندَ البلوغ واقعاً مؤثِّراً ناجعاً ، يثبتُ في قلبهِ كما يثبتُ النقْشُ في الحجرِ . وإنْ وقعَ النشوءُ بخلافِ ذلكَ؛ حتَّى ألفَ الصبيُّ اللعبَ والفحْشَ ٢٦٠ بكن